HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨٤

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ ابْنُ أَبِي عمر: حدثنا. وقال الآخران: أخبرنا سفيان ابن عُيَيْنَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص112
ج ٣ ص ١٣١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٣٥٥
قطع فيه، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. [الرابع]: أن يسرِق من حِرز، ويُخرجه منه. [الخامس]، و[السادس]، و[السابع]: كون السارق مكلّفًا، وتثبت السرقة، ويُطالب المالك بالمسروق، وتنتفي الشبهات، وهذه الشروط فيها اختلاف بين أهل العلم سيأتي تحقيقه في المواضع المناسبة لها، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٠] (١٦٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في «المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، قال الدارقطنيّ في «العلل»: اقتصر إبراهيم بن سعد، وسائر من رواه عن ابن شهاب على عمرة، ورواه يونس عنه، فزاد مع عمرة: عروة، وحَكَى ابن عبد البرّ أن بعض الضعفاء، وهو إسحاق الْحُنَينيّ - بمهملة، ونونين مصغرًا - رواه عن مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، وكذا رُوي عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال ابن عبد البرّ: وهذان الإسنادان ليسا صحيحين، وقول إبراهيم، ومن تابعه هو المعتمَد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، من رواية زكريا بن يحيى، وحمويه عن إبراهيم بن سعد، ورواية يونس بجمعهما صحيحة. وقد صرَّح ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، بسماعه له من عمرة، وبسماع عمرة له من عائشة، أخرجه أبو عوانة، وكذا الآتي عند مسلم من طريق سليمان بن يسار، عن عمرة، أنها سمعت عائشة تُحدّث أنها سمعت رسول الله - ﷺ -. (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا)، وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقْطَع يدُ السارق إلا في ربع دينار، فصاعدًا»، وفي رواية: «لا تُقطَع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه»، وفي رواية: «لم تُقطع يد السارق في عهد رسول الله - ﷺ - في أقل من ثَمَن الْمِجَنّ»، وفي رواية ابن عمر - ﵄ - قال: «قطع النبيّ - ﷺ - سارقًا في مِجَنّ، قيمته ثلاثة دراهم»، وفي رواية أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَعَنَ اللهُ السارقَ يَسرق البيضة، فتُقطع يده، ويَسرق الحبل، فتقطع يده»، وكلّها عند مسلم في هذا الباب. وأجمع العلماء على قطع يد السارق، ولكن اختلفوا في اشتراط النصاب وقَدْره، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: قوله: «فصاعدًا»: قال صاحب «المحكم»: يختص هذا بالفاء، ويجوز «ثم» بدلها، ولا تجوز الواو، وقال ابن جني: هو منصوب على الحال المؤكدة؛ أي: ولو زاد، ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدًا، وسيأتي في رواية سليمان بن يسار، عن عمرة بلفظ: «فما فوقه»، بدل «فصاعدًا» وهو بمعناه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول عائشة - ﵂ -: «كان رسول الله - ﷺ - يَقْطع في ربع دينار فصاعدًا»، وفي الطريق الآخر: «لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»: هذا تقرير لقاعدةِ ما تُقْطَع فيه يد السَّارق من النبيّ - ﷺ -، وبلفظه، لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا، فلو كان غير ذهب، وكان فضة، فهل يُعتبر قيمتها بالذهب؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها، أو إنما تعتبر بنفسها؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه؟ قولان: الأول: للشافعيّ، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر، وعليّ، وعثمان، وبه قالت عائشة، وعمر بن عبد العزيز. والثاني: لمالك وأصحابه. وقال أحمد وإسحاق: إن سرق ذهبًا فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم من الورق، وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين. وفي المشهور: أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم، كما قال في حديث ابن عمر. وقال بعض أصحابنا: يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات. وهو القياس. وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة، وابن عمر المذكورين في هذا الباب. وقد نُقِلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبيّ - ﷺ - حديث معتمَد، ولا لها في الأصول ظاهر مستند؛ فمنها ما روي عن عمر، وقال به سليمان بن يسار، وابن شبرمة. وهو: أنَّ الْخَمْسَ لا تُقطع إلا في خَمْسٍ. ومنها: أنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم. وبه قال