HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨٣

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ) (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الخطاب الناس في ملاص الْمَرْأَةِ. فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ. قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بن مسلمة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص111
ج ٣ ص ١٣١١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٣٤١
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ. . . إلخ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير شعبة. [تنبيه]: رواية شعبة، عن منصور هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٠١٦) - أخبرنا عمر بن محمد الْهَمْدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عُبَيد بن نَضْلة، عن المغيرة بن شعبة، قال: كانت عند رجل من هُذيل امرأتان، فغارت إحداهما على الأخرى، فرمتها بفِهْر، أو عمود فُسطاط، فأسقطت، فرُفع ذلك إلى النبيّ - ﷺ -، فَقَضَى فيه بغُرّة، فقال وليّها: أندي مَن لا صاح، ولا استهلّ، ولا شَرِب ولا أكل؟! فقال - ﷺ -: «أسجع كسجع الجاهلية؟»، وجعلها على أولياء المرأة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٩] (١٦٨٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي مِلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النبيّ - ﷺ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قبل بابين. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوَام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٦٤) (ع) تقدم في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنِ الْمِسْوَرِ) - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو - (ابْنِ مَخْرَمَةَ) - بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء - أنه (قَالَ: اسْتَشَارَ) يقال: شاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم: المشْوَرة، وفيها لُغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ معونة، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) الخليفة الراشد المتوفّى مقتولًا في ذي الحجة سنة (٢٣)، وولي الخلافة عشرين سنةً. (النَّاسَ فِي مِلَاصِ الْمَرْأَةِ) قال النوويّ - ﵀ - في جميع نسخ مسلم: «مِلاص» - بكسر الميم، وتخفيف اللام، وبصاد مهملة - وهو جنين المرأة، والمعروف في اللغة: إملاص المرأة بهمزة مكسورة، قال أهل اللغة: يقال: أملصَتْ به، وأزلقت به، وأمهلت به، وأخطأت به، كله بمعنى، وهو إذا وضعَتْه قبل أوانه، وكل ما زَلِق من اليد، فقد مَلِصَ، بفتح الميم، وكسر اللام، مَلَصًا، بفتحها، وأملص أيضًا، لغتان، وأملصته أنا، وقد ذكر الحميديّ هذا الحديث في «الجمع بين الصحيحين»، فقال: إملاص بالهمزة، كما هو المعروف في اللغة، قال القاضي: قد جاء: مَلِص الشيءُ: إذا أفلت، فإن أريدَ به الجنين صحّ مِلاصٌ، مثل لَزِمَ لِزامًا، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «في ملاص المرأة» كذا صحيح الرواية: «ملاص» بغير ألف، وقد وقع في بعض نسخ الأئمة: «إملاص»، وكذا قيَّده الحميديّ، وكلاهما صحيح في اللغة، فإنَّه قد جاء: أملص، ومَلِصَ : إذا أفلت، قال الهرويّ: وسُئل عمر عن إملاص المرأة الجنين قال: يعني: أن تُزلقه قبل وقت الولادة، وكل ما زَلِق من اليد فقد مَلِصَ يَمْلَص، ومنه حديث الدَّجال: وأملصت به أمُّه. قال أبو العبَّاس: يقال: أملصت به، وأزلقت به. وأسهلت به، وخطأت به. قلت: وإملاص فيما حكاه الهرويّ عن عمر هو المصدر؛ لأنَّه ذكر بعده الجنين، وهو مفعوله، وفيما ذكره مسلم: «مِلاص»، ويعني به: الجنين نفسه، فلا يتعدَّى هنا لأنه نُقل من المصدر المؤكد، فسمِّي به. فإن أصله: مَلِصَ يَمْلَص مِلاصًا؛ كـ «لَزِمَ يَلْزَم لِزَامًا». انتهى . وقال في «الفتح»: وفي رواية البخاريّ في «الاعتصام» من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: «سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة، وهي التي تُضرَب بطنها، فتُلقي جنينها، فقال: أيكم سمع من النبيّ - ﷺ - فيه شيئًا؟». وهذا التفسير أخصّ من قول أهل اللغة: إن الإملاص أن تُزْلِقه المرأة قبل الولادة؛ أي: قبل حين الولادة، هكذا نقله أبو داود في «السنن» عن أبي عُبيد، وهو كذلك في «الغريب» له، وقال الخليل: أملصت المرأة، والناقة: إذا رَمَت ولدها، وقال ابن القطاع: أملصت الحامل: ألقت ولدها. ووقع في بعض الروايات: «ملاص» بغير ألف؛ كأنه اسم فعل الولد، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو اسم لتلك الولادة؛ كالخِدَاج. ووقع عند الإسماعيليّ من رواية ابن جريج، عن هشام المشار إليها: قال هشام: الملاص للجنين، وهذا يتخرج أيضًا على الحذف، وقال صاحب «البارع»: الإملاص: الإسقاط، وإذا قَبَضتَ على شيء فسَقَط من يدك، تقول: أملص من يدي إملاصًا، ومَلَصَ مَلْصًا. ووقع في رواية البخاريّ عن عبيد الله بن موسى: «أن عمر نَشَد الناسَ، مَن سَمِع النبيّ - ﷺ - قَضَى في السقط» . قال القرطبيّ - ﵀ -: وفيه من الفقه: الاستشارة في الوقائع الشرعية، وقبول أخبار الآحاد، والاستظهار بالعدد في أخبار العدول، وليس ذلك عن شك في العدالة، وإنَّما هو استزادة يقين، وطمأنينة نفس. ولا حجَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار الآحاد؛ لأنَّ عمر - ﵁ - قد قَبِل خبر الضَّحَّاك وغيره من غير استظهار، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) - ﵁ -، وفي رواية ابن عيينة: «فقام المغيرة بن شعبة، فقال: بلى أنا يا أمير المؤمنين»، وفيه تجريد، وكان السياق يقتضي أن يقول: فقلت، وقد وقع في رواية أبي معاوية المذكورة: فقلت: أنا (شَهِدْتُ النبيّ - ﷺ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ)، وفي رواية للبخاريّ: «قضى النبيّ - ﷺ - بالغرّة عبد، أو أمة». قال في «الفتح»: كذا في رواية عفّان، عن وهيب باللام، وهو يؤيد رواية التنوين، وسائر الروايات بِغُرّة، ومنها رواية أبي معاوية بلفظ: «سمعت النبيّ - ﷺ - يقول فيها: غرة عبد، أو أمة». (قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ)؛ أي: حتى أتثبّت في الخبر، وليس هذا دليلًا لمن منع قبول رواية راو واحد حتى يشهد معه غيره، كما سيأتي بيانه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - (قَالَ: فَشَهِدَ) بكسر الهاء، من باب تَعِبَ (لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن سلمة بن حَرِيش بن خالد بن عَديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد المدنيّ. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه محمود، والمسور بن مخرمة، وسهل بن أبي حَثْمة، وأبو بردة بن أبي موسى، وقَبيصة بن ذُؤيب، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وقال ابن عبد البر: كان من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قَتَلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه النبيّ - ﷺ - في بعض غزواته على المدينة، ولم يَشْهَد الْجَمَل، ولا صِفِّين، وقال ابن سعد: آخى النبيّ - ﷺ - بينه وبين أبي عُبيدة بن الجرّاح، قال ابن الْبَرْقيّ: تُوُفّي سنة اثنتين وأربعين، جاء عنه ستة أحاديث. وقال المدائنيّ، وجماعة: مات سنة ثلاث، وهو ابن سبع وسبعين سنة، وقيل: مات سنة ست، وقيل: سنة سبع وأربعين، ورَوَى يعقوب بن سفيان في «تاريخه» أن شاميًّا من أهل الأُرْدُنّ دَخَلَ عليه داره فقتله، وقال ابن شاهين عن ابن أبي داود: قتله أهل الشام، ولم يعيِّن السنة؛ لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه . أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الموضع، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - بهذا السياق متّفقٌ عليه. [تنبيه]: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، فقال: وأخرج مسلم حديث وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن المسور، أن عمر استشار في إملاص المرأة، وهذا وَهَمٌ - أي: من وكيع - وخالفه أصحاب هشام: وُهيب، وزائدة، وأبو معاوية، وعبيد الله بن موسى، وأبو أسامة، فلم يذكروا المسور، وهو الصواب، وفي حديث زائدة، عن هشام، عن أبيه، سمع المغيرة، وكذلك قال أبو الزناد، عن عروة، عن المغيرة، ولم يذكر مسلم غير حديث وكيع، وهو وَهَمٌ، وأخرج البخاريّ حديث من خالفه، وهو الصواب. انتهى كلام الدارقطنيّ - ﵀ - . حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ - ﵀ - في استدراكه أن وكيعًا خالف جمهور الرواة عن هشام بن عروة بذكر المسور بن مخرمة في السند، فوَهِم في ذلك؛ لمخالفته الجماعة، من غير متابع له، وهؤلاء الجماعة هم: زائدة بن قُدامة، ووُهيب بن خالد، وابن