HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١٣

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هشام بن عرو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ. وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ. فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ. فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قطعة من النار).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص128
ج ٣ ص ١٣٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٨٣
[٣٦٩] حديث أم سلمة ﵂: (إِنَّكُم تَختَصِمُونَ إِلَيَّ) ، فيه دلالة أن الأحكام على ظاهرها، وأن الحاكم إذا حكم بحكم على ما صح عنده في الظاهر؛ وكان باطنه على خلاف ذلك، كان الباطن أولى به. ومن باب ذكر وجوب الحكم على الغائب
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٦
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ ﵀ في هذا البحث، وحقّق الموضوع تحقيقًا بالغًا. وخلاصته أن الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من العمل بحديث الباب، وهو القضاء بشاهد واحد، ويمين المدّعِي؛ لصحّة الأحاديث في ذلك، وسُنّة رسول الله - ﷺ - إذا صحّت فهي الحجة بنفسها، لا تحتاج إلى من يدعمها بالعمل بها، كما تقدّم عن الإمام الشافعيّ ﵀، فكيف وقد قال بمقتضاها الجمهور؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ) [٤٤٦٥] (١٧١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥)، وله (٨٢) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو عبد الله، أو أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ - ﷺ -، الصحابيّة بنت الصحابيين، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في «الحيض» ٢/ ٦٨٩. ٦ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة، أو سُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّ، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ - ﷺ - سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فكوفيّ، وأن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، وتابعيّ عن تابعيّ، والبنت عن أمها، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) - ﵄ -، وفي رواية البخاريّ: «من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته، أن أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ - أخبرتها»، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بن أبي أميّة - ﵂ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) وفي رواية ابن شهاب التالية: «أن رسول الله - ﷺ - سمع جَلَبَة خَصْم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر …». وفي رواية معمر الآتية: «سمع النبيّ - ﷺ - لَجَبَة خَصْم بباب أم سلمة»، و«الْجَلَبَةُ» - بفتح الجيم واللام -: اختلاط الأصوات، ومِثله: اللَّجَبَةُ بتقديم اللام على الجيم. قال الحافظ ﵀: فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم، ووقع التصريح بأنهما كانا اثنين، في رواية عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، عند أبي داود، ولفظه: «أتى رسول الله - ﷺ - رجلان يختصمان»، وأما الخصومة، فَبَيَّن في رواية عبد الله بن رافع، أنها كانت «في مواريث لهما»، وفي لفظ عنده: «في مواريث، وأشياء قد دَرَست». (وَلَعَلَّ) بمعنى «عسى»، (بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ)؛ أي: أفطن لها، وأعْرَف بها، أو أقدر على بيان مقصوده، وأبْيَن كلامًا، قال ابن الأثير: اللحْنُ: الميل عن جهات الاستقامة، يقال: لَحَنَ في كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق، والمعنى: أن بعضكم يكون أعْرَف بالحجة، وأفطن لها من غيره. ويقال: لَحَنتُ لفلان: إذا قلتَ له قولًا يفهمه عنك، ويخفى على غيره؛ لأنك تُميله بالتورية عن الواضح المفهوم، ومنه لَحِنَ الرجل، فهو لَحِنٌ، من باب تعب: إذا فَهِمَ، وفطِنَ لِمَا لا يَفْطَنُ له غيره. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: اللحَنُ - بفتحتين -: الفِطنة، وهو مصدر، من باب تَعِبَ، والفاعل لَحِنٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: ألحنته عنّي، فلَحِن؛ أي: أفطنته، ففطِن، وهو سُرعة الفهم، وهو ألحن من زيد؛ أي: أسْبَق فهمًا منه. انتهى. وقال في «القاموس»: ولَحَنَ له: قال له قولًا يُفهمه عنه، ويخفى على غيره، ولَحَنَ إليه: مال، وألحنه القول: أفهمه إيّاه، فلَحِنه، كسَمِعه، وجعَله: فهمه، ولَحِنَ كفرِح: فَطِنَ لحجّته، وانتبه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يُفهم مما سبق أن اللَّحَنَ بمعنى الفِطنة للحُجَّة بالكسر من باب تَعِب، وأما بمعنى الفهم، فهو من بابَيْ سمع، وجعل. وذكر القرطبيّ في «المفهم» جواز فتح الماضي وكَسْره إذا كان بمعنى الفطنة، وفيه نظرٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية التالية، حيث قال: «فلعلّ بعضهم أن يكون أبلغ من بعض»؛ أي: أكثر بلاغةً، وإيضاحًا لحُجته، والمراد: أنه إذا كان أفطن كان قادرًا على أن يكون أبلغ في حُجته من الآخر . وقال الزرقانيّ في «شرح الموطّأ»: قوله: «ألحن» من اللَّحَن بفتح الحاء: الفطنة؛ أي: أبلغ، وأفصح في تقرير مقصوده وأعلم ببيان دليله، وأقدر على البرهنة على دفع دعوى خصمه، بحيث يُظَنّ أن الحق معه، وهو كاذب. هذا ما عليه أكثر الشراح، وجوَّز بعضهم أنه من اللَّحْن بسكون الحاء، وهو الصرف عن الصواب؛ أي: يكون أعجز عن الإعراب بالحجة، وضَعفه لا يخفى، وجملة «أن يكون» خبر «لعل»، من قبيل: رجل عدل؛ أي: