HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٣٩

وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ وَزُهَيْرٍ) (قَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الحرب خدعة).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص143
ج ٣ ص ١٣٦١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٥٩
في غدر الأئمة من المفسدة، فإنهم إذا غَدَروا، وعُلِم ذلك منهم، لم يأمنهم العدوّ على عهدٍ، ولا صُلْحٍ، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك مُنَفِّرًا من الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين، وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتَل مع الأمير الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه، والقولان في مذهبنا - يعني: المالكيّة - والله تعالى أعلم، انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٢٩] (١٧٣٩) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ وَزُهَيْرٍ - قَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرُو جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين (ع) وهو ابن (٩٤) سنة تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٩٨) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: عن سُفْيَانَ بن عيينة أنه (قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن دينار، (جَابِرًا)؛ أي: ابن عبد الله - ﵄ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «الْحَرْبُ خَدْعَة») - بفتح الخاء المعجمة، وبضمّها، مع سكون الدال المهملة فيهما، وبضم أوله، وفتح ثانيه - قال النوويّ: اتفقوا على أن الأولى أفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبيّ - ﷺ -، وبذلك جزم أبو ذرّ الهرويّ، والقزاز، والثانية ضُبِطت كذلك في رواية الأصيليّ، قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبي - ﷺ - كان يستعمل هذه الْبِنْية كثيرًا لوجازة لفظها، ولكونها تعطي معنى البنيتين الأخيرتين، قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مَرّةً، وإلا فقاتِلْ، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى «خدعة» بالإسكان أنها تَخْدَع أهلها، من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنها وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضَرْبُ الأمير؛ أي: مضروبه. وقال الخطابيّ : معناه أنها مرّةً واحدةً؛ أي: إذا خَدَع مرةً واحدةً لم تُقَل عَثْرته، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء للدلالة على الوحدة، فإن الخداع إن كان من المسلمين، فكأنه حَضَّهم على ذلك، ولو مرّةً واحدةً، وإن كان من الكفار، فكانه حَذَّرهم من مكرهم، ولو وقع مرّةً واحدةً، فلا ينبغي التهاون بهم؛ لِمَا ينشأ عنهم من المفسدة، ولو قَلّ. وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة، كهُمَزَة، ولُمَزَةٍ. وحَكَى المنذري لغةً رابعةً بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع؛ أي: إنَّ أهلها بهذه الصفة، وكأنه قال: أهل الحرب خَدَعَةٌ. وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد لغةً خامسةً: كَسْر أوله، مع الإسكان، قال الحافظ: قرأت ذلك بخط مغلطاي. وأصل الخدع: إظهار أمر، وإضمار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والنَّدْبُ إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النوويّ: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان، فلا يجوز. وقال ابن العربيّ: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالْكَمِين، ونحو ذلك. وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله: «الحجّ عرفة». وقال ابن الْمُنيِّر: معنى «الحربُ خدعة»؛ أي: الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظَّفَر مع المخادعة، بغير خطر. [تنبيه]: ذكر الواقديّ أن أول ما قال النبي - لي الله عليه وسلم -: «الحرب خدعة» في غزوة الخندق، ذكر هذا في «الفتح» . وقال العلّامة ابن الملقّن ﵀: وضبط الأصيليّ «خُدْعة» بضم الخاء، وسكون الدال، وعن يونس ضم الخاء، وفتح الدال، وعن عياض فتحهما، وقال القزّاز: فتح الخاء وسكون الدال لغة النبيّ - ﷺ - ، ولغته أفصح اللغات، وقالوا: الْخَدْعة: المرة الواحدة من الْخِداع، فمعناه: أن من خُدِع فيها مرة واحدةً عَطِبَ، وهَلَكَ، ولا عَوْدة له. وقال ابن سيده في «العويص»: من قال: خدعة أراد: تَخْدَع أهلها، وفي «الواعي»؛ أي: تُمَنِّيهم بالظفر والغلبة، ثم لا تفي لهم، وقال: ومن قال: خُدَعة أراد: هي تَخْدع، كما يقال: رجل لُعَنةٌ: يُلْعَن كثيرًا، وإذ خَدَع أحد الفريقين صاحبه في الحرب، فكأنها خَدَعت هي. وقال قاسم بن ثابت في كتابه «الدلائل»: كَثُر استعمالهم لهذه الكلمة، حتى سَمّوا الحرب خدعةً. وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد: لغة خامسةً: خِدْعة