HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٣٠

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنْ ابْنِ عون. قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. قَدْ أَغَارَ رسول الله ﷺ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ. وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ. فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ. (قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ) جُوَيْرِيَةَ. (أَوَ قَالَ الْبَتَّةَ) ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص139
ج ٣ ص ١٣٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٠٠
[التوبة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]. فهذه الآيات كلّها تأمر المسلمين بالابتداء بقتال الكفّار، فإنها لم تذكر سببًا لقتالهم إلا كفرهم بالله واليوم الآخر، وعدم تحريمهم ما حرّم الله، ونحو ذلك، ولم تذكر أن سبب قتالهم هو هجومهم على المسلمين، وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، فهي محكمة باقية الحكم إلى قيام الساعة، وعملًا بهذه الأحكام المحكمة قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله»، وهذا اللفظ أخرجه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - في «كتاب الإيمان»، وهذا نصّ محكم في شرعيّة جهاد الابتداء، لا يمكن حمله على جهاد الدفاع أبدًا. انتهى منقولًا من كتاب «تكملة فتح الملهم في شرح صحيح الإمام مسلم» للشيخ محمد تقيّ العثمانيّ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الإِعْلَامِ بِالإِغَارَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥١١] (١٧٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَال، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَام، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِق، وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاء، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ - قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ -: جُوَيْرِيَةَ، أَوْ قَالَ: الْبَتَّةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَني هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْن عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ) البصريّ، ثقةٌ ضابط [٨] (ت ١٨٠) (م دت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠٨. ٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن) عبد الله (بْنِ عَوْنٍ) أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ)؛ أي: عن دعاء المشركين إلى الإسلام (قَبْلَ الْقِتَال، قَالَ) ابن عون: (فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: الدعاء قبل القتال (فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ) ظاهر هذا يُفهم منه أن حكم الدعوة إلى الإسلام كان متقدّمًا، وأنه منسوخ بقضيّة بني المصطلق، وقال في «الفتح»: استدَلّ نافع بهذا الحديث على نسخ الأمر بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال. انتهى، لكن الأولى أن يُحْمَل على من بلغهم الدعوة من الكفّار، وهكذا كان حال بني المصطلق، كما يأتي تحقيقه. وقوله: (قَدْ أَكَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) جملة مستأنفة سيقت تعليلًا لقوله: «إنما ذلك في أول الإسلام»، ومعنى «أغار»: أرسل عليهم الغارة، وهي الخيل التي تُغير في أول النهار، (عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) - بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، بعدها قاف - وبنو المصطلِق بطن شهير من خُزاعة، وهو الْمُصْطَلِق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال: إن المصطلِق لقب، واسمه جَذِيمة - بفتح الجيم، بعدها ذال معجمة مكسورة - وغزوة بني المصطلق، وهي غزوة المُريسيع، كما قاله البخاريّ في «صحيحه»، كانت سنة ستّ، قاله ابن إسحاق، وقيل: سنة خمس، قاله موسى بن عُقبة، وفيها كان حديث الإفك المشهور. [تنبيه]: ذكر ابن إسحاق عن مشايخه: عاصم بن عمر بن قتادة، وغيره أنه - ﷺ - بلغه أن بني المصطلِق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم، يقال له: المريسيع قريبًا من الساحل، فزاحف الناس، واقتتلوا فهزمهم الله، وقتل منهم، ونفل رسول الله - ﷺ - نساءهم، وأبناءهم، وأموالهم. قال الحافظ - ﵀ -: كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة، وحديث ابن عمر - ﵄ - الذي في «الصحيح»: «أن النبيّ - ﷺ - أغار علي بني المصطلِق، وهم غارّون، وأنعامهم تُستقى على الماء، فقَتَل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم …» الحديث يدلّ على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم، فيَحْتَمِل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلًا، فلما كَثُر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لَمّا دَهَمَهم وَهُم على الماء ثَبَتُوا، وتصافُّوا، ووقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جُموعًا، وأرسل عينًا تأتيه بخبر المسلمين، فظَفِروا به فقتلوه، فلما بلغه ذلك هَلَعَ، وتفرق الجمع، وانتهى النبيّ - ﷺ - إلى الماء، وهو المريسيع، فصَفّ أصحابه للقتال، ورَمَوهم بالنبل، ثم حملوا عليهم حملة واحدة، فما أفلت منهم إنسان، بل قُتِل منهم عشرة، وأُسر الباقون رجالًا، ونساة. وساق ذلك اليعمريّ في «عيون الأثر»، ثم ذكر حديث ابن عمر، ثم قال: أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر، ثم قال: الأول أثبت. قال الحافظ: آخر كلام ابن سعد، والحُكم بكون الذي في السير أثبت مما في «الصحيح» مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (وَهُمْ غَارُّونَ) - بالغين المعجمة، وتشديد الراء: جمع غارّ بالتشديد -؛ أي: غافلون؛ أي: أخذهم على غِرّة، والغِرّة بالكسر: الغفلة، والجملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَأَنْعَافهُمْ) - بفتح الهمزة: جمع نَعَم - بفتحتين - وهي الإبل، والبقر، والغنم، (تُسْقَى) بالبناء للمفعول، (عَلَى الْمَاء، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ)؛ أي: الرجال الصالحين للقتال، والمطيقين له، (وَسَبَى سَبْيَهُمْ) بفتح، فسكون: هم: الذراريّ، والنساء، (وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم غزوة بني المصطلِق، (قَالَ يَحْيَى) بن يحيى شيخ المصنّف: (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ شيخي سُليم بن أخضر (قَالَ -: جُوَيْرِيَةَ) بالنصب على أنه مفعول «أصاب»، (أَوْ قَالَ الْبَتَّةَ)؛ أي: أو قال قطعًا دون تردّد، يقال: لا أفعله البتّةَ، أو بتّةً: لكل أمر لا رجعة فيه، قاله المجد - ﵀ - . قال النوويّ - ﵀ -: أما قوله: «أو البتة» فمعناه: أن يحيى بن يحيى قال: أصاب يومئذ بنت الحارث، وأظن شيخي سُلَيم بن أخضر سماها في روايته جويرية، أو أعْلَمُ ذلك، وأجزم به، وأقوله الْبَتَّةَ، وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنًّا، وإما علمًا، وفي الرواية الثانية قال: هي جويرية بنت الحارث بلا شك. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «قال يحيى: أحسبه قال: جويرية، أو البتّة … إلخ»: كذا روينا هذا الحرف، وكذا صوابه، ومعناه: أن يحيى بن يحيى راويه هل حقّق سماعها؟ فقال: أحسبه قال: جويرية، شكّ في هذه اللفظة في اسم جويرية، ثم غلب على ظنّه صحّة ذلك، فقال: «أو البتّة»، ولم يشكّ في قوله: «ابنة الحارث»، ويدلّ على ما ذهبنا إليه قوله في حديث محمد بن المثنّى بعده: «جويرية بنت الحارث»، ولم يشكّ، وكان يحيى بن يحيى؛ لكثرة تحرّيه كثيرًا ما يَعْرِض له الشكّ في بعض ألفاظ الحديث، ولذلك كانوا يلقبونه بالشَكّاك. قال: وقد رأيت بعض عظماء أهل الحديث من المصنّفين سقط في هذا الحديث سقوطًا عجيبًا، قال: فضبطه في كتابه «البتّة»، وجعله اسمًا لجويرية، وهو وَهَمٌ، وتصحيفٌ لا شكّ فيه. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «قال يحيى: أحسبه قال: جويرية، أو قال: ابنة الحارث»، هكذا صواب هذه الرواية، بإسقاط: «البتة»، وقد غَلِط فيها بعض النَّقلة، فظنّ: أن يحيى إنما شك في اسم ابنة الحارث، هل هو جويرية، أو البتة؟ وحمله على ذلك الأخذُ بظاهر ذلك اللفظ المصحَّف، وهو غلطٌ فاحشٌ؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه: البتة، وإنما يحيى بن يحيى شكّ في سماع اسم جويرية، ثم بَتّ القضية، وحقق السَّماع لاسمها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: «جويرية ابنة الحارث»، ولم يشك، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقوله: (ابْنَةَ الْحَارِثِ) صفة لـ«جُويرية»، فهي: جُويرية - بالجيم، مصغرًا - هي: بنت الحارث بن أبي ضِرَار - بكسر المعجمة، وتخفيف الراء - ابن الحارث بن مالك بن المصطلِق، وكان أبوها سيد قومه، وقد أسلم بعد ذلك . قال نافع: (وَحَدَّثَنِي هَدا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (وَكَانَ)؛ أي: عبد الله (فِي ذَاكَ الْجَيْشِ)؛ أي: جيش النبيّ - ﷺ - الذي غزا به بني المصطلِق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٥١١] (١٧٣٠)، و(البخاريّ) في «العتق» (٢٥٤١) و«الجهاد» (٢٩٣٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٣٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٧١)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤٧٧ و٧/ ٣٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١ و٣٢ و٥١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٦٢)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٢٢٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٦٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٨ و٥٤ و٦٤ و٧٩ و١٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خُزاعة، وهذا قول الشافعيّ في الجديد، وهو