كائن، أو «أن» زائدة، أو المضاف محذوف؛ أي: لعل وصْفَ بعضكم أن يكون ألحن بحجته . وزاد في رواية الزهريّ الآتية: «فأحسب أنه صادقٌ، فأقضي له بذلك»؛ أي: أحكم للذي غلب بحجته على خصمه، فلا حاجة إلى قوله في «الاستذكار»: «فأقضي له»؛ أي: عليه، وإن كان الواقع أن الحقّ لخصمه، لكنه لم يفطن لحجته، ولم يقدر على معارضته . (فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ) وفي بعض النسخ: «على نحو ما أسمع»؛ أي: لبناء الأحكام الشرعيّة على الظاهر، و«من» في «مما» بمعنى «لأجل»، أو بمعنى «على»؛ أي: أقضي على الظاهر من كلامه، (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ)؛ أي: خصمه، فهو أخوّة بالمعنى الأعمّ، وهو الجنس؛ لأن المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمرتدّ، في هذا الحكم سواء، فهو مُطّرد في الأخ من النسب، ومن الرضاع، وفي الدِّين، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون تخصيص الأخوة بالذكر من باب التهييج، وفي رواية يونس: «بحق مسلم». (شَيْئًا) هكذا بالنصب، وكأنه ضَمَّنَ «قضيت» معنى «أعطيت»، وفي رواية مالك، ومعمر: «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه»، ووقع عند أبي داود بلفظ: «فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه»، وفي رواية عبد الله بن رافع، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ: «فمن قضيت له بقضية، أراها يقطع بها قطعة ظلمًا، فإنما يقطع له بها قطعة من نار إسطامًا، يأتي بها في عنقه يوم القيامة»، و«الإسطام» - بكسر الهمزة، وسكون السين المهملة، والطاء المهملة -: قطعة، فكأنها للتأكيد، أفاده في «الفتح» . (فَلَا يَأْخُذْهُ)؛ أي: لكونه حرامًا، يستحقّ به العقاب، كما بيّنه بقوله: (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ)؛ أي: أقطع له بسببه، فالكلام من باب الحذف والإيصال (قِطْعَةً مِنَ النَّارِ«) وفي رواية الزهريّ:»فإنما هي قطعة من النار«، وقوله:»فإنما هي«: الضمير للحالة، أو القصة. وقوله:»قطعة من النار«؛ أي: الذي قضيت له به بحسب الظاهر، إذا كان في الباطن لا يستحقه، فهو عليه حرام، يؤول به إلى النار. وقوله:»قطعة من النار«: تمثيل يُفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. زاد في رواية ابن شهاب:»فليحملها، أو يذرها«، ولفظ البخاريّ:»فليأخذها، أو ليتركها«، وفي رواية مالك، عن هشام:»فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار». قال الدارقطنيّ: هشام، وإن كان ثقة، لكن الزهريّ أحفظ منه، وحكاه الدارقطنيّ عن شيخه أبي بكر النيسابوري. قال الحافظ: ورواية الزهريّ ترجع إلى رواية هشام، فإن الأمر فيه للتهديد، لا لحقيقة التخيير، بل هو كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال ابن التين: هو خطاب للمَقْضِيّ له، ومعناه: أنه أعلم من نفسه، هل هو مُحِقّ، أو مبطل؟ فإن كان محقًّا فليأخذ، وإن كان مبطلًا فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه. [تنبيه]: زاد عبد الله بن رافع، في آخر الحديث: «فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لك، فقال لهما النبيّ - ﷺ -: أَمّا إذا فعلتما، فاقتسما، وتَوَخّيا الحقّ، ثم اسْتَهِما، ثم تحالَلا». ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُمِّ سلمة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٤٦٥ و٤٤٦٦ و٤٤٦٧ و٤٤٦٨] (١٧١٣)، و(البخاريّ) في «المظالم والغصب» (٢٤٥٨) و«الشهادات» (٢٦٨٠) و«الحيل» (٦٩٦٧) و«الأحكام» (٧١٦٩ و٧١٨١)، و(أبو داود) في «الأقضية» (٣٥٨٣)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٣٩)، و(النسائيّ) في «آداب القضاة» (٥٤٠٣ و٥٤٢٤) و«الكبرى» (٥٩٥٦ و٥٩٨٤)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٣١٧)، و(مالك) في «الموطأ» (١٤٢٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٧٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٢٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٠٣ و٢٩٠ - ٢٩١ و٣٠٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٤/ ٦٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٩٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٧٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ٨٠٣ و٩٠٢ و٩٠٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٥٤) و«شرح مشكل الآثار» (١/ ٣٢٩ و٣٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٦٣ و١٦٤ و١٩٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٣٢٦ و٣٤٦ و١٢/ ٣٠٥ و٣٠٨)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٢٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٦٦ و١٠/ ١٤٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن حكم الحاكم على الظاهر، لا على باطن الأمور، فلا يُحلّ، حرامًا، ولا يحرم حلالًا، قال الإمام الشافعي ﵀ - لَمّا ذكر هذا الحديث -: فيه دلالة على أن الأمة إنما كُلِّفوا القضاء على الظاهر، وفيه أن قضاء القاضي لا يحرّم حلالًا، ولا يحل حرامًا. انتهى. ٢ - (ومنها): بيان إثم من خاصم في باطل، حتى استحقّ به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه. ٣ - (ومنها): أن من ادّعى مالًا، ولم يكن له بينة، فحلف المدعَى عليه، وحكم الحاكم ببراءة الحالف، أنه لا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك، تُنافي دعواه سُمعت، وبَطَل الحُكم. ٤ - (ومنها): أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًّا في الظاهر، ويُحكَم له به، أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. ٥ - (ومنها): أن المجتهد قد يخطئ، فَيُرَدُّ به على من زعم أن كل مجتهد مصيب. ٦ - (ومنها): أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر كما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر»، متّفقٌ عليه. ٧ - (ومنها): أنه - ﷺ - كان يقضي بالاجتهاد فيما لم يَنزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يُحتَجُّ به عليهم. ٨ - (ومنها): أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر، فيَحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يُقَرَّ عليه - ﷺ -؛ لثبوت عصمته. واحتج من منع مطلقًا بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه، للزم أمر المكلفين بالخطأ؛ لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه، حتى قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وبأن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول - ﷺ - أولى بذلك؛ لعلوّ رُتبته. [والجواب]: عن الأول: أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطإ، لا محذور فيه؛ لأنه موجود في حق المقلِّدين، فإنهم مأمورن باتباع المفتي والحاكم، ولو جاز عليه الخطأ. [والجواب]: عن الثاني: أن الملازمة مردودة، فإن الإجماع إذا فُرض وجوده دلّ على أن مُستَنَدهم ما جاء عن الرسول - ﷺ -، فرجع الاتباع إلى الرسول - ﷺ -، لا إلى نفس الإجماع. ٩ - (ومنها): أن الحديث حجة لمن أثبت أنه قد يُحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك، إذ لا يلزم منه مُحال عقلًا، ولا نقلًا. وأجاب من منع بأن الحديث، يتعلّق بالحكومات الواقعة، في فصل الخصومات، المبنية على الإقرار، أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يُقَرّ على الخطإ، وإنما الممتنِعة أن يقع فيه الخطأ أن يُخبِر عن أمرٍ بأن الحكم الشرعيّ فيه كذا، ويكون ذلك ناشئًا عن اجتهاده، فإنه لا يكون إلا حقًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآية [النجم: ٣]. [وأجيب]: بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعيّ، فيعود الإشكال، كما كان، ومن حجج من أجاز ذلك قوله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم»، فيُحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين، ولو كان في نفس الأمر يُعتقد خلاف ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الاجتهاد له - ﷺ -، لوضوح الأدلة المذكورة، ولكنه لا يُقرّ على خطئه، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآية [النجم: ٣]؛ لأن ذلك إذا أخبر عن الله ﷾، لا عن اجتهاداته. والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطّلاعه - ﷺ - بالوحي على كل حكومة، أنه لما كان مُشَرِّعًا، كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين، ويعتمده الحكام بعده، ومن ثَمَّ قال: «إنما أنا بشر»: أي: في الحكم بمثل ما كُلّفوا به، وقد أشبعت الكلام في هذه المسألة في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال الحافظ: وإلى هذه النكتة أشار البخاريّ بإيراده حديث عائشة - ﵂ - في قصة ابن وليدة زَمْعَة، حيث حكم - ﷺ - بالولد لعبد بن زمعة، وألحقه بزمعة، ثم لَمّا رأى شَبَهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه؛ احتياطًا، ومثله قوله في قصة المتلاعِنَين، لمّا وَضَعت التي لوعنت، ولدًا يُشبه الذي رُميت به: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»، فأشار البخاريّ إلى أنه - ﷺ - حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك، وسَبَقه إلى ذلك الشافعيّ، فإنه لَمّا تكلم على حديث الباب قال: وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين بما لَفَظوا به، وإن كان يُمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يُقضَى على أحد بغير ما لَفَظ به، فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله، وسُنَّة نبيه - ﷺ -، قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بَيِّنًا بعتبة، قال: «احتجبي منه يا سودة». انتهى. قال الحافظ: ولعل السر في قوله: «إنما أنا بشر» امتثال قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]؛ أي: في إجراء الأحكام على الظاهر، الذي يَستوي فيه جميع المكلفين، فأُمر أن يَحكم بمثل ما أُمروا أن يحكموا به؛ ليتم الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة، من غير نظر إلى الباطن. والحاصل أن هنا مقامين: [أحدهما]: طريق الحكم، وهو الذي كُلِّف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث. [والآخر]: ما يُبطنه الخصم، ولا يطلع عليه إلا الله، ومن شاء من رسله، فلم يقع التكليف به. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، بدليل الحصر في قوله: «إنما أقضي له بما أسمع». ١١ - (ومنها): أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق، وعكسه مذموم، فإن المراد بقوله: «أبلغ»؛ أي: أكثر بلاغةً، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذمّ، وإنما يُذمّ من ذلك ما يُتوصل به إلى الباطل في صورة الحق، فالبلاغة إذن لا تُذمّ لذاتها، وإنما تذم بحسب التعلق الذي يُمدح بسببه، وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره، ممن لم يصل إلى درجته، ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح، فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية، بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة، وغيرها، بل كل فتنة توصِل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها، وقد تُذم، أو