HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٩٥

وحدثنا محمد بن العلاء الهمذاني. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ) عَنْ غَيْلَانَ (وَهُوَ ابْنُ جَامِعٍ الْمُحَارِبِيُّ)، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي. فَقَالَ (وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ. حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فيم أطهرك؟) فقال: من الزنى. فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (أَبِهِ جُنُونٌ؟) فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. فَقَالَ (أَشَرِبَ خَمْرًا؟) فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَزَنَيْتَ؟) فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ. لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ. ثُمَّ قَالَ اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. فَقَالَ (اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ). قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ). قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي. فَقَالَ (وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ). فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ. قَالَ: (وَمَا ذَاكِ؟) قالت: إنها حبلى من الزنى. فَقَالَ (آنْتِ؟) قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهَا (حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ). قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ. قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الغامدية. فقال (إذا لا نرجمها وندع لها وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ). فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ. يَا نبي الله! قال: فرجمها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص118
ج ٣ ص ١٣٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٤٩٣
عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ - ﷺ -، فاعترف بالزنا أربع مرّات، فسأل عنه النبيّ - ﷺ-، ثم أَمَر به، فرُجِم، فرجمناه بالخزف، والجندل، والعظام، وما حفرنا له، وما أوثقناه، فاشتدّ، واشتددنا خلفه إلى الحرّة، فاتّبعناه، فقام لنا، فرميناه حتى سكت، فما استغفر له رسول الله - ﷺ -، ولا سبّه. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٣] (١٦٩٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَعْلَى - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ - عَنْ غَيْلَانَ - وَهُوَ ابْنُ جَامِعٍ الْمُحَارِبِيُّ - عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ اِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ النبيّ - ﷺ - مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ : مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَبِهِ جُنُونٌ؟»، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَزَنَيْتَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النبيّ - ﷺ -، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَة، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ»، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ، مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ، ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ»، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟»، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: «آنْتِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: «إِذًا لَا نَرْجُمَهَا، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ) هو: يحيى بن يعلى بن الحارث بن حرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربيّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن أبيه، وزائدة بن قُدامة، وعنه البخاريّ، وروى الباقون سوى الترمذيّ له بواسطة أبي كريب، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن يحيى بن كثير الحراني، ومحمد بن مسلم بن وَارَة، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال مُطَيَّن: مات سنة ست عشر ومائتين. روى عنه البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَامِعِ بن أشعث الْمُحَارِبِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، قاضيها، ثقةٌ [٦]. روى عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وأبي إسحاق السبيعيّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وعلقمة بن مرثد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وغيرهم. وروى عنه يعلى بن الحارث المحاربيّ، وعمرو بن أبي قيس، وشعبة، والثوريّ، وشريك، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وآخرون. قال ابن معين، وابن المدينيّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال محمد بن حميد الرازي، عن جرير: رأيت غيلان بن جامع على قضاء الكوفة، وكان أَحْمَدَ من محمد بن أبي ليلى، وقال الآجريّ، عن أبي داود: جاء غيلانُ أبا حَصِين، فسأل رجل أبا حصين عن مسألة، فقال: اسكت أما ترى القاضي؟ فقال: إنه أمرني، وجعل أبو داود يثني عليه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في ولاية يزيد بن هُبيرة على العراق، وقال ابن سعد: قتلته الْمُسَوِّدة أوَّلَ ما جاءوا بين واسط والكوفة، وكان ثقةً - إن شاء الله تعالى - قال الحافظ: كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحَضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٦ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحصيب، أبو عبد الله، وقيل غير ذلك، الأسلميّ، الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر، ومات - ﵁ - سنة (٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٣٣. [تنبيه] قوله في هذا السند: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، عن غيلان) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا في النسخ: «عن يحيى بن يعلى، عن غيلان»، قال القاضي عياض: والصواب ما وقع في نسخة الدمشقيّ: «عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان»، فزاد في الإسناد «عن أبيه»، وكذا أخرجه أبو داود، في «كتاب السنن»، والنسائيّ من حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، وهو الصواب، وقد نبه عبد الغنيّ على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان، ووقع في «كتاب الزكاة» من «السنن» لأبي داود: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن يعلى، حدّثنا أبي، حدّثنا غيلان، عن جعفر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]. فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم، قال البخاريّ في «تاريخه»: يحيى بن يعلى، سمع أباه، وزائدة بن قدامة، هذا آخر كلام القاضي - ﵀ -، وهو صحيح كما قال، ولم يذكر أحد سماعًا ليحيى بن يعلى هذا من غيلان، بل قالوا: سمع أباه، وزائدة. انتهى كلام النوويّ . وقال الحافظ أبو عليّ الجيّاني - ﵀ - في «التقييد» (٣/ ٨٧٢): هكذا إسناد هذا الحديث لجميع الرواة عندنا، وخرّجه أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، عن أبي كريب، عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، فزاد في الإسناد رجلًا، وهو يعلى بن الحارث، وكذلك خرّجه أبو داود في «كتاب السنن» (٤٤٣٣) وأبو عبد الرحمن النسائيّ في كتابه «الكبرى» (٧١٤٨) أيضًا من حديث يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع، وهو الصواب، وقد نبّه أبو محمد عبد الغنيّ على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان - فالحمد لله -. وفي «كتاب الزكاة» من «السنن» لأبي داود (١٦٦٤): حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: نا يحيى بن يعلى المحاربيّ، قال: نا أبي، قال: نا غَيلان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] كبُر ذلك على المسلمين. . . الحديث، وهذا السند يشهد بصحّة ما تقدّم. وقال البخاريّ في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣١١): يحيى بن يعلى سمع أباه، وزائدة بن قُدامة. وقال الحافظ الرشيد العطّار في «غرر الفوائد» (١٦): هكذا إسناد هذا الحديث في جميع النسخ التي رأيتها من «صحيح مسلم»، ثم ذكر كلام الجيّاني في «التقييد»، وقال: وإذا ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فإنه متّصلٌ في «كتاب مسلم» من وجه آخر، ومع ذلك فقد اتّصل حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه في كتاب النسائيّ، وأبي داود أيضًا في «سُننه»، فثبت اتّصاله من هذا الوجه الآخر - ولله الحمد - انتهى، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ) الأسلميّ - ﵁ - (إِلَى النبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي) قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «طهرني» إلى آخره، ومثله في حديث الغامدية: «قالت: طَهِّرني، قال: ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه»: هذا دليل على أن الحدّ يكفّر ذنب المعصية التي حُدَّ لها، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وهو قوله - ﷺ -: «فمَن فَعل شيئًا من ذلك، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارته»، ولا نَعلم في هذا خلافًا، وفي هذا الحديث دليل على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة، وهو بإجماع المسلمين، إلا ما قدمناه عن ابن عباس - ﵄ - في توبة القاتل خاصّة، والله أعلم. [فإن قيل]: فما بال ماعز، والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصِّلة لغرضهما، وهو سقوط الإثم، بل أصرّا على الإقرار، واختارا الرجم؟. [فالجواب]: أن تحصيل البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متيقَّن على كل حال، لا سيما وإقامة الحدّ بأمر النبيّ - ﷺ -، وأما التوبة فيُخاف أن لا تكون نَصُوحًا، وأن يُخِلّ بشيء من شروطها، فتبقى المعصية، وإثمها دائمًا عليه، فأرادا حصول البراءة بطريق متيقَّن، دون ما يتطرق إليه احتمال، والله أعلم . (فَقَالَ) - ﷺ - («ويحَكَ) قال الطيبيّ - ﵀ -:»ويح«كلمة ترحّم، وتوجّع، تقال لمن وقع في هَلَكة لا يستحقّها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: وَيْحَ زيدٍ، ووَيْحًا له، وويَحٌ له. انتهى ، وقال النوويّ - ﵀ -: ورَوَينا عن الحسن البصريّ قال:»ويح كلمة رحمة«. انتهى . (ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ)؛ أي: غير زمان بعيد؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]؛ أي: غير زمان بعيد؛ كقولك: عن قريب ، قاله الطيبيّ، وقال القاري: والأظهر غير مكان بعيد، أو رجوعًا غير بعيد، بمعنى غيبة غير بعيدة. انتهى . (ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله طَهِّرْنِي، فَقَالَ النبيّ - ﷺ - مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ)؛ أي: حتى إذا وقعت المرة الرابعة، فـ «كان» هنا تامّة، (قَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟») قال النوويّ - ﵀ -: هكذا في جميع النسخ «فيم» بالفاء، والياء، وهو صحيح، وتكون «في» هنا للسببيّة؛ أي: بسبب ماذا أُطهّرك؟. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «فيم أُطهّرك؟» وفي نُسخ «المصابيح»: «مما أطهّرك؟»، والرواية الأولى في «صحيح مسلم»، و«كتاب الحميديّ»، ثم ذكر كلام النوويّ المذكور، ثم قال: أقول: «ما» يُسأل بها عن عموم الأحوال، و«من» الابتدائيّة في الجواب مضمَّنة معنى السبب؛ لأنها لإنشاء الابتداء، فخُصّت «ما» به؛ لتطابقها؛ كأنه قيل: في أيّ سبب أُطهّرك؟، فأجاب بسبب الزنا، ونظيره في المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الآية [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]؛ لأن في قوله: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ معنى المالكيّة؛ كأنه قيل: لمن السماوات والأرض؟. انتهى . (فَقَالَ) وفي بعض النسخ: «قال» بحذف الفاء، (مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -)؛ أي: قومه («أَبِهِ جُنُونٌ؟»، فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (أَنَّهُ لَيْسَ بمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟»)، (فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه. انتهى . (فَاسْتَنْكَهَهُ)؛ أي: شمّ رائحة فمه، قال الجوهريّ - ﵀ -: استنكهتُ الرجلَ، فَنَكَهَ في وجهي يَنْكِهُ - بالكسر، ويَنْكَهُ - بالفتح - نَكْهًا: إذا أمرتَه بأن يَنكِهَ؛ لتَعلَم أشارب هو أم غير شارب؟ والنَّكْهة ريح الفم. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: نَكَهَ الرجلُ على زيد، ونَكَهَ له نَكْهًا، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: إذا تنفّس على أنفه، ونَكَهَهُ نَكْهًا، يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا فَعَلَ ذلك؛ ليَشُمَّ ريح فمه؛ ليَعْلَمَ هل شَرِب أم لا؟، واستنكهه كذلك، والنَّكْهَةُ، مثلُ تَمرة: اسم منه. انتهى . (فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ) قال النوويّ - ﵀ -: مذهبنا الصحيح المشهور صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه، والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا أنه لو كان سكران لم يُقَم عليه الحدّ، قال: واحتجّ أصحاب مالك، وجمهور الحجازيين أنه يُحَدّ من وُجِد منه ريح الخمر، وإن لم تَقُم عليه بيّنة بشربها، ولا أقرّ به، ومذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهما: لا يُحَدّ بمجرد ريحها، بل لا بدّ من بيّنة على شُربه، أو إقراره، وليس في هذا الحديث دلالة لأصحاب مالك. انتهى . (قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَزَنَيْتَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ)؛ أي: بعد إقراره أربع مرّات، كما سبق في الروايات، (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول، (فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ) «ما» حجازيّة تعمل عمل «ليس»، و«توبة» اسمها مرفوع، و«أفضل» خبرها منصوب، قال في «الخلاصة»: إِعْمَالَ «لَيْسَ» أُعْمِلَتْ «مَا» دُونَ «إِنْ» … مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ ويَحْتَمِلُ أن تكون تميميّة، فيرتفع ما بعدها على أنه مبتدأ وخبر، كما قال قائلهم: وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ … فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ وقوله: (مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ) صلة «أفضل» (أَنَّهُ) يَحْتَمل كسر الهمزة، على أن الجملة تعليليّة، ويَحْتَمل فتحه على تقدير حرف التعليل؛ أي: لأنه (جَاءَ إِلَى النبيّ - ﷺ -، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاَثَةً)؛ أي: بعد رجمه (ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَهُمْ جُلُوسٌ) جملة حاليّة، (فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ»)؛ أي: اطلبوا له مزيدة المغفرة، وترقّي الدرجات. (قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً)؛ أي: من ذنبه هذا (لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ)؛ أي: جماعة كثيرة، فالتنوين للتكثير، والله تعالى أعلم، (لَوَسِعَتْهُمْ») بكسر السين؛ أي: لَكَفَتْهُم، وكفّرت خطايا جميعهم. قال الفيّوميّ - ﵀ -: وَسِعَ المكانُ القومَ، وَوَسِعَ المكانُ؛ أي: اتَّسَعَ، يتعدى، ولا يتعدى، قال النابغة [من الكامل]: تَسَعُ البِلادُ إِذًا أَتَيْتُكَ زَائِرًا … وَإِذَا هَجَرْتُكَ ضَاقَ عَنِّيَ مَقْعَدِي ووَسُعَ المكانُ بالضم: بمعنى اتَّسَعَ أيضًا، فهو وَاسِعٌ، من الأُولى، ووَسِيعٌ من الثانية. قال: قيل: الأصل في المضارع الكسر، ولهذا حُذفت الواو؛ لوقوعها بين ياء مفتوحة، وكسرة، ثم فُتِحت بعد الحذف؛ لمكان حرف الحلق، ومثله يَهَبُ، ويَقَعُ، ويَدَعُ، ويَلَغُ، ويَطَأُ، ويَضَعُ، ويَلَعُ، ويَزَعُ الجيشَ؛ أي: يَحبِسه، والحذف في يَسَعُ، ويَطَأُ، ممّا ماضيه مكسور شاذّ؛ لأنهم قالوا فَعِلَ بالكسر مضارعه يَفْعَل بالفتح، واستثنوا أفعالًا ليست هذه منها. انتهى كلام الفيّوميّ - ﵀ - . وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «لوسعتهم»؛ أي: لكفتهم سعةً؛ يعني: توبة تستوجب مغفرةً ورحمةً تستوعبان جماعةً كثيرةً من الخلق، يدلّ عليه قوله في الغامديّة: «لقد تابت توبةً لو تابعها صاحب مكس لغُفر له»، قال: [فإن قلت]: فإذن ما فائدة قوله - ﷺ -: «استغفروا لماعز»؟. [قلت]: فائدة قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ١ - ٢]، فإن الثاني طلب مزيد الغفران، وما يستدعيه من الترقّي في المقامات، والثبات عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ الآية [هود: ٣]. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - . (قَالَ) بُريدة - ﵁ - (ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قال صاحب «التنبيه»: اسمها سُبيعة، وقيل: أميمة، ذكرهما الخطيب البغداديّ . (مِنْ غَامِدٍ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الميم: بطن من الأزد، وهو غامد، واسمه عمرو بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، وإنما قيل له غامد؛ لأنه كان بين قومه شرّ، فاصلح بينهم، وتغمّد ما كان من ذلك، قاله في «اللباب» . وقال النوويّ: غامد بطن من جهينة. انتهى، وهذا يقتضي أن الغامديّة هي الجهنيّة الآتية في حديث عمران بن حصين - ﵄ - الآتي، وقد مشى على هذا بعضهم، وسيأتي تمام البحث فيه - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (مِنَ الأَزْدِ) حال من «غامد»، وأزد أبو قبيلة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ، ويقال: أزدِ شنوأة - بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وكسر الدال المهملة - أفاده في «اللباب» . (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ، ارْجِعِي، فَاستَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ»، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي)؛ أي: ترجّعني (كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟»، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى) الظاهر أن هذا من الالتفات؛ لأن الظاهر أن تقول: إني حبلى من الزنا. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «إنها حبلى» جملة مستأنَفة بيانٌ لموجب قياس حالها على حال ماعز، والعلّة غير جامعة، فكأنها قالت: إني غير متمكّنة من الإنكار بعد الإقرار؛ لظهور الْحَبَل، بخلافه، فقوله: «إنها حبلى» على الغيبة حكاية قولها: إني حبلى، يدلّ عليه قوله - ﷺ -: «أنت؟»؛ لأنه تقرير لِمَا تكلّمت به. انتهى . وقوله: (مِنَ الزِّنَا) قال ابن الهمام: الزنا مقصور في اللغة الفصحى، لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويُمدّ في لغة أهل نجد، قال الفرزدق [من الطويل]: أَبَا طَاهِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ … وَمَنْ يَشَرَبِ الْخُطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرَا بفتح الكاف، وتشديدها من السُّكر، والْخُطوم من أسماء الخمر . (فَقَالَ) - ﷺ - («آنْتِ؟») بتقدير همزة الاستفهام، وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: أأنت زانية؟ (قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»)؛ أي: اصبري إلى أن تلدي، قال الطيبيّ - ﵀ -: غاية لجواب قولها: طهّرني؛ أي: لن أطهّرك حتى تضعي ما في بطنك . قال النوويّ - ﵀ -: فيه أنه لا تُرْجَم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا، أو غيره، وهذا مجمَع عليه؛ لئلا يُقْتَل جنينها، وكذا لو كان حدّها الجَلد، وهي حامل لم تُجلَد بالإجماع حتى تضع. وفيه أن المرأة تُرْجَم إذا زنت، وهي محصَنة، كما يُرجَم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والإجماع متطابقان على أنه لا يُرجَم غير المحصن. وفيه أن من وجب عليها قِصاص، وهي حامل، لا يُقتصّ منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا تُرجم الحامل الزانية، ولا يقتصّ منها بعد وَضْعها حتى تَسْقِي ولدها اللَّبَنَ، ويستغني عنها بلبن غيرها. وفيه أن الحمل يُعْرَف، ويُحكَم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . (قَالَ: فَكَفَلَهَا) بفتح الفاء الخفيفة، من باب نصر؛ أي: قام بمؤنتها، ومصالحها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: كَفَلْتُ بالمال، وبالنفس كَفلًا، من باب قَتَلَ، وكُفُولًا أيضًا، والاسم: الكَفَالَةُ، وحَكَى أبو زيد سماعًا من العرب، من بابي تَعِبَ، وقَرُبَ، وحَكَى ابن القطّاع: كَفَلتُهُ، وكَفَلتُ به، وعنه: إذا تَحَمَّلتَ به، ويتعدَّى إلى مفعول ثان بالتضعيف، والهمزة، فَتَحْذِفُ الحرفَ فيهما، وقد يثبت مع المثقَّل، قال ابن الأنباريّ: تَكَفَّلتُ بالمال: التزمت به، وألزمته نفسي، وقال أبو زيد: تحمّلت به، وقال في «المَجْمَع»: كَفَلتُ به كَفَالَةً، وكَفَلتُ عنه بالمال لغريمه، ففرَّق بينهما، وكَفَلتُ الرجلَ، والصغيرَ، من باب قَتَلَ كَفَالَةً أيضًا: عُلْتُهُ، وقُمْتُ به، ويتعدى بالتضعيف إلى مفعول ثان، فيقال: كَفَّلتُ زيدًا الصغير، والفاعلُ من كَفَاَلةِ المال: كَفِيلٌ به للرجل، والمرأة، وقال ابن الأعرابيّ: وكَافِلٌ أيضًا، مثل ضَمِين، وضامنٍ، وفرَّق الليث بينهما، فقال: الكَفِيلُ: الضامن، والكَافِلُ: هو الذي يَعُول إنسانًا، ويُنفِق عليه. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت»؛ أي: قام بمؤنتها، ومصالحها، وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان؛ لأن هذا لا يجوز في الحدود التي لله تعالى. انتهى . (رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه. انتهى . (حَتَّى وَضَعَتْ)؛ أي: ولدت حملها (قَالَ: فَأَتَى) ذلك الرجل (النبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ)؛ أي: وَلَدت (الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ) - ﷺ - («إِذًا) هي جزاء وجواب، وهي من نواصب المضارع إذا توافرت شروطها، وهي المذكورة في قول بعضهم: أَعْمِلْ«إِذَنْ»إِذَا أَتَتْكَ أَوَّلَا … وَسُقْتَ فِعْلًا بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلَا وَاحْذَرْ إِذَا أَعْمَلْتَهَا أَنْ تَفْصِلَا … إِلَّا بِحَلْفٍ أَوْ نِدَاءٍ أَوْ بِـ«لا»وَافْصِلْ بِظَرْفٍ أَوْ بِمَجْرُورٍ عَلَى … رَأْيِ ابْنِ عُصْفُورٍ رَئِيسِ النُّبَلَا وَإِنْ تَجِئْ بِحَرْفِ عَطْفٍ أَوَّلَا … فَأحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ أَنْ لَا تَعْمَلَا (لَا نَرْجُمُهَا) من باب قتل، وهو منصوب بإذن»؛ لكونه مستقبَلًا، ويَحْتَمِل الرفع بتقديره حالًا، وكذا قوله: (وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا) وقوله: (لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ«)، بضمّ حرف المضارعة، من الإرضاع، جملة مستأنفة بيّن بها المراد من قوله:»وندع ولدها صغيرًا«، والمعنى أن المانع من إقامة الحدّ عليها الآن كون ولدها صغيرًا ليس له من يُرضعه. (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون هو الرجل الأول الذي قام بكفالة المرأة، والله تعالى أعلم (فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ) بفتح الراء، وكسرها؛ أي: أمرُ رضاعه موكول إليّ، أن أتكفّل به (يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا)؛ أي: أمر - ﷺ - برجمها، فرُجمت، قال النوويّ - ﵀ -: وفي الرواية الأخرى:«فلما ولدت أتته بالصبيّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فارضعيه، حتى تَفْطِميه، فلما فَطَمته أتته بالصبيّ، في يده كِسْرَةُ خبزٍ، فقالت: يا نبيّ الله هذا قد فَطَمته، وقد أكل الطعام، فدَفَع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فرجموها». فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رَجْمها كان بعد فطامه، وأكْلِه الخبز، والأولى ظاهرها أنه رَجَمها عقب الولادة، ويجب تأويل الأُولى، وحَمْلها على وَفْق الثانية؛ لأنها قضيّة واحدة، والروايتان صحيحتان، والثانية منهما صريحة، لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحة، فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى:«فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه»، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة: كفالته، وتربيته، وسمّاه رضاعًا مجازًا. قال: واعلم أن مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والمشهور من مذهب مالك أنها لا تُرجَم حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد أرضعته حتى تَفطمه، ثم رُجِمت. وقال أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه: إذا وضعت رُجِمت، ولا يُنتظر حصول مرضعة، وأما هذا الأنصاريّ الذي كفلها فقصد مصلحة، وهو الرفق بها، ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحدّ؛ لِمَا رأى بها من الحرص التامّ على تعجيل ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الأولون من عدم رجمها إلا إن وُجدت مرضعة، هو الأرجح؛ لموافقته لحديث الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الحصيب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٤٢٣ و٤٤٢٤] (١٦٩٥)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٤٣٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٨٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٣٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٩١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٨٣ و٨/ ٢١٤ و٢٢٦ و٢٢٩)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «أتعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا، تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟»، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِم أَيْضًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ، حَفرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: «إِمَّا لَا فَاذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي»، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ، حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعٍ نَبِيُّ الله - ﷺسَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) الغَنَويّ الكوفيّ، صدوقٌ ليّن الحديث، ورُمي بالإرجاء [٥]. رأى أنس بن مالك، وروى عن عبد الله بن بُريدة، والحسن البصريّ، وعكرمة، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، وابن نمير، والثوريّ، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: منكَر الحديث، قد اعتَبَرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال البخاريّ: يخالَف في بعض حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: روى ما لا يتابَع عليه، وهو ممن يُكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف، وقال ابن حبان في «الثقات»: دَلَّس عن أنس، ولم يره، وكان يخطئ كثيرًا، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال العقيليّ: مرجئ مُتَّهَم، مُتَكَلَّم فيه، وقال الساجيّ: منكَر الحديث. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَزَنَيْتُ) مِن عَطْف السبب على المسبَّب، فإنّ زناه هو سبب ظلمه نفسه. وقوله: (فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ) ظاهره أنه كان بين اعتراف ماعز - ﵁ - فصل يوم، وهذا معارض لسائر الروايات الأخرى التي تدلّ على أنه اعترف أربع مرّات في نفس ذلك المجلس، وجمع الحافظ بين الروايات، وتقدّم نقل كلامه بتمامه، ولكن الإمام ابن القيّم: يرى أن هذا وَهَمٌ، ودونك نصّه في «تهذيب السنن»، قال - ﵀ -: وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث مالك تدلّ على خلافهما: أحدهما: أن الإقرار منه، وترديد النبيّ - ﷺ - كان في مجالس متعدّدة، وسائر الأحاديث تدلّ على أن ذلك كان في مجلس واحد. والثاني: ذِكر الحَفْر فيه، والصحيح في حديثه أنه لم يُحفر له، والحفر وَهَمٌ، ويدلّ عليه أنه هرب، وتبِعُوه، وهذا - والله أعلم - من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدّم قول الإمام أحمد: إن ترديده كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ ابن مهاجر. انتهى . وقد تقدّم في ترجمته أن الأئمة طعنوا في بشير هذا، منهم الإمام أحمد، فقد قال فيه: منكر الحديث، وقد اعتُبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب، والبخاريّ، وابن عديّ، وابن حبّان، والعقيليّ، والساجيّ، فلا يُستبعد أن يكون هذا الخلاف من أوهامه، فتفطّن. ثم رأيت كلامًا للحافظ المنذريّ - ﵀ - في «مختصره» حيث قال في شأن بشير بن مهاجر هذا ما نصّه: ليس له في «صحيح مسلم» سوى هذا الحديث، وقد وثّقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مرجئ، متّهَمٌ، وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، قال: ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية؛ ليبيّن اطّلاعه على طرق الحديث. انتهى كلام المنذريّ - ﵀ - . وقوله: (لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا) هذا صريح في أن قصّتها بعد قصّة ماعز - ﵄ -. وقوله: (إِمَّا لَا فَاذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي) قال القاضي عياض - ﵀ -: معناه: إن لم تفعلي كذا فافعلي كذا؛ أي: إذا أبيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي، فترجعي. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي»: «إمَّا» بكسر الهمزة التي هي همزة «إن» الشَّرطية، زيدت عليها «ما» المؤكدة؛ بدليل دخول الفاء في جوابها، و«لا» التي بعدها للنفي، فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن إقرارك، فافعلي، وإن لم تفعلي، فاذهبي حتى تلدي. ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت، فقال مالك: إذا وضعت رُجمت، ولم يُنتظَر بها أن تكفل ولدها، وقاله أبو حنيفة، والشافعيّ في أحد قوليه، وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تاخير الغامدية إلى أن فَطَمَت وَلَدها، وقد روي عن مالك: أنها لا تُرجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع، وهو مشهور قول مالك، والشافعيّ، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟ هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه؟ والأَولى: رواية من روى: أنها لم تُرجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ حكمًا زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حق الولد. وإذا رُوعي حقه وهو جنين، فلا ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أَولى. ويستفاد من هذه الرِّواية: أن الحدود لا يُبطلها طول الأزمان، وهو مذهب الجمهور. وقد شذَّ بعضهم فقال: إذا طال الزمان على الحدّ بَطَل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين، وهو قول لا أصل له. انتهى . وقوله: (حَتَّى تَفْطِمِيهِ) قال أهل اللغة: الفِطام قطع الإرضاع؛ لاستغناء الولد عنه، يقال: فَطَمَت المرضِعُ الرضيعَ فَطْمًا، من باب ضَرَبَ: فصلته عن الرّضَاع، فهي فاطمة، والصغير فَطِيمٌ، والجمع: فُطُمٌ، مثلُ بَريد وبُرُدٍ، وأفطم الصبيّ: دخل في وقت الفِطام، مثلُ أحصَدَ الزرعُ: إذا حان حَصَادُهُ . وقوله: (فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ) تقدّم في الرواية الماضية خلافه، وقد تقدّم وجه الجمع والترجيح هناك. وقوله: (فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا) فيه دليل على أن المرأة يُحفر لها. وقوله: (وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا) قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره: أنَّه - ﷺ - لم يرجمها معهم، لا في أول الأمر، ولا في آخره. فلا يلزم الإمامَ أن يبدأ بالرجم، وهو مذهب الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام، وبدأ قبل الناس