HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٧٤

حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص166
ج ٣ ص ١٣٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٦٨١
رجال هذا الإسناد: ئلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (وَقَالَ في حَدِيثِهِ) فاعل «قال» ضمير عبد الرحمن بن مهديّ. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٧٠٢٦) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل، يحدث عن أبي سعيد الخدريّ: أن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى سعد، فجاء على حمار، فقال رسول الله - ﷺ -: «قوموا إلى خيركم، أو إلى سيدكم». قال: إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك«، قال: فإني أحكم فيهم أن تَقتل مقاتلتهم، وتسبي ذريتهم، فقال رسول الله - ﷺ -:»لقد حكمت فيهم بحكم الله«، وقال مرّةً:»لقد حكمت بحكم الملِك«. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أول الكتاب قال: [٤٥٨٨] (١٧٦٩) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَق، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَة، رَمَاهُ فِي الأَكْحَل، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجد، يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْخَنْدَق، وَضَعَ السِّلَاحَ ، فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يَنْفُضُ رَأسَهُ مِنَ الْغُبَار، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللهِ مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَأَيْنَ؟»، فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قبل خمسة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه محمد بن العلاء أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ضُرب سعد بن معاذ - ﵁ - بسهم. قال في «العمدة»: هو سعد بن معاذ، أبو عمرو سيد الأوس، بدريّ كبير، قال أبو نعيم: مات في شوال سنة خمس، وكذا قال ابن إسحاق، ونزل في جنازته سبعون ألف ملك، ما وطئوا الأرض قبلُ، واهتزّ له عرش الرحمن، وفي رواية: «العرش». [فإن قلت]: ما وجه اهتزاز العرش له؟. [قلت]: أجيب بأجوبة: الأول: أنه اهتزّ استبشارًا بقدوم روحه. الثاني: أن المراد: اهتزاز حملة العرش، ومن عنده من الملائكة. الثالث: أن المراد بالعرش: الذي وُضِع عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف القول الثالث، بل بطلانه؛ لأنه صحّ قوله - ﷺ -: «اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد»، متّفقٌ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَوْمَ الْخَنْدَقِ)؛ أي: يوم غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب، سُمّيت بالخندق؛ لأجل الخندق الذي حُفِر حول المدينة بأمر النبيّ - ﷺ -، وسُمّيت بالأحزاب؛ لاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، ذكر ابن سعد أنها كانت في ذي القعدة، وذكر موسى بن عقبة أنها في شوال سنة أربع، وقال ابن إسحاق ﵀ في شوال سنة خمس، وزعم أبو عمر وغيره: أن سعدًا مات بعد الخندق بشهر، وبعد قريظة بليال، قاله في «العمدة» . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه الغزوة قريبًا في «باب غزوة الأحزاب» - إن شاء الله تعالى -. (رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) قال القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: واختُلِف فيمن رماه، فقيل: رماه حِبَّان بن قيس بن الْعَرِقة، أحد بني عامر بن لؤيّ، فلمّا أصابه قال له: خُذها، وأنا ابن العَرِقة، فقال له سعد: عَرَّق الله وجهك في النار، وقيل: إن الذي رماه: خفاجة بن عاصم بن حبان، وقيل: بل الذي رماه: أبو أسامة الجشميّ، حليف بني مخزوم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما في «الصحيح» أصحّ، وهو أن الذي رماه هو الذي (يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَةِ) هو: حِبّان - بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن الْعَرِقَة - بفتح العين المهملة، وكسر الراء، ثمّ قاف - قال النوويّ: قوله: «ابن العرقة: هو بعين مهملة مفتوحة، وراء مكسورة، ثم قاف، قال القاضي: قال أبو عبيد: هي أمه، قال ابن الكلبيّ: اسم هذا الرجل: حِبّان - بكسر الحاء - ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن مَعِيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب، قال: واسم الْعَرِقة: قلابة - بقاف مكسورة، وباء موحدة - بنت سعد بن سهل بن عبد مناف بن الحارث، وسُمِّيت بالعرقة؛ لطيب ريحها، وكنيتها أم فاطمة. انتهى . (رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ) - بفتح الهمزة، والمهملة، بينهما كاف ساكنة - وهو عِرْق في وسط الذراع، قال الخليل: هو عِرْق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه شُعبة، فهو في اليد: الأكحل، وفي الظهر: الأبهر، وفي الفخذ: النَّسَا، إذا قُطع لم يرقأ الدم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: نظمت أسماء عِرْق الحياة التي في البَدن، فقلت: يُقَالُ فِي الْجَسَدِ عِرْقٌ حَيْثُمَا … قُطِعَ صَاحِبُهُ مَاتَ أَلَمَا لَهُ تَشَعُّبٌ بِأَعْضَاءِ الْجَسَدْ … فِي كُلِّ عُضْوٍ خُصَّ بِاسْمٍ انْفَرَدْ فَخُصَّ فِي الْعُنُقِ بِالْوَرِيدِ … كَذَلِكَ الْوَدَجُ ذُو تَسْدِيدِ فِي الظَّهْرِ بِالنِّيَاطِ يُدْعَى وَإِذَا … اسْتَبْطَنَ الصُّلْبَ بِأَبْهَرٍ خُذِ وَذَا بِهِ الْقَلْبُ غَدَا يَتَّصِلُ … فِي الْبَطْنِ بِالْوَتِينِ صَارَ يُعْقَلُ فِي الْيَدِ بِالأَكْحَلِ أَمَّا إِذْ غَدَا … فِي الْفَخْذِ بِالنَّسَا بِقَصْرٍ يُقْتَدَى فِي الْسَّاقِ بِالصَّافِنِ يُدْعَى وَانْتَهَى … نَظْمِي لِمَنْ يَرْغَبُ مِنْ ذَوِي النُّهَى (فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْمَةً) قال في «العمدة»: «ضَرَبَ» يُستعمل لمِعانٍ كثيرة، وأصل التركيب يدلّ على الإيقاع، والباقي يُستعمل، ويُحمل عليه، وههنا المعنى: نَصَب خيمة، وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض، والخيمة: بيت تبنيه العرب من عِيدان الشجر، والجمع خَيْمات، وخِيَمٌ، مثل بَدْرة وبِدَر، والخيم: مثل الخيمة، والجمع خيام، مثل فَرْخ وفِراخ، وعند أبي نعيم الأصبهانيّ: «ضَرب له النبيّ - ﷺ - خباء في المسجد»، والخباء واحد الأخبية، من وَبَر، أو صوف، ولا يكون من شَعر، وهو على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. انتهى . (فِي الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ، وقول بعض الشرّاح : «أي: في المصلى الذي اتّخذه في ديار بني قريظة» فيه نظر لا يخفى، والصواب ما قدّمته، كما هو ظاهر من سياق القصّة، فإن سعدًا لم يذهب إلى قريظة إلا بعد استدعائه - ﷺ - له؛ للحكم عليهم. ومما يوضّح ذلك رواية أبي عوانة في «مسنده»، ولفظه: «فضرب رسول الله - ﷺ - خيمة في المسجد؛ ليداويه، وليعوده من قريب، فلما رجع رسول - ﷺ - الله من الخندق، وضع السلاح، ثم اغتسل، فأتاه جبريل ﵇، قد عصب رأسه الغبارُ فقال: قد وضعت السلاح، فوالله ما وضعت الملائكة، فاخرج إلى القوم …» الحديث . فهذا نصّ في كون ضَرْب الخيمة في المسجد النبويّ، لا في بني قريظة؛ لأنه قَبْل خروجه إليهم قطعًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنه قيل هنا: لماذا ضرب الخيمة في المسجد؟، فأجيب: «يعوده»؛ أي: يزوره من مكان قريب منه - ﷺ -، ولفظ البخاريّ: «ليعوده من قريب»، وَيحتمل أن تكون جملة «يعوده» حاليّة. (فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْخَنْدَق، وَضَعَ السِّلَاحَ)، وفي بعض النسخ: «ووضع السلاح» بواوين، (فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ) قال في «الفتح» عند قوله: «فلما رجع النبيّ - ﷺ - من الخندق، وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل» ما نصّه: هذا السياق يُبين أن الواو زائدة في الطريق التي في «الجهاد»، حيث وقع فيه بلفظ: «لمّا رجع يوم الخندق، ووضع السلاح، فأتاه جبريل»، وهو أَولى من دعوى القرطبيّ أن الفاء زائدة، قال: وكأنها زيدت كما زيدت الواو في جواب لَمّا. انتهى، ودعوى زيادة الواو في قوله: «ووضع» أَولى من دعوى زيادة الفاء؛ لكثرة مجيء الواو زائدة، ووقع في أول هذه الغزاة: «لَمّا رجع من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل»، فمن هنا ادَّعَى القرطبي أن الفاء زائدة. ووقع عند الطبرانيّ، والبيهقيّ من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ - قالت: «سَلَّم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام رسول الله - ﷺ - فَزِعًا، فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبيّ، فقال: هذا جبريل»، وفي حديث علقمة: «يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة»، وذلك لمّا رجع من الخندق، قالت: فكأني برسول الله - ﷺ - يمسح الغبار عن وجه جبريل. وفي حديث علقمة بن وقاص، عن عائشة، عند أحمد، والطبرانيّ: «فجاءه جبريل، وإن على ثناياه لنقع الغبار»، وفي مرسل يزيد بن الأصم، عند ابن سعد: «فقال له جبريل: عفا الله عنك، وضعت السلاح، ولَمْ تضعه ملائكة الله»، وفي رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، في حديث الباب: «قالت عائشة: لقد رأيته من خلل الباب، قد عَصَب الترابُ رأسه»، وفي رواية جابر، عند ابن عائذ: «فقال: قم، فشُدّ عليك سلاحك، فوالله لأَدُقّنهم دَقّ البِيضِ على الصفا». انتهى«. وقوله: (وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ) جملة في محلّ نصب على الحال من«جبريل»؛ أي: والحال أن جبريل ﵇ يُحرّك رأسه من الغبار الذي أصابه في الطريق، يقال: نَفَضَه نَفْضًا، من باب نصر: حرّكه؛ ليزول عنه الغبار ونحوه، فانتفض؛ أي: تحرّك لذلك، ونفضتُ الْوَرَقَ من الشجرة نَفْضًا: أسقطته، والنَّفَضُ بفتحتين: ما تساقط، فَعَلٌ بمعنى مفعول . (فَقَالَ) جبريل ﵇ (وَضَعْتَ السِّلَاحَ) الخطاب للنبيّ - ﷺ -، وهو بتقدير الاستفهام، على جهة الإنكار، كما تقدّم من مرسل يزيد بن الأصمّ بلفظ:«فقال له جبريل: عفا الله عنك وضعت السلاح، ولَمْ تضعه ملائكة الله؟ »(وَاللهِ مَا وَضَعْنَاهُ) يعني الملائكة، وفيه إشارة إلى أن الملائكة أمدّت المسلمين في غزوة الخندق، ثم بعدها في غزوة قريظة، إلا أنه لم يُذكر أنها قاتلت فيها. (اخْرُجْ إِلَيْهِمْ)؛ أي: إلى قتالهم، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -،«فَأَيْنَ؟ »)؛ أي: أين القوم الذين أخرج إليهم؟ (فَأَشَارَ اِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ)؛ أي: فانت مأمور بقتالهم؛ لكونهم نقضوا العهد، ومالئوا المشركين، وأمدّوهم في غزوة الأحزاب، وسبب ذلك أنه لمّا فرغ رسول الله - ﷺ - من حفر الخندق أقبلت قريش، في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة، وأهل تهامة، وأقبلت غطفان بمن معها، من أهل نجد، حتى نزلوا إلى جانب أُحد، وخرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون حتى نزلوا بظهر سَلْع في ثلاثة آلاف، وضربوا عسكرهم، والخندق بينهم وبين المشركين، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم - في قول ابن شهاب - وخرج عدوّ الله حُيَيّ بن أخطب النَّضْريّ حتى أتى كعب بن أسد الْقُرَظيّ، وكان صاحب عقد بني قريظة، ورئيسهم، وكان قد وادع رسول الله - ﷺ -، وعاقده وعاهده، فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، فقال له: افتح لي يا أخي، فقال له: لا أفتح لك، فإنك رجل مشئوم، تدعوني إلى خلاف محمد، وأنا قد عاقدته وعاهدته، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا، فلست بناقض ما بيني وبينه. فقال حيُيّ: افتح لي حتى أكلمك، وأنصرف عنك، فقال: لا أفعل، فقال: إنما تخاف أن آكل معك جَشِيشتك، فغضب كعب، وفتح له، فقال: يا كعب! إنما جئتك بعزّ الدهر، جئتك بقريش وسادتها، وغطفان وقادتها، قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدًا ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدهر وبجهام لا غيث فيه! ويحك يا حيي، دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه، فلم يزل حيي بكعب يَعِدُه وَيغُرّه حتى رجع إليه وعاقده على خذلان محمد - ﷺ - وأصحابه، وأن يسير معهم، وقال له حيي بن أخطب: إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود … إلى آخر قصّتهم . (فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وللبخاريّ: «فأتاهم رسول الله - ﷺ -»؛ أي: فحاصرهم، ورَوَى ابن عائذ من مرسل قتادة، قال: «بعث رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي، فنادى: يا خيل الله اركبي»، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة عند الحاكم، والبيهقيّ: «وبعث عليًّا على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله - ﷺ - على أثره»، وعند موسى بن عقبة نحوه، وزاد: «وحاصرهم بضع عشرة ليلة»، وعند ابن سعد: «خمس عشرة»، وفي حديث علقمة بن وقاص المذكور: «خمسًا وعشرين»، ومثلها عند ابن إسحاق، عن أبيه، عن معبد بن كعب: «قال: حاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، حتى أجهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرعب، فعَرَضَ عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمِنوا، أو يقتُلوا نساءهم، وأبناءهم، ويخرجوا مستقتلين، أو يبيّتوا المسلمين ليلة السبت، فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلة السبت، وأيّ عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاءه، فاستشاروه في النزول على حكم النبيّ - ﷺ -، فأشار إلى حَلْقه؛ يعني: الذبح، ثم نَدِمَ، فتوجه إلى مسجد النبيّ - ﷺ -، فارتبط به، حتى تاب الله عليه». (فَنَزَلُوا عَلَى حُكْم رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ) قال في«الفتح»: كأنهم أذعنوا للنزول على حكمه - ﷺ -، فلما سأله الأنصار فيهم رَدَّ الحكم إلى سعد، ووقع بيان ذلك عند ابن إسحاق، قال:«لمّا اشتَدَّ بهم الحصار أذعنوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله قد فعلت في موالي الخزرج - أي: بني قينقاع - ما علمت، فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ». وفي كثير من السِّير أنهم نزلوا على حكم سعد، ويُجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يَحكم فيه سعد. وفي رواية علقمة بن وقاص المذكورة:«فلما اشتد بهم البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فلما استشاروا أبا لبابة، قال: ننزل على حكم سعد بن معاذ»، ونحوه في حديث جابر، عند ابن عائذ، فحصل في سبب ردّ الحكم إلى سعد بن معاذ أمران: أحدهما: سؤال الأوس، والآخر: إشارة أبي لبابة. ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة إثر توقّفهم، ثم لمّا اشتد الأمر بهم في الحصار عرفوا سؤال الأوس، فأذعنوا إلى النزول على حكم النبيّ - ﷺ -، وأيقنوا بأنه يردّ الحكم إلى سعد. وفي رواية عليّ بن مسهر، عن هشام بن عروة، عند مسلم:«فرّد الحكم فيهم إلى سعد، وكانوا حلفاءه». (قَالَ) سعد - ﵁ - (فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ)؛ أي: في هذا الأمر، قال في«الفتح»: وفي رواية النسفيّ:«وإني أحكم فيهم»، (أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ) فعل ونائب فاعله، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير النبيّ - ﷺ -، و«المقاتلةَ» منصوب على المفعوليّة، وكذا قوله: (وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ)؛ أي: الصبيان الذين لم يبلغوا، (وَالنِّسَاءُ)، وقوله: (وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ) بالبناء للفاعل، أو المفعول؛ كسابقيه. [تنبيه]: ذكر ابن إسحاق أن بني قريظة حُبسوا في دار بنت الحارث، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة: في دار أسامة بن زيد، ويُجمع بينهما بأنهم جُعلوا في بيتين، ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جُعِلوا في بيتين. قال ابن إسحاق: «فَخَندقوا لهم خنادق، فضُربت أعناقهم، فجرى الدم في الخنادق، وقَسَم أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيل، فكان أول يوم وقعت فيه السُّهْمان لها». وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: «أن سعد بن معاذ حكم أيضًا أن تكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار، فلاموه، فقال: إني أحببت أن تستغنوا عن دُورهم» . [تنبيه آخر]: اختُلف في عَدد بني قريظة، فعند ابن إسحاق: أنهم كانوا ستمائة، وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة: كانوا سبعمائة، وقال السهيليّ: المُكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر - ﵁ -، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فَيَحْتَمِل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٢/ ٤٥٨٨ و٤٥٨٩ و٤٥٩٠ و٤٥٩١] (١٧٦٩)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٦٣) و«المغازي» (٤١٢٢)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣١٠١)، و(النسائيّ) في «المسا جد» (٢/ ٤٥) و«الكبرى» (١/ ٢٦١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٢٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٨١ و٩/ ٩٧). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز ضرب الخباء في المسجد. ٢ - (ومنها): جواز النوم في المسجد. ٣ - (ومنها): جواز مُكث المريض في المسجد، وإن كان جريحًا، يُظنّ منه خروج شيء يتلوّث به المسجد. وقال القرطبيّ ﵀: ويستفاد من ضرب رسول الله - ﷺ - الخيمة لسعد - ﵁ - في المسجد مع ما كان عليه من الجراح والدَّم أن الضرورة، أو الحاجة إذا دعت إلى مثل ذلك جاز، وإن أدَّى إلى تلطيخ المسجد بشيء مما يكون من المريض، لكن ذلك على حسب الحاجة والضرورة، والله تعالى أعلم. هذا إن تنزّلنا على أنه كان بمسجد مخصوص مباح للمسلمين، وإن تنزلنا على أنه كان بمسجد بيته كما تقدم لم ينتزع منه شيء من ذلك، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: سياق الروايات واضح في كونه في المسجد النبويّ، لا في مكان آخر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وقد قدَّمنا: أن المساجد الأصل فيها الأمر بتطييبها، وتنظيفها، ومباعدتها عن الأنجاس، والأقذار، ووجه الضرورة في حديث سعد: أن النبيّ - ﷺ - لم يجد له موضعًا غير المسجد، وكان بالنبيّ - ﷺ - حاجة إلى معاهدته، وتفقّد أحواله، فلو حُمِل إلى موضع بعيد منه، أدَّى إلى الحرج والمشقة على النبيّ - ﷺ - وعلى هذا المعنى نبَّه الراوي بقوله: «يعوده من قريب». انتهى . ٤ - (ومنها): أن فيه منقبةً لسعد بن معاذ - ﵁ -. ٥ - (ومنها): أن على الإمام العنايةَ برعاياه، فيقوم بمصالحهم، من تمريض المريض، وعيادته، وإعطاء الدواء له. ٦ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من حُسن الخُلق، وشدّة الرأفة بأصحابه - ﵃ -. ٧ - (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض. ٨ - (ومنها): ما قال في «العمدة»: استَدَلّ به مالك، وأحمد على أن النجاسات ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا لَمَا أجاز النبيّ - ﷺ - للجريح أن يسكن في المسجد، وبه قال الشافعيّ في القديم، ولقائل أن يقول: إن سكنى سعد في المسجد إنما كان بعدما اندمل جرحه، والجرح إذا اندمل زال ما يُخشى من نجاسته. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا كلّه عند من يرى الدم الخارج من البدن نجسًا، وقد تقدّم في «كتاب الطهارة» أن الأرجح أن دم الجرح ونحوه ليس نجسًا، وقد علّق البخاريّ ﵀ في «صحيحه» قال: وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلّون في جراحاتهم، وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح، وقال أيضًا: «وبزق ابن أبي أوفى دمًا، فمضى في صلاته»، وصله الثوريّ في «جامعه» بإسناد صحيح . ٩ - (ومنها): أن السلطان، أو العالم إذا شقّ عليه النهوض إلى عيادة مريض يزوره، ممن يُهمه أمره ينقل المريض إلى موضع يَخِفّ عليه فيه زيارته، ويَقْرُب منه. ١٠ - (ومنها): بيان ما كان عليه اليهود، من شدّة عداوتهم للمسلمين، وما جُبلوا عليه من الغدر، ونقض العهد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٨٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: قَالَ أَي، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ﷿»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا قبله، و«ابن نُمير» هو: عبد الله بن نُمير. [تنبيه]: ذكر الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في «غرر الفوائد»، قول هشام: قال أبي: فأخبرتُ … إلخ وقال: ليس بمتّصل على مذهب الحاكم وغيره، كما تقدّم. والجواب عنه أن مسلمًا ﵀ قد أخرج هذا اللفظ بعينه متصلًا من رواية أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ -، وإذا ثبتٌ اتصاله من وجه صحيح، فلا يؤثّر قول بعض الرواة فيه: «فأخبرت» من وجه آخر، والله أعلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٩٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَن سَعْدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْء، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْم كَذَّبُوا رَسُولَكَ - ﷺ -، وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبٍ قُرَيْشٍ شَيْءٌ، فَأَبْقِنِي، أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا، فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِه، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنى غِفَارٍ - إِلَّا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَة، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا، فَمَاتَ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵁ - (أَن سَعْدًا قَالَ)؛ يعني: أن سعد بن معاذ - ﵁ -، وقوله: (وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ) جملة حاليّة من«سعدًا»، ومعنى «تحجّر» بتشديد الجيم؛ أي: يبِس، وكاد يبرأ، و«الكَلْم» بفتح الكاف، وسكون اللام: الجرح؛ يعني: أن جرحه كاد يبرأ. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وتحجَّر كَلْمُهُ للبُرْءِ»؛ أي: تجمَّد، وتهيَّأ للإفاقة، فظَنّ عند ذلك أنها تُفِيق، فقال عند ذلك ما ذكره من الدُّعاء. انتهى . وقوله: (فَقَالَ) عطف على «قال» الأول مؤكّد له، ومقول «قال» قوله: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ … إلخ)، والمعنى: أن سعد بن معاذ - ﵁ - دعا بهذا الدعاء بعد أن كاد يبرأ جرحه. (أَنْ لَيْسَ) «أن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، وخبرها جملة: «ليس أحد أحبَّ … إلخ»، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَإِنْ تُخَفَفْ «أَنَّ» فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجَعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ «أَنْ» وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ «قَدْ» أَوْ نَفْيٍ … أوْ تَنْفِيسٍ أوْ «لَوْ»، وقَلِيلٌ ذِكْرُ «لَوْ» ووقع في بعض النسخ بلفظ: (أنه ليس) وعليه فالنون مشدّدة، وقوله: (أَحَدٌ) بالرفع على أنه اسم «ليس»، قال الفيّوميّ: «أَحَدٌ» أصله وَحَدٌ، فأُبدلت الواو همزة، ويقع على الذكر والأنثى، وفي التنزيل: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، ويكون بمعنى «شيءٍ»، وعليه قراءة ابن مسعود - ﵁ -: (وإن فاتكم أحدٌ من أزواجكم) الآية؛ أي: شيء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا كونه بمعنى «شيءٌ»، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَحَبَّ اِلَيَّ) بنص «أَحَبَّ» على أنه خبر «ليس». وقوله: (أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ «من» المقدّر؛ أي: من مجاهدتي فيك؛ أي: في إعلاء كلمتك، وقوله: (مِنْ قَوْمٍ) صلة «أحبّ»، (كَذَّبُوا رَسُولَكَ - ﷺ -، وَأَخْرَجُوهُ)؛ أي: من مكة، وهم كفّار قريش، (اللَّهُمَّ) كرَّره للتأكيد، (فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبٍ قُرَيْشٍ شَيْءٌ، فَأَبْقِنِي)؛ أي: أَطِلْ عمري، ولفظ البخاريّ: «فأبقني له»؛ أي: للحرب، وفي رواية الكشميهنيّ: «فأبقني لهم»، (أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ) بجزم «أجاهد» على أنه جواب الأمر، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ وقد اختلفوا في جازمه على أقوال قد ذُكرت في محلّها. (اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ)؛ أي: أسقطتَ (الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ)؛ أي: وبين قريش. قال في «الفتح»: قال بعض الشراح: ولم يُصِب في هذا الظنّ؛ لِمَا وقع من الحروب في الغزوات بعد ذلك، قال: فيُحْمَل على أنه دعا بذلك، فلم تقع الإجابة، وادُّخِر له ما هو أفضل من ذلك، كما ثبتٌ في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنّ سعدًا أراد بوضع الحرب؛ أي: في تلك الغزوة الخاصّة، لا فيما بعدها. وذكر ابن التين عن الداوديّ أن الضمير لقريظة، قال ابن التين: وهو بعيد جدًّا؛ لنصّه على قريش. وقال الحافظ: إن قوله: «من قوم كذّبوا رسولك، وأخرجوه»، مختصّ بقريش؛ لأنهم الذين أخرجوه، وأما قُريظة فلا ، قال: والذي يظهر لي أن ظنّ سعد - ﵁ - كان مصيبًا، وأن دعاءه في هذه القصّة كان مجابًا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداءًا لقصدُ فيها من المشركين، فإنه - ﷺ - تجهّز إلى العمرة، فصدّوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم، فلم يقع، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤]، ثم وقعت الْهُدْنة، واعتمر - ﷺ - من قابل، واستمرّ ذلك إلى أن نَقَضُوا العهد، فتوجه إليهم غازيًا، ففُتِحَت مكةُ، فعلى هذا فالمراد بقوله: «أظن أنك وضعت الحرب»؛ أي: أن يقصدونا محاربين، وهو كقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: «الآنَ نغزوهم، ولا يغزوننا» . انتهى . (فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا)؛ أي: شُقّ الجراحةَ، وهو بوصل الهمزة، وضمّ الجيم، من فَجَرَ يَفْجُرُ، يقال: فَجَر الرجلُ القَنَاةَ فَجْرًا، من باب قَتَلَ: شقّها، وفَجَرَ الماءَ: فَتَحَ له طريقًا، فانفجر؛ أي: فجرى، قاله الفيّوميّ ﵀ . (وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا)؛ أي: بسببها، فـ «في» سببيّة، كما في حديث: «دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها …» الحديث، متّفقٌ عليه. قال النوويّ ﵀: هذا ليس من تمنّي الموت المنهيّ عنه؛ لأن ذلك فيمن تمنّاه لضرّ نزل به، وهذا إنما تمنّى انفجارها؛ ليكون شهيدًا. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: هذا منه تَمَنٍّ للشهادة، وشوق لِمَا عند الله تعالى، وليس تمنّيًا للموت؛ لضرّ نزل به، الذي نُهى عنه. انتهى . (فَانْفَجَرَتْ)؛ أي: انشقّت الجرحة، (مِنْ لَبَّتِهِ) أي من صدره، وهو بفتح اللام، وتشديد الموحدة: هي موضع القلادة من الصدر، وهكذا في رواية البخاريّ، والإسماعيليّ، بلفظ: «من لبّته»، ووقع في رواية الكشميهنيّ: «من ليلته»، قال الحافظ: وهو تصحيف، فقد رواه حماد بن سلمة، عن هشام، فقال في روايته: «فإذا لَبَّته قد انفجرت من كَلْمِهِ»؛ أي: من جرحه، أخرجه ابن خزيمة، وكان موضعُ الجرح وَرِمَ حتى اتصل الوَرَمُ إلى صدره، فانفجر من ثَمَّ. وقال النوويّ ﵀: قوله: «فانفجرت من لبته»: هكذا هو في أكثر الأصول المعتمدة: «لَبَّتِه» - بفتح اللام، وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة - وهي النحر، وفي بعض الأصول: «مِن لِيتِهِ» - بكسر اللام، وبعدها ياء مثناة من تحتُ ساكنةٌ - واللِّيت: صفحة العنق، وفي بعضها: «مِن لَيْلَته»، قال القاضي عياض: قالوا: وهو الصواب، كما اتفقوا عليه في الرواية التي بعد هذه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فانفجرت من لبته»: كذا للرواية عن الأسديّ، بالباء بواحدة، وعن الصدفيّ: «من لِيته» بلام مكسورة، وياء باثنتين من تحتها ساكنة، وعند الْخُشَنيّ: «من ليلته»، قال: وهو الصواب، واللبة: الْمَنْحَر، واللِّيتُ: صفحة العنق. انتهى . [تنبيه]: بُيِّن سببُ انفجار الجرح في مرسل حميد بن هلال، عند ابن سعد، ولفظه:«إنه مَرَّت به عَنْزٌ، وهو مضطجع، فأصاب ظِلْفها موضعَ الجرح، فانفجر، حتى مات»، قاله في«الفتح». (فَلَمْ يَرُعْهُمْ)؛ أي: لم يُفزع أهل خيمة بني غفار، أو أهلَ المسجد، وهو - بفتح أوله، وضمّ الراء، بعده عين مهملة - يقال: راعني الشيءُ رَوْعًا - من باب قال -: أفزعني، ورَوّعني مِثْلُه . وقال النوويّ ﵀: قوله:«فلم يرُعهم»؛ أي: لم يفجاهم، ويأتيهم بغتةً. انتهى. وقوله: (وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن داخل المسجد النبويّ مع خيمة سعد - ﵁ - خيمة أخرى لامرأة (مِنْ بَنِي غِفَارٍ) وذكر ابن إسحاق أن الخيمة لرُفيدة الأسلميّة، فيَحْتَمِل أن تكون كان لها زوج من بني غفار، قاله في«الفتح». و«بنو غِفَار»- بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء -: قبيلة مشهورة، يُنسبون إلى غِفَار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أفاده في«اللباب» . (إِلَّا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ) الواو بعد الاستثناء زائدة، وهي غير موجودة في رواية البخاريّ، والمعنى: فلم يفزع أهل خيمة بني غفار، إلا أن الدم الذي جرى إليهم، وهو دم سعد أتاهم بغتةً يسيل إليهم، (فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ) يريدون أهل خيمة سعد - ﵁ -، (مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا)؛ أي: يسيل دمه، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة: «يَغِذّ» - بكسر الغين المعجمة، وتشديد الذال المعجمة أيضًا، ونقله القاضي عن جمهور الرواة، وفي بعضها «يَغْذُو» - بإسكان الغين، وضم الذال المعجمة - وكلاهما صحيح، ومعناه: يسيل، يقال: غَذّ الجرحُ يَغُذُّ - من بابي نصر، وضرب - : إذا دام سيلانه، وغَذَا يَغْذُو: سال، كما قال في الرواية الأخرى: «فما زال يسيل حتى مات». انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فإذا سعد جرحه يغِذُّ» بكسر الغين، وتشديد الذال عند كافة الرواة، وعند بعضهم: «يَغْذو»، ومعناه: يسيل، وهما لغتان، يقال: غَذَّ الجرحُ يغُذُّ مشددًا، وغذا يغْذو، وأنشد: بطعْنٍ كَفَمِ الزّقِّ … غَذَا والزِّقُّ مَلآنُ وعند ابن ماهان: «يصبُّ» مكان «يغذو»، وهو تفسير للَّفظ الأول. انتهى . (فَمَاتَ مِنْهَا)؛ أي: بسبب تلك الجراحة، فـ «من» سببيّة، وفي رواية ابن خزيمة في آخر هذه القصّة: «فإذا الدم له هَدِير»، ووقع في رواية علقمة بن وقاص، عن عائشة - ﵂ -، عند أحمد: «فانفجر كَلْمُهُ، وكان قد بَرِئ، إلا مثل الْخُرْص»، وهو بضم الخاء المعجمة، وسكون الراء، ثم صاد مهملة، وهو من حليّ الأذن. ولمسلم في الرواية التالية: «فما زال الدم يسيل حتى مات». مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه، وقد مضى تخريجه قبل حديث. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): جوازُ تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. ٢ - (ومنها): أن فيه تحكيمَ الأفضل مَن هو مفضول. ٣ - (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ - ﷺ -، وهي مسألة خلافيّة في أصول الفقه، والمختار: الجواز، سواء كان بحضور النبيّ - ﷺ - أم لا، وإنما استَبْعَد المانعُ وقوع الاعتماد على الظنّ مع إمكان القطع، ولا يضرّ ذلك؛ لأنه بالتقرير يصير قطعيًّا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته - ﷺ -، كما في هذه القصّة، وقصّة أبي بكر الصديق - ﵁ - في قتيل أبي قتادة، كما سبق قصّته، وغير ذلك، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِه، فَمَا زَالَ يَسِيلُ، حَتَّى مَاتَ، وَزَادَ: فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ [من الوافر]: ألَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنْ مُعَاذٍ … فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … كَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا … وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ … أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا … كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ) رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ) الحضرميّ، واسطيّ الأصل، يُعرف بأبي الشَّعْثاء، وكنيته أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن حفص بن غياث، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ووكيع، وأبي بكر بن عياش، وأبي معاوية الضرير، وعلي بن غُراب، وعبدة بن سليمان، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، ورَوَى ابن ماجه، عن أبي زرعة الرازيّ عنه، وأبو بكر بن عليّ المروزيّ، وصالح جَزَرة، وعبد الله بن أحمد، وأسلم بن سهل الواسطيّ، وغيرهم. قال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، ولم أسمع منه شيئًا، وقال الحاكم: ثقةٌ مأمونٌ. قال بَحْشَل: تُوُفّي في آخر سنة (٢٣٦)، وقال ابن حبان في «الثقات»: تُوفّي سنة (٢٣٧). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وكذا له عند ابن ماجه حديث واحد في «الصيام»، وهو حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء»، وهو حديث صحيح. ٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفي، ويقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. و«هشام» ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل «زاد» ضمير عبدة، وقوله: (قَالَ: فَذَاكَ … إلخ) مفعول «زاد» محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (فَذَاكَ)؛ أي: ذاك الوقت الذي حكم فيه سعد بقتل بني قريظة، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: «حين يقول الشاعر»؛ أي: ذلك الوقت وقت قول الشاعر. وقوله: (حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ) يجوز بناء «حين» على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة، ويجو إعرابه بالرفع؛ لأن إضافته إلى جملة مضارعيّة، قال ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»: وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ «إِذْ» قدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وقوله: (أَلَا يَا سَعْدُ) «ألا» أداة استفتاح، وتنبيه، وقوله: (سَعْدَ بَنْ مُعَاذٍ) بنصب «سعد» بدلًا من«سعدُ» المنادى، أو عطف بيان. وقوله: (فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ) هكذا هو في معظم النسخ، وكذا حكاه القاضي عن المعظم، وفي بعضها: «لِماَ فَعَلَتْ» باللام بدل الفاء، وقال: وهو الصواب، والمعروف في السير، قاله النوويّ: ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: (فَمَا فَعَلَتْ) الرواية عند الكافة بالفاء هكذا، والصواب: «لِمَا فَعَلَت» باللام المكسورة، وقد رواه بعضهم هنا كذلك، وهي الرواية في السير، ليس فيها غيرها. وقوله: (لَعَمْرُكَ) بفتح العين؛ أي: لحياتك، والحلف بالحياة لا يجوز، فيحتمل أن يكون هذا قبل النهي، أو لم يُرِد به القَسَم، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ)؛ يعني: أنه كثير الصبر على ما أصاب قريظة حلفاءه بسبب حكمه بقتلهم، وهذ من باب الذمّ بما يشبه المدح، يذمّه على حكمه في حلفائه. وقوله: (تَرَكْتُمْ)؛ أي: جعلتم. وقوله: (قِدْرَكمْ لَا شَيْءَ فِيهَا) «الْقِدْر» بكسر القاف، وسكون الدال المهملة: إناء يُطبخ فيه، جمعه قُدُورٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول . قال النوويّ ﵀: هذا مَثَل لعدم الناصر، وأراد بقوله: «تركتم قدركم»: الأوس؛ لقلة حلفائهم، فإن حلفاءهم قريظة، وقد قُتِلوا، وأراد بقوله: «وقدر القوم حاميةٌ تفور»: الخزرج؛ لشفاعتهم في حلفائهم بني قينقاع، حتى مَنَّ عليهم النبيّ - ﷺ -، وتركهم لعبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ، وهو أبو حباب المذكور في البيت الآخر. انتهى . وقال في «الفتح»: وقوله: «تركتم قدركم» أراد به ضرب المَثَل، و«ميطان»: موضع في بلاد مُزينة من الحجاز، كثير الأوعار، وأشار بذلك إلى أن بني قريظة كانوا في بلادهم راسخين، من كثرة ما لَهُم من القوّة والنَّجْدة، والمال، كما رسخت الصخور بتلك البلدة. وذكر ابن إسحاق أن هذه الأبيات لِجَبَل بن جَوَّال الثعلبيّ، وهو بفتح الجيم، والموحدة، وأبوه بالجيم، وتشديد الواو، والثعلبيّ بمثلثة، ومهملة، ثم موحدة، ووقع عنده بدل قوله: «وقد قال الكريم …» البيت: وَأَمَّا الْخَزْرَجِيُّ أَبُو حُبَاثٍ … فَقَالَ لِقَيْنُقَاعَ لَا تَسِيرُوا وزاد فيها أبياتًا، منها: أَقِيمُوا يَا سَرَاةَ الْأَوْسِ فِيهَا … كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَخْزَاةِ غُورُ وأراد بذلك توبيخ سعد بن معاذ؛ لأنه رئيس الأوس، وكان جَبَلُ بن جَوّال حينئذ كافرًا، ولعل قصيدة كعب بن مالك التي قدمناها في غزوة بني النضير كانت جَوَابًا لجبل، والله أعلم. وذكر ابن إسحاق لحسان بن ثابت قصيدة، على هذا الوزن والقافية، يقول فيها: تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا … وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلَدِتِهْم نَصِيرُ وَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ … فَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ لَقَدْ لَقِيتُمْ … بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ انتهى . وقوله: (أَبُو حُبَابٍ) هكذا الرواية في مسلم: «أبو حُبَاب» بضمّ الحاء المهملة، وباء موحّدةً مكرّرة، بينهم ألف، ووقع في نسخة «الفتح»: «أبو حُباث» بمثلّثة آخره، قال في «الفتح»: وقوله: «أبو حباث» - بضم المهملة، وتخفيف الموحدة، وآخرها مثلثة -. قال الجامع عفا الله عنه: كذا ضبطه بالثاء المثلثة، ووقع له في موضع آخر: «أبو حباب» بباءين، والظاهر أن ضبطه بالمثلثّة غير صحيح، وإنما هو «أبو حباب» بموحّدتين، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: هو عبد الله بن أُبَيّ رئيس الخزرج، وكان شَفَع في بني قينقاع، فوهبهم النبيّ - ﷺ - له، وكانوا حلفاءه، وكانت قريظة حلفاء سعد بن معاذ، فحكم بقتلهم، فقال هذا الشاعر يوبخه بذلك. انتهى . وقوله: (وَقَدْ قَالَ الْكَرِبمُ أَبُو حُبَابٍ)؛ أي: عبد الله بن أبيّ ابن سلول لحلفائه: (أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ) منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا قينقاع، (وَلَا تَسِيرُوا)؛ أي: ولا ترحلوا عن منازلكم. وقوله: (وَقَدْ كَانُوا)؛ أي: بنو قريظة، (بِبَلْدَتِهِمْ) التي كانوا مقيمين فيها، (ثِقَالًا)؛ أي: راسخين مطمئنين، لا يخشون أحدًا؛ لشدّة بأسهم، وقوّتهم، وعَددهم، وعُددهم، (كلمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ)؛ أي: كما رسخت الصخور، وهي الحجارة الكبار بميطانها؛ أي: بالبلدة التي تسمّى بهذا الاسم. وقوله: (كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ) هو اسم جبل من أرض الحجاز، في ديار بني مُزينة، وهو بفتح الميم على المشهور، وقال أبو عبيد البكريّ، وجماعة: هو بكسرها، وبعدها ياء مثناة تحتُ، وآخره نون، هذا هو الصحيح المشهور، ووقع في رواية العذريّ: «بميطار» بالراء، وفي رواية ابن ماهان: «بحيطان» بالحاء مكان الميم، قال القاضي عياض: والصواب الأول . وقال في «معجم البلدان»: «مَيْطان» بفتح الميم، وسكون الياء: من جبال المدينة، وقال في «القاموس»: و«ميطان» كميزان: من جبال المدينة، وقال في «النهاية»: إنه بكسر الميم: موضع في بلاد مُزينة بالحجاز، ومثله في «لسان العرب». قال عياض: وإنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفائِه، ويلومه على حكمه فيهم، ويُذَكِّره بفعل عبد الله بن أُبَيّ، ويمدحه بشفاعته في حلفائه بني قينقاع، ويمدحه بذلك ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالْغَزْوِ، وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ) [٤٥٩٢] (١٧٧٥) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ: «أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٢ - (جُويرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) - تصغير جارية - ابن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، عمّ عبد الله الراوي عنه، صدوقٌ [٧] (١٧٣) (خ م د س ق) تقدّم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٠٧) من رباعيّات الكتاب، وفيه «عبد الله» مهملًا، وهو ابن عمر، كما هو القاعدة أنه إذا أُطلق في الصحابة عبد الله: فإن كان في سند المدنيين، فهو ابن عمر بن الخطّاب، وفي المكيين، فهو ابن الزبير، وفي البصريين، فهو ابن عبّاس، وفي الكوفيين، فهو ابن مسعود، وفي المصريين، والشاميين، فهو ابن عمرو بن العاص - ﵃ -، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ «عَبْدُ اللهِ» فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِ وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر - ﵄ - أنه (قَالَ: نَادَى فِينَا)؛ أي: في معاشر الصحابة - ﵃ -، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ انْصَرَفَ) بإضافة «يوم» إلى الجملة الماضيّة، وهو يَحتمل أن يكون مبنيًّا على الفتح؛ لإضافته إلى جملة ماضية، ويَحْتَمل أن يكون معربًا منصوبًا على الظرفيّة، كما تقدّم في قول ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وقوله: (عَنِ الأَحْزَابِ)؛ أي: عن غزوة الأحزاب، وسُمّيت بذلك؛ لاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريشٌ، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وتسمّى بالخندق أيضًا، وكانت في شوّال سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه - إن شاء الله تعالى. («أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ) هكذا في رواية مسلم بلفظ:»الظهر«، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ:»العصر«. قال في«الفتح»: قوله:«لا يصلينّ أحدٌ العصرَ»كذا وقع في جميع النسخ عند البخاريّ، ووقع في جميع النسخ عند مسلم:«الظهر»، مع اتفاق البخاريّ ومسلم على روايته عن شيخ واحد، بإسناد واحد، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى، وآخرون، وكذلك أخرجه ابن سعد، عن أبي عِتبان مالك بن إسماعيل، عن جويرية، بلفظ:«الظهر»، وابن حبان، من طريق أبي عتبان كذلك، قال الحافظ: ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ:«الظهر»، غير أن أبا نعيم في«المستخرج»أخرجه من طريق أبي حفص السلميّ، عن جويرية، فقال:«العصر»، وأما أصحاب المغازي: فاتفقوا على أنها العصر. قال ابن إسحاق: لَمّا انصرف النبيّ - ﷺ - من الخندق، راجعًا إلى المدينة، أتاه جبريل الظُّهر، فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فأمر بلالًا، فأذّن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة، وكذلك أخرجه الطبرانيّ، والبيهقيّ في«الدلائل»بإسناد صحيح إلى الزهريّ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عمه عبيد الله بن كعب:«أن رسول الله - ﷺ - لَمّا رجع من طلب الأحزاب، وجَمَع عليه اللَّأْمَة، واغتَسَل، واستجمر، تبدَّى له جبريل، فقال: عَذِيرَك من محارب ، فَوَثَبَ فَزِعًا، فعَزَم على الناس أن لا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا قريظة حتى غربت الشمس، قال: فاختصموا عند غروب الشمس، فصلّت طائفة العصر، وتركتها طائفة، وقالت: إنا في عَزْمة رسول الله - ﷺ -، فليس علينا إثم، فلم يُعَنِّف واحدًا من الفريقين». وأخرجه الطبرانيّ من هذا الوجه موصولًا بذكر كعب بن مالك فيه، وللبيهقيّ من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ - نحوه مطوّلًا، وفيه:«فصلّت طائفة إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفة إيمانًا، واحتسابًا»، وهذا كله يؤيد رواية البخاريّ في أنها العصر. وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبلَ الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلِّها، فقيل لمن لم يصلِّها:«لا يصلِّين أحد الظهر»، ولمن صلّاها:«لا يصلِّين أحد العصر». وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى:«الظهر»، وقيل للطائفة التي بعدها:«العصر»، وكلاهما جمعٌ لا بأس به، لكن يُبعده اتّحاد مخرج الحديث؟ لأنه عند الشيخين كما بيّناه بإسناد واحد، من مبدئه إلى منتهاه، فيَبْعُد أن يكون كلّ من رجال إسناده قد حدّث به على الوجهين؛ إذ لو كان كذلك لحَمَله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، ولم يوجد ذلك. قال: ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حِفْظ بعض رواته، فإن سياق البخاريّ وحده مخالف لسياق كلّ من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، وعن عمه جويرية، ولفظ البخاريّ: «قال النبيّ - ﷺ -: لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرَدْ منّا ذلك، فذُكِرَ للنبيّ - ﷺ -، فلم يُعَنِّف واحدًا منهم». ولفظ مسلم، وسائر من رواه: «نادى فينا رسول الله - ﷺ - يوم انصرف عن الأحزاب، أن لا يصلينّ أحدٌ الظهر إلا في بني قريظة، فتخوّف ناس فوت الوقت، فصَلَّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - ﷺ -، وإن فاتنا الوقت، قال: فما عَنَّفَ واحدًا من الفريقين». فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه لَمّا حدّث به البخاريّ حدّث به على هذا اللفظ، ولمّا حدّث به الباقين حدّثهم به على اللفظ الأخير، وهو اللفظ الذي حدّث به جويرية بدليل موافقة أبي عِتبان له عليه، بخلاف اللفظ الذي حدّث به البخاريّ، أو أن البخاريّ كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ، كما عُرِف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا، وإنما لم أجوِّز عكسه؛ لموافقة من وافق مسلمًا على لفظه، بخلاف البخاريّ، لكن موافقة أبي حفص السلمي له تؤيِّد الاحتمال الأول. وهذا كله من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره، فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة، والعصر لطائفة مُتَّجِهٌ، فَيَحْتَمِل أن تكون رواية الظهر هي التي سمعها ابن عمر، ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك وعائشة، والله أعلم. انتهى، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله أعلم. (إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)؛ أي: إلا في قريتهم. (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ)؛ أي: وقت صلاة العصر، (فَصَلَّوْا) بفتح اللام المشدّدة، فما وقع في بعض النسخ من ضَبْطه بالقلم بضمّ اللام فغَلَط؛ لأنه حينئذ يكون فعل أمْر، والمراد هنا: فعل الماضي، وأصله: صَلَّيُوا بوزن عَلَمُوا وكَلّموا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت؛ لالتقاء الساكنين، فبقي: صَلَّوْا، بفتح اللام، وأما فعل الأمر، فهو صلُّوا بضمّ اللام المشدّدة، وأصله: صَلِّيُوا بكسر اللام، وضمّ الياء، بوزن عَلِّمُوا، وكَلِّموا، فنُقلت ضمّة الياء، إلى اللام، ثمّ حُذِفَت لالتقاء الساكنين، فصار: صلُّوا بضمّ اللام بالضمة التي نُقلت إليها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ)؛ أي: قبل الوصول إليهم، وذلك تقديمًا للأهمّ، حسبما اعتقدوه، فإنهم ظنّوا أنه - ﷺ - إنما قال لهم: «لا يصلّيَنّ … إلخ»؛ حثًّا على سرعة الخروج إليهم، ومواصلة المسير بلا انقطاع، ولا فتور، لا قصدًا لتفويت الصلاة. [تنبيه]: «دُونَ» تأتي لتسعة معان، جمعتها في قولي: لِـ «دُونَ» تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي … قَبْلُ وَفَوقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي أَمَامُ وَالسَّاقِطُ والإِغْرَاءُ … وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ وَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ … فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ السَّعْدُ (وَقَالَ آخَرُونَ) من الصحابة: (لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: إلا في المكان الذي أمرنا - ﷺ - أن نصلّي العصر، وهو مكان بني قريظة؛ عملًا بظاهر أمره - ﷺ -، (وَإِنْ) وصليّة؛ أي: ولو (فَاتَنَا الْوَقْتُ)؛ أي: وقت صلاة العصر، وفي رواية البخاريّ: «فأدرك بعضُهُم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلّي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نُصلّي، لم يُرَدْ منّا ذلك». (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبد الله بن عمر - ﵄ -، (فَمَا عَنَّفَ) بتشديد النون، مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -، يقال: عَنّفه تعنيفًا؛ أي: لامه، وعَتَبَ عنيه ؛ يعني: أن كلّهم لمَّا وصلوا إلى بني قريظة، واجتمعوا بالنبيّ - ﷺ -، ذَكرُوا ما فعلوه في صلاة العصر في الطريق، من تفويت بعضهم، وصلاة الآخرين في الوقت فلم يَلُم النبيّ - ﷺ -، ولم يعاتب (وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) المختلِفَين؛ لأن كلًّا مجتهد محتسِب، مستنِد إلى دليل شرعيّ، وفي رواية البخاريّ: «فذُكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فلم يُعنّف واحدًا منهم». قال النوويّ ﵀ وأما اختلاف الصحابة - ﵃ - في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها، وتأخيرها، فسببه أن أدلّة الشرع تعارضت عندهم، بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع اْن المفهوم من قول النبيّ - ﷺ -: «لا يُصلين أحدٌ الظهر، أو العصر إلا في بني قريظة» المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يُشْتَغَل عنه بشيء، لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه، من حيث إنه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم؛ نظرًا إلى المعنى، لا إلى اللفظ، فصَلَّوا حين خافوا فوت الوقت، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ، وحقيقته، فأخَّروها، ولم يعنِّف النبيّ - ﷺ - واحدًا من الفريقين؛ لأنهم مجتهدون، ففيه: دلالة لمن يقول بالمفهوم، والقياس، ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٤٥٩٢] (١٧٧٠)، و(البخاريّ) في «صلاة الخوف» (٩٤٦) و«المغازي» (٤١١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٦٢ و٤٧١٩)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ٧٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١١٩) و«دلائل النبوّة» (٤/ ٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنة» (٣٧٩٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان المبادرة بالغزو، وتقديم أهمّ الأمرين المتعارضين. ٢ - (ومنها): بيان أنه لا يُعَنَّف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل وُسعه في الاجتهاد. ٣ - (ومنها): أنه قيل: يُستدلّ به على أن كل مجتهد مصيب، وللقائل الآخر أن يقول: لم يُصَرِّح بإصابة الطائفتين، بل توك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد، وإن أخطأ، إذا بذل وُسْعه في الاجتهاد. ٤ - (ومنها): ما قال السهيليّ ﵀: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث، أو آية، فقد صلّت منهم طائفة قبل أن تغرب الشمس، وقالوا: لم يُرِد النبيّ - ﷺ - إخراج الصلاة عن وقتها، وإنما أراد الحثّ، والإعجال، فما عَنَّف أحدًا من الفريقين. ٥ - (ومنها): ما قال السهيليّ أيضًا: فيه دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، وفي حُكم داود وسليمان في الحرث أصل لهذا الأصل أيضًا، فإنه قال ﷾: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولا يستحيل أن يكون الشيء صوابًا في حقّ إنسان، وخطأ في حقّ غيره، فيكون من اجتهد في مسألة، فادّاه اجتهاده إلى التحليل مصيبًا في استحلاله، وآخر اجتهد فأذاه اجتهاده، ونَظَره إلى تحريمها مصيبًا في تحريمها، وإنما المحال أن يَحْكُم في النازلة بحكمين متضادَّين في حقّ شخص واحد، وإنما عَسُر فهم هذا الأصل على طائفتين: الظاهرية، والمعتزلة، أما الظاهرية، فإنهم عَلَّقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النصّ يأتي بحظر وإباحة معًا، إلا على وجه النسخ، وأما المعتزلة، فإنهم عَلَّقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حُسن الفعل عندهم أو قُبْحه صفةَ عين، فاستحال عندهم أن يتصف فعل بالحُسن في حق زيد، والقُبح في حق عمرو، كما يستحيل ذلك في الألوان، والأكوان، وغيرهما من الصفات القائمة بالذوات، وأما ما عدا هاتين الطائفتين من أرباب الحقائق، فليس الحظر والإباحة عندهم بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام، والحكم من الله تعالى يحكم بالحظر في النازلة على من أداه اجتهاده إلى الحظر، وكذلك الإباحة والندب والإيجاب والكراهة كلها صفات أحكام، فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهًا من التأويل، وكان عنده من أدوات الاجتهاد ما يترفع به عن حضيض التقليد إلى هَضْبَة النظر، فهو مصيب في اجتهاده، مصيب للحكم الذي تُعُبِّد به، وإن تُعُبِّد غيره في تلك النازلة بعينها بخلاف ما تُعُبّد هو به، فلا يُعَدّ في ذلك مخطئًا، إلا على من لا يعرف الحقائق، أو عَدَلَ به الهوى عن أوضح الطرائق. انتهى كلام السهيليّ ﵀ . قال الحافظ بعد نقل كلام السهيليّ المذكور باختصار ما نصّه: والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيّات واحد، وخالف الجاحظ، والعنبريّ، وأما ما لا قطع فيه: فقال الجمهور أيضًا: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعيّ، وقرّره، ونَقَل عن الأشعريّ أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظنّ المجتهد، وقال بعض الحنفية، وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يُصب ما في نفس الأمر، فهو مخطئ، وله أجر واحد. قال: ثم الاستدلال بهذه القصّة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف مَن بَذَل وُسْعه، واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه. وحاصل ما وقع في القصة: أن بعض الصحابة - ﵃ - حَمَلوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت؛ ترجيحًا للنهي الثاني على النهي الأول، وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتَغَل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق، فقد تقدم حديث جابر - ﵁ - المصرِّح بأنهم صَلَّوُا العصرَ بعدما غربت الشمس، وذلك لِشُغلهم بأمر الحرب، فجوَّزوا أن يكون ذلك عامًّا في كل شغل، يتعلق بأمر الحرب، ولا سيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حَمَلوا النهي على غير الحقيقة، وأنه كناية عن الحثّ، والاستعجال، والإسراع إلى بني قريظة. انتهى . ٦ - (ومنها): أنه قد استدلّ به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه - ﷺ - يُعَنِّف أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لَعَنَّف مَن أَثِمَ. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن حبان على أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يكفر، وفيه نظر لا يخفى، واستَدَلّ به غيره على جواز الصلاة على الدواب في شدة الخوف، وفيه نظر. ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الذي يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك؛ لأن الذين لم يصلّوا العصر صلّوها بعد ذلك، كما وقع عند ابن إسحاق أنهم صلَّوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة أنهم صلوها بعد أن غابت الشمس، وكذا في حديث كعب بن مالك، وفيه نَظَر أيضًا؛ لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر تأوّلوه، والنزاع إنما هو فيمن أخَّر عمدًا بغير تأويل. وأغرب ابن الْمُنَيِّر فادَّعَى أن الطائفة الذين صلّوا العصر لمّا أدركتهم في الطريق، إنما صلّوها وَهُمْ على الدوابّ، واستند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول، قال: فإن الذين لم يصلّوا عَمِلوا بالدليل الخاصّ، وهو الأمر بالإسراع، فتركوا عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صَلَّوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة، ووجوب الإسراع، فصَلَّوا ركبانًا؛ لأنهم لو صلوا نزولًا لكان مضادّة لِمَا أُمروا به من الإسراع، ولا يُظَنّ ذلك بهم مع ثقوب أفهامهم. انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لم يُصَرَّح لهم بترك النزول، فلعلهم فَهِموا أن المراد بأمرهم أن لا يصلّوا العصر إلا في بني قريظة: المبالغة في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره، وخَصُّوا وقت الصلاة من ذلك؛ لِمَا تقرّر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنع أن ينزلوا، فيصلّوا، ولا يكون في ذلك مضادّة لِمَا أُمروا به، ودعوى أنهم صفوا ركبانًا يحتاج إلى دليل، قال: ولم أره صريحًا في شيء من طرق هذه القصّة. وقال ابن القيّم في «الهدي» ما حاصله: كلٌّ من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت، ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحثّ على المحافظة عليها، وأن من فاتته حَبِط عمله، وإنما لم يُعَنِّف الذين أخَّروها؛ لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، ولأنهم اجتهدوا، فأخَّروا، لامتثالهم الأمر، لكنهم لم يَصِلُوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى، وأما من احتج لمن أخَّر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخَّر، كما في الخندق، وكان ذلك قبل صلاة الخوف، فليس بواضح؛ لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان، وذلك بَيِّن في قوله - ﷺ - لعمر لمّا قال له: ما كِدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: «والله ما صلَّيتُها»؛ لأنه لو كان ذاكرًا لها لبادر إليها، كما صنع عمر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة هل كلّ مجتهد مصيب؟ قد حقّقتها في «التحفة المرضيّة»، حيث قلت: هَذَا الْكَلَامُ مُجْمَلٌ يُسْتَفْصَلُ … فَإِنْ يُرَدْ لِلْحَق قُلْ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ يُرَدْ بِهِ إِصَابَةُ الثَّوَابْ … وَالأَجْرِ عِنْدَ اللهِ قُلْ هَا صَوَابْ فَالْحَقُّ وَاحِدٌ فَمَنْ يُصِيبُهُ … أُثِيبَ أَجْرَيْنِ بِمَا يُجِيبُهُ وَمُخْطِئٌ يَحْظَى بِأَجْرٍ وَاحِدِ … بِبَذْلِهِ الْجُهْدَ وَإِنْ لَمْ يَهْتَدِ لِذَاكَ أَرْشَدَ النَّبِيُّ الْمُنْتَقَى … فِي الْخَبَرِ الَّذِي عَلَيْهِ اتُّفِقَا وأعني بالخبر المذكور: ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» عن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا حَكَم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ رَدِّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ، مِنَ الشَّجَر، وَالثَّمَر، حِينَ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِالْفُتُوحِ) [٤٥٩٣] (١٧٧١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ الْمَدِينَةَ، قَدِمُوا، ولَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْض، وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ، عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ، وَالْمَئُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهْيَ تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ - وَكَانَتْ أمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ أَخًا لأَنَسٍ لأُمِّه - وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أنُسٍ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ، أمّ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ، مِنْ ثِمَارِهِمْ. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَة، فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدَمَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ، حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم قبل بابين. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر بن ضمضم الأنصاريّ الخزرجيّ، الخادم الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣)، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأن فيه أنس بن مالك - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو الخادم الشهير خدم النبيّ - ﷺ - عشر سنين، ونال دعوته المباركة، فكثُر ماله، وأولاده، وطال عمره حتى جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ) بكسر الدال، (الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ الْمَدِينَةَ) منصوب على المفعوليّة لـ «قَدِمَ»، (قَدِمُوا)؛ أي: المدينة، وقوله: (وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: لا يوجد بأيدي المهاجرين شيء من أموالهم؛ لأن المشركين منعوهم من أخذ أموالهم عند الهجرة. (وَكَانَ الأَنْصَارُ) هم الأوس والخزرج، (أَهْلَ الأَرْض، وَالْعَقَارِ) قال ابن الأثير ﵀: «العَقَار» بالفتح«: الضَّيْعَةُ، والنخل، والأرض، ونحو ذلك. انتهى ، وقال الفيّوميّ ﵀:»العَقَار«مثلُ سَلَامٍ: كلُّ مُلك ثابتٍ، له أصل؛ كالدار، والنخل، قال بعضهم: ورُبّما أُطلق على المتاع، والجمع: عَقَارات. انتهى . وقال النوويّ ﵀: أراد بالعقار هنا: النخل، قال الزجّاج: العقار كلُّ ما له أصلٌ، قال: وقيل: إن النخل خاصّةً يقال له: العقار. انتهى . والظاهر أنه أراد بالعقار هنا: النخل، والله تعالى أعلم. (فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ) قال في«الفتح»: ظاهره مغاير لقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قالت الأنصار للنبيّ - ﷺ -: اقسِمْ بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:«لا»، والجمع بينهما أن المراد بالمقاسمة هنا: القسمة المعنوية، وهي التي أجابهم إليها في حديث أبي هريرة - ﵁ -، حيث قال: قالوا: فيكفوننا المؤنة، ونُشركهم في الثمر، فكان المراد هنا: مقاسمة الثمار، والمنفيّ هناك: مقاسمة الأصول . قال: وزعم الداوديّ، وأقره ابن التين أن المراد بقوله هنا:«قاسمهم الأنصار»؛ أي: حالفوهم، جعله من القَسَم - بفتح القاف، والمهملة - لا من القَسْم - بسكون المهملة - وفيه نظر لا يخفى . وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: لَمّا قَدِمَ المهاجرون آثرهم الأنصار بمنائح من أشجارهم، فمنهم من قَبِلها منيحة محضةً، ومنهم من قَبِلها بشرط أن يعمل في الشجر، والأرض، وله نصف الثمار، ولم تَطِب نفسه أن يقبلها منيحةً محضةً؛ لشرف نفوسهم، وكراهتهم أن يكونوا كَلًّا، وكان هذا مساقاة، أو في معنى المساقاة، فلما فُتِحت عليهم خيبرُ استغنى المهاجرون بأنصبائهم فيها عن تلك المنائح، فرَدّوها إلى الأنصار. انتهى . (عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ)؛ أي: أعطى الأنصارُ المها جرين، (أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُل عَامٍ) منصوب على الظرفيّة، (وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ)؛ أي: يكفي المهاجرون الأنصارَ العمل في أراضيهم، ونخلاتهم. (وَالْمَئُونَةَ)؛ أي: ثِقَلهم، وتكاليفهم، قال الفيّوميّ ﵀: «المَئُونَة»: الثِّقَلُ، وفيها لغات: إحداها: على «فَعُولة» - بفتح الفاء، وبهمزة مضمومة - والجمع مَئُونات، على لفظها، ومَأَنْتُ القومَ أَمْأَنُهُمُ - مهموز، بفتحتين - واللغة الثانية: «مُؤنَةٌ» - بهمزة ساكنة - قال الشاعر: أَمِيرُنَا مُؤْنَتُهُ خَفِيفَةٌ والجمع: مُؤَنٌ، مثل: غُرْفة وغُرَف، والثالثة: «مَوْنَةٌ» بالواو، والجمع: مُوَنٌ، مثل سُورة وسُوَر، يقال منها: مَانَهُ يَمُونُهُ، من باب قال. انتهى . (وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵄ -، وخبر «كان»: (أعطت رسول الله - ﷺ -)، ولفظ البخاريّ: «وكانت أمه أم أنس». قال في «الفتح»: الضمير في «أمه» يعود على أنس، و«أم أنس» بدل منه، وكذا «أمّ سُليم». انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «وكانت أم أنس …» إلى قوله: «أبي طلحة» من كلام الزهريّ الراوي عن أنس، كذا قال بعضهم ، ولكن ظاهر السياق أنه يقتضي أنه من رواية الزهريّ، عن أنس، فيكون من باب التجريد، وهو أن يُنتزَع من أمير ذي صفة أمرٌ آخرُ مثلُ الأمر الأول في تلك الصفة، وإنما يُفعَل ذلك مبالغةً في كمال الصفة في الأمر الأول، والتجريد على أقسام، منها: مخاطبة الإنسان نفسه، كأنه ينتزع من نفسه شخصًا، فيخاطبه، والتجريد هنا من هذا القِسْم. انتهى . (وَهْيَ تُدْعَى)؛ أي: تسمَّى (أُمَّ سُلَيْم) بنت مِلْحان بن خالد الأنصاريّة، يقال: اسمها سهلة، أو رُنيلة، أو رُميثة، أَو مُليكة، أو انيثة، والغُميصاء، أو الرُّميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت - ﵂ - في خلافة عثمان - ﵁ -، تقدّمت ترجمتها في «الحيض» ٧/ ٧١٦. (وَكَانَتْ) هكذا هو في النسخ الموجودة عندي بالواو، ولعلّ الصواب حَذْفها - كما هو الواقع في «صحيح البخاريّ» -؛ لأنه خبر «كانت»؛ أي: كانت أمُّ أنس بن مالك (أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، (كَانَ أَخًا لأَنَسٍ لأُمِّهِ) الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، حَنَّكه النبيّ - ﷺ - لَمَّا وُلد، يروي عن أبيه، وأخيه أنس، وعنه ابناه: إسحاق، وعبد الله، وابن ابنه يحيى بن إسحاق، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كانت أمه أم سُليم حاملًا يوم حنين، ولم يزل عبد الله بالمدينة في دار أبي طلحة، وكان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن ثابت، عن أنس: كان لأبي طلحة من أم سُليم ولدٌ، فمات، فذكر القصة، وفي آخرها: فولدت غلامًا اسمه عبد الله، فكان من خير أهل زمانه، قال أبو نعيم الأصبهانيّ في «معرفة الصحابة»: استُشْهِد بفارس، وحُكي عن غيره أنه تُوُفّي بالمدينة في خلافة الوليد، وأرّخه أبو أحمد الدمياطيّ سنة أربع وثمانين . (وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أنسٍ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) فيه أن «كانت»، و«أعطت» تنازعا في رَفْع «أمُّ أنس»، ونَصْب «رسولَ الله - ﷺ -»، وقوله: (عِذَاقًا لَهَا) - بكسر العين المهملة، وبذال معجمة خفيفة - جمع عَذْق - بفتح، ثم سكون - كحَبْل وحِبَال، والْعَذْق: النخلة، وقيل: إنما يقال لها ذلك: إذا كان حَمْلها موجودًا، والمراد: أنها وهبت له ثمرها. (فَأَعْطَاهَا)؛ أي: أعطى تلك الْعِذَاقَ (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُمَّ أَيْمَنَ) بنصب «أمَّ» على أنها المفعول الأول لـ «أعطى»، والثاني «ها» مقدّمًا، وقوله: (مَوْلَاتَهُ) على البدليّة من«أمّ أيمن»؛ أي: مولاة النبيّ - ﷺ - وَرِثها من أبيه، ثم أعتقها، ثم زوّجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد - ﵄ -، كما أشار إليه بقوله: (أُمَّ أسَامَةَ بْنِ زيدٍ) - ﵄ -، و«أمّ أسامة» منصوب على البدليّة أيضًا. وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) موصول بالإسناد السابق، وكذا هو عند البخاريّ، (فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ اِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ) جمع مَنِيحة؛ أي: عطاياهم، قال الفيّوميّ ﵀: الْمِنْحةُ - بالكسر - في الأصل: الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثم يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كَثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحته مَنْحًا، من بابي نفع، وضرب: أعطيته، والاسم: الْمَنِيحة. انتهى . (الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ)؛ أي: أعطوهم (مِنْ ثِمَارِهِمْ) «من» للتبعيض؛ أي: بعض ثمارهم، وهم يأخذون بعضها. (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ)؛ أي: بدل تلك الْعِذاق (مِنْ حَائِطِهِ)؛ أي: من بستانه - ﷺ -، والمفعول الثاني لـ «أعطى» محذوف؛ أي: عِذاقًا أخرى، وَيحْتَمل أن تكون «من» هي الثاني؛ لأنها اسم بمعنى بعض، عند بعض النحاة. وفي