تُمدح بحسب متعلقها. [تنبيه]: اختُلف في تعريف البلاغة، فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه، كُنْهَ ما في قلبه. وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ. وقيل: الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضمار. وقيل: قليل لا يبهم، وكثير لا يسأم. وقيل: إجمال اللفظ، واتساع المعنى. وقيل: تقليل اللفظ، وتكثير المعنى. وقيل: حُسن الإيجاز مع إصابة المعنى. وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة. وقيل: لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية. وقيل: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطأ. وقيل: النطق في موضعه، والسكوت في موضعه. وقيل: معرفة الفصل والوصل. وقيل: الكلام الدال أوله على آخره وعكسه. وهذا كله عن المتقدِّمين. وعَرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها: «مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحةُ»، وهي خلوّه عن التعقيد. وقالوا: المراد بالمطابقة: ما يحتاج إليه المتكلم، بحسب تفاوت المقامات، كالتأكيد وحذفه، والحذف وعدمه، أو الإيجاز والإسهاب، ونحو ذلك. والله أعلم. ١٢ - (ومنها): الرد على من حَكَم بما يقع في خاطره، من غير استناد إلى أمر خارجيّ، من بيّنة ونحوها، واحتج بأن الشاهد المتصل به، أقوى من المنفصل عنه. ووجه الرد عليه كونه - ﷺ -، أعلى في ذلك من غيره مطلقًا، ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يَحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان المدعَى صحيحًا لكان الرسول أحق بذلك، فإنه أعلمَ أنه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك، نعم لو شهدت البينة مثلًا بخلاف ما يعلمه علمًا حسيًا بمشاهدة، أو سماع يقينيًا، أو ظنيًا راجحًا، لم يَجُز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونَقَل بعضهم الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم. ١٣ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: «وتَوَخَّيا الحقّ» جواز الإبراء من المجهول؛ لأن التوخي لا يكون في المعلوم. ١٤ - (ومنها): أن في الحديث أيضًا موعظةَ الإمام الخصومَ؛ ليعتمدوا الحق، والعمل بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي للحاكم والمفتي ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان أن حكم الحاكم لا يُحلّ حرامًا، ولا يُحرّم حلالًا مطلقًا: قال ابن قُدامة ﵀: حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، في قول جمهور العلماء، منهم: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد، أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا، فلو أن رجلين تعمّدا الشهادة على رجل، أنه طلّق امرأته، فَقَبِلهما القاضي بظاهر عدالتهما، ففرَّق بين الزوجين، لجاز لأحد الشاهدين نكاحها، بعد انقضاء عدتها، وهو عالم بتعمّده الكذب، ولو أن رجلًا ادّعى نكاح امرأة، وهو يَعلم أنه كاذب، وأقام شاهدي زور، فحَكَم الحاكم، حَلّت له بذلك، وصارت زوجته. قال ابن المنذر: وتفرّد أبو حنيفة، فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها، وهما يعلمان كَذِبهما، وتزويرهما، فحَكَم الحاكم بطلاقها لحلَّ لها أن تتزوج، وحَلّ لأحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما رُوي عن عليّ - ﵁ -، أن رجلًا ادّعى على امرأة نكاحها، فرفعها إلى عليّ - ﵁ -، فشهد له شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين، اعقد بيننا عقدًا حتى أحل له، فقال: «شاهداك زوّجاك» ، فدل على أن النكاح ثبت بحكمه، ولأن اللِّعان يَنفسخ به النكاح، وإن كان أحدهما كاذبًا، فالحكم أولى. قال: ولنا قول النبيّ - ﷺ -: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار»، متّفقٌ عليه، وهذا يدخل فيه ما إذا ادّعى أنه اشترى منه شيئًا، فحُكم له، ولأنه حكمٌ بشهادة زور، فلا يحل له ما كان محرَّمًا عليه، كالمال المُطْلَق، وأما الخبر عن عليّ - ﵁ -، إن صح فلا حجة لهم فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين، لا إلى حكمه، ولم يُجِبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنًا على الشهود، فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة به، لم ينفسخ النكاح. إذا ثبت هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح، وحَكَم به الحاكم، ولم تكن زوجته، فإنها لا تحل له، ويلزمها في الظاهر، وعليها أن تمتنع ما أمكنها، فإن أكرهها عليه، فالإثم عليه دونها، وإن وطئها الرجل، فقال أصحابنا، وبعض الشافعية: عليه الحدّ؛ لأنه وطئها، وهو يعلم أنها أجنبية، وقيل: لا حد عليه؛ لأنه وطءٌ مختلَف في حِلّه، فيكون ذلك شبهة، وليس لها أن تتزوج غيره، وقال أصحاب الشافعيّ: تحل لزوج ثان، غير أنها ممنوعة منه في الحكم، وقال القاضي: يصح النكاح. ولنا أن هذا يفضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين: أحدهما يطؤها بحكم الظاهر، والآخر بحكم الباطن، وهذا فساد، فلا يُشرع، ولأنها منكوحة لهذا الذي قامت له البينة في قول بعض الأئمة، فلم يَجُز تزويجها لغيره، كالمتزوجة بغير ولي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد، رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة، في أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود، والأول هو المذهب. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الطحاويّ: ذهب قوم إلى أن الحكم بتمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح، أو فُرقة، أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظاهر، نَفَذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن، على خلاف ما استند إليه الحاكم، من الشهادة، أو غيرها، لم يكن الحكم موجبًا للتمليك، ولا الإزالة، ولا النكاح، ولا الطلاق، ولا غيرها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون إلى أن الحكم إن كان في مال، وكان الأمر في الباطن، بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر، لم يكن ذلك موجبًا لحله، للمحكوم له، وإن كان في نكاح، أو طلاق، فإنه ينفذ باطنًا وظاهرًا، وحملوا حديث الباب، على ما ورد فيه، وهو المال، واحتجوا لِمَا عَدَاه بقصة المتلاعِنَيْن، فإنه - ﷺ - فَرّق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل، قد صَدَق فيما رماها به. قال: فيؤخذ من هذا أن كلَّ قضاء، ليس فيه تمليك مال أنه على الظاهر، ولو كان الباطن بخلافه، وأنّ حكم الحاكم يُحدِث في ذلك التحريم والتحليل، بخلاف الأموال. وتُعُقِّب بأن الفرقة في اللعان، إنما وقعت عقوبةً للعلم بأن أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه، فلا يقاس عليه. وأجاب غيره من الحنفية، بأن ظاهر الحديث يدل على أن ذلك مخصوص، بما يتعلق بسماع كلام الخصم، حيث لا بينة هناك، ولا يمين، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم المرتَّب على الشهادة، وبأن «مَنْ» في قوله: «فمن قضيت له» شرطية، وهي لا تستلزم الوقوع، فيكون مِنْ فَرْضِ ما لم يقع، وهو جائز فيما تعلق به غَرَضٌ، وهو هنا مُحْتَمِل لأن يكون للتهديد والزجر، عن الإقدام على أخذ أموال الناس باللَّسَن، والإبلاع في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنًا، في العقود والفسوخ، لكنه لم يُسَق لذلك، فلا يكون فيه حجة لمن منع، وبأن الاحتجاج به، يستلزم أنه - ﷺ - يُقَرُّ على الخطإ؛ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار، إلا إذا استمر الخطأ، وإلا فمتى فُرِض أنه يطَّلع عليه، فإنه يجب أن يُبطِل ذلك الحكم، ويَرُدّ الحق لمستحقه، وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإما أن يسقط الاحتجاج به، ويُؤَوّل على ما تقدم، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطإ، وهو باطل. والجواب عن الأول: أنه خلاف الظاهر، وكذا الثاني، والجواب عن الثالث: أن الخطأ الذي لا يُقَرّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاد فيما لم يُوْحَ إليه فيه، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه بناء على شهادة زور، أو يمين فاجرة، فلا يسمى خطأ؛ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة، وبالأيمان، وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ، وليس كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه في حديث: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وحديث: «إني لم أُومر بالتنقيب عن قلوب الناس»، وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة، في شمول الخبر: الأموال، والعقود، والفسوخ، والله أعلم. ومن ثَمّ قال الشافعيّ: إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حُرّ أنه في مُلكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حريته، فإذا حَكَم له الحاكم بأنه مُلكه، لم يحل له أن يسترقّه بالإجماع. قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يُحِلّ ظاهرًا وباطنًا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدةٍ أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهو أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. وقال ابن العربيّ: إن كان حاكمًا نَفَذ على المحكوم له، أو عليه، وإن كان مفتيًا لم يَحِل، فإن كان المفتي له مجتهدًا، يرى بخلاف ما أفتاه به، لم يجز، وإلا جاز. والله أعلم. وقال القرطبيّ: شنَّعوا على من قال ذلك قديمًا وحديثًا؛ لمخالفة الحديث الصحيح، ولأن فيه صيانة المال، وابتذال الفروج، وهي أحق أن يُحتاط لها وتُصان. واحتج بعض الحنفية بما جاء عن عليّ - ﵁ - أن رجلًا خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين، فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوِّجني أنت منه، فقد رضيت، فقال: «شاهداك زوَّجاك»، وأمضى عليها النكاح. وتُعُقّب بأنه لم يثبت عن علي - ﵁ -، واحتج المذكور من حيث النظر، بأن الحاكم قضى بحجة شرعية، فيما له ولاية الإنشاء فيه، فجعل الإنشاء تحرزًا عن الحرام، والحديث صريح في المال، وليس النزاع فيه، فإن القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، ويملك إنشاء العقود والفسوخ، فإنه يملك بيع أمَة زيد مثلًا من عمرو، حال خوف الهلاك للحفظ، وحال الغَيْبة، ويملك إنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العنّين، فيجعل الحكم إنشاء؛ احترازًا عن الحرام، ولأنه لو لم ينفذ باطنًا، فلو حكم بالطلاق لبقي حلالًا للزوج الأول باطنًا، وللثاني ظاهرًا، فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الأول، حَلّت للثالث، وهكذا فتحلّ لِجَمْع متعدد في زمن واحد، ولا يخفى فُحشه، بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنًا، فإنها لا تحل إلا لواحد. انتهى. وتُعُقّب بأن الجمهور إنما قالوا في هذا: تحرم على الثاني مثلًا، إذا عَلِم أن الحُكم ترتَّب على شهادة الزور، فإذا اعتمد الحكم، وتعمَّد الدخول بها، فقد ارتكب مُحَرَّمًا، كما لو كان الحكم بالمال فأكله، ولو ابتلى الثاني كان حكم الثالث كذلك، والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرَّم، فكان كما لو زَنَوْا ظاهرًا، واحد بعد واحد. وقال ابن السمعانيّ: شرطُ صحة الحكم