HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٥١

  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص147
ج ٣ ص ١٣٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٤٥٣
(١٣) - (بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٥٦] (١٧٥١) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الأنصَارِيّ، وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ، إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفلَحَ) المدنيّ، مولى أبي أيّوب، ثقةٌ [٤] (تخ م د ت كن ق) تقدم في «الجنائز» ٢/ ٢١٢٦. ٥ - (أَبُو مُحَمَّدٍ الأنصَارِيُّ) نافع بن عبّاس - بموحّدة، ومهملة - أو «عيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأقرع، مولى أبي قتادة، قيل له ذلك؛ للزومه إياه، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في»الإيمان«٧٧/ ٣٩٩. ٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ، الصحابيّ الشهير، شهِد أُحدًا وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في«الطهارة»١٨/ ٦١٩. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ)، وكذا قوله الآتي بعده:«وساق الحديث»: قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن قوله في الطريق الأول:«واقتَصّ الحديث»، وقوله في الثاني:«وساق الحديث»يعني بهما الحديث المذكور في الطريق الثالث المذكور بعدهما، وهو قوله:«وحدثنا أبو الطاهر»، وهذا غريب من عادة مسلم - أي: لأن عادته أن يسوق سند المتن في أول الباب، ثم يُحيل عليه في بقيّة الروايات - قال: فاحفظ ما حققته لك، فقد رأيت بعض الكُتّاب غَلِطَ فيه، وتوهّم أنه متعلِّق بالحديث السابق قبلهما، كما هو الغالب المعروف من عادة مسلم، حتى إن هذا المشار إليه ترجم له بابًا مستقلًّا، وترجم للطريق الثالث بابًا آخر، وهذا غلط فاحش، فاحذره، وإذا تدبرت الطرُق المذكورة تيقنت ما حققته لك. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أبَا قَتَادَةَ قَالَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا قبله، وفي الباب الماضي. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أنسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيَرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْه، حَتَّى أتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِه، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِه، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّني ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْت، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ الله، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ»، قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكَ يَا أبا قَتَادَةَ؟». فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ الله، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّه، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ الله، يُقَاتِلُ عَنِ الله، وَعَنْ رَسُولِه، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ»، فَأَعْطَانِي، قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأوَّلُ مَالٍ تَأثَّلْتُهُ فِي الإسْلَامِ. وَفي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا، لَا يُعْطِيهِ أُضَيْبعَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللهِ. وَفي حَدِيثِ اللَّيْثِ: لأوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. والباقون ذُكروا قبله، وفي الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أن فيه ثلاثة تابعيين، روى بعضهم عن بعض، وهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعمر بن كثير، وأبو محمد مولى أبي قتادة، وكلهم مدنيّون. شرح الحديث: (عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ) المدنيّ مولى أبي أيوب الأنصاريّ، وثّقه النسائيّ وغيره، وهو تابعيّ صغير، ولكن ابن حبّان ذكره في أتباع التابعين، قال الحافظ: وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث بهذا الإسناد، لكن ذكره في ثلاثة مواضع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وليس له عند مسلم أيضًا إلا هذا الحديث، وحديث آخر تقدّم في «كتاب الجنائز» برقم [٢/ ٢١٢٦] (٩١٨) من حديث أم سلمة - ﵄ - مرفوعًا: «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أُمر به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ …» الحديث، وأعاده بعده. (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع بن عبّاس، وقيل: عيّاش، (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) قيل له ذلك؛ للزومه إياه، وإلا فهو مولى عقيلة الغفاريّة، (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة - ابن بُلْدُمة - بضمّ الموحّدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة - السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ الشهير - ﵁ -، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ) بالتصغير؛ أي: سنة وقعة حُنين، وهو وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، وقصة حنين أن النبيّ - ﷺ - فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن، وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله تعالى بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم وعيالهم، وسيأتي قريبًا بيان قصّتها مفصّلة - إن شاء الله تعالى -. (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ)؛ - بفتح الجيم، وسكون الواو - أي: حركة فيها اختلافٌ، وقال النوويّ ﵀: قوله: «جَوْلة» - بفتح الجيم -؛ أي: انهزام، وخِيفة، ذهبوا فيه، وهذا إنما كان في بعض الجيش، وأما رسول الله - ﷺ -، وطائفة معه فلم يُوَلُّوا، والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة، وسيأتي بيانها في مواضعها، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال: انهزم النبيّ - ﷺ -، ولم يرو أحد قطّ أنه - ﷺ - انهزم بنفسه في موطن من المواطن، بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه - ﷺ - وثباته في جميع المواطن. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا)؛ أي: ظهر عليه، وأشرف على قتله، أو صرعه، وجلس عليه لقتله، (رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمهما. (فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ: «فاستدبرت» (حَتَّى أتيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ) وفي رواية الليث: «نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، وآخر من المشركين يَخْتِله» - بفتح أوله، وسكون الخاء المعجمة، وكسر المثناة -؛ أي: يريد أن يأخذه على غِرّة، وتبيّن من هذه الرواية أن الضمير في قوله: «حتى أتيته من ورائه، فضربته» لهذا الثاني الذي كان يريد أن يَخْتِلَ المسلم، أفاده في «الفتح» . (فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) «حبل العاتق»: عَصَبُهُ، و«العاتق»: موضع الرداء من المنكب، وقال النوويّ: هو ما بين العنق والكتف، وقيل: حبل العاتق: هو حبل الوريد، والوريد عِرْق بين الْحُلقوم والعِلباوين . وعُرِف منه أن قوله في الرواية الأخرى: «فأضرب يده، فقطعتها» أن المراد باليد: الذراع، والعضد إلى الكتف، وقوله: «فقطعت الدرع»؛ أي: التي كان لابسها، وخلصت الضربة إلى يده، فقطعتها، قاله في «الفتح» . (وَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ)؛ أي من شدّتها، وأشْعَرَ ذلك بأن هذا المشرك كان شديد القوّة جدًّا، قاله في «الفتح»، وقال النوويّ ﵀: يَحْتَمِل أنه أراد شدّةً كشدة الموت، ويَحْتَمِل: قاربت الموت، انتهى . وقال القرطبيّ ﵀؛ أي: ضمّةً شديدةً أشرف بسببها على الموت، وهي استعارة حسنة، وأصلها أن من قَرُب من الشيء وجد ريحه. انتهى . (ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي)، أي: أطلقني (فَلَحِقْتُ) بكسر الحاء المهملة، من باب تَعِبَ، (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، وفي السياق حَذْفٌ بيّنته رواية الليث، حيث قال: «فَتَحَلّل، ودفعته، ثم قتلته، وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب». (فَقَالَ) عمر - ﵁ - (مَا لِلنَّاسِ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء حصل للناس حتى انهزموا؟ (فَقُلْتُ: أَمْرُ اللهِ)؛ أي: حكم الله ﷿، وما قضى به، فإنه لا مفرّ لِمَا قضاه. وذكر في رواية البخاريّ عكس هذا، فجعل السائل أبا قتادة، والمجيب عمر - ﵄ -، ولفظه: «فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله». (ثمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا)؛ أي: من جولتهم تلك إلى قتال الكفّار بعد أن دعاهم عبّاس بن عبد المطّلب - ﵁ - بأمره - ﷺ -، كما سيأتي في «غزوة حنين»، وفيه: «أي عبّاس نَادِ أصحاب الشجرة - وكان العبّاس صيّتًا - قال: فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، فاقتتلوا والكفّار …» الحديث. (وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: بعد نهاية المعركة، (فَقَالَ: «مَنْ) شرطيّة مبتدأ، جوابها»فله سلبه«، (قَتَلَ قَتِيلًا) قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن هذا القول منه - ﷺ - كان بعد أن بَرَدَ القتال، وأما قبل القتال فيَكره مالك أن يقول مثل ذلك؛ لئلا تفسد نية المجاهدين. انتهى . (لَهُ عَلَيْهِ)؛ أي: على قتله إياه (بَيِّنَةٌ) قال القرطبيّ ﵀: قال بظاهره الليث، والشافعيّ، وبعض أصحاب الحديث، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة، أو بشاهدٍ ويمين، وقال الأوزاعيّ، والليث بن سعد: ليست البيّنة شرطًا في الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى رفعًا للمنازعة، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بيّنة، ألا ترى أن النبيّ - ﷺ - أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة، ولا يمين، ولا يكفي شهادة واحد، ولا يناط بها حكم بمجردها، لا يقال: إنما أعطاه إيَّاه بشهادة الذي هو في يده، وشهادة أبي بكر؛ لأن أبا بكر - ﵁ - لم يُقم شهادة لأبي قتادة، وإنما منع أن يُدفع السلب للذي ذكر أنه في يديه، ويمنع منه أبو قتادة، ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة، ومن قال بقولها: أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة؛ لأنه من الإمام ابتداء عطيّة. فإن شَرَط فيها الشهادة كان له، وإن لم يشترط، جاز أن يعطيه من غير شهادة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من اشتراط البيّنة في استحقاق السلب هو الأرجح؛ لظاهر هذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَلَهُ سَلَبُهُ») - بفتحتين -: ما يُسلَب، والجمع: أسلاب، مثل سبب وأسباب، قال في«البارع»: وكل شيء على الإنسان، من لباس، فهو سَلَب، ذكره الفيّوميّ ﵀ . وقال في«الفتح»:«السَّلَبُ» - بفتح المهملة، واللام -: هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس، وغيره، عند الجمهور، وعن أحمد: لا تدخل الدابة، وعن الشافعي يَختص بأداة الحرب. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: اختلفوا في السَّلَب الذي يستحقه القاتل، فذهب الأوزاعيّ، وابن حبيب من المالكيّة إلى أنه فَرسه الذي ركبه، وكلُّ شيء كان عليه من لبوس، وسلاح، وآلة، وحِلية له ولفرسه، غير أن ابن حبيب قال: إن المنطقة التي فيها دنانير ودراهم نَفَقَته داخلة في السَّلب، ولم ير ذلك الأوزاعيّ، وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة، ونحوه مذهب الشافعيّ، غير أنه تردد في السوارين، والحلية، وما في معناهما من غير حلية الحرب. وذهب ابن عباس - ﵄ - إلى أنه: الفرس، والسِّلاح، وهو معنى مذهب مالك، وشذَّ أحمد، فلم ير الفرس من السَّلب، ووقف في السَّيف، وللشافعيّ قولان فيما وُجد في عسكر العدوّ من أموال المقتول؛ هل هو من سلبه، أم لا؟ والصحيح: العموم فيما كان معه؛ تمسّكًا بالعموم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (قَالَ) أبو قتادة (فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟) زاد في رواية: «فلم أر أحدًا يشهد لي»، قال في «الفتح»: وذكر الواقديّ أن عبد الله بن أُنيس شهد له، فإن كان ضَبَطه احتَمَلَ أن يكون وجده في المرة الثانية، فإن في الرواية الثانية: «فجلست، ثم بدا لي، فذكرت أمره». (ثُمَّ جَلَسْتُ)؛ أي: لِفَقْد من يشهد له، (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (مِثْلَ ذَلِكَ) وفي بعض النسخ: «ثم قال بمثل ذلك»؛ أي: قال - ﷺ - مثل قوله السابق، وهو: «من قتل قتيلًا، له عليه بيّنة، فله سلبه». (فَقَالَ) أبو قتادة (فَقُمْتُ، فَفلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (ذَلِكَ الثَّالِثَةَ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: المرّةَ الثالثةَ (فقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»)؟ أي: أيُّ شيء ثبت لك؟ حتى تقوم، ثم تجلس ثلاث مرّات. (فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ)؛ أي: قصّة ما ناله في قتل المشرك المذكور، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وذكر الواقديّ أن اسمه أسود بن خزاعيّ، قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشيّ. انتهى. (صَدَقَ يَا رَسُولَ الله، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ) بقطع الهمزة، من الإرضاء؛ أي: مُر أبا قتادة أن يرضى به لي، ويتنازل (مِنْ حَقِّهِ) منه، وفي رواية البخاريّ: «فأرضه منه»، وفي لفظ: «فأرضه منّي». وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فأرضه من حقّه»؛ أي: أعطه ما يرضى به بدلًا من حقّه في السَّلب، فكأنه سأل من النبيّ - ﷺ - أن يتركه له، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به. انتهى . (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) - ﵁ - (لَاهَا اللهِ اِذًا) قال الحافظ ﵀: هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من «الصحيحين» وغيرهما بهذه الأحرف: «لاها الله إذًا»، فأما «لاها الله»، فقال الجوهريّ: «ها» للتنبيه، وقد يُقْسَمُ بها، يقال: لاها الله ما فعلت كذا، قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع «الله»؛ أي: لم يُسْمَع لاها الرحمن، كما سُمِع: لا والرحمن، قال: وفي النطق بها أربعة أوجه: أحدها: ها الله باللام بعد الهاء، بغير إظهار شيء من الألفين. ثانيها: مثله، لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم: التَقَت حلقتا البِطَان. ثالثها: ثبوت الألفين بهمزة قطع. رابعها: بحذف الألف، وثبوت همزة القطع. انتهى كلامه. والمشهور في الرواية من هذه الأوجه: الثالث، ثم الأول. وقال أبو حاتم السجستانيّ: العرب تقول: لاها الله ذا بالهمز، والقياس ترك الهمز، وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أنه رُوِي برفع «الله»، قال: والمعنى: يأبى الله. وقال غيره: إن ثبتت الرواية بالرفع، فتكون «ها» للتنبيه، و«الله» مبتدأ، و«لا يَعْمِد» خبره. انتهى، ولا يخفى تكلّفه، وقد نَقَل الأئمة الاتفاق على الجرّ، فلا يُلتفت إلى غيره. وأما «إذا» فثبتت في جميع الروايات المعتمدة، والأصول المحققة من «الصحيحين» وغيرهما بكسر الألف، ثم ذال معجمة منونة. وقال الخطابيّ: هكذا يروونه، وإنما هو في كلامهم؛ أي: العرب: «لاها الله ذا»، و«ها» فيه بمنزلة الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا. ونَقَل عياض في «المشارق» عن إسماعيل القاضي أن المازنيّ قال: قولُ الرواة «لاها الله إذًا» خطأ، والصواب: «لاها الله ذا»؟ أي: ذا يميني وقسمي. وقال أبو زيد: ليس في كلامهم «لاها الله إذا»، وإنما هو «لاها الله ذا» و«ذا» صلة في الكلام، والمعنى: لا والله، هذا ما أُقسم به، ومنه أخذ الجوهريّ، فقال: قولهم: لاها الله ذا معناه: لا والله هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير: لا والله ما فعلت ذا، وتوارد كثير ممن تكلم على هذا الحديث أن الذي وقع في الخبر بلفظ «إذا» خطأ، وإنما هو «ذا» تبعًا لأهل العربية، ومن زعم أنه ورد في شيء من الروايات بخلاف ذلك، فلم يُصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض مَن قَلَّد أهل العربية في ذلك. وقد اختُلِف في كتابة «إذا» هذه، هل تكتب بألف، أو بنون؟ وهذا الخلاف مبنيّ على أنها اسم، أو حرف، فمن قال: هي اسم قال: الأصل فيمن قيل له: سأجيء إليك، فأجاب: إذًا أكرمَك؛ أي: إذا جئتني أكرمك، ثم حَذَف «جئتني»، وعوّض عنها التنوين، وأُضمرت «إن»، فعلى هذا يُكتب بالنون، ومن قال: هي حرف، وهم الجمهور اختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطة، وهو الراجح، ومنهم من قال: مركبة من «إذْ» و«إن» فعلى الأول تكتب بألف، وهو الراجح، وبه وقع رسم المصاحف، وعلى الثاني تُكتب بِنُون. واختُلِف في معناها، فقال سيبويه: معناها الجواب والجزاء، وتبعه جماعة، فقالوا: هي حرف جواب، يقتضي التعليل، وأفاد أبو علي الفارسيّ أنها قد تتمحض للجواب، وأكثر ما تجيء جوابًا لـ«لو»، و«إن» ظاهرًا، أو مقدّرًا، فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ «إذًا» لاختل نظم الكلام؛ لأنه يصير هكذا: لا والله إذًا لا يعمد إلى أسد إلخ، وكان حقّ السياق أن يقول: إذًا يَعمد؛ أي: لو أجابك إلى ما طلبت، لعمد إلى أسد … إلخ.، وقد ثبتت الرواية بلفظ: «لا يعمد … إلخ»، فمِنْ ثَمَّ ادّعَى من ادعى أنها تغيير، ولكن قال ابن مالك: وقع في الرواية «إذًا» بألف وتنوين، وليس ببعيد. وقال أبو البقاء: هو بعيد، ولكن يمكن أن يوجّه بأن التقدير: لا والله لا يعطي إذًا؛ يعني ويكون: لا يعمد … إلخ تأكيدًا للنفي المذكور، وموضحًا للسبب فيه. وقال الطيبيّ: ثبت في الرواية: «لاها الله إذًا» فَحَمله بعض النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل «لاها الله» بدون «ذا»، وإن سُلّم استعماله بدون «ذا»، فليس هذا موضع إذًا؛ لأنها حرف جزاء، والكلام هنا على نقيضه، فإن مقتضى الجزاء أن لا يذكر «لا» في قوله: «لا يعمد»، بل كان يقول: «إذًا يعمد إلى أسد … إلخ»؛ ليصح جوابًا لطلب السلَب، قال: والحديث صحيح، والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: أفعل كذا، فقلت له: والله إذًا لا أفعل، فالتقدير: إذًا والله لا يعمد إلى أسد … إلخ، قال: ويَحْتَمِل أن تكون «إذًا» زائدة، كما قال أبو البقاء: إنها زائدة في قول الحماسيّ: إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنُ في جواب قوله: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إِبِلِي قال: والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويُقَدِّم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجهابذته، وينسبون إليهم الخطأ والتصحيف، ولا أقول: إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل؛ إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم. قال الحافظ: وقد سبقه إلى تقرير ما وقع في الرواية، ورَدّ ما خالفها الإمام أبو العباس القرطبيّ في «المفهم»، فنَقَل ما تقدم عن أئمة العربية، ثم قال: وقع في رواية العذريّ والهوزنيّ في مسلم: «لاها الله ذا» بغير ألف، ولا تنوين، وهو الذي جزم به من ذكرناه، قال: والذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صواب، وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، و«ها» هي التي عُوِّض بها عن واو القسم، وذلك أن العرب تقول في القسم: آلله لأفعلنّ بمد الهمزة، وبقصرها، فكأنهم عَوَّضوا عن الهمزة «ها»، فقالوا: ها الله؛ لِتَقارب مخرجيهما، وكذلك قالوا بالمدّ، والقصر، وتحقيقه أن الذي مَدَّ مع الهاء، كأنه نطق بهمزتين، أَبْدَل من إحداهما ألفًا استثقالًا لاجتماعهما، كما تقول: آلله، والذي قَصَر كأنه نطق بهمزة واحدة، كما تقول: الله، وأما «إذا» فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله - ﷺ -، وقد سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: «أينقص الرُّطَب إذا جَفّ؟»، قالوا: نعم، قال: «فلا إذًا»، فلو قال: فلا والله إذًا، لكان مساويًا لِمَا وقع هنا، وهو قوله: لاها الله إذًا من كل وجه، لكنه لم يحتج هناك إلى القسم، فتركه، قال: فقد وضح تقرير الكلام، ومناسبته، واستقامته معنًى ووضعًا، من غير حاجة إلى تكلف بعيد، يخرج عن البلاغة، ولا سيما من ارتكب أبعد، وأفسد، فجعل «ها» للتنبيه، و«ذا» للإشارة، وفصل بينهما بالمقسَم به، قال: وليس هذا قياسًا فيطّرد، ولا فصيحًا، فيُحمَل عليه الكلام النبويّ، ولا مرويًّا برواية ثابتة، قال: وما وُجد عند العذريّ وغيره فإصلاحُ من اغتر بما حُكي عن أهل العربية، والحقّ أحقّ أن يتبع. وقال بعض من أدركناه، وهو أبو جعفر الغرناطيّ، نزيل حَلَب في حاشية نسخته من البخاريّ: استرسل جماعة من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المَخْلَص منه أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: والصواب: «لاها الله ذا» باسم الإشارة، قال: ويا عجبًا من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلًا، جوابهم أن «ها الله» لا يستلزم اسم الإشارة، كما قال ابن مالك، وأما جعل «لا يعمد» جواب «فأرضه»، فهو سبب الغلط، وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شَرْط مقدَّر، يدل عليه: «صَدَق، فأرضه»، فكأن أبا بكر قال: إذًا صدق في أنه صاحب السلب، إذًا لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقّه، فالجزاء على هذا صحيح؛ لأن صدقه سبب أن لا يفعل ذلك، قال: وهذا واضح، لا تكلف فيه. انتهى. وهو توجيه حسنٌ، والذي قبله أقعد، ويؤيد ما رجحه من الاعتماد على ما ثبتت به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث: منها: ما وقع في حديث عائشة - ﵂ - في قصة بريرة لَمّا ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء، قالت: فانتهرتها، فقلت: لاها الله إذًا. ومنها: ما وقع في قصة جُليبيب - بالجيم، والموحدتين، مصغرًا - أن النبيّ - ﷺ - خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، قال: «فنعم إذًا»، قال: فذهب إلى امرأته، فذكر لها، فقالت: لاها الله إذًا، وقد منعناها فلانًا … الحديث صححه ابن حبان من حديث أنس - ﵁ -. ومنها: ما أخرجه أحمد في «الزهد» قال: قال مالك بن دينار للحسن: يا أبا سعيد لو لبست مثل عباءتي هذه، قال: لاها الله إذًا، ألبس مثل عباءتك هذه. وفي «تهذيب الكمال» في ترجمة ابن أبي عتيق أنه دخل على عائشة في مرضها، فقال: كيف أصبحتِ؟ جعلني الله فداك، قالت: أصبحت ذاهبةً، قال: فلا إذًا، وكان فيه دُعابة. ووقع في كثير من الأحاديث في سياق الإثبات بقَسَم، وبغير قَسَم: فمن ذلك في قصة جليبيب. ومنها: حديث عائشة في قصة صفية لَمّا قال - ﷺ -: «أحابستنا هي؟» وقال: إنها طافت بعدما أفاضت، فقال: «فلتنفر إذًا»، وفي رواية: «فلا إذًا». ومنها: حديث عمرو بن العاص وغيره في سؤاله عن أحبّ الناس، فقال: «عائشة»، فقال: لم أَعْنِ النساء، قال: «فأبوها إذًا». ومنها: حديث ابن عباس في قصة الأعرابي الذي أصابته الْحُمَّى، فقال: بل حُمَّى تفور على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «فنعم إذًا». ومنها: ما أخرجه الفاكهيّ من طريق سفيان، قال: لقيت ليطة بن الفرزدق، فقلت: أسمعت هذا الحديث من أبيك؟ قال: أي ها الله إذًا، سمعت أبي يقوله، فذكر القصة. ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أرأيت لو أني فرغت من صلاتي، فلم أَرْضَ كمالها، أفلا أعود لها؟ قال: بلى ها الله إذًا. قال الحافظ: والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن تقرر أن «إذًا» حرف جواب وجزاء أنه كأنه قال: إذًا والله أقول لك: نعم، وكذا في النفي، كأنه أجابه بقوله: إذًا والله لا نعطيك، إذًا والله لا أشترط، إذًا والله لا ألبس، وأُخّر حرف الجواب في الأمثلة كلها، وقد قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣]: فلا يؤتون الناس إذًا، وجعل ذلك جوابًا عن عدم النصيب بها، مع أن الفعل مستقبَل، وذكر أبو موسى المديني في «المغيث» له في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]: «إذًا» قيل: هو اسم بمعنى الحروف الناصبة، وقيل: أصله «إذا» الذي هو من ظروف الزمان، وإنما نُوِّن للفرق، ومعناه حينئذٍ؛ أي: إن أخرجوك من مكة، فحينئذٍ لا يلبثون خلفك إلا قليلًا. وإذا تقرر ذلك أمكن حمل ما ورد من هذه الأحاديث عليه، فيكون التقدير: لا والله حينئذٍ، ثم أراد بيان السبب في ذلك، فقال: «لا يعمد … إلخ»، والله أعلم. قال الحافظ: وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني منذ طلبت الحديث، ووقفت على كلام الخطابيّ وَقَعَت عندي منه نَفْرة؛ للإقدام على تخطئة الروايات الثابتة، خصوصًا ما في «الصحيحين»، فما زلت أتطلب الْمَخْلَص من ذلك إلى أن ظَفِرت بما ذكرته، فرأيت إثباته كله هنا، وبالله التوفق. انتهى . (لَا يَعْمِدُ)؛ أي: لا يقصد رسول الله - ﷺ - إلى رجل، كأنه أسد في الشجاعة، يقاتل عن دين الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فيأخذ حقّه، ويعطيكه بغير طيبة من نفسه، هكذا ضُبِط للأكثر بالتحتانية فيه، وفي «يُعطيك»، وضَبَطه النووي بالنون فيهما. (إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ الله، يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ) ﷾ (وَعَنْ رَسُولهِ) - ﷺ -؛ يعني: أنه يقاتل في سبيل الله؛ نصرةً لدين الله تعالى، وشريعة رسوله - ﷺ -، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. (فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ)؛ أي: سلب قتيله، فأضافه إليه باعتبار أنه مَلَكه. [تنبيه]: وقع في حديث أنس - ﵁ - أن الذي خاطب النبيّ - ﷺ - بذلك عمر - ﵁ -، أخرجه أحمد، من طريق حماد بن سلمة، عن إسحاق بن أبي طلحة عنه، ولفظه: «إن هوازن جاءت يوم حنين»، فذكر القصة، قال: «فهزم الله المشركين، فلم يُضرَب بسيف، ولم يُطْعَن برمح، وقال رسول الله - ﷺ - يومئذٍ: من قتل كافرًا، فله سلبه، فقَتَل أبو طلحة يومئذ عشرين راجلًا، وأخذ أسلابهم»، وقال أبو قتادة: إني ضربت رجلًا على حبل العاتق، وعليه درع، فأُعجلت عنه، فقام رجل، فقال: أخذتها، فأرضه منها، وكان رسول الله - ﷺ - لا يسأل شيئًا إلا أعطاه، أو سكت، فسكت، فقال عمر: والله لا يُفيئها الله على أسد من أسده، ويعطيكها، فقال النبيّ - ﷺ -: صدق عمر«، وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم بعض هذا الحديث، وكذلك أبو داود، لكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر، كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لِمَا وقع فيها من غيره. ويَحْتَمِل الجمع بأن يكون عمر أيضًا قال ذلك؛ تقويةً لقول أبي