عطاء، والنُّعمان، وصاحباه. ومنها: أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا. وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد. ومنها: أنها تقطع في درهم فما فوقه، وهو مروي عن عثمان. ومنها: أنها تقطع في كل ما له قيمة، وروي عن الحسن في أحد أقواله، وهو قول الخوارج، وأهل الظاهر. واختاره ابن بنت الشافعي. ومنها: أنها لا تقطع في أقل من درهمين، وروي عن الحسن. ومنها: أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير. وروي عن النخعيّ. قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذه كلها أقوال متكافئة، خليّة عن الأدلة الواضحة الشافية، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم»؛ لضَعف إسناده، ولِمَا يعارضه من قوله في «الصحيح»: «لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»، ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله - ﷺ -: «لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده»؛ لأنَّه وإن احْتَمَل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السُّفن، كما قد قيل فيه، فالأظهر من مساقه: أنَّه يراد به التقليل، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله - ﷺ -: «لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار»، وهذا نصٌّ، وبقول عائشة - ﵂ -: «لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه»، أخرجه البخاري وغيره، وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم، ومعلوم: أن الواحدة من بيض الدَّجاج، والحبل الذي يُشدّ به المتاع والرَّحل تافهٌ، وإنَّما سلك النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغْيَت في تكثير شيء، أو تحقيره، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك، فتقول: لأصْعَدنَّ بفلان إلى السماء، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى، وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا، وهو مِنِّي مقعد القابلة، و: «من بنى لله مسجدًا، ولو كمفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة» ، ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك، و«تصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ» ، وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به. ومثل هذا كثير في كلامهم، وعادةٌ لا تُستنكر في خطابهم. وقيل في الحديث: أنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يُقطع فيه؛ لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما، فيعتاد ذلك فتقطع يده. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قد أجاد في «الفتح» في الكلام على طرق حديث عائشة - ﵂ - هذا، حيث أشار البخاريّ - ﵀ - إلى بعض تلك الطرق، فأخرج رواية الزهريّ عن عمرة، من طريق إبراهيم بن سعد، عنه، بلفظ: «تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا»، ثم قال: «وتابعه عبد الرحمن بن خالد، وابن أخي الزهريّ، ومعمر، عن الزهريّ»، فقال في «الفتح»: قوله: «وتابعه. . . إلخ»؛ أي: في الاقتصار على عمرة، أما متابعة عبد الرحمن بن خالد، وهو ابن مسافر، فوصلها الذهليّ في «الزهريات» عن عبد الله بن صالح، عن الليث عنه، نحو رواية إبراهيم بن سعد. قال الحافظ: وقرأت بخط مغلطاي، وقلَّده شيخنا ابن الملقِّن: أن الذهليّ أخرجه في «علل حديث الزهريّ» عن محمد بن بكر، ورَوْح بن عُبادة جميعًا، عن عبد الرحمن، وهذا الذي قاله لا وجود له، بل ليس لرَوْح، ولا لمحمد بن بكر، عن عبد الرحمن هذا رواية أصلًا. وأما متابعة ابن أخي الزهريّ، وهو محمد بن عبد الله بن مسلم، فوصلها أبو عوانة في «صحيحه» من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي بن شهاب، عن عمه. قال الحافظ أيضًا: وقرأت بخط مغلطاي، وقلده شيخنا أيضًا: أن الذهلي أخرجه عن رَوْح بن عُبادة عنه. قال: ولا وجود له أيضًا، وإنما أخرجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وأما متابعة معمر، فوصلها أحمد، عن عبد الرزاق عنه، وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق، لكن لم يسق لفظه، وساقه النسائيّ، ولفظه: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا»، ووصلها أيضًا هو وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، وقال أبو عوانة في آخره: قال سعيد: نَبَّلْنَا معمرًا، رويناه عنه وهو شابّ - وهو بنون، وموحدة ثقيلة - أي؛ صَيَّرناه نبيلًا. قال الحافظ: وسعيد أكبر من معمر، وقد شاركه في كثير من شيوخه. ورواه بن المبارك، عن معمر، لكن لم يرفعه، أخرجه النسائيّ، وقد رواه عن الزهريّ أيضًا سليمان ابن كثير، أخرجه مسلم من رواية يزيد بن هارون