جريج، وأبو معاوية، وعبيد الله بن موسى خمستهم عند البخاريّ، ثم قال البخاريّ: تابعه ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة. وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وعبيدة، كلهم عند الإسماعيليّ، وقد أجاد البحث في هذا الموضوع الشيخ ربيع المدخليّ - جزاه الله خيرًا - فيما كتبه على «التتبّع» للدارقطنيّ ، فاستفد منه. والخلاصة أن حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - صحيح من طريق عُبيد بن نُضيلة التي أخرجها مسلم قبل هذا، وأما استدراك الدارقطنيّ على مسلم في رواية وكيع، فهو وجيه، والغريب أن مسلمًا لم يُخرج رواية هشام من غير طريق وكيع هذه مع كثرة من رواه عنه على الصواب، كما أخرجه البخاريّ من طريقهم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٤٣٨٥ و٤٣٨٦ و٤٣٨٧ و٤٣٨٨ و٤٣٨٩] (١٦٨٢) و(١٦٨٣)، و(البخاريّ) في «الديات» (٦٩٠٥ و٦٩٠٦ و٦٩٠٧) و«الاعتصام» (٧٣١٧)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٥٦٨ و٤٥٧٠)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٨/ ٤٩ و٥١) و«الكبرى» (٤/ ٢٣٨)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤١١)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٣٣ و٢٦٤٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٦٩٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٣٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٤ و٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٦٤٠) و«الديات» (٢٢٧٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠١٦)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٧٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١١١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠/ ٤٠٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٩٧ - ١٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١١٤) و«الصغرى» (٧/ ١٢٦) و«المعرفة» (٦/ ١٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب دية جنين المرأة، إذا سقط ميتًا. قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: الحديث أصل في إثبات دية الجنين، وأن الواجب فيه غرة، إما عبد، وإما أمة، وذلك إذا ألقته ميتًا بسبب الجناية، وتَصَرَّف الفقهاءُ بالتقييد في سن الغرة، وليس ذلك من مقتضى الحديث، كما تقدم. ٢ - (ومنها): أن في استشارة عمر - ﵁ - في ذلك أصل في سؤال الإمام عن الحُكم، إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شك، أو أراد الاستثبات. ٣ - (ومنها): أن فيه أن الوقائع الخاصة قد تَخفَى على الأكابر، ويعلمها مَن دونهم، وفي ذلك رَدٌّ على المقلد، إذا استُدِلَّ عليه بخبر يخالفه، فيُجِيب لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلًا، فإن ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر - ﵁ -، فخفاؤه عن مَن بعده أجوز. ٤ - (ومنها): أنه قد تعلق بقول عمر - ﵁ -: لتأتينّ بمن يشهد معك، مَن يَرَى اعتبار العدد في الرواية، ويَشتَرِط أنه لا يُقبل أقل من اثنين، كما في غالب الشهادات، وهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد - ﵀ -، فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدّة مواطن، وطلبُ العدد في صورة جزئية، لا يدل على اعتباره في كل واقعة؛ لجواز المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضي التثبت، وزيادةَ الاستظهار، ولا سيما إذا قامت قرينة، وقريب من هذا قصة عمر - ﵁ - مع أبي موسى - ﵁ - في الاستئذان، وقد صرّح عمر - ﵁ - في قصة أبي موسى - ﵁ - بأنه أراد الاستثبات. ٥ - (ومنها): أن قوله: «في إملاص المرأة» أصرح في وجوب الانفصال ميتًا، من قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «قضى في الجنين»، وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتًا بسبب الجناية، فلو انفصل حيًا، ثم مات وجب فيه القوَدُ، أو الدية كاملة، ولو ماتت الأم، ولم ينفصل الجنين، لم يجب شيء عند الشافعية؛ لعدم تيقن وجود الجنين، وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال، أو تحقق حصول الجنين؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني، ويظهر أثره فيما لو قُدَّت نصفين، أو شق بطنها، فشوهد الجنين، أو فيما إذا خرج رأس الجنين مثلًا بعد ما