وجودُ الحجة، وإصابة المَحلّ، وإذا كانت البينة في نفس الأمر شهود زور، لم تحصل الحجة؛ لأن حجة الحكم هي البينة العادلة، فإن حقيقة الشهادة إظهار الحق، وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإذا كان الشهود كَذَبَةً، لم تكن شهادتهم حقًّا، قال: فإن احتجوا بأن القاضي حَكَم بحجة شرعية، أمر الله بها، وهي البينة العادلة في عِلمه، ولم يكلَّف بالاطلاع على صِدْقهم في باطن الأمر، فإذا حكم بشهادتهم، فقد امتثل ما أُمر به، فلو قلنا: لا يَنْفَذ في باطن الأمر، للزم إبطال ما وجب بالشرع؛ لأن صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة، فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية، على مُجتَهِد لا يعتقد ذلك، وأنه يجب عليه قبول ذلك، وإن كان لا يعتقده؛ صيانةً للحكم. وأجاب ابن السمعاني، بأن هذه الحجة للنفوذ، ولهذا لا يأثم القاضي، وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر، وإنما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا صادف حجة صحيحة، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الحجج أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن حديث الباب على إطلاقه، فيشمل جميع الأحكام عقودًا، وفسوخًا، وغير ذلك، أموالًا، وفروجًا هو الحقّ، وأن القول بالتفرقة بين المال والبُضع قول ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمخالفته لهذا الحديث، وغيره، والله تعالى أعلم. ومن العجائب ما كتبه صاحب «تكملة فتح الملهم» في هذا المحلّ تأييدًا لمذهبه الحنفيّ، مع ظهور ضَعفه، فقد تعصّب تعصّبًا شديدًا، قاتل الله التعصّب، وقد تقدّم قريبًا أنه أحسن في مسألة خالف فيها مذهبه؛ للأدلة، إلا أنه وقع هنا في التعصّب الممقوت. ومن أعجب ما صنعه أنه نقل عن صاحب «الفتح» عدم ثبوت أثر عليّ - ﵁ - المتقدّم في قصّة المرأة، ثم تعقّبه نقلًا عن شيخه بأن محمد بن الحسن قال: بلغنا عن عليّ … إلخ، ثم قال: وبهذا نأخذ، فقال: هذا دليل على ثبوت الرواية عند محمد بوجه يحتجّ به إلى آخر ما كتبه، فالعجب كيف يتعقّب قول صاحب «الفتح» بقول محمد: «بلغنا»؟، فهل هذا طريق المحدثين في تصحيح الحديث؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا مبلغ علم المتعصّبين، نسأل الله تعالى السلامة والعافية. [فرع]: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم، هل يحل له أخذ ما حكم له به، أو لا؟ كمن مات ابن ابنه، وترك أخًا شقيقًا، فرفعه لقاض يَرى في الجد رأي أبي بكر الصديق - ﵁ -، فحكم له بجميع الإرث، دون الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور، نقل ابن المنذر ﵀ عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق؛ عملًا بمعتقده، والخلاف في المسألة مشهور، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٤٦٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)، وحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَه) . رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧)، وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧، وهو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، كما تقدّم. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبت، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩)، وله (٨٤) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. و«ابن أبي شيبة» ذُكر قبل حديث. [تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام، ساقها ابن ماجه ﵀ في «سننه»، فقال: (٢٣١٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحوٍ مما أسمع منكم، فمن قَضَيت له من حقّ أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها يوم القيامة». انتهى . وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّار، فَلْيَحْمِلْهَا، أَوْ يَذَرْهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ، فقيهٌ، عابد [٩] (ت ١٩٧)، وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه إمام مشهور، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ) «الْجَلَبَة» - بفتح الجيم، واللام، والموحّدة -: اختلاط الأصوات، وفي الرواية الآتية: ««اللَّجَبَةَ» - بتقديم اللام على الجيم - وهي لغة في «الجلبة». و«الخَصْم» - بفتح الخاء وسكون الصاد -: الجماعة المتخاصمون، وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى، مذكرًا ومؤنثًا، ويجوز جمعه وتثنيته، كما في رواية: «خُصُوم»، وكما في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]. وقوله: (بِبَابِ حُجْرَتِهِ) وفي رواية: «عند بابه»، والحجرة المذكورة: هي منزل أم سلمة - ﵂ -، كما وقع مفسّرًا في رواية معمر الآتية. وقوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) «البشر»: الخلق، يُطلق على الجماعة والواحد، بمعنى أنه منهم، والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصّ بها في ذاته، وصفاته، والحصر هنا مجازي؛ لأنه يختص بالعلم الباطن، ويسمى قصر قلب؛ لأنه أتى به ردًّا على من زعم أنّ من كان رسولًا، فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم، قاله في «الفتح». وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: «إنما أنا بشرٌ»: تنبيه على أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب، وبما يخفى من البواطن، إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك، وعلى جواز الغلط والسهو عليهم، إلا من عصمه الله تعالى من ذلك، وقد كان الله تعالى قادرًا أن يُطلع نبيّه - ﷺ - على بواطن كلّ من يتخاصم إليه، فيحكم بخفيّ ذلك، ويُخبر به، كما اتّفق له في مواضع، كقصّة حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فَضالة بن عُمير، وذلك أنه أراد قتل النبيّ - ﷺ -، وهو يطوف بالبيت، قال: فلما دنوت منه، قال: «أفضالةُ؟»