عنه، مقرونًا برواية إبراهيم بن سعد. ثم أخرج البخاريّ الحديث أيضًا من طريق حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، بلفظ: «تقطع اليد في ربع دينار». فقال في «الفتح»: قوله: «عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري»: في رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث: سمعت أبي، يقول: حدثنا الحسين المعلم، عن يحيى، حدثني محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، قال الإسماعيليّ: رواه حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير كذلك، وقال همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن زُرارة. قال: نُسب عبد الرحمن إلى جده، وهو عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، قال الإسماعيليّ: ورواه إبراهيم القَنّاد، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، كذا حدثناه ابن صاعد، عن لُوَين عن القناد، والذي قبله أصح، وبه جزم البيهقيّ، وأن من قال فيه: ابن ثوبان فقد غلط. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيس، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٣٩٠ و٤٣٩١ و٤٣٩٢ و٤٣٩٣ و٤٣٩٤ و٤٣٩٥ و٤٣٩٦ و٤٣٩٧] (١٦٨٤ و١٦٨٥)، و(البخاريّ) في «الحدود» (٦٧٨٩ و٦٧٩٠ و٦٧٩١ و٦٧٩٢ و٦٧٩٣ و٦٧٩٤)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٣٨٢ و٤٣٨٤ و٤٥٨٥)، و(الترمذيّ) في «الحدود» (١٤٤٥)، و(النسائيّ) في «كتاب قطع السارق» (٨/ ٧٧ - ٧٨) و«الكبرى» (٤/ ٣٣٨ و٣٣٩ و٣٤٠ و٣٤٢)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٥٨٥)، و(مالك) في «الموطأ» (١٥٧٥ و١٥٧٦)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٨٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٩٦١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٥٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٦ و١٦٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٤٢٤)، و(الدارميّ) في «سُننه» (٢/ ١٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤٥٥ و٤٤٥٩ و٤٤٦٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٢٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٤١١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١١٣)، و(الدارقطنيّ) في «سُننه» (٣/ ١٨٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٦٣ و١٦٦ و١٦٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٥٤ و٢٥٦) و«المعرفة» (٦/ ٣٨١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٥٩٥) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب القطع في السرقة. ٢ - (ومنها): بيان القَدْر الذي إذا سرقه السارق قُطعت يده، وهو ثَمَن المجنّ. ٣ - (ومنها): أنه استَدلّ به من قال بوجوب قطع يد السارق، ولو لم يَسْرِق من حرز، وهو قول الظاهرية، وأبي عبد الله البصري، من المعتزلة، وخالفهم الجمهور، فقالوا: العامّ إذا خُصّ منه شيء بدليل، بقي ما عداه على عمومه، وحجيته، سواء كان لفظه ينبئ عما ثبت في ذلك الحكم بعد التخصيص، أم لا؛ لأن آية السرقة عامة، في كل مَن سَرق، فخَصّ الجمهور منها مَن سَرق من غير حرز، فقالوا: لا يُقطع، وليس في الآية ما ينبئ عن اشتراط الحرز، وطَرَد البصري أصله في الاشتراط المذكور، فلم يشترط الحرز، ليستمر الاحتجاج بالآية. نعم زعم ابن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة، فإن صح ما قال، سقطت حجة البصريّ أصلًا. ٤ - (ومنها): أنه استُدِل به على أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان، أو سارق المجنّ، وعَمِل بها الصحابة - ﵃ - في غيرهما من السارقين. ٥ - (ومنها): أنه استُدل بإطلاق حديث عائشة - ﵂ -: «قطع رسول الله - ﷺ - في ربع دينار»، على أن القطع يجب بما صَدَق عليه ذلك، من الذهب، سواء كان مضروبًا، أو غير مضروب، جَيِّدًا كان، أو رديئًا، وقد اختَلَف فيه الترجيح عند الشافعية، ونصّ الشافعي في «الزكاة» على ذلك، وأطلق في «السرقة»، فجزم الشيخ أبو حامد، وأتباعه بالتعميم هنا، وقال الإصطخري: لا يقع إلا في المضروب، ورجحه الرافعي، وقيَّد الشيخ أبو حامد النقل عن الإصطخري بالقدر الذي ينقص بالطبع. ٦ - (ومنها): أنه استُدِل بالقطع في الْمِجَنّ، على مشروعية القطع في كل ما يُتَمَوَّل قياسًا، واستثنى الحنفية ما يُسرِع إليه الفساد، وما أصله الإباحة؛ كالحجارة، واللَّبِن، والخشب، والملح، والتراب، والكلإ، والطير، وفيه رواية عن الحنابلة، والراجح عندهم في مثل السرجين القطع، تفريعًا على جواز بيعه، وفي هذا تفاريع أخرى، محل بسطها كتب الفقه، وبالله التوفيق . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بالتعميم هو الأظهر؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اعتبار النصاب لوجوب قطع السارق: قال ابن قُدامة - ﵀ -: الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابًا، ولا قطع في القليل، في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يُقطع في القليل والكثير؛ لعموم الآية؛ ولِمَا روى أبو هريرة - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - قال: «لعن الله السارق يَسرِق الحبل، فتقطع يده، ويسرق البيضة، فتقطع يده»، متفق عليه، ولأنه سارق من حرز، فتقطع يده كسارق الكثير. قال: ولنا قول النبيّ - ﷺ -: «لا قطع إلا في ربع دينار، فصاعدًا»، متفق عليه، وإجماعُ الصحابة على ما سنذكره، وهذا يخص عموم الآية، والحبل يَحْتَمِل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يَحْتَمِل أن يراد بها بيضة السلاح، وهي تساوي ذلك. واختلفت الرواية عن أحمد في قدر النصاب، الذي يجب القطع بسرقته، فرَوَى عنه أبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، أنه ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الوَرِق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم، من غيرهما، وهذا قول مالك، وإسحاق. ورَوَى عنه الأثرم: أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قُطع، فعلى هذا يُقَوَّم غير الأثمان بأدنى الأمرين، من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. وعنه أن الأصل الورق، ويُقَوَّم الذهب به، فإن نَقَص ربع دينار عن ثلاثة دراهم، لم يقطع سارقه، وهذا يُحكى عن الليث، وأبي ثور، وقالت عائشة: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا»، ورُوي هذا عن عمر، وعثمان، وعليّ - ﵃ -، وبه قال الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وابن المنذر؛ لحديث عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا». وقال عثمان البتيّ: تقطع اليد في درهم، فما فوقه، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد: أن اليد تقطع من أربعة دراهم فصاعدًا، وعن عمر: «أن الخَمْس لا تُقطع إلا في الخَمْس»، وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، ورُوي ذلك عن الحسن. وقال أنس: قطع أبو بكر في مجن، قيمته خمسة دراهم، رواه الْجُوزَجانيّ بإسناده. وقال عطاء، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا تقطع اليد، إلا في دينار، أو عشرة دراهم؛ لِمَا روى الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «لا قطع إلا في عشرة دراهم»، ورَوَى ابنُ عباس، قال: قطع رسول الله - ﷺ -، يد رجل في مجن، قيمته دينار، أو عشرة دراهم. وعن النخعيّ: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهمًا. قال: ولنا ما رَوَى ابنُ عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ -، قطع في مجن، ثمنه ثلاثة دراهم، متفق عليه، قال ابن عبد البر: هذا أصحّ حديث، يُروَى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك. وحديثُ أبي حنيفة الأول، يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضًا، والحديث الثاني، لا دلالة فيه على أنه لا يُقطع بما دونه، فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . وقال في «الفتح»: وقد تمسك مالك - ﵀ - بحديث ابن عمر - ﵄ - في اعتبار النصاب بالفضة، وأجاب الشافعية، وسائر من خالفه، بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك، وأورد الطحاويّ حديث سعد، الذي أخرجه مالك أيضًا، وسنده ضعيف، ولفظه: «لا يُقطع السارق، إلا في المجنّ»، قال: فعلمنا أنه لا يُقطع في أقل من ثمن المجنّ، لكن اخْتُلف في ثمن المجنّ، ثم ساق حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: كان قيمة المجن الذي قَطع فيه رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم، قال: فالاحتياط أن لا يُقطع إلا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار، وهو عشرة، ولا يقطع فيما دونها؛ لوجود الاختلاف فيه. وتُعُقّب بأنه لو سُلِّم في الدراهم، لم يُسَلَّم في النصّ الصريح في ربع دينار، كما تقدم إيضاحه، ودفعُ ما أعلّه به، والجمع بين ما اختلفت الروايات في ثمن المجنّ ممكن، بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة، أو على تعدد المجانّ التي قطع فيها، وهو أولى. وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله: «قطع في مجنّ» على اعتبار النصاب ضعيف؛ لأنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار، عدم القطع فيما دونه، بخلاف قوله: «يُقطع في ربع دينار فصاعدًا»، فإنه بمنطوقه يدلّ على أنه يُقطع فيما إذا بلغ، وكذا فيما زاد عليه، وبمفهومه على