ضرب، وماتت الأم، ولم ينفصل. قال ابن دقيق العيد: ويحتاج من قال ذلك إلى تأويل الرواية، وحَمْلها على أنه انفصل، وان لم يكن في اللفظ ما يدل عليه. قال الحافظ: وقع في حديث ابن عباس - ﵄ - عند أبي داود: «فأسقطت غلامًا، قد نبت شعره ميتًا»، فهذا صريح في الانفصال، ووقع مجموع ذلك في حديث الزهري، ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية في «الطب»: «فأصاب بطنها، وهي حامل، فقُتل ولدها في بطنها»، وفي رواية مالك في هذا الباب: «فطرحت جنينها». ٦ - (ومنها): أنه استُدلَّ به على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة؛ لأن القصة وردت في ذلك، وقوله: «في إملاص المرأة»، وإن كان فيه عموم، لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة، وقد تصرف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعية: الواجب في جنين الأمة عُشر قيمة أمه، كما أن الواجب في جنين الحرة عُشر ديتها. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على أن الحكم المذكور خاص بمن يُحكَم بإسلامه، ولم يُتعرض لجنين محكوم بتهوّده، أو تنصره، ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعًا، وليس هذا من الحديث. ٨ - (ومنها): أن فيه أن القتل المذكور لا يَجري مجرى العمد. ٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على ذمّ السجع في الكلام، ومحل الكراهة: إذا كان ظاهر التكلف، وكذا لو كان منسجمًا، لكنه في إبطال حق، أو تحقيق باطل، فأما لو كان منسجمًا، وهو في حق، أو مباح، فلا كراهة، بل ربما كان في بعضه ما يُستحب، مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة، كما وقع لمثل القاضي الفاضل في بعض رسائله، أو إقلاعٌ عن معصية، كما وقع لمثل أبي الفرج ابن الجوزيّ، في بعض مواعظه، وعلى هذا يُحمل ما جاء عن النبيّ - ﷺ -، وكذا من غيره من السلف الصالح. قال الحافظ: والذي يظهر لي، أن الذي جاء من ذلك عن النبيّ - ﷺ -، لم يكن عن قصد إلى التسجيع، وإنما جاء اتفاقًا؛ لِعِظَم بلاغته، وأما مَنْ بعده فقد يكون كذلك، وقد يكون عن قصد، وهو الغالب، ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدًّا. انتهى . ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب، أو السُّنَّة، فإن عَدِمه رجع إلى الإجماع، فإن لم يجده، نظر هل يصح الحمل على بعض الأحكام المقررة، لعلة تجمع بينهما؟ فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها، إلا إن عارضتها علة أخرى، فيلزمه الترجيح، فإن لم يجد علة، استدلّ بشواهد الأصول، وغلبة الاشتباه، فإن لم يتوجه له شيء من ذلك، رجع إلى حكم العقل، قال: هذا قول ابن الطيب - يعني: أبا بكر الباقلانيّ - ثم أشار إلى إنكار كلامه الأخير بقوله تعالى: ﴿فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وقد عَلِم الجميع بأن النصوص، لم تُحِط بجميع الحوادث، فعرفنا أن الله قد أبان حكمها، بغير طريق النص، وهو القياس، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [النساء: ٨٣]؛ لأن الاستنباط هو الاستخراج، وهو بالقياس؛ لأن النص ظاهر، ثم ذَكَر في الردّ على منكري القياس، وألزمهم التناقض؛ لأن من أصلهم إذا لم يوجد النص الرجوع إلى الإجماع، قال: فيلزمهم أن يأتوا بالإجماع على ترك القول بالقياس، ولا سبيل لهم إلى ذلك، فوضح أن القياس إنما يُنكر، إذا استُعمل مع وجود النص، أو الإجماع، لا عند فقد النص والإجماع، وبالله التوفيق. ذَكَره في «الفتح» في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٨ - (كِتَابُ الْحُدُودِ) أي: هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالّة على أحكام الحدود. وهي: جمع حدّ، وهو المنع لغةً، ولهذا يقال للبواب: حدادٌ؛ لمنعه الناس عن الدخول، وفي الشرع: الحدّ: عقوبةٌ مقدرةٌ لله تعالى، وإنما جَمَعه لاشتماله على أنواع، وهي حدّ الزنا، وحدّ القذف، وحد الشُّرب، والمذكور فيه حدّ الزنا، والخمر، والسرقة، أفاده في «العمدة» . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الحدود: جمع حدّ، وأصل الحدّ: المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته، وصيغه، وسُمِّيت العقوبات المترتبة على الجنايات حدودًا؛ لأنَّها تمنع من عَوْد الجاني، ومن فعل الْمُعْتَبِر بها. انتهى . وقال في «الفتح»: الحدود: جمع حَدّ، والمذكور فيه هنا - يعني: في «صحيح البخاريّ»، وكذا هو في «صحيح مسلم» - حدّ الزنا، والخمر، والسرقة، وقد حَصَر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحدّ به في سبعة عشر شيئًا. فمن المتفق عليه: الرِّدّةُ، والْحِرابة ما لم يَتُب قبل القدرة، والزنا، والقذف به، وشُرب الخمر، سواء أسكر أم لا، والسرقة. ومن المختلَف فيه: جحد العارية، وشرب ما يُسكر كثيره من غير الخمر، والقذف بغير الزنا، والتعريض بالقذف، واللواط، ولو بمن يحل له نكاحها، وإتيان البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة القِرْد وغيره من الدواب من وطئها، والسحر، وترك الصلاة تكاسلًا، والفطر في رمضان. وهذا كله خارج عما تُشرع فيه المقاتَلة، كما لو ترك قوم الزكاة، ونصبوا لذلك الحرب. وأصل الحدّ: ما يحجز بين شيئين، فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدار ما يُمَيِّزها، وحدّ الشيء: وصْفُه المحيط به المميِّز له عن غيره. وسُمِّيت عقوبة الزاني ونحوه حدًّا؛ لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مُقَدَّرة من الشارع، وللإشارة إلى المنع سُمِّي البواب: حَدّادًا. قال الراغب: وتطلق الحدود، ويراد بها نفس المعاصي؛ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ الآية [البقرة ١٨٧]، وعلى فعلٍ فيه شيءٌ مقدَّر، ومنه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ الآية [الطلاق: ١]، وكأنها لمّا فَصَلَت بين الحلال والحرام، سُمِّيت حدودًا، فمنها ما زُجر عن فعله، ومنها ما زُجر من الزيادة عليه، والنقصان منه، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٥]، فهو من الممانعة، ويَحْتَمِل أن يراد استعمال الحديد، إشارة إلى المقاتَلة. انتهى . (١) - (بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا) «السَّرِقةُ»، ومثلها السَّرِقُ - بفتح السين، وكسر الراء فيهما -: اسم من سَرَقَ المالَ، يقال: سرَقه مالًا يسرِقه، من باب ضَرَب، وسَرَق منه مالًا، يتعدّى إلى الأول بنفسه، وبالحرف على الزيادة، والمصدرُ سَرَقٌ - بفتحتين -، والاسم: السَّرِقُ - بكسر الراء - والسَّرِقة مثله، وتُخفّف، مثل كَلِمة - يعني: أنه يكون تسكين الراء، مع فتح السين، وكسرها - ويُسمّى المسروق سَرِقَةً أيضًا، تسميةً بالمصدر. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: السرِقةُ، والسّرِق - بكسر الراء فيهما -: هو اسم الشيء المسروق، والمصدرُ، مِنْ سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا - بفتح الراء - كذا قاله الجوهريّ. وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذُ الشيء في خفية، ومنه استرق السمع، وسَارَقَهُ النظرَ، قال ابن عَرَفة: السارق عند العرب هو من جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر، فهو مختلسٌ، ومُستلبٌ، ومُنتهبٌ، ومُحترسٌ، فإن منع مما في يده، فهو غاصبٌ له. قال القرطبيّ: وهذا الذي قاله ابنُ عرفة هو السارق في عُرف الشرع. ويستدعي النظر في هذا الباب النظرَ في السارق، والمسروق منه، والشيء المسروق، وحكم السارق، ولا خلاف في أن السارق إذا كَمَلت شروطه، يُقطع، دون الغاصب، والمختلسِ، والخائن، وفيمن يستعير المتاع، فيجحده خلافٌ شاذٌّ، حُكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يُقطع، والسلف، والخلف على خلافهما، وسيأتي القول فيه في حديث المخزوميّة. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي أن الأرجح ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، من قطع جاحد العريّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وإنما خصّ الشرع القطع بالسارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهرةً يُمكن أن يُسترجع منه غالبًا، والخائن مكّنه ربّ الشيء منه، وكان ممكّنًا من الاستيثاق بالبيّنة، وكذلك المُعِير، ولا يُمكن شيء من ذلك في السرقة، فبالغ الشرع في الزجر عنها. وقد أجمع المسلمون على أن اليمنى تُقطع إذا وُجدت؛ لأنها الأصل في محاولة كلّ الأعمال. انتهى كلام القرطبيّ . وقال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨] ما نصّه: كذا أطلق في الآية اليد، وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة، واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدًا أو خطأ، هل يجزئ؟ وقدّم السارق على السارقة، وقدِّمت الزانية على الزاني؛ لوجود السرقة غالبًا في الذكورية، ولأن داعية الزنا في الإناث أكثر؛ ولأن الأنثى سبب في وقوع الزنا؛ إذ لا يتأتى غالبًا إلا بطواعيتها. وقوله بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق، فلوحظ فيه المعنى، فجَمَع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما. والسرقة - بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله، وسكون ثانيه -: الأخذ خفية، وعُرّفت في الشرع بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومَن اشترط الحرز وهم الجمهور، زاد فيه: «من حرز مثله»، قال ابن بطال: الحرز مستفاد من معنى السرقة؛ يعني: في اللغة. ويقال لسارق الإبل: الخارب - بخاء معجمة - وللسارق بالمكيال: مُطَفِّف، وللسارق في الميزان: مُخْسِر، في أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه في «كتاب ليس». قال المازري، ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخصّ السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، من الانتهاب، والغصب، ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها؛ ليكون أبلغ في الزجر، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها، بقدر ما يُقطع فيه؛ حمايةً لليد، ثم لمّا خانت هانت، وفي ذلك إشارة إلى الشبهة التي نُسبت إلى أبي العلاء المَعَرِّيِّ في قوله [من البسيط]: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ … مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله [من البسيط أيضًا]: صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وشَرْحُ ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار، لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار، لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين. وقد عَسُر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة، وبين النهب ونحوه، على بعض منكري القياس، فقال: القطع في السرقة دون الغصب وغيره، غير معقول المعنى، فإن الغصب أكثر هتكًا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس؛ لأنه إذا لم يُعمل به في الأعلى، فلا يعمل به في المساوي. وجوابه أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يُتَكلَّف لإيرادها. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة؛ كالاختلاس، عِزُّ الأَمَانَةِ أغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا … ذُلُّ الْخِيَانَةِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي والانتهاب، والغصب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهُل إقامة البيّنة عليه، بخلاف السرقة، فإنه تندر إقامة البيّنة عليها، فَعَظُم أمرها، واشتدّت عقوبتها؛ ليكون أبلغ في الزجر عنها، وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة، وإن اختلفوا في فروع منه. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: الأصل في القطع في السرقة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وأما السُّنَّة: فرَوت عائشة أن رسول الله - ﷺ -، قال: «تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»، وقال النبيّ - ﷺ -: «إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه»، متفق عليهما، في أخبارٍ سوى هذين، نذكرها إن شاء الله في مواضعها، وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة. انتهى . [تنبيه]: (اعلم): أنه لا يجب القطع - كما قال ابن قُدامة - ﵀ - إلا بشروط سبعة: [أحدها]: السرقة، ومعنى السرقة أخذُ المال، على وجه الخِفْيَة والاستتار، ومنه استراق السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه، عند أحد عَلِمناه، غير إياس بن معاوية، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه، وقد رُوي عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «ليس على الخائن، ولا المختلس قطع»، وعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على المنتهب قطع» ، رواهما أبو داود، ولأن الواجب قطع السارق، وهذا غير سارق، ولأن الاختلاس نوع من الخطف والنهب، وإنما يستخفي في ابتداء اختلاسه، بخلاف السارق. [الثاني]: أن يكون المسروق نصابًا. [الثالث]: أن يكون المسروق مالًا، فإن سرق ما ليس مالًا كالحُرّ، فلا
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٣٧١.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٧.

