HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٢٠

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنِي شَبَابَةُ. حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. قال (بينما امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا. جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ. فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى. فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉. فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا. يَرْحَمُكَ اللَّهُ! هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ! إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. مَا كُنَّا نَقُولُ إلا المدية.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص133
ج ٣ ص ١٣٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص١٧٤
(١٠) - (بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ) [٤٤٨٧] (١٧٢٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْت، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - ﵉ - فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّين، أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا - يَرْحَمُكَ اللهُ - هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى»، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: الْمُدْيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (شَبَابَةُ) بني سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٤٠. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر، ففيه لين [٦] (ع) تقدم في«الصلاة»٣١/ ٩٩٩. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣٠. ٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٢٣/ ١٩٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ - عند بعضهم، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ:«بَيْنَمَا امْرَأتانِ) قال الحافظ: لم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين، ولا على اسم واحد من ابنيهما في شيء من الطرق، (مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان، عن أبي الزناد عند النسائيّ: «خرجت امرأتان، معهما صبيّان لهما»، وفي رواية مسكين بن بُكير، عن شعيب: «خرجت امرأتان، معهما ولداهما»، (جَاءَ الذِّئْبُ) قال في «القاموس»: الذئب - بالكسر -، ويترك همزه: كلب البرّ، جمْعُه أذؤبٌ، وذِئابٌ، وذُؤبان بالضم، وهي بهاء. انتهى . وقال في «المصباح»: «الذئب»: يُهمَز، ولا يُهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القلّة: أَذْؤُبٌ، مثلُ فلس وأفلُس، وجمع الكثرة ذِئابٌ، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى . (فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: «فعدا الذئب على إحداهما، فأخذ ولدها»، (فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا)؛ أي: قالت إحدى المرأتين لصاحبتها: (إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أنتِ) الضمير المنفصل ذُكر لتأكيد المتّصل، (وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ) وفي نسخة: «بابنك أنت». (فَتَحَاكَمَتَا) وفي رواية ابن عجلان: «فأصبحتا تختصمان في الصبيّ الباقي»، (إِلَى) النبيّ (دَاوُدَ) ﵇، وفي رواية مسكين، عن شعيب: «فاختصما إلى داود النبي - ﷺ -»، (فَقَضَى بهِ لِلْكُبْرَى) قيل: كان ذلك على سبيل الفُتيا منهما لا الحكم، ولذلك ساغ لسليمان ﵇ أن ينقضه، وتعقبه القرطبيّ ﵀ بأن في لفظ الحديث: أنه قضى بأنهما تحاكما، وبأن فتيا النبيّ وحكمه سواء، في وجوب تنفيذ ذلك. وقال الداوديّ: إنما كان منهما على سبيل المشاورة، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه. قال ابن الجوزيّ: استويا عند داود ﵇ في اليد، فقدّم الكبرى للسنّ. وتعقّبه القرطبيّ، وحَكَى أنه قيل: كان من شرع داود ﵇ أن يحكم للكبرى، قال: وهو فاسد؛ لأن الكبير والصغر وصف طرديّ، كالطول والقصر، والسواد والبياض، ولا أثر لشيء من ذلك في الترجيح، قال: وهذا مما يكاد يُقطع بفساده، قال: والذي ينبغي أن يقال: إن داود ﵇ قضى به للكبرى؛ لسببٍ اقتضى به عنده ترجيح قولها؛ إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يُعَيَّن في الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيَحْتَمِل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى، وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال: وهذا تأويل حسن، جارِ على القواعد الشرعية، وليس في السياق ما يأباه، ولا يمنعه. [فإن قيل]: فكيف ساغ لسليمان ﵇ نقض حكمه؟. [فالجواب]: أنه لم يَعْمِد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة، أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لمّا أخبرتا سليمان بالقصة، فدعا بالسكين؛ ليشفه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدالّ على عظيم الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها: هو ابن الكبرى؛ لأنه عَلِمَ أنها آثرت حياته، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى، وعدمها في الكبرى، مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة، الدالة على صدقها ما هَجَم به على الحكم للصغرى، ويَحْتَمِل أن يكون سليمان ﵇ ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، أو تكون الكبرى في تلك الحالة، اعترفت بالحقّ، لَمّا رأت من سليمان ﵇ الجد والعزم في ذلك. ونظير هذه القصة: ما لو حكم حاكم على مُدَّع مُنكِر بيمين، فلما مضى لِيُحَلِّفه حضر من استخرج من المُنكِر ما اقتضى إقراره، بما أراد أن يحلف على جحده، فإنه والحالة هذه يُحكم عليه بإقراره، سواء كان ذلك قبل اليمين أو بعدها، ولا يكون ذلك من نقض الحكم الأول، ولكن من باب تبدّل الأحكام بتبدل الأسباب. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ بتصرّف ، وهو بحث جيّد. وقال ابن الجوزيّ : استنبط سليمان ﵇ لَمّا رأى الأمر مُحْتَمِلًا، فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد؛ لأنه لو كان داود حكم بالنصّ، لَمَا ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه، قاله في «الفتح» . (فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصّة، وبما قضى به أبوه داود ﵇، وفي رواية ابن عجلان: «فمرّتا على سليمان ﵇، فقال: كيف أمرُكما؟ فقصّتا عليه»، وفي رواية مسكين، عن شعيب: «فمرّتا على سليمان ﵇، فقال: كيف قضى بينهما؛». (فَقَالَ) سليمان ﵇: (ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ) - بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف -: الْمُدْيَة، سُمّي بذلك لأنه يُسكّن حركة المذبوح، وحكى ابن الأنباريّ فيه التذكير والتأنيث، وقال السجِستانيّ: سألت أبا زيد الأنصاريّ، والأصمعيّ، وغيرهما ممن أدركنا، فقالوا: هو مذكّرٌ، وأنكروا التأنيث، وربّما أُنّث في الشعر على معنى الشَّفْرَة، وأنشد الفرّاء: فَعَيَّتْ فِي السَّنَامِ غَدَاةَ قُرٍّ … بِسِكِّينٍ مُوَثَّقَةِ النِّصَابِ ولهذا قال الزجّاج: السّكّين مذكّرٌ، وربّما أُنّث بالهاء، لكنه شاذّ، غير مختار، ونونه أصليّةٌ، فوزنه فِعِّيل من التسكين، وقيل: النون زائدة، فهو فِعْلِينٌ، مثلُ غِسْلينٍ، فيكون من المضاعف. أفاده الفيّوميّ ﵀ . (أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: «أشقّ الغلام بينهما»، وفي رواية مسكين: قال سليمان: «أقطعه بنصفين: لهذه نصفٌ، ولهذه نصفٌ، قالت الكبرى: اقطعوه، فقالت الصغرى: لا تقطعه، هو ولدها». (فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ اللهُ) قال النوويّ ﵀: معناه: لا تشقّه، وتمّ الكلام، ثم استأنفت، فقالت: «يرحمك الله، هو ابنها»، قال العلماء: يستحبّ أن يقال في مثل هذا بالواو، فيقال: «لا، ويرحمك الله». انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: ينبغي على هذه الرواية أن يقف قليلًا بعد «لا»، حتى يتبيَّن للسامع أن الذي بعده كلام مستأنَف؛ لأنه إذا وصله بما بعده يَتوهم السامع أنه دعا عليه، وإنما هو دعاء له، وقد روي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول: لا تقل هكذا، وقل: يرحمكم الله، لا. قال: وبزول الإبهام في مثل هذا بزيادة واو، كأن يقول: لا ويرحمك الله. وفيه حجة لمن قال: إن الأم تستحلف، والمشهور من مذهب مالك، والشافعيّ أنه لا يصح. انتهى . وفي رواية النسائيُّ: «لا تفعل، يرحمك الله». (هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى) سليمان ﵇ (بِهِ)؛ أي: بالولد؛ (لِلصُّغْرَى») وفي رواية ابن عجلان:«فقالت الصغرى: أتشقّه؟ قال: نعم، فقالت: لا تفعل، حظّي منه لها، قال: هو ابنك، فقضى به لها». وفي رواية مسكين:«فقالت الصغرى: «لا تقطعه، هو ولدها، فقضى به للّتي أبت أن يقطعه». (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - يعني: بالإسناد السابق، وليس تعليقًا، وقد وقع كذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق ورقاء، عن أبي الزناد. قاله في «الفتح». (وَاللهِ إِنْ) هي النافية، وليست هي الشرطيّة؛ أي: ما (سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: الْمُدْيَةَ) مثلثة الميم، قيل للسكين ذلك؛ لأنها تقطع مَدَى حياة الحيوان، كما أن السكين سمّي به؛ لكونه يسكّن حركة المذبوح، كما تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٤٤٨٧ و٤٤٨٨] (١٧٢٠)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٢٧١) و«الرقاق» (٦٤٨٣) «والفرائض» (٦٧٦٩)، و(النسائيّ) في «آداب القضاة» (٥٤٠٤ و٥٤٠٥ و٥٤٠٦) وفي «الكبرى، (٥٩٥٧ و٥٩٥٨ و٥٩٥٩ و٥٩٦٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٢٢ و٣٤٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٠٦٦)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (١٠/ ٢٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان اختلاف المجتهدين، وأن المجتهد إذا رآى خلاف ما رآه الآخر، له أن يخالفه، ولا يجوز أن يُقلّده فيه. ٢ - (ومنها): بيان جواز حكم الحاكم بما يفهمه من القضيّة، قال أبو العبَّاس القرطبيّ ﵀: وفيه من الفقه: استعمال الحكّام الْحِيَل التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوّة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة، وقد يكون في أهل التقوى فِراسة دينيّةٌ، وتوسّماتٌ نورانيّةٌ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. انتهى. وقال النووي ﵀: إن سليمان ﵇ فعل ذلك تحيّلًا على إظهار الحق، فكان كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم، أن الحق لخصمه. ٣ - (ومنها): أن فيه المسألة المشهورة، وهي أن شَرْع من قبلنا شرعٌ لنا، وهو محلّ خلاف، وهو مذهب المصنّف حيث أورد في هذا الباب قصّة داود وسليمان ﵈ ولم يورد غيره، وهو أيضًا مذهب البخاريّ، بل هو مذهب المحدّثين حيث إنهم يوردون تحت ترجمة شرعيّة حديثًا من أحاديث بني إسرائيل، ويحتجّون به، وهو الحقّ، على تفاصيل تقدّمت في مواضع كثيرة. ٤ - (ومنها): أن هذه القصة دلّت على أن الفطنةَ والفهم موهبة من الله، لا يتعلق بكِبَر سنّ، ولا صِغَره. ٥ - (ومنها): أن الحقّ في جهة واحدة، وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإن كان وجود النص ممكنًا لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أجورهم، ولعصمتهم من الخطإ في ذلك؛ إذ لا يُقَرُّون لعصمتهم على الباطل. قاله في «الفتح» . وقال القرطبي ﵀: وفي هذا الحديث أن الأنبياء ﵈ سُوّغ لهم الحكم بالاجتهاد، وهو مذهب المحقّقين من الأصوليين، ولا يُلتفَت لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النصّ، والأنبياء ﵈ لا يفقدون النصّ، فإنهم متمكّنون من استطلاع الوحي، وانتظاره؛ لأنا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط والخطإ، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليسوا كذلك. انتهى . ٦ - (ومنها): أن فيه استعمالَ الحيل في الأحكام؛ لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة، وممارسة الأحوال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصٌ - يعني: ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وحَدَّثنَا أمَيةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي الزِّنَاد، بِهَذَا الإسْنَاد، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ وَرْقَاءَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ) العُقيليّ، أبو عمر، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٦ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) القرشيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] (ت ١٤٨) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. و«أبو الزناد» ذُكر قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) يعني: أن موسى بن عُقبة، ومحمد بن عجلان رويا هذا الحديث عن أبي الزناد بإسناده الماضي، مثل معنى حديث ورقاء بن عمر عنه. [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن أبي زناد ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٤١٧) - حدّثنا عليّ بن المدينيّ الأصبهانيّ، قثنا سُويد بن سعيد، قثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «بينما امرأتان، ومعهما ابناهما، فجاء الذئب، فذهب بأحدهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فاختصمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بسكين، أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى»، قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قد إلا يومئذ، ما كنتُ أقول إلا: المدية. انتهى . ورواية محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٢١٠٧٨) - أخبرنا أبو حازم الحافظ، ثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلميّ، أنبا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبديّ، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن القاسم، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد،
مصادر المؤلف (١٤)

١. كذا ترجم القرطبيّ ﵀ في مختصره، زاد قوله:«لا يُنْكَر»، وهي زيادة مفيدة، فتنبّه.

٢. وفي نسخة:«بابنك أنت».

٣. «القاموس المحيط» ص ٤٦٣.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢١٣.

٥. «المفهم» ٥/ ١٧٥ - ١٧٦.

٦. «كشف المشكل» ٣/ ٥١٠ - ٥١١.

٧. «الفتح» ٨/ ٤٥، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٢٧).

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٣.

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨ - ١٩.

١٠. «المفهم»٥/ ١٧٧، و«الفتح»٨/ ٤٦.

١١. «الفتح» ٨/ ٤٥.

١٢. «المفهم» ٥/ ١٧٦.

١٣. هو بمعنى قوله السابق «قطّ».

١٤. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٧٤.