أنه لا قطع فيما دون ذلك، قال: واعتمادُ الشافعيّ على حديث عائشة - ﵂ - وهو قول - أقوى في الاستدلال، من الفعل المجرد، وهو قويّ في الدلالة على الحنفية؛ لأنه صريح في القطع في دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه، ويدل على القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى، وأما دلالته على عدم القطع في دون ربع دينار، فليس هو من حيث منطوقه، بل من حيث مفهومه، فلا يكون حجة على من لا يقول بالمفهوم. قال الحافظ: وقرر الباجيّ طريق الأخذ بالمفهوم هنا، فقال: دلّ التقويم على أن القطع يتعلق بقدر معلوم، وإلا فلا يكون لذكره فائدة، وحينئذ فالمعتمد ما ورد به النصّ صريحًا مرفوعًا، في اعتبار ربع دينار. وقد خالف من المالكية في ذلك من القدماء ابنُ عبد الحكم، وممن بعدهم ابن العربي، فقال: ذهب سفيان الثوريّ مع جلالته في الحديث، إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم، وحجته أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أُجمع عليه، والعشرة متفق على القطع فيها عند الجميع، فيُتَمَسَّك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك. وتُعُقّب بأن الآية دلت على القطع، في كل قليل وكثير، وإذا اختلفت الروايات في النصاب، أُخِذ بأصح ما ورد في الأقل، ولم يصح أقل من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين: [أحدهما]: أنه صريح في الحصر، حيث ورد بلفظ: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا»، وسائر الأخبار الصحيحة الواردة حكاية فعل، لا عموم فيها. [والثاني]: أن المعوَّل عليه في القيمة الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها، ويؤيده ما نَقَل الخطابي استدلالًا على أن أصل النقد في ذلك الزمان الدنانير، بأن الصكاك القديمة، كان يُكتب فيها عشرة دراهم، وزن سبعة مثاقيل، فعُرفت الدراهم بالدنانير، وحُصرت بها، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتَّضح بما سبق أن الحقّ اعتبار النصاب لوجوب القطع في السرقة؛ لصحّة الأحاديث الواردة في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر المذاهب في القدر الذي يُقطع فيه السارق: [الأول]: يقطع في كل قليل وكثير، تافهًا كان أو غير تافه، نُقل ذلك عن أهل الظاهر، والخوارج، ونُقل عن الحسن البصريّ، وبه قال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعيّ. [الثاني]: وهو مقابل هذا القول في الشذوذ: ما نقله عياض، ومن تبعه، عن إبراهيم النخعيّ: أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير. [الثالث]: مثل الأول، إلا إن كان المسروق شيئًا تافهًا؛ لحديث عروة: «لم يكن القطع في شيء من التافه»، ولأن عثمان قطع في فَخارة خسيسة، وقال لمن يسرق السياط: «لَئِن عُدتم لأقطعن فيه»، وقطع ابن الزبير في نعلين، أخرجهما ابن أبي شيبة. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه قطع في مُدّ، أو مدّين. [الرابع]: تُقطع في درهم فصاعدًا، وهو قول عثمان الْبَتِّيّ - بفتح الموحدة، وتشديد المثناة - من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة، ونسبة القرطبي إلى عثمان، فأطلق ظنًا منه أنه الخليفة، وليس كذلك. [الخامس]: في درهمين، وهو قول الحسن البصريّ، جزم به ابن المنذر عنه. [السادس]: فيما زاد على درهمين، ولو لم يبلغ الثلاثة، أخرجه ابن أبي شيبة بسند قويّ، عن أنس: أن أبا بكر - ﵄ - قطع في شيء ما يساوي درهمين، وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم. [السابع]: في ثلاثة دراهم، ويُقَوَّم ما عداها بها، ولو كان ذهبًا، وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطابيّ عن مالك. [الثامن]: مثله، لكن إن كان المسروق ذهبًا، فنصابه ربع دينار، وإن كان غيرهما، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وإن لم تبلغ لم يقطع، ولو كان نصف دينار، وهذا قول مالك، عند أتباعه، وهي رواية عن أحمد، واحتُجَّ له بما أخرجه أحمد، من طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغسّاني، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: «اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في أدنى من ذلك، قالت: وكان ربع دينار، قيمته يومئذ ثلاثة دراهم»، والمرفوع من هذه الرواية نصّ، في أن المعتمَد والمعتبَر في ذلك الذهب، والموقوف منه يقتضي أن الذهب يُقَوَّم بالفضة، وهذا يمكن تأويله، فلا يرتفع به النصّ الصريح. [التاسع]: مثله إلا إن كان المسروق غيرهما قطع به، إذا بلغت قيمته أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق. [العاشر]: مثله، لكن لا يُكْتَفَى بأحدهما، إلا إذا كانا غالبين، فإن كان أحدهما غالبًا، فهو