٣. «شرح النوويّ» ١١/ ١٨٠.

٤. من باب فَرِحَ.

٥. «المفهم» ٥/ ٦٨ - ٦٩.

٦. «الفتح» ١٦/ ١١٠ - ١١١، كتاب «الديات» رقم (٦٩٠٤).

٧. «المفهم» ٥/ ٦٩.

٨. «تهذيب التهذيب» ٩/ ٤٠١.

٩. راجع: «التتبّع» بنسخة تحقيق الشيخ ربيع ص ٣٠٤.

١٠. راجع ما كتبه الشيخ ربيع ص ٣٠٤ - ٣٠٩.

١١. «الفتح» ١٦/ ١١٣، كتاب «الديات» رقم (٦٩٠٥).

١٢. «الفتح» ١٧/ ٢١٠، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» رقم (٧٣١٧).

١٣. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٣٤/ ١٧٣.

١٤. «المفهم» ٥/ ٧٠.

١٥. «الفتح» ١٥/ ٥٠٨، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٧٢).

١٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٤.

١٧. «المفهم» ٥/ ٧٠ - ٧١.

١٨. وأنشده بعضهم:

١٩. «الفتح» ١٥/ ٥٧١ - ٥٧٢، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٩).

٢٠. «شرح النوويّ» ١١/ ١٨٠ - ١٨١.

٢١. «المغني» ١٢/ ٤١٥.

٢٢. حديث صحيح، رواه أحمد، وأصحاب السنن.