بكر، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال هو الأرجح؛ لِمَا يخفى على من تأمّل، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«صَدَقَ)، أي: هذا القائل، وهو أبو بكر - ﵁ - (فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ») بصيغة الأمر، أي: قال - ﷺ - للذي اعتَرَف بأن السلب عنده: أعطه ذلك السلب. (فَأَعْطَانِي، قَالَ) أبو قتادة (فَبِعْتُ الدِّرْعَ) ذكر الواقديّ أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بَلْتعة، وأن الثمن كان سبع أواقي. (فَابْتَعْتُ بِهِ)؛ أي: اشتريت بثمنه (مَخْرَفًا) - بفتح الميم، والراء - وهذا هو المشهور، قاله النوويّ، وقال المازريّ: الْمَخْرَف - بفتح الميم والراء -: البستان، والْمِخْرف - بكسر الميم، وفتح الراء -: الوعاء الذي يُجعل فيه ما يُختَرَف من الثمار، وقال القاضي عياض: رَوَيناه بفتح الميم وبكسرها، فمن كسر جعله مثل مِرْبَدٍ، ومن فتحه جعله مثل مضرب، ورويناه أيضًا بفتح الميم، وكسر الراء، كما قالوا: مسكِنٌ، ومسجِدٌ، ومسكَنٌ، ومسجَدٌ، وقيل: المخرف: السكة من النخل، تكون صَفَّين يَخرِف من أيها شاء؛ أي: يجتني، وقال ابن وهب: هي الجنينة الصغيرة، وقال غيره: هي نخلات يسيرة، وأما الْمِخْرَف - بكسر الميم، وفتح الراء - فهو الوعاء الذي يُجعل فيه ما يُجتنى من الثمار، ويقال: اخترف الثمر: إذا جناه، وهو ثمر مخروف. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «مَخْرَفًا» - بفتح الميم، والراء، ويجوز كسر الراء -؛ أي: بستانًا، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُخْتَرَف منه التمر؛ أي: يُجتنى، وأما بكسر الميم، فهو اسم الآلة التي يُخترف بها، وفي رواية الليث عند البخاريّ بلفظ: «خِرَافًا» وهو بكسر أوله، وهو التمر الذي يُختَرف؛ أي: يُجتنى، وأطلقه على البستان مجازًا، فكأنه قال: بستانُ خِراف. وذكر الواقديّ أن البستان المذكور، كان يقال له: الوديين. (فِي بَنِي سَلِمَةَ) - بكسر اللام -: هم بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة. (فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأثَّلْتُهُ فِي الإسْلَامِ) - بمثناة، ثم مثلثة -؛ أي: جعلته أصل مالي، وأَثْلة كل شيء: أصله، وفي رواية ابن إسحاق: «أول مال اعتقدته»؛ أي: جعلته عُقْدة، والأصل فيه من العَقْد؛ لأن من ملك شيئًا عقد عليه. وقوله: (وَفي حَدِيثِ اللَّيْثِ … إلخ) حديث الليث هذا لم يسنده المصنّف، وإنما أخرجه البخاريّ في «صحيحه»، فقال في «كتاب الأحكام»: (٧١٧٠) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث بن سعد، عن يحيى، عن عُمر بن كثير، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، أن أبا قتادة قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم حنين: «من له بيّنة على قتيل قَتَله، فله سَلَبه»، فقمت لألتمس بيّنة على قتيل، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي، فذكرت أمره إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، قال: فأرضه منه، فقال أبو بكر: كَلّا لا يعطه أُصيبغ من قريش، ويَدَعَ أسدًا من أسد الله، يقاتل عن الله، ورسوله، قال: فأمر رسول الله - ﷺ -، فأدّاه إليّ، فاشتريت منه خِرافًا، فكان أول مال تأثلته، قال لي عبد الله، عن الليث: فقام النبيّ - ﷺ -، فأدّاه إليّ. انتهى . وقوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (كَلَّا) رَدْعُ، وزجر؛ أي: انزجر، واترك هذا الطلب. وقال القرطبيّ ﵀: «كَلّا»: ردع، وزجر، وقد تكون بمعنى: «لا»؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿كَلَّا﴾، في جواب قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. وقد يكون استفتاحًا بمعنى: «ألا»؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ [المطففين: ١٨]. انتهى . (لَا يُعْطِيهِ)؛ أي: النبيّ - ﷺ - (أُضَيْبعَ مِنْ قُرَيْشٍ) قال القاضي عياض ﵀: اختَلَف رواة كتاب مسلم في هذا الحرف على وجهين: أحدهما: رواية السمرقنديّ: «أُصَيبغ» - بالصاد المهملة، والغين المعجمة -. والثاني: رواية سائر الرواة: «أُضيبع» - بالضاد المعجمة، والعين المهملة - قال: وكذلك اختلَفَ فيه رواة البخاريّ، فعلى الثاني هو تصغير ضَبُع، على غير قياس، كأنه لَمّا وَصَف أبا قتادة بأنه أسد صَغّر هذا بالإضافة إليه، وشبّهه بالضبيع؛ لضعف افتراسها، وما توصف به من العجز والحمق، وأما على الوجه الأول، فوصفه به لتغيّر لونه، وقيل: حَقَره، وذَمّه بسواد لونه، وقيل: معناه أنه صاحب لون غير محمود، وقيل: وصفه بالمهانة، والضعف، قال الخطابي: الأصيبغ: نوع من الطير، قال: ويجوز أنه شبّهه بنبات ضعيف، يقال له: الصبغاء، أول ما يطلع من الأرض يكون مما يلي الشمس منه أصفر. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «أُصيبغ» - بصاد مهملة، ثم غين معجمة - عند القابسيّ، وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذرّ، وقال ابن التين: وصفه بالضعف، والمهانة، والأُصيبغ: نوع من الطير، أو شبّهه بنبات ضعيف، يقال له: الصبغاء، إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابيّ، وعلى هذا رواية القابسيّ، وعلى الثاني تصغير الضبع على غير قياس، كأنه لَمّا عَظَّم أبا قتادة بأنه أسد صغّر خصمه، وشبّهه بالضبع؛ لضعف افتراسه، وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك: «أضيبع» بمعجمة، وعين مهملة: تصغير أضبع، ويكنى به عن الضعيف. انتهى . (وَيَدَعُ)؛ أي: يترك، وهو بالرفع، ويجوز النصب، والجزم، (أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللهِ). (وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: لأَوَّلُ مَالٍ تَأثَّلْتُهُ)؛ أي: جعلته أصل مالي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٤٥٥٦ و٤٥٥٧ و٤٥٥٨] (١٧٥١)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٠٠) و«فرض الخمس» (٣١٤٢) و«المغازي» (٤٣٢١) وفيه تعليقًا (٤٣٢٢) ووصله في «الأحكام» (٧١٧٠)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧١٧)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٦٢)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٣٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٩٥ و٣٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٠٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٣٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠٧٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٠٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٧٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحقاق القاتل سَلَب المقتول، من بين سائر الغانمين. ٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: ومبادرة أبي بكر بالفُتيا، والرَّدع، والنَّهي بحضرة رسول الله - ﷺ -، وإقرار النبيّ - ﷺ - له على ذلك، وتصديقه على قوله، شرفٌ عظيم، وخصوصية لأبي بكر - ﵁ -، ليس لأحدٍ من الصحابة مثلها، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يُفتون في حياة رسول الله - ﷺ -، يعلم بهم، ويُقِرّهم، لكن لم يُسمع عن أحدٍ منهم أنه أفتى بحضرته ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر - ﵁ - في هذه القصة. انتهى . وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث فضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي بكر الصديق - ﵁ - في إفتائه بحضرة النبيّ - ﷺ -، واستدلاله لذلك، وتصديق النبيّ - ﷺ -. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لأبي قتادة - ﵁ -، فإن أبا بكر - ﵁ - سمّاه أسدًا من أسد الله تعالى يقاتل عن الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وصدّقه النبيّ - ﷺ -، وهذه منقبة جليلة من مناقبه - ﵁ -. ٤ - (ومنها): أن السلب للقاتل؛ لأنه أضافه إليه، فقال: يعطيك سلبه. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا أن لفظة: «لاها الله» تكون يمينًا، قال النوويّ: قال أصحابنا: إن نوى بها اليمين كانت يمينًا، وإلا فلا؛ لأنها ليست متعارفة في الأيمان. ٦ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: قوله: «له عليه بينة فله سلبه» فيه تصريح بالدلالة لمذهب الشافعيّ، والليث، ومن وافقهما من المالكية، وغيرهم أن السلب لا يُعْطَى إلا لمن له بيّنة بأنه قتله، ولا يُقبل قوله بغير بينة، وقال مالك، والأوزاعيّ: يعطى بقوله، بلا بينة، قالا: لأن النبيّ - ﷺ - أعطاه السلب في هذا الحديث بقول واحد، ولم يحلِّفه. والجواب أن هذا محمول على أن النبيّ - ﷺ - عَلِم أنه القاتل بطريق من الطرق، وقد صَرَّح - ﷺ - بالبينة، فلا تلغى، وقد يقول المالكيّ: هذا مفهوم، وليس هو بحجة عنده، ويجاب بقوله - ﷺ -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعَى …» الحديث، فهذا الذي قدّمناه هو المعتمَد في دليل الشافعيّ ﵀، وأما ما يحتج به بعضهم أن أبا قتادة إنما يستحق السلب بإقرار من هو في يده، فضعيف؛ لأن الإقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبًا إلى من هو في يده، فيؤخذ بإقراره، والمال هنا منسوب إلى جميع الجيش، ولا يُقبل إقرار بعضهم على الباقين، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت قريبًا، أن الأرجح عندي قول من اشترط البيّنة؛ لظاهر هذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السَّلَب: قال النوويّ ﵀: اختلف العلماء في هذا، فقال الشافعيّ، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير، وغيرهم: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: مَن قَتَل قتيلًا، فله سلبه، أم لم يقل ذلك، قالوا: وهذه فتوى من النبيّ - ﷺ -، وإخبار عن حكم الشرع، فلا يَتوقف على قول أحد. وقال أبو حنيفة، ومالك، ومن تابعهما - رحمهم الله تعالى -: لا يستحق القاتل بمجرد القتل سلب القتيل، بل هو لجميع الغانمين، كسائر الغنيمة، إلا أن يقول الأمير قبل الققال: مَن قتل قتيلا فله سلبه، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقًا من النبيّ - ﷺ -، وليس بفتوى، وإخبارٍ عامٍّ، وهذا الذي قالوه ضعيف؛ لأنه صَرَّح في هذا الحديث بأن النبيّ - ﷺ - قال هذا بعد الفراغ من القتال، واجتماع الغنائم - والله أعلم -. ثم إن الشافعيّ ﵀ يشترط في استحقاقه أن يغزو بنفسه في قتل كافر، ممتنِع في حال القتال، والأصح أن القاتل لو كان ممن له رَضْخٌ، ولا سهمَ له، كالمرأة، والصبيّ، والعبد، استَحَقَّ السلب. وقال مالك ﵀: لا يستحقه إلا المقاتِل. وقال الأوزاعيّ، والشاميون: لا يستحق السلب إلا في قتيل قتله قبل التحام الحرب، فأما من قَتَل في التحام الحرب، فلا يستحقه. قال: واختلفوا في تخميس السلب، وللشافعيّ فيه قولان: الصحيح منهما عند أصحابه لا يُخمس، وهو ظاهر الأحاديث، وبه قال أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وآخرون. وقال مكحول، ومالك، والأوزاعيّ: يُخمَّس، وهو قول ضعيف للشافعيّ. وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -، وإسحاق بن راهويه: يخمس إذا كَثُر، وعن مالك روايةٌ اختارها إسماعيل القاضي: أن الإمام بالخيار، إن شاء خمسه، وإلا فلا. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح» ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحقّ السلب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلًا، فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة المذكور هنا، وقالوا: إنه فتوى من النبيّ - ﷺ -، وإخبار عن الحكم الشرعيّ، وعن المالكية، والحنفية: لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك، وعن مالك: يخيَّر الإمام بين أن يعطي القاتل السلب، أو يخمسه، واختاره إسماعيل القاضي، وعن إسحاق: إذا كثرت الأسلاب خُمست، وعن مكحول، والثوريّ: يخمس مطلقًا، وقد حُكي عن الشافعيّ أيضًا، وتمسكوا بعموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ولم يستثن شيئًا. واحتجّ الجمهور بقوله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا، فله سلبه»، فإنه خصص ذلك العموم. وتُعُقِّب بأنه - ﷺ - لم يقل: من قتل قتيلًا فله سلبه إلا يوم حنين، قال مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين. وأجاب الشافعيّ وغيره بأن ذلك حُفِظ عن النبيّ - ﷺ - في عدّة مواطن: منها: يوم بدر، كما في قصّة قتل أبي جهل، حيث سلّم - ﷺ - سلبه لمعاذ بن عمرو. ومنها: حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلًا يوم أُحد، فسَلَّم له رسول الله - ﷺ - سلبه، أخرجه البيهقيّ. ومنها: حديث جابر - ﵁ - أن عَقِيل بن أبي طالب قَتل يوم مؤتة رجلًا، فنَفّله النبيّ - ﷺ - درعه. ثم كان ذلك مقررًا عند الصحابة، كما رَوَى مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته مع خالد بن الوليد، وإنكاره عليه أخذه السلب من القاتل … يأتي الحديث بطوله. وكما رَوَى الحاكم، والبيهقيّ بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص، أن عبد الله بن جحش قال يوم أُحد: تَعَالَ بنا ندعو، فدعا سعد، فقال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا بأسه، فأقاتله، ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر، حتى أقتله، وآخذ سلبه … الحديث. وكما رَوَى أحمد بإسناد قويّ، عن عبد الله بن الزبير، قال: كانت صفية في حِصْن حَسّان بن ثابت يوم الخندق، فذكر الحديث في قصة قتلها اليهوديّ، وقولها لحسان: انزِل، فاسلبه، فقال، ما لي بسلبه حاجة. وكما رَوَى ابن إسحاق في «المغازي» في قصة قتل عليّ بن أبي طالب عمرو بن عبد وَدّ يوم الخندق أيضًا، فقال له عمر: هلا استلبت درعه، فإنه ليس للعرب خير منها، فقال: إنه اتّقاني بسوأته. وأيضًا فالنبيّ - ﷺ - إنما قال ذلك يوم حنين بعد أن فرغ القتال، كما هو صريح في حديث أبي قتادة المذكور هنا حتى قال مالك: يُكره للإمام أن يقول: مَن قتل قتيلًا فله سلبه؛ لئلا تضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبيّ - ﷺ - ذلك إلا بعد انقضاء الحرب. وعن الحنفية: لا كراهة في ذلك، وإذا قاله قبل الحرب، أو في أثنائها استَحَقّ القاتل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور من أن القاتل يستحقّ السلب مطلقًا، سواء قال ذلك الإمام أم لا هو الأرجح؛ لوضوح حجّته، كما سمعت، وأيضًا لا يُخمّس السّلَب، كما هو رأي البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، حيت ترجم بقوله: «باب من لم يُخَمِّس الأسلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٧ - ٥٨.

٢. وفي نسخة: «ثم قال بمثل ذلك».

٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٨.

٤. راجع: «الفتح» ٩/ ٤٣٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢١).

٥. العلباء: عصب غليظ في العنق.

٦. راجع: «الفتح» ٩/ ٤٣٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢١).

٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٨.

٨. «المفهم» ٣/ ٥٤١.

٩. «المفهم» ٣/ ٥٤١.

١٠. «المفهم» ٣/ ٥٤٣.

١١. «المصباح المنير»١/ ٢٨٤.

١٢. «الفتح»٧/ ٤٢٣، كتاب«فرض الخمس»رقم (٣١٤١).

١٣. «المفهم»٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣.

١٤. «المفهم» ٣/ ٥٤٤.

١٥. «الفتح» ٩/ ٤٤٠ - ٤٤٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٢).

١٦. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٣.

١٧. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٦٢٢.

١٨. «المفهم» ٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥.

١٩. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٤.

٢٠. «الفتح» ٩/ ٤٤٥ - ٤٤٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٢).

٢١. «المفهم» ٣/ ٥٤٥.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٦٠.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٩ - ٦٠.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٨ - ٥٩.

٢٥. «الفتح» ٧/ ٤٢٣ - ٤٢٤، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣١٤١).