بالرَّجم، وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرَّجم قبل الناس. قال القرطبيّ: وأحاديث هذا الباب كلُّها تردُّ ما قال أبو حنيفة، غير أنَّه وقع في كتاب أبي داود من حديث الغامدية: أن رسول الله - ﷺ - أخذ حصاة مثل الحِمَّصَة فرماها بها، وهي رواية شاذةٌ، مخالفة للمشهور من حديث الغامدية. انتهى . وقوله: (فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. . . إلخ) عبّر بصيغة المضارع عن الماضي؛ للدلالة على استحضار المتكلّم الواقعة؛ كانها تقع الآن، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. وفيه دليل على أن قصّة الغامديّة وقعت بعد شهر صفر من سنة ثمان من الهجرة، وذلك لأن خالد بن الوليد - ﵁ -، إنما جاء المدينة مسلمًا في أول يوم من صفر سنة ثمان، كما في «طبقات ابن سعد» (٤/ ٢٥٢). فثبت بهذا الحديث أن قصّة الغامديّة وقعت بعد نزول «سورة النور»، فإنها نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، قاله بعض المحقّقين . وقوله: (فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ) قال النوويّ - ﵀ -: رُوي بالحاء المهملة، وبالمعجمة، والأكثرون على المهملة، ومعناه: ترشش، وانصبّ. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فتنضخ الدم»؛ أي: تطاير مفرّقًا، وهو بالخاء المعجمة، والعينُ النضّاخة: هي الفوّارة بالماء الغزير الذي يسيل ويتفرّق، وقد رُوي بالحاء المهملة، وهو الرشّ الخفيف، وهو أخفّ من النضخ - بالخاء المعجمة - انتهى . وقوله: (مَهْلًا) مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: تمهّل؛ أي: كفّ عن سبّها، وفيه دليل على أن من أقيم عليه الحدّ لا يُسبّ، ولا يؤذى بالكلام السيئ. وقوله: (لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ) - بفتح الميم، وسكون الكاف - في الأصل مصدر مَكَس، قال الفيّوميّ - ﵀ -: مَكَسَ في البيع مَكْسًا، من باب ضَرَبَ: نقَصَ الثمن، وماكس مماكسةً، ومِكاسًا مثله، والْمَكْسُ: الْجِبَاية، وهو مصدرٌ، من باب ضَرَب أيضًا، وفاعله مَكّاسٌ، ثم سُمّي المأخوذ مَكْسًا؛ تسميةً بالمصدر، وجُمع على مُكُوس، مثلُ فَلْس وفُلُوسٍ، وقد غَلَب استعمال الْمَكْس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلمًا عند البيع والشراء، قال الشاعر [من الطويل]: وَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ … وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: صاحب المَكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر، ولا شك في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصب، وظلمٌ، وعَسْفٌ على الناس، وإشاعةٌ للمنكَر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه: فإن تاب من ذلك، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته، وقُبلت، لكنَّه بعيد أن يتخلّص من ذلك؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس، وعدم تعيين المظلومين، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزكوات، والمواريث، والملاهي، والمرتَّبين في الطرق، إلى غير ذلك مِمَّا قد كَثُر في الوجود، وعُمِل عليه في سائر البلاد. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: في الحديث أن الْمَكس من أقبح المعاصي، والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقّها، وصَرْفها في غير وجهها، وفيه أن توبة الزاني لا تُسقِط عنه حدّ الزنى، وكذا حُكم حدّ السرقة، والشرب. هذا أصح القولين في مذهبنا، ومذهب مالك، والثاني أنها تُسقط ذلك، وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتُسقط حدّ المحاربة بلا خلاف عندنا، وعند ابن عباس وغيره: لا تُسقط. انتهى . وقوله: (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ)، وفي الرواية الثانية: «ثم أمر بها، فرُجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت؟». قال النوويّ - ﵀ -: أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبيّ - ﷺ - صلى عليها، وأما الرواية الأولى، فقال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة «صحيح مسلم»، قال: وعند الطبريّ بضم الصاد، قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة، وأبي داود، قال: وفي رواية لأبي داود: «ثم أمرهم أن يُصَلُّوا عليها»، قال القاضي: ولم يَذكر مسلم صلاته - ﷺ - على ماعز، وقد ذَكَرها البخاريّ، وقد اختَلَف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك، وأحمد للإمام، ولأهل الفضل، دون باقي الناس، فيصلي عليه غير الإمام، وأهل الفضل، قال الشافعيّ، وآخرون: يصلي عليه الإمام، وأهل الفضل، وغيرهم، والخلاف بين الشافعيّ، ومالك، إنما هو في الإمام، وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فَيُصَلَّى على الفُسّاق، والمقتولين في الحدود، والمحارَبة، وغيرهم، وقال الزهريّ: لا يصلِّي أحدٌ على المرجوم، وقاتِل نفسه، وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى، واحتجّ الجمهور بهذا الحديث، وفيه دلالة للشافعيّ أن الإمام، وأهل الفضل يصلّون على المرجوم، كما يصلّي عليه غيرهم، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين: أحدهما أنهم ضَعَّفُوا رواية الصلاة؛ لكون أكثر الرواة لم يذكروها،
مصادر المؤلف (٣٨)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٢٨٨.

٢. وفي نسخة: «قال».

٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٠.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٩٩.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥١٧.

٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٩٩.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥١٦ - ٢٥١٧.

٨. «مرقاة المفاتيح» ٧/ ١٤١.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٠.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥١٧.

١١. «تنبيه المعلم» ص ٢٩٣.

١٢. «الصحاح» ص ١٠٦٩.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٥.

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٠ - ٢٠١.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٩.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥١٧.

١٧. «تنبيه المعلم» ص ٢٩٢.

١٨. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٧٣.

١٩. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٦.

٢٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥١٧ - ٢٥١٨.

٢١. «مرقاة المفاتيح» ٧/ ١٤٢.

٢٢. «الكاشف» ٨/ ٢٥١٨.

٢٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠١.

٢٤. «المصباح المنير»٢/ ٥٣٦.

٢٥. «شرح النوويّ»١١/ ٢٠١.

٢٦. «تنبيه المعلم»ص ٢٩٣.

٢٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

٢٨. «تهذيب السنن» لابن القيّم ٦/ ٢٥١.

٢٩. راجع: «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» ٣/ ٣٢١.

٣٠. «المفهم» ٥/ ٩٧.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٧.

٣٢. «المفهم» ٥/ ٩٨ - ٩٩.

٣٣. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ٤٥٢.

٣٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٣.

٣٥. «المفهم» ٥/ ٩٩.

٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٧.

٣٧. «المفهم» ٥/ ٩٩ - ١٠٠.

٣٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.