رواية عند البخاريّ: «من خالصه» بدل «حائطه»؛ أي: من خالص ماله. وحاصل القصّة: أن الأنصار كانوا واسَوْا المهاجرين بنخيلهم؛ لينتفعوا بثمرها، فلمّا فتح الله النضير، ثم قريظة، قَسَم النبيّ - ﷺ - في المهاجرين من غنائمهم، فأكثر، وأمَرَهم بردّ ما كان للأنصار؛ لاستغنائهم عنه، ولأنهم لم يكونوا مَلَّكوهم رقاب ذلك، وامتنعت أم أيمن من ردّ ذلك؛ ظنًّا أنها ملكت الرقبة، فلاطفها النبيّ - ﷺ - لِمَا كان لها عليه من حقّ الحضانة، حتى عَوَّضها عن الذي كان بيدها بما أرضاها. انتهى . (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، الظاهر أن هذا من كلام الزهريّ، فيكون مرسلًا، بخلاف ما تقدّم، فإنه عن الزهريّ، عن أنس، كما صرّح به هناك، وليست هذه الزيادة عند البخاريّ، بخلاف ما تقدّم، فتنبّه. (وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) بجرّ «أمّ» على البدليّة، (أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً)؛ أي: أَمَةً، قال الفيّوميّ ﵀: الوَصِيف: الغلام دون المراهق، والوصيفة: الجارية كذلك، والجمع: وُصَفاء، ووصائف، مثلُ كريم، وكرماء، وكريمة وكرائم. انتهى . (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطلِبِ) والد النبيّ - ﷺ -، (وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ) قال النوويّ ﵀: هذا نصريح من ابن شهاب أن أم أيمن، أمَّ أسامة بن زيد حبشيةٌ، وكذا قاله الواقديّ، وغيره، ويؤيده ما ذَكره بعض المؤرخين أنها كانت من سبي الحبشة، أصحابِ الفيل، وقيل: إنها لم تكن حبشية، وإنما الحبشية امرأة أخرى، واسم أم أيمن التي هي أم أسامة: بَرَكة، كُنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشيّ، صحابي استُشْهِد يوم خيبر، قاله الشافعيّ وغيره، وقد سبق ذِكر قطعةً من أحوال أم أيمن في «باب القافة». انتهى . (فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ) بنت وهب والدة رسول الله - ﷺ -، (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة، (بَعْدَمَا تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول، و«بعد» ظرف لـ «ولدت»، ونائب الفاعل قوله: (أَبُوهُ) عبد الله بن عبد المطّلب، (فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ) بضمّ الضاد المعجمة، من باب نصر، يقال: حضن الصبيَّ يَحضُنُه حَضْنًا، وحِضانةً بالكسر: إذا جعله في حِضْنه، أو ربّاه؛ كاحتضنه، قاله المجد، وقال أيضًا: الْحِضن بالكسر: ما دون الإبط إلى الكَشْح، أو الصدرُ، والعضدان، وما بينهما، وجانب الشيء، وناحيته، جمعه أحضان. انتهى . (حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بكسر الباء الموحّدة، يقال: كَبر، كفَرِح كِبَرًا، كعِنَبٍ، ومَكْبِرًا، كمَنْزِلٍ: طَعَن في السنّ ؛ أي: وقد كِبَر سَنّه - ﷺ -، (فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ) مولاه - ﵁ -، (ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعلين للمفعول (بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ) - ﵂ -. وفي «تهذيب التهذيب»: أم أيمن حاضنةُ النبيّ - ﷺ -، يقال: اسمها بركة، رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، وعنها أنس بن مالك، وحَنَش بن عبد الله الصنعانيّ، وأبو يزيد المدنيّ، قال ابن عبد البرّ: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، هي أم أيمن غَلَبت عليها كنيتها، كُنيت بابنها أيمن بن عبيد، وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة، تزوجها زيد بعد عُبيد الحبشيّ، هاجرت الهجرتين، قال الواقديّ: كانت لعبد الله بن عبد المطلب، فصارت للنبيّ - ﷺ - ميراثًا، وقال ابن أبي خيثمة، عن سليمان بن أبي شيخ: أم أيمن اسمها بركة، وكانت لأمّ رسول الله - ﷺ -، وكان يقول: أم أيمن أمي بعد أمي، وروى سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال أبو بكر لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله - ﷺ - يزورها. قال الواقديّ، وابن حبان: ماتت في خلافة عثمان - ﵄ -. انتهى . تفرّد بها ابن ماجه، ولها في «الصحيحين» ذكر فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٤٥٩٣ و٤٥٩٤] (١٧٧١)، و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٦٣٠) و«فرض الخمس» (٣١٢٨) و«المغازي» (٤٠٣٠ و٤١٢٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٨٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة للأنصار - ﵃ - في مواساتهم، وإيثارهم، وما كانوا عليه من حبّ الإسلام، وإكرام أهله، وأخلاقهم الجميلة، ونفوسهم الطاهرة، وقد شَهِد الله تعالى لهم بذلك، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩]. ٢ - (ومنها): مشروعية هبة المنفعة، دون الرقبة. ٣ - (ومنها): بيان فَرْط جود النبيّ - ﷺ -، وكثرة حلمه، وبِرِّه، حيث عامل أم أيمن - ﵂ - هذه المعاملة الحسنة. ٤ - (ومنها): بيان منزلة أم أيمن - ﵂ - عند النبيّ - ﷺ -، وكانت حاضنته، وهي والدة أسامة بن زيد، وابنها أيمن أيضًا له صحبة، واستُشهد بحنين، وهو أسن من أسامة - ﵁ - . ٥ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: قوله: «فأعطاها رسول الله - ﷺ - أمَّ أيمن»: هذا دليل لِمَا قدّمنا عن العلماء أنه لم يكن كلّ ما أعطت الأنصار على المساقاة، بل كان فيه ما هو منيحةٌ، ومواساةٌ، وهذا منه، وهو محمول على أنها أعطته - ﷺ - ثمارها، يفعل فيها ما شاء، من أَكْله بنفسه، وعياله، وضيفه، وإيثاره بذلك لمن شاء، فلهذا آثر بها أم أيمن - ﵂ -، ولو كانت إباحة له خاصّة لَمَا أباحها لغيره؛ لأن المباح له بنفسه لا يجوز له أن يبيح ذلك الشيء لغيره، بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء، فإنه يتصرف فيه كيف شاء. انتهى . ٦ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀ أيضًا: قوله: «رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم … إلخ» هذا دليل على أنها كانت منائحَ ثمار؛ أي: إباحةً للثمار، لا تمليكًا لرقاب النخل، فإنها لو كانت هبةً لرقبة النخل، لم يرجعوا فيها، فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، وإنما كانت إباحةً كما ذكرنا، والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء، ومع هذا لم يرجعوا فيها، حتى اتسعت الحال على المهاجرين بفتح خيبر، واستغنَوْا عنها، فردُّوها على الأنصار، فقبلوها، وقد جاء في الحديث: أن النبيّ - ﷺ - قال لهم ذلك. انتهى . ٧ - (ومنها): أن في قصة أم أيمن - ﵂ - أنها امتنعت من ردّ تلك المنائح حتى عوَّضها رسول الله - ﷺ - عشرة أمثالها، كما ذُكر في الرواية التالية، قال النوويّ ﵀: وإنما فعلت هذا؛ لأنها ظَنّت أنها كانت هبة مؤتدة، وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد النبيّ - ﷺ - استطابة قلبها في استرداد ذلك، فما زال يزيدها في العِوَض حتى رَضِيت، وكلُّ هذا تبرعّ منه - ﷺ -، وإكرام لها لِمَا لها من حقّ الحضانة والتربية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أنسٍ، أَنَّ رَجُلًا - وَقَالَ حَامِدٌ، وَابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: أَنَّ الرَّجُلَ - كَانَ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - النَّخَلَاتِ مِنْ أَرْضِه، حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ، وَالنَّضِيرُ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَاهُ، قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَّ النَّبيَّ - ﷺ -، فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ، أَوْ بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - قَدْ أَعْطَاهُ أمّ أَيْمَنَ، فَأتَيْتُ النَّبِي - ﷺ -، فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أمّ أَيْمَنَ، فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي، وَقَالَتْ: وَاللهِ لَا نُعْطِيكَاهُنَّ، وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «يَا أُمَّ أَيْمَنَ اتْرُكِيه، وَلَكِ كَذَا وَكَذَا»، وَتَقُولُ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا، حَتى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِه، أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٤٩. [تنبيه]: قوله: «البكراويّ»: نسبة إلى جدّه الأعلى أبي بكر الصحابيّ المشهور - ﵁ -. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٤ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ) أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧)، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣)، وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. و«أنس بن مالك - ﵁ -» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٠٨) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ. وقوله: (أَنَّ رَجُلًا) أراد به جنس الرجل. وقوله: (أَنَّ الرَّجُلَ) «أل» فيه جنسيّة. وقوله: (حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ) ببناء الفعل للمفعول، و«قريظة» نائب فاعله. وقوله: (فَجَعَلَ) بالبناء للفاعل، وهو بمعنى شَرَع، وفاعله ضمير النبيّ - ﷺ -. وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعدما فُتحت قريظة والنضير. وقوله: (يَرُدُّ عَلَيْهِ)؛ أي: يردّ النبيّ - ﷺ - على ذلك الرجل جعل النخلات له. وقوله: (مَا كَانَ أَعْطَاهُ) «ما» موصولة مفعول «يرُدّ». وقوله: (وَإِنَّ أَهْلِي … إلخ)؛ أي: أمه ومن معها، كزوجها أبي طلحة - ﵄ -. وقوله: (مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ … الخ) فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، إذ حقّه أن يقول: ما كان أهلي أعطوه، والمعنى: أمروني بأن أستردّ منه - ﷺ - الذي كانوا أعطوه، قيل: ولعل مبادرتهم إلى ذلك للتبرك بما استعمله - ﷺ -، وإلا فهم أكثر الناس إيثارًا للنبيّ - ﷺ -، وأصحابه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَأَعْطَانِيهِنَّ)؛ أي: أعطاني - ﷺ - العِذَاق التي أعطتها له أم سُليم - ﵂ -. وقوله: (فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي) كناية عن أخذها من ثيابه، وتلبيبها إياه، لتجرّه وتخرجه من عِذاقها التي أعطاها - ﷺ -. وقوله: (وَقَالَتْ: وَاللهِ لَا نُعْطِيكَاهُنَّ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ: «نعطيكاهن» بالألف بعد الكاف، وهو صحيح، فكأنه أشبع فتحة الكاف، فتولدت منها أَلِف، وفي بعض النسخ: «والله ما نُعطاكهنّ»، وفي بعضها: «لا نعطيكهنّ»، والنه أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد اختلفت النسخ في هذه الكلمة، ففي بعضها: «لا يُعطيكهنّ» بياء الغيبة، والفاعل عليها ضمير النبيّ - ﷺ -، وهي واضحة، وفي بعضها: «لا نعطيكهنّ»، بنون المتكلّم، وهي أيضًا واضحة، وفي بعضها:«لا نعطيكاهنّ»بالنون، وألف بعد الكاف، وهي كما قال النوويّ: أكثر النسخ، وفي بعضها:«ما نعطكاهنّ»، وهاتان النسختان عندي أنهما دخلهما التصحيف، فتصحيح النوويّ لهما محلّ نظر، والله تعالى أعلم. وقولها: (وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ) جملة حاليّة من فاعل، يُعطيكهنّ». وقوله: (وَلَكِ كَذَا وَكَذَا)؛ أي: مثل الذي لكِ مرةً. وقوله: (وَتَقُولُ: كَلَّا … إلخ)؛ أي: لترتدع، ولينزجر عن أخذها. وقوله: (فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا … إلخ)؛ أي: شرع النبيّ - ﷺ - يزيدها مرتين، أو ثلاثًا إلى أن بَلّغها عشرة أمثالها، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٥) - (بَابُ جَوَازِ الأَكْلِ مِنْ طَعَام الْغَنِيمَة في دَارِ الْحَرْبِ) [٤٥٩٥] (١٧٧٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْني: ابْنَ الْمُغِيرَةِ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: فَالْتَفَت، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتبَسِّمًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)، وله بضعة و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ٢١/ ٧٩١. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلِ) بن عُبيد بن نَهْم المزنيّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ، بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات - ﵁ - سنة (٥٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كسابقه، وهو (٣٠٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وشيخه أُبُلّيّ، وأُبُلّة قرية من قرى البصرة، والإسناد التالي مسلسلٌ بالتحديث والسماع. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ) بصيغة اسم المفعول المشدّد، بوزن مُحَمَّد، ويجوز فيه «المغفّل» بـ «أل»؛ للمح الأصل، كما في «الخلاصة»: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا وفي الرواية التالية: «قال: سمعت عبد الله بن مغفّل». (قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا) وفي الرواية التالية: «رُمي إلينا جراب، فيه طعام وشحم»، وفي رواية البخاريّ: «كنّا محاصِري خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم»، وفي رواية أبي داود: «دُلِّيَ بجراب، يوم خيبر، فالتزمته». و«الْجِرَابُ» - بكسر الجيم، وفتحها - لغتان، والكسر أفصح وأشهر، وهو وعاء من جلد، هكذا أثبت النوويّ تبعأ لعياض الكسر، والفتح في الجيم ، ونفى الفيّوميّ ﵀ الفتح، ودونك عبارته، قال: والْجِراب معروف، والجمع: جُرُبٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، وسُمع أجربة أيضًا، ولا يقال: جَرَابَ بالفتح، قاله ابن السكّيت غيره. انتهى . وقال المجد ﵀: والْجِرَابُ - أي: بالكسر - ولا يُفتح، أو لُغيّةٌ، فيما حكاه عياض، وغيره: الْمِزْود، أو الوعاء، جمعه: جُرُبٌ، وجُرْبٌ، وأَجربة. انتهى . وقوله: (مِنْ شَحْمٍ)؛ أي: مشحون ذلك الجراب من شحم، (يَوْمَ خَيْبَرَ) ظرف لـ«أصبتُ». (قَالَ) عبد الله بن مغفّل - ﵁ - (فَالْتَزَمْتُهُ)؛ أي: أخذت ذلك الجراب، وفي الرواية التالية: «فوثبتُ لآخذه»، وفي رواية البخاريّ: «فنزوت لآخذه»، وهو بمعنى وَثَبْت، (فَقُلْتُ) يَحْتَمِل أنه قال ذلك جهرًا، فلذا سمعه النبيّ - ﷺ -، فتبسّم منه، ويَحْتَمِل أن يكون قاله في نفسه، وتبسّمه - ﷺ - إنما هو لأخذه له، مسابقًا غيره. (لَا أعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ) عبد الله (فَالْتَفَتُّ) بضمّ التاء المشدّدة؛ لكون تاء الفعل أُدغمت في تاء المتكلّم، (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) «إذا» هنا هي الفجائية؛ أي: ففاجأني حضوره - ﷺ -، حال كونه (مُتَبَسِّمًا) تبسّم تعجّب على شدّة حرصه، وقد أخرج ابن وهب بسند مُعْضَل: «أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الأنصاريّ، أخذ منه الجراب، فقال النبيّ - ﷺ -: خَلِّ بينه وبين جرابه»، قال في «الفتح»: وبهذا يتبيَّن معنى قوله: «فاستحييت من رسول الله - ﷺ -»، ولعله استحيا من فعله ذلك، ومن قوله معًا، وموضع الحجة منه عدم إنكار النبيّ - ﷺ -، بل قوله في رواية مسلم: «فإذا رسول الله - ﷺ - متبسمًا» يدلّ على رضاه بأخذه، بل زاد أبو داود الطيالسيّ في آخره: «فقال: هو لك»، وكأنه عَرَفَ شدّة حاجته إليه، فسوغّ له الاستئثار به ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مغفّل هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٤٥٩٥ و٤٥٩٦ و٤٥٩٧] (١٧٧٢)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣١٥٣) و«المغازي» (٤٢١٤) و«الذبائح» (٥٥٠٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧٠٢)، و(النسائيّ) في «الضحايا» (٤٤٣٧)، و«الكبرى» (٤٥٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٥٠٤ و٧/ ٣٥٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١٦٣٤٩ و٢٠٠٤٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٥٠٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٢٥٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٥٩ و١٠/ ٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب. ٢ - (ومنها): بيان حِلّ ذبائح أهل الكتاب، وهو مجمَع عليه، ولم يخالف إلا الشيعة، قال النوويّ ﵀: ومذهبنا، ومذهب الجمهور إباحتها، سواء سَمَّوا الله تعالى عليها أم لا، وقال قوم: لا يحل إلا أن يسموا الله تعالى، فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح، أو كنيسة، ونحوها، فلا تحل تلك الذبيحة عندنا، وبه قال جماهير العلماء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بإباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقًا هو الموافق لظاهر النصّ، فتنبّه. ٣ - (ومنها): جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود، وكانت محرّمة على اليهود، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء، قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والجمهور: لا كراهة فيها، وقال مالك: هي مكروهة، وقال أشهب، وابن القاسم المالكيان، وبعض أصحاب أحمد: هي محرمة، وحُكي هذا أيضًا عن مالك، واحتجّ الشافعيّ، والجمهور بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥]، قال المفسرون: المراد به: الذبائح، ولم يَستثن منها شيئًا، لا لحمًا، ولا شحمًا، ولا غيره، قاله النوويّ ﵀ ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على مَن مَنَع ما حُرِّم عليهم؛ كالشحوم؛ لأن النبيّ - ﷺ -، أقرّ عبد الله بن مغفل - ﵁ - على الانتفاع بالجراب المذكور. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب، ولو كانوا أهل حرب؛ لأن الله تعالى لم يخصّ حين أحلّ ذبائحهم ذميًّا من حربيّ، ولا لحمًا من شحم. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من توقير النبيّ - ﷺ -، ومن معاناة التنزّه عن خوارم المروءة، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في أكل طعام الغنيمة في دار الحرب: قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قَدْر حاجاتهم، ويجوز بإذن الإمام، وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهريّ، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يُخْرِج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام، فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم، وقال الأوزاعيّ: لا يلزمه، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب، ولا غيرها، فإن بِيْع منه شيء لغير الغانمين كان بَدَله غنيمته، ويجوز أن يَرْكب دوابهم، ويلبس ثيابهم، ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بالإجماع، ولا يفتقر إلى إذن الإمام، وشَرَط الأوزاعيّ إذنه، وخالف الباقين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز الأكل بلا استئذان الإمام، وكذا ركوب دوابهم عند الحاجة، واستعمال سلاحهم، ونحو ذلك هو الأرجح؛ لقوّة دليله، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم ذبائح أهل الكتاب: قال الإمام ابن قُدامة ﵀: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥]؛ يعني: ذبائحهم. قال البخاريّ: قال ابن عباس - ﵄ -: طعامهم: ذبائحهم، وكذلك قال مجاهد، وقتادة، ورُوي معناه عن ابن مسعود، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضًا، قال ذلك: عطاء، والليث، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا حَرَّم صيد أهل الكتاب، إلا مالكًا، أباح ذبائحهم، وحرّم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم من طعامهم، فيدخل في عموم الآية؛ ولأن من حلّت ذبيحته حلّ صيده؛ كالمسلم. قال: ولا فرق بين العدل والفاسق، من المسلمين، وأهل الكتاب، وعن ابن عباس - ﵄ -: لا تؤكل ذبيحة الأقلف، وعن أحمد مثله، والصحيح: إباحته، فإنه مسلم، فأشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف، والزاني، وشارب الخمر، مع تحقُّق فسقه، وذبيحة النصراني، وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى. قال: ولا فرق بين الحربيّ والذميّ، في إباحة ذبيحة الكتابيّ منهم، وتحريم ذبيحة من سواه، وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فقال: لا بأس بها، حديث عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - في الشحم، قال إسحاق: أجاد، وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نَحفَظ عنه من أهل العلم، منهم مجاهد، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا فرق بين الكتابيّ العربيّ، وغيره، إلا أن في نصارى العرب اختلافًا، ذكرناه في باب الجزية. وسُئل مكحول عن ذبائح العرب؟ فقال: أمّا بَهْرَا، وتَنُوخ، وسُلَيح، فلا بأس، وأما بنو تَغْلِب، فلا خير في ذبائحهم، والصحيح: إباحة ذبائح الجميع؛ لعموم الآية فيهم. قال: فإن كان أحد أبوي الكتابي، ممن لا تحل ذبيحته، والآخر ممن تحل ذبيحته، فقال أصحابنا - يعني: الحنبليّة -: لا يحل صيده، ولا ذبيحته، وبه قال الشافعيّ، إذا كان الأب غير كتابي. وإن كان الأب كتابيًّا، ففيه قولان: [أحدهما]: تباح، وهو قول مالك، وأبو ثور. [والثاني]: لا تباح؛ لأنه وُجد ما يقتضي التحريم والإباحة، فغُلِّب ما يقتضي التحريم، كما أَبُو جرحه مسلم ومجوسي، وبيانُ وجود ما يقتضي التحريم أَنَّ كونه ابن مجوسيّ، أو وثني، يقتضي تحريم ذبيحته. وقال أبو حنيفة: تباح ذبيحته، بكل حال؛ لعموم النص، ولأنه كتابي يُقَرُّ على دينه، فتحل ذبيحته، كما لو كان ابن كتابيين، وأما إن كان ابن وثنيين، أو مجوسيين، فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه، ومقتضى مذهب أبي حنيفة حِلّه؛ لأن الاعتبار بدين الذابح، لا بدين أبيه، بدليل أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك، ولعموم النص والقياس. قال: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم، فننظر فيه، فإن ذبحه لهم مسلم، فهو مباح، نُصَّ عليه. وقال أحمد، وسفيان الثوري، في المجوسي يذبح لإلهه، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها، فيسمي: يجوز الأكل منها، وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يُقَرَّب لآلهتهم، يذبحه رجل مسلم؟ قال: لا بأس به، وإن ذبحها الكتابي، وسمّى الله وحده، حَلَّت أيضًا؛ لأن شَرْط الحِلّ وُجد، وإن عُلم أنه ذَكَر اسم غير الله عليها، أو ترك التسمية عمدًا لم تَحِل. قال حَنْبَل: سمعت أبا عبد الله قال: لا يؤكل - يعني ما ذُبِح لأعيادهم وكنائسهم؛ لأنه أُهِلّ لغير الله به. وقال في موضع: يَدَعُون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح، فأما ما سوى ذلك، فرُويت عن أحمد الكراهة فيما ذُبح لكنائسهم، وأعيادهم مطلقًا، وهو قول ميمون بن مهران؛ لأنه ذُبح لغير الