HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٦٢

حَدَّثَنَا يحيي بن يحيي وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر؛ أن رسول الله ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سهما.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص156
ج ٣ ص ١٣٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٥٩٢
٣ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام المشهور، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله، وشرح الحديث مضى مستوفًى في هذا الباب وما قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٤٥٧٥] (١٧٦١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٨٨)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج البيهقيّ - ﵀ - حديث أبي هريرة هذا من روايته عن أبي بكر، وعمر - ﵄ -، فقال - ﵀ - في «الكبرى»: (١٢٥٢٠) - أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ، أنا أبو سعيد بن الأعرابيّ، ثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا عبد الوهاب، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، وعمر - ﵃ - تطلب ميراثها، فقالا: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة». انتهى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ) [٤٥٧٦] (١٧٦٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْن، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ) البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠٨. والباقون تقدموا في الباب الماضي، وقبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشد الناس اتّباعًا للأثر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَسَمَ فِي النَّفَلِ) «في» بمعنى «من»، و«النَّفَل» - بفتحتين -: الغنيمة، والجمع أنفال، مثلُ سبب وأسباب، وقال النوويّ - ﵀ -: المراد بالنفل هنا: الغنيمة، وأُطلق عليها اسم النَّفَل؛ لكونها تُسَمَّى نَفَلًا لغةً، فإن النفل في اللغة: الزيادة، والعطية، وهذه عطية من الله تعالى، فإنها أُحِلّت لهذه الأمة، دون غيرها. انتهى . (لِلْفَرَسِ سَهْمَيْن، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر الروايات: «للفرس سهمين، وللرجل سهمًا»، وفي بعضها: «للفرس سهمين، وللراجل سهمًا»، بالألف في «الراجل»، وفي بعضها: «للفارس سهمين» . وفي رواية البخاريّ: «جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا»، قال في «الفتح»؛ أي: غير سَهْمَي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم، وقد فسّره نافع كذلك، ولفظه: إذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، فإن لَمْ يكن معه فرس، فله سهم، ولأبي داود، عن أحمد، عن أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، بلفظ: «أَسْهَم لرجل، ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه»، وبهذا التفسير يتبيّن أَنْ لا وَهَمَ فيما رواه أحمد بن منصور الرماديّ، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، وابن نمير، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، فيما أخرجه الدارقطنيّ، بلفظ: «أَسْهَم للفارس سهمين»، قال الدارقطنيّ عن شيخه أبي بكر النيسابوريّ: وَهِمَ فيه الرماديّ، وشيخه، قلت: لا؛ لأنَّ المعنى: أَسْهَم للفارس بسبب فرسه سهمين، غير سهمه المختصّ به. وقد رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه»، و«مسنده» بهذا الإسناد، فقال: «للفرس»، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم، في «كتاب الجهاد» له عن ابن أبي شيبة، وكأن الرماديّ رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد، عن أبي أسامة، وابن نمير معًا، بلفظ: «أسهم للفرس»، وعلى هذا التأويل أيضًا يُحْمَل ما رواه نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن عبيد الله، مثل رواية الرماديّ، أخرجه الدارقطنيّ، وقد رواه عليّ بن الحسن بن شقيق، وهو أثبت من نعيم، عن ابن المبارك، بلفظ: «أسهم للفرس». واستُدِلّ به على أنَّ المشرك إذا حضر الوقعة، وقاتل مع المسلمين يُسهَم له، وبه قال بعض التابعين؛ كالشعبيّ، ولا حجة فيه؛ إذ لَمْ يَرِدْ هنا صيغة عموم. واستُدِلّ للجمهور بحديث: «لَمْ تَحِلّ الغنائم لأحد قبلنا». واختُلِف فيمن خرج إلى الغزو، ومعه فرس فمات قبل حضور القتال، فقال مالك: يستحقّ سهم الفرس، وقال الشافعيّ، والباقون: لا يُسهم له إلَّا إذا حضر القتال، فلو مات الفرس في الحرب استحقّ صاحبه، وإن مات صاحبه استمرّ استحقاقه، وهو للورثة، وعن الأوزاعيّ فيمن وصل إلى موضع القتال، فباع فرسه: يسهم له، لكن يستحقّ البائع مما غَنِموا قبل العقد، والمشتري مما بعده، وما اشتَبَهَ قسم، وقال غيره: يوقف حتى يصطلحا، وعن أبي حنيفة: من دخل أرض العدو راجلًا لا يُقسم له إلَّا سهم راجل، ولو اشترى فرسًا، وقاتل عليه. واختُلِف في غزاة البحر، إذا كان معهم خيل، فقال الأوزاعيّ، والشافعيّ: يُسهم له. [تكميل]: هذا الحديث يذكره الأصوليون في مسائل القياس، في مسألة الإيماء؛ أي: إذا اقترن الحكم بوصف، لولا أن ذلك الوصف للتعليل، لَمْ يقع الاقتران، فلما جاء سياق واحد، أنه - ﷺ - أعطى للفرس سهمين، وللراجل سهمًا، دَلّ على افتراق الحكم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٤٥٧٦ و٤٥٧٧] (١٧٦٢)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٦٣) و«المغازي» (٤٢٢٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧٣٣)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٥٤)، و(ابن ماجة) في «الجهاد» (٢٨٥٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٣٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢ و٦٢ و٧٢ و٨٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢٧٦٠ و٢٧٦٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨١٠ و٤٨١١ و٤٨١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٥٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ١٠٢ و١٠٤ و١٠٦ و١٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن للفرس سهمين، ولصاحبه سهم، فيكون المجموع ثلاثة أسهم، وهذا قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وغيره، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: يُسهم للفرس سهم واحد، وقد رُدّ عليه؛ لمخالفته الأدلة الصحيحة، وقول الجمهور. قال العلامة ابن الملقّن - بعد ذكر الأدلة الكثيرة - ما نصّه: إذا تقرّر. ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ورسوله - ﷺ - قد قسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، واتّباعه، وطاعته فرض، وكذا فعله عمر بن الخطّاب، وعليّ، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهو قول عامّة العلماء قديمًا، وحديثًا، غير أبي حنيفة، فإنه قال: لا يسهم للفرس إلَّا سهم واحد، وقال: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم، وخالفه أصحابه، فبقي وحده، وخالفه العلماء الثلاثة: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وذكر المنذريّ أن قوله رُوي عن عليّ، وأبي موسى، قال ابن سحنون: ما أرى أن يُدخل قول أبي حنيفة هذا في الاختلاف؛ لمخالفته جميع العلماء، وما ذكره من تفضيل الفرس على المسلم شبهة ضعيفة؛ لأنَّ السهام كلها في الحقيقة للرجل، وحجته رواية المقداد أنه - ﷺ - أعطاه يوم بدر سهمًا له، وسهمًا لفرسه، وجوابه أن ما سلف أكثر، فهو أولي، ولأنه متأخّر، فهو ينسخ المتقدّم، ذكره ابن التين. انتهى . ٢ - (ومنها): عناية الشرع بإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فلما كان صاحب الفرس يتكلّف بمؤنة فرسه، بعلفه، وسقيه، ورعايته، فيزداد بذلك تعبه، مع أنه أكثر غناء في مواجهة العدوِّ من الراجل جعل له سهمين، حتى يعوّضه تعبه؛ إذ الثواب على قدر النصب. ٣ - (ومنها): أن فيه الحَضَّ على اكتساب الخيل، واتخاذها للغزو؛ لِمَا فيها من البركة، وإعلاء كلمة الله، وإعزاز حزبه، ولتعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثير، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سهم الفارس والراجل: ذهب الجمهور إلى أنه يكون للراجل سهم واحد، وللفارس ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، وممن قال بهذا: ابنُ عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والليث، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن جرير، وآخرون. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط: سهم لها، وسهم له، قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد، إلَّا ما روي عن عليّ، وأبي موسى. وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، وهو صريح على رواية مَن رَوَى: «جعل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا» بغير ألف في «الرجل»، وهي رواية الأكثرين، ومَن روى: «وللراجل» روايته مُحْتَمِلة، فيتعيّن حملها على موافقة الأولى؛ جمعًا بين الروايتين. قال النوويّ - ﵀ -: قال أصحابنا وغيرهم: وَيرْفع هذا الاحتمال ما وَرَد مُفَسَّرًا في غير هذه الرواية، في حديث ابن عمر هذا من رواية أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وغيرهم، بإسنادهم عنه: «أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل، ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه»، ومثله من رواية ابن عباس، وأبي عمرة الأنصاريّ - ﵃ -. انتهى . وقال في «الفتح»: وتمسَّك بظاهر الرواية المتقدّمة عند الدارقطنيّ، بلفظ: «أسهم للفارس سهمين» بعضُ مَن احتج لأبي حنيفة، في قوله: إن للفرس سهمًا واحدًا، ولراكبه سهم آخر، فيكون للفارس سهمان فقط، ولا حجة فيه؛ لِمَا ذكرنا، من أن المعنى: أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين، غير سهمه المختصّ به. واحتُجَّ له أيضًا بما أخرجه أبو داود، من حديث مُجَمِّع بن جارية - بالجيم، والتحتانية - في حديث طويل، في قصّة خيبر، قال: «فأعطى للفارس سهمين، وللراجل سهمًا»، وفي إسناده ضعف، ولو ثبت يُحْمَل على ما تقدم؛ لأنه يَحْتَمِل الأمرين، والجمع بين الروايتين أولي، ولا سيما والأسانيد الأُوَلُ أثبت، ومع رُواتها زيادة علم. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي عمرة: «أن النبيّ - ﷺ - أعطى للفرس سهمين، ولكل إنسان سهمًا، فكان للفارس ثلاثة أسهم»، وللنسائيّ من حديث الزبير: «أن النبيّ - ﷺ - ضرب له أربعة أسهم: سهمين لفرسه، وسهمًا له، وسهمًا لقرابته». قال محمد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار، ونُقِل عنه أنه قال: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وهي شُبهة ضعيفة؛ لأنَّ السهام في الحقيقة كلها للرجل. قال الحافظ: لو لَمْ يثبت الخبر، لكانت الشبهة قويّةً؛ لأنَّ المراد: المفاضلة بين الراجل والفارس، فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل، فمن جعل للفارس سهمين، فقد سَوَّى بين الفرس وبين الرجل. وقد تُعُقّب هذا أيضًا؛ لأنَّ الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة، فلتكن المفاضلة كذلك. وقد فَضّل الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الإحكام، فقالوا: لو قَتَل كلبَ صَيْد قيمته أكثر من عشرة آلاف أدّاها، فإن قتل عبدًا مسلمًا لَمْ يؤد فيه إلَّا دون عشرة آلاف درهم، والحقّ أن الاعتماد في ذلك على الخبر، ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال، فقد جاء عن عمر، وعليّ، وأبي موسى، لكن الثابت عن عمر، وعليّ؛ كالجمهور. واستُدِلّ للجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة؛ لخدمتها، وعَلفها، وبأنه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأقوال، وحججها أن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له، وللراجل سهم واحد؛ لوضوح أدلّته، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد البخاريّ في آخر هذا الحديث ما نصّه: وقال مالك: يُسهم للخيل، والبراذين منها، لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، ولا يُسهم لأكثر من فرس. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «وقال مالك: يُسهَم للخيل والبراذين»: جَمْع بِرْذَون - بكسر الموحّدة، وسكون الراء، وفتح المعجمة - والمراد: الْجُفاة الْخِلْقة، من الخيل، وأكثر ما تُجْلَب من بلاد الروم، ولها جَلَدٌ على السير في الشعاب، والجبال، والوعر، بخلاف الخيل العربية. وقوله: «لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾»: قال ابن بطال: وجه الاحتجاج بالآية، أن الله تعالى امْتَنّ بركوب الخيل، وقد أسهم لها رسول الله - ﷺ -، واسم الخيل يقع على البرذون، والْهَجِين، بخلاف البغال، والحمير، وكأن الآية استوعبت ما يُرْكَب من هذا الجنس؛ لِمَا يقتضيه الامتنان، فلمّا لَمْ يَنُصّ على البرذون، والهجين فيها دلّ على دخولها في الخيل. قال الحافظ: وإنما ذكر الْهَجِين؛ لأنَّ مالكًا ذكر هذا الكلام في «الموطأ»، وفيه: «والهجين»، والمراد بالهجين: ما يكون أحد أبويه عربيًّا، والآخر غير عربيّ، وقيل: الهجين: الذي أبوه فقط عربيّ، وأما الذي أمه فقط عربية، فيسمى؛ الْمُقْرِف ، وعن أحمد: الهجين: البرذون، ويَحْتَمِل أن يكون أراد في الحكم. وقد وقع لسعيد بن منصور، وفي «المراسيل» لأبي داود، عن مكحول: «أن النبيّ - ﷺ - هَجَّن الهجين يوم خيبر، وعَرّب العراب، فجعل للعربيّ سهمين، وللهجين سهمًا»، وهذا منقطع، ويؤيده ما روى الشافعيّ في «الأم»، وسعيد بن منصور، من طريق عليّ بن الأقمر، قال: أغارت الخيل، فأدركت العرابُ، وتأخرت البراذن، فقام المنذر الوادعيّ، فقال: لا أجعل ما أَدْرَك كمن لَمْ يدرك، فبلغ ذلك عمر، فقال: هُبلت الوادعيَّ أمُّه، لقد أذكرت به، أمضوها على ما قال، فكان أوّل من أسهم للبراذين دون سهام العراب، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الطويل]: وَمِنَّا الَّذِي قَدْ سَنَّ فِي الْخَيْلِ سُنَّةً … وَكَانَتْ سَوَاءً قَبْلَ ذَاكَ سِهَامُهَا وهذا منقطع أيضًا. وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في المشهور عنه كالجماعة، وعنه: إن بلغت البراذين مبالغ العربية سُوِّي بينهما، وإلا فُضِّلت العربية، واختارها الجوزجانيّ، وغيره. وعن الليث: يُسهَم للبرذون، والهجين، دون سهم الفرس. وقوله: «ولا يُسْهَم لأكثر من فرس» هو بقية كلام مالك، وهو قول الجمهور، وقال الليث، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق: يُسْهَم لفرسين، لا لأكثر، وفي ذلك حديث، أخرجه الدارقطنيّ بإسناد ضعيف، عن أبي عمرة، قال: أسهم لي رسول الله - ﷺ - لِفَرَسَيَّ أربعة أسهم، ولي سهمًا، فأخذت خمسة أسهم. قال القرطبيّ: ولم يقل أحد أنه يُسْهَم لأكثر من فرسين، إلَّا ما رُوي عن سليمان بن موسى: أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغًا ما بلغت، ولصاحبه سهمًا؛ أي: غير سَهْمَي الفرس. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يُسهم لأكثر من فرس هو الأرجح؛ لعدم دليل يدلُّ على خلافه، قال ابن الملقّن - ﵀ -: حجة القول الأول أنهم أجمعوا على أنَّ سهم فرس واحد يجب مع ثبوت الخبر بذلك عن رسول الله - ﷺ -، فثبت القول به؛ إذ هو سنّة، وإجماع، ووجب التوقّف عن القول بأكثر من ذلك؛ إذ لا حجة مع القائلين به. انتهى . والحاصل أن الأرجح أنه لا يُسهم لأكثر من فرس واحد، لِمَا ذُكر، فتأمل بالإمعان، والإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٥٧٧] (…) - (حَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «في النَّفَلِ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٢٩٧) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا ابن نُمَير، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله - ﷺ - قَسَمَ للفرس سهمين، وللرجل سهمًا». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٣.

٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٣.

٣. «الفتح» ٧/ ١٤١ - ١٤٢، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٦٣).

٤. «التوضيح» لابن الملقّن - ﵀ - ١٧/ ٥٣٤ - ٥٣٥.

٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٣.

٦. «الفتح» ٧/ ١٤١، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٦٣).

٧. «الْمُقْرِف» بصيغة اسم الفاعل، كمُحْسِنِ: الخيل الذي أمه عربيّة، لا أبوه. اهـ «ق».

٨. كذا في «التوضيح» لابن الملقّن، ووقع في نسخة «الفتح»: ابن المنذر، والظاهر أنه غلط، فليُحرّر.

٩. «الفتح» ٧/ ١٤٠ - ١٤١، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٦٣).

١٠. «التوضيح» لابن الملقّن ١٧/ ٥٣٧.

١١. هو ابن الإمام أحمد، راوي «المسند» عنه.

١٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -» ٢/ ١٤٣.