الصحيح، وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعيّ وجمهور العلماء، وقال جماعة من العلماء: لا يُسترقّون، وهذا قول الشافعيّ في القديم، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القاضي عياض - ﵀ -: وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق من خُزاعة، وذكر سبيه ذراريّهم، وهو قول مالك، وعامّة أصحابه، وأن الجزية تؤخذ منهم، وقاله الأوزاعيّ، وقال ابن وهب من أصحابنا: لا تؤخذ الجزية منهم، فتأول عليه أنهم لا يُسترقّون، وحكى بعض شيوخنا ذلك عن الشافعيّ، وأبي حنيفة، والمعروف عن الشافعيّ أخذ الجزية منهم، ومَنَعها أبو يوسف، وقال مثله أبو حنيفة في أهل الأوثان منهم، قالوا: إما أن يُسلموا، أو يُقتلوا، والأحاديث كلها في بني المصطلق، وهوازن، وبني العنبر، وبني فزارة، وغيرهم تدلّ على استرقاقهم. وبني المصطلق هؤلاء كانوا أهل كتاب على اليهوديّة، وكانوا من مجاوري المدينة بحيث بلغتهم الدعوة بغير شكّ، قال القاضي إسماعيل: أمر الله تعالى بقتال العرب عبدة الأوثان على الإسلام خاصّةً، وسائر الكفرة على الإسلام، أو الجزية. واختُلف في نصارى العرب، هل حكمهم حكم المشركين، أو أهل الكتاب؟ قال: وكتاب الله ﷿ يشهد أنهم منهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١] انتهى . ٣ - (ومنها): بيان عدم قتل النساء، والذرّيّة، وإنما القتال للرجال البالغين المقاتلين، وأما النساء، والذرّيّة فيُسبَوْن، ويُسترقّون، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال -: «أنها كانت في أول الإسلام»، واستدلاله بقضية بني المصطلِق؛ يُفْهَم منه أن حكم الدعوة كان متقدمًا، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق، وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقًا، ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقًا، متمسّكًا بظاهر وصية النبيّ - ﷺ - بذلك أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك؛ لأن تلك الوصايا تقعيد قاعدة عامة، وقضية بني المصطلق قضية في عين؛ ولأن الوصية قول، وقضية بني المصطلق فعل، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «والفعل لا ينسخ القول» هذا قول مرجوح، فقد حقّقت في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها» في الأصول أن الصحيح أن الفعل مثل القول، فيُنسخ به القول، كما يُنسخ بالقول؛ لأدلة كثيرة مذكورة هناك، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك، وهو أنه قال: لا يُقاتَل الكفار قبل أن يُدْعَوا، ولا تُلتمس غِرّتهم، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم، وعلى هذا فيُحْمَل حديث بني المصطلق: على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم، وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدِّين. وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مُمِيلًا لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للفتك، وللدنيا، فيزيدون عتوًّا، وتعصبًا. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإغارة على العدوّ قبل الإنذار: قال النوويّ - ﵀ -: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازريّ، والقاضي عياض: أحدها: يجب الإنذار مطلقًا، قاله مالك وغيره، وهذا ضعيف. قال الجامع عفا الله عنه: نسبة هذا القول إلى مالك: فيه نظر؛ لأنه يعارض ما ذكره القرطبيّ، فإنه نَسب إليه أنه يقول: تجب الدعوة إلا لمن بلغته، فتجوز إغارتهم، وهو قريب من المذهب الثالث الذي صححه النوويّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. والثاني: لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف منه، أو باطل. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يُستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصريّ، والثوريّ، والليث، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف، وحديث قتل ابن أبي الْحُقَيق. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الإنذار لمن لم تبلغهم الدعوة، وعدم وجوبه لمن بلغتهم، بل هو مستحبّ هو الصحيح، كما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥١٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ، وَقَالَ: جُويرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِث، وَلَمْ يَشُكَّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
مصادر المؤلف (١١)

١. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٣/ ٣ - ١٤.

٢. «الفتح» ٩/ ٢٤٣، كتاب «المغازي» رقم (٤١٣٨).

٣. «القاموس المحيط»ص ٧٦.

٤. «شرح النوويّ»١٢/ ٣٦.

٥. «إكمال المعلم»٦/ ٢٨.

٦. «المفهم»٣/ ٥١٨ - ٥١٩.

٧. «الفتح»٦/ ٣٧٣، كتاب«العتق»رقم (٢٥٤١).

٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٦.

٩. «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩ - ٣٠.

١٠. «المفهم» ٣/ ٥١٧ - ٥١٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٦.