المعوَّل عليه، وهو قول جماعة من المالكية، وهو [الحادي عشر]. [الثاني عشر]: ربع دينار، أو ما يبلغ قيمته، من فضة، أو عَرَض، وهو مذهب الشافعيّ، وقد تقدم تقريره، وهو قول عائشة، وعمرة، وأبي بكر ابن حزم، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، والليث، ورواية عن إسحاق، وعن داود، ونقله الخطابيّ وغيره عن عمر، وعثمان، وعليّ، وقد أخرج ابن المنذر عن عمر بسند منقطع، أنه قال: «إذا أَخَذ السارق ربع دينار قُطع»، ومن طريق عمرة: أُتي عثمان بسارق سرق أُتْرُجّة، قُوِّمت بثلاثة دراهم، من حساب الدينار باثني عشر، فقُطع. ومن طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا - ﵁ -: «قطع في ربع دينار، كانت قيمته درهمين ونصفًا». [الثالث عشر]: أربعة دراهم، نقله عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن أبي هريرة، وأبي سعيد. [الرابع عشر]: ثلث دينار، حكاه ابن المنذر، عن أبي جعفر الباقر. [الخامس عشر]: خمسة دراهم، وهو قول ابن شُبْرُمة، وابن أبي ليلى، من فقهاء الكوفة، ونُقل عن الحسن البصريّ، وعن سليمان بن يسار، أخرجه النسائيّ، وجاء عن عمر بن الخطاب: «لا تقطع الْخَمْس إلا في خَمْس»، أخرجه ابن المنذر، من طريق منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيِّب عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد مثله، ونقل أبو زيد الدبوسيّ، عن مالك، وشذَّ بذلك. [السادس عشر]: عشرة دراهم، أو ما بلغ قيمتها، من ذهب، أو عَرَض، وهو قول أبي حنيفة، والثوريّ، وأصحابهما. [السابع عشر]: دينارٌ، أو ما بلغ قيمته، من فضّة، أو عرض، حكاه ابن حزم، عن طائفة، وجزم ابن المنذر بأنه قول النخعيّ. [الثامن عشر]: دينار، أو عشرة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، حكاه ابن حزم أيضًا، وأخرجه ابن المنذر عن علي، بسند ضعيف، وعن ابن مسعود بسند منقطع، قال: وبه قال عطاء. [التاسع عشر]: ربع دينار فصاعدًا، من الذهب، على ما دلّ عليه حديث عائشة - ﵂ -، ويُقطع في القليل والكثير، من الفضة، والعُروض، وهو قول ابن حزم، ونقل ابن عبد البر نحوه عن داود، واحتَجَّ بأن التحديد في الذهب ثبت صريحًا، في حديث عائشة، ولم يثبت التحديد صريحًا في غيره، فبقي عموم الآية على حاله، فيقطع فيما قل أو كثر، إلا إذا كان الشيء تافهًا، وهو موافق للشافعي، إلا في قياس أحد النقدين على الآخر، وقد أيده الشافعيّ بأن الصرف يومئذ، كان موافقًا لذلك، واستَدَلَّ بأن الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة اثنا عشر ألف درهم، وتقدم في قصة الأترجة قريبًا ما يؤيده، ويخرج من تفصيل جماعة من المالكية، أن التقويم يكون بغالب نقد البلد، إن ذهبًا فبالذهب، وإن فضة فبالفضة، تمام العشرين مذهبًا. وقد ثبت في حديث ابن عمر، أنه - ﷺ -، قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم، وثبت: «لا قطع في أقل من ثمن المجنّ»، وأقل ما ورد في ثمن المجنّ ثلاثة دراهم، وهي موافقة للنص الصريح في القطع، في ربع دينار، وإنما ترك القول بأن الثلاثة دراهم نصاب، يُقطع فيه مطلقًا؛ لأن قيمة الفضة بالذهب تختلف، فبقي الاعتبار بالذهب، كما تقدم، والله أعلم، ذكر ذلك كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، من أنه إذا كان المسروق ذهبًا، فالنصاب ربع دينار، وإن كان فضّةً، فالنصاب ثلاثة دراهم، وإن كان غيرهما، يُقطع إذا بلغت قيمته أحدهما، فإن هذا القول هو الموافق للحديث المتّفق عليه: «تُقطع اليد في ربع دينار»، وحديث: «قطع رسول الله - ﷺ - في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم»، فالحديث الثاني يدلّ على أن غير الذهب والفضّة يقوّم بهما، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٣٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرَيِّ، بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: تسعةٌ: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه المذكور في السند السابق. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل حديث. ٦ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦ هـ) وقارب التسعين (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٧ - (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) الْعَبْديّ البصريّ، أبو داود، ويقال: أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧]. روى عن حُصين بن عبد الرحمن، وحميد الطويل، وعمرو بن دينار، والزهريّ، ويحيى بن سعيد، وداود بن أبي هند، وغيرهم. وروى عنه حَبّان بن هلال، وعبد الرحمن بن مهديّ، ويزيد بن هارون، وأخوه محمد بن كثير، وأبو الوليد الطيالسيّ، وسعيد بن سليمان، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف. وقال الآجريّ عن أبي داود: وسليمان بن كثير أخو محمد بن كثير أصله من واسط، يقال له: أبو داود الواسطيّ، كان يصحب سفيان بن حسين. وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في الزهريّ، فإنه يخطئ عليه. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال العجليّ: جائز الحديث، لا بأس به. وقال العُقيليّ: واسطيّ سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وهو في غيره أثبت. وقال الذُّهْليّ نحو ذلك قبله. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا، فأما روايته عن الزهريّ فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يُحتج بشيء ينفرد به عن الثقات. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٨٤)، وحديث رقم (٢٢٦٩). ٨ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥ هـ) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٩ - (الزُّهْريّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: معمر، وسليمان بن كثير، وإبراهيم بن سعد رووا هذا الحديث عن الزهريّ. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السابق. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) «في» بمعنى الباء؛ أي: بهذا الإسناد السابق، وهو: «عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ -». [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٧٤٠٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - قال: «تُقطع يد السارق في ربع دينار، فصاعدًا» . وأما رواية إبراهيم بن سعد عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٦٤٠٧) - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، قال النبيّ - ﷺ -: «تُقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا» . وأما رواية سليمان بن كثير عن الزهريّ، فساقها البيهقيّ في «الكبرى»، مقرونًا لإبراهيم بن سعد، فقال: (١٦٩٣٤) - وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، قال: قُرئ على أبي عليّ الحسن بن مكرم البصريّ ببغداد، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ سليمان بن كثير، وإبراهيم بن سعد، قالا: ثنا الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، عن النبيّ - ﷺ - يقال: «القطع في ربع دينار، فصاعدًا» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ - وَاللَّفْظُ لِلْوَلِيدِ، وَحَرْمَلَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ) بن قيس السَّكُونيّ، أبو همّام ابن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٧٧/ ٤٠٢. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، وَأَحْمَدَ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَمَا فَوْقَهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣)، وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المعروف بابن التستريّ المصريّ، صدوقٌ تُكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٣ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا. انتهى، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٤ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، أو أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٩. والباقون ذُكروا قبله. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لمخرمة، عن أبيه، مع أنه متكلَّم فيه؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعة، لا أصالةً، فلا يضرّ، وقد تقدّم مثل هذا كثيرًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا سَمِعَتِ النبيّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ فقيهٌ زاهدٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدراورديّ، الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يُكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (١١)

١. حديث صحيح، أخرجه ابن حبّان، وغيره بسند صحيح.

٢. حديث حسن أخرجه النسائيّ وغيره بلفظ: «رُدُّوا السائل، ولو بظلف محرق».

٣. «المفهم» ٥/ ٧٣ - ٧٤.

٤. «الفتح» ١٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦.

٥. «الفتح» ١٥/ ٥٨٧، كتاب «الحدود» (٦٨٠٠).

٦. «المغني» ١٢/ ٤١٨ - ٤٢٠.

٧. «الفتح» ١٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤.

٨. راجع: «الفتح» ١٥/ ٥٨٤ - ٥٨٦، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٩).

٩. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٣٣٧.

١٠. «صحيح البخاري» ٦/ ٢٤٩٢.

١١. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٨/ ٢٥٤.