بكسر الخاء، وسكون الدال، وحكاها ابن قُتيبة عن يونس. وقال المطرزيّ: الأفصح بالفتح؛ لأنه لغة قريش، واعترضه ابن درستويه، فقال: ليست بلغة قوم دون قوم، وإنما هي كلام الجميع؛ لأنها المرة الواحدة من الخداع، فلذلك فُتِحَت. وقال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن رسول الله - ﷺ - كان يختار هذه الْبِنْيَة، ويستعملها كثيرًا؛ لأنها بلفظها الوجيز تعطي معنى البنيتين الأخريين، ويُعطي أيضًا معناها: استَعْمِل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الحيل فقاتِل، فكانت هذه اللغة على ما ذكرنا مختصرة اللفظ، كثيرة المعنى، فلذلك كان - ﷺ - يختارها. قال اللحيانيّ: خَدَعت الرجل أَخْدَعُه خَدْعًا، وخِدْعًا، وخَدِيعة، وخَدَعَة: إذ أظهرتَ له خلاف ما تُخفي، وأصله: كلّ شيء كتمته، فقد خَدَعته، ورجل خَدّاع، وخَدُوع، وَخَدَعٌ، وخَدِيعة، وخُدَعَةٌ: إذا كان خِبًّا . وفي «المحكم»: الْخَدْع، والخديعة: المصدر، والخِاع والْخِداع: الاسم، ورجل خَيْدَع: كثير الخداع. وقال القرطبيّ ﵀: فأما إذا قلنا: لم يكن للعدوّ عهد فينبغي أن يُتَحَيّل على العدوّ بكل حيلة، وتُدار عليهم كلُّ خديعة، وعليه يُحمل قوله - ﷺ -: «الحرب خَدْعة» - بفتح الخاء، وسكون الدال - وهي لغة النبي - ﷺ -، وهي مصدر «خَدَعَ» المحدود بالتاء، كغَرْفَة، وخَطْوة - بالفتح فيهما -، ومعناه: أن الحرب تكون ذات خدعة، فوُضع المصدر موضع الاسم؛ أي: ينبغي أن يُستَعْمَل فيها الخداع، ولو مرَّة واحدة. قال: وقد روي هذا الحرف «خُدْعَة» بضم الخاء، وسكون الدال، وهو اسم ما يفعل به الخداع، كاللُّعْبة لِمَا يُلعب به، والضُّحْكة لِمَا يُضْحَك منه، فكأنه لِمَا وُقِع فيها الخداع خُدِعتْ هي في نفسها، وروي: «خُدَعة» بضم الخاء، وفتح الدال؛ أي: هي التي تفعل ذلك فتخدع أهلها، على ما تقدم، وفُعْلة: تأتي بمعنى الفاعل، كضُحْكة، وهُزْأة، ولُمْزة، للذي يفعل ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى . وقال ابن العربيّ: الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالكمين، وتكون بخُلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطن بالإجماع، أصلها الحرب، أَذِنَ الله فيه، وفي أمثاله؛ رِفْقًا بالعباد؛ لِضَعفهم، وليس للعقل في تحريمه، ولا في تحليله أثر، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقوله المبتدعون عقلًا، ويكون التحريم صفةً نفسيةً، كما يزعمون ما انقلب حلالًا أبدًا، والمسألة ليست معقولةً، فتستحقَّ جوابًا، وخفي هذا على علمائنا. انتهى . وقال الطبريّ: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحلّ، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل. وقال بعض أهل السير: قال النبيّ - ﷺ - ذلك يوم الأحزاب لمّا بعث نعيم بن مسعود أن يخذّل بين قريش، وغطفان، ويهود، ومعناه: أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام على غير علم، ومنه قيل: نفاذ الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب. وقال المهلَّب: الخداع في الحرب جائز، كيف ما يمكن، إلا بالأيمان، والعهود، والتصريح بالأيمان، فلا يحل شيء من ذلك. وقال الطبريّ: وإنما يجوز من الكذب في الحروب ما يجوز من غيرها من التعريض، مما يُنحى به نحو الصدق، مما يَحتمل المعنى الذي فيه الخديعة والغدر والألغاز، لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه؛ لأن ذلك حرام، قال المهلّب: مثل أن يقول لمبارز له: حِزَام سرجك قد انحلّ؛ ليشغله عن الاحتراس منه، فيجد فُرصة في ضربه، وهو يريد أن حزام سرجه قد انحلّ فيما مضى من الزمان، أو يخبره بخبر يقطعه من موت أميره، وهو يريد موت المنام، أو الدِّين، ومن ذلك ما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما تقدّم عن النووي من أن الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الحرب، إذا لم يمكن التعريض والتورية، هو الأظهر؛ عملًا بظواهر النصوص، وهي كثيرة: فمنها: ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأُوَل اللاتي بايعن النبيّ - ﷺ -، أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، وينمي خيرًا»، قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخَّص في شيء مما يقول الناس؛ كذِبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها». ومنها: ما أخرجه الترمذيّ وحسّنه، من حديث أسماء بنت يزيد - ﵄ - مرفوعًا:«لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يُحدِّث الرجل امرأته؛ ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس». ومن ذلك: ما جاء في قصّة قتل كعب بن الأشرف من قول محمد بن مسلمة حين أمره النبيّ - ﷺ - بقتله قال للنبيّ - ﷺ -: ائذن لي فأقول، قال:«قل»، فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا، وتلويحًا. ومنها: ما أخرجه أحمد، وابن حبان، من حديث أنس - ﵁ - في قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائيّ، وصححه الحاكم، في استئذانه النبيّ - ﷺ - أن يقول عنه ما شاء؛ لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة، وأذن له النبيّ - ﷺ -، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور في ذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٥٢٩] (١٧٣٩)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٣٠٣)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٣٦)، و(الترمذيّ) في «الجهاد» (١٦٧٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٦٩٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٥٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٨)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٣٦٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢١٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٨٢٦ و١٩٦٨ و٢١٢١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٦٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٠ و٩/ ١٥٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٦٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه تحريضًا على الخداع في الحرب، وأنه متى لم يفعل ذلك خدعه خصمه، وكان ذلك سببًا لانتكاس الأمر عليه، فلا يهمل خديعة غريمه، فإنه إن لم يخدعه خدعه هو، قال النووي: واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان فلا يحلّ. انتهى. والحكمة في الأتيان بالتاء الدالة على الوحدة، فإن كان الخداع من جهة المسلمين فكأنه حضهم على ذلك، ولو مرة واحدة، وإن كان من جهة الكفار فمعناه التحذير من خداعهم، ولو وقع ذلك منهم مرة واحدة فإنه قد ينشأ عن تلك المرة الهزيمة، ولو حصل الظفر قبلها ألف مرة، فلا ينبغي التهاون بذلك لِمَا ينشأ عنه من المفسدة، ولو قلَّ الخداع من العدو، والله أعلم . ٢ - (ومنها): أن الترمذيّ ﵀ بَوَّب على هذا الحديث بقوله: «باب ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب». قال وليّ الدين العراقي ﵀: وليس في هذا الحديث ذكر الكذب، فإن أُريد المعاريض والتورية فلا تخلو الخديعة من ذلك، وإن أريد الكذب الصريح، فقد تخلو الخديعة عنه، فمن المعاريض ما في «سنن أبي داود» عن كعب بن مالك: «أن النبيّ - ﷺ - كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها، وكان يقول:«الحرب خدعة»، وما في«سنن النسائيّ»عن مسروق، قال: سمعت علي بن أبي طالب - ﵁ - يقول في شيء: صدق الله ورسوله، قلت: هذا شيء سمعته، فقال: قال رسول الله - ﷺ -:«الحرب خدعة»، وقد ورد الترخيص في الكذب في الحرب، رواه الأئمة الخمسة، من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال:«ليس بالكاذب من أصلح بين الناس … «الحديث، وفيه:«ولم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح … «الحديث، وروى الترمذيّ من حديث أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله - ﷺ -:«لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»، وقال محمد بن جرير الطبريّ: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض، دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحل، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل، والله أعلم. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى استعمال الرأي في الحروب، ولا شك في احتياج المحارب إلى الرأي والشجاعة، وإن احتياجه إلى الرأي أشدّ من احتياجه إلى الشجاعة، ولهذا اقتصر النبي - ﷺ - هنا على ما يشير إليه فهو كقوله: «الحج عرفة» ، «والندم توبة» ، وقال الشاعر [من الكامل]: الرَّأيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشَّجْعَانِ … هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَل الثانِي فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مَرَّةً … بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
مصادر المؤلف (١٤)

١. «المفهم» ٣/ ٥٢١.

٢. «الأعلام»٢/ ١٤٣٢.

٣. «الفتح» ٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣، كتاب «الجهاد» رقم (٣٠٣٠).

٤. كون هذه اللغة لغة النبيّ - ﷺ - يحتاج إلى إثباته بنقل صحيح، فليُتأمل.

٥. بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الباء الموحّدة: الْخدّاع.

٦. «المفهم» ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢.

٧. «عارضة الأحوذيّ» ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

٨. «التوضيح شرح الجامع الصحيح» لابن الملقن ﵀ ١٨/ ٢٢٤.

٩. راجع: «الفتح» ٧/ ٢٨٤، كتاب «الجهاد» رقم (٣٠٣١).

١٠. «طرح التثريب» ٧/ ٢١٤ - ٢١٥.

١١. «طرح التثريب» ٧/ ٢١٥.

١٢. حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب «السنن».

١٣. حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان.

١٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢١٥ - ٢١٦.