، قلت: نعم، قال: «ما كنت تحدّث به نفسك؟»، قلت: لا شيء، فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي، وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فوُجدت كما أخبر، وكما اتّفق ذلك للخضر ﵇ في قصّة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم، ومعجزاتهم، ولم يجعل الله ذلك طريقًا عامًّا، ولا قاعدة كلّيّةً، لا لهم، ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأن ذلك لا يقع من غير الأنبياء، ولأن وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ، وتلك سُنّة الله، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا. قال القرطبيّ: وقد شاهدت بعض الممخرقين، وسمعنا منهم أنهم يُعرضون عن القواعد الشرعيّة، ويحكمون بالخواطر القلبيّة، ويقول: الشاهد المتّصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني، وهذه مخرقةٌ أبرزتها زندقة، يُقتَل صاحبها، ولا يُستتاب من غير شكّ، ولا ارتياب. وهذا خير البشر النبيّ - ﷺ - يقول في مثل هذا الموطن: «إنما أنا بشر»، معترفًا بالقصور عن إدراك المغيّبات، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من الأيمان والبيّنات. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . [تنبيه]: مما ينبغي أن يُتنبّه له أن هذا الحديث فيه بيان واضح، وردّ فاضح، على غلاة الصوفيّة، وجَهَلتهم، حيث إنهم يصفون النبيّ - ﷺ - بما لا يليق أن يوصف به، فيقولون: إنه ليس كالبشر، بل هو أرفع من ذلك، يعلم الغيب، وأنه يحضر كلّ مجالسهم، ويقضي حوائجهم، بل صرّح بعضهم بأنه - ﷺ - لم يخرج من الدنيا حتى أعلمه الله تعالى الخمس التي استأثر الله تعالى بعلمها، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وكلّ هذا من الخرافات، والضلالات، فالنبيّ - ﷺ - أرفع عند الله تعالى قدرًا، ولكنه بشر، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله، فعليك أيها العاقل أن تتنصّل من هذه الاعتقادات الفاسدة، وتصحّح عقيدتك على ضوء الكتاب والسُّنّة، فلا تصف النبيّ - ﷺ - بما لم يثبت له في النصوص، ولا تَغْلُ في ذلك، فقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية [النساء: ١٧١]، وقال - ﷺ -: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله»، متّفق عليه. وبالجملة فهذا الأمر من الأخطار التي سوّلها الشيطان لأوليائه، وأوقعهم في شبكتها، وهنّاهم، ومنّاهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب على العاقل الانتباه بها، والحذر، والتحذير منها، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وقوله: (فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ): هذا يُؤْذِن أن في الكلام حذفًا تقديره: وهو في الباطن كاذب، وفي رواية معمر: «فأظنه صادقًا». وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فأحسب أنه صادق» فيه دليل على العمل بالظنون، وبناء الأحكام عليها، وهو أمرٌ لم يُختلف فيه في حقّ الحاكم والمفتي. انتهى . وقوله: (فَأَقْضِي لَهُ) وفي رواية البخاريّ: «فأقضي له بذلك»، وفي رواية أبي داود من طريق الثوريّ: «فأقضي له عليه على نحو مما أسمع»، وفي رواية عبد الله بن رافع: «إني إنما أقضي بينكم برأي، فيما لم يُنزل عليّ فيه». وقوله: (بِحَقِّ مُسْلِمٍ) قال النوويّ ﵀: التقييد بالمسلم خرج على الغالب، وليس المراد به الاحتراز من الكافر، فإن مال الذميّ، والمعاهَد، والمرتدّ في هذا كَمالِ المسلم. انتهى . وقوله: (فَإنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) الضمير للحالة، أو القصّة، وقال القرطبيّ ﵀: أَي: ما يأخذه بغير حقّه سبب يوصل آخذه إلى النار، وهو تمثيل يُفهم منه شدّة العذاب والتنكيل. انتهى . وقوله: (فَلْيَحْمِلْهَا) هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: «فليأخذها». وقوله: (أَوْ يَذَرْهَا)؛ أي: يتركها. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فليحملها، أو يذرها» لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح)، وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمَد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، صاحب «المصنّف»، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل إليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. و«الزهريّ» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٢٣٢٦) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة - ﵂ - زوج النبيّ - ﷺ - أخبرتها، عن رسول الله - ﷺ - أنه سَمِع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صَدَقَ، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها». انتهى . ورواية معمر، عن الزهريّ، ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٦٦٦٨) - حدثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: سمع رسول الله - ﷺ - لَجَبَة خصم عند باب أم سلمة، قالت: فخرج إليهم، فقال: «إنكم تختصمون، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون أعلم بحجته من بعض، فأقضي له بما أسمع منه، فأظنه صادقًا، فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه، فإنها قطعة من النار، فليأخذها، أو لِيَدَعْهَا». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. وفي نسخة: «على ما أسمع».

٢. «النهاية» ٤/ ٢٤١.

٣. «المفهم» ٥/ ١٥٥.

٤. راجع: «الفتح» ١٦/ ٢٥٨، كتاب «الحيل» رقم (٦٩٦٧).

٥. «شرح الزرقاني على الموطأ» ٣/ ٤٨٥.

٦. «شرح الزرقانيّ» ٣/ ٤٨٥.

٧. راجع: «الفتح» ١٧/ ٧، كتاب «الأحكام» رقم (٧١٨١).

٨. راجع: «الفتح» ١٥/ ٨٠.

٩. راجع: «الفتح» ١٧/ ٧ - ١٢، كتاب «الأحكام» رقم (٧١٨١).

١٠. سيأتي أن أثر عليّ - ﵁ - هذا غير ثابت، فتنبّه.

١١. «المغني» ١٤/ ٣٧ - ٣٩.

١٢. «الفتح» ١٧/ ١١، كتاب «الأحكام» رقم (٧١٨١).

١٣. «الفتح» ١٧/ ١١ رقم (٧١٨١).

١٤. وفي نسخة: «بمثله».

١٥. «سنن ابن ماجه» ٢/ ٧٧٧.

١٦. وفي نسخة: «ولعلّ بعضكم».

١٧. «المفهم» ٥/ ١٥٣ - ١٥٤.

١٨. «المفهم» ٥/ ١٥٨.

١٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٦ - ٧.

٢٠. «المفهم» ٥/ ١٥٨.

٢١. «المفهم» ٥/ ١٥٩.

٢٢. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٨٦٧.

٢٣. هو ولد الإمام أحمد راوي «المسند» عنه.

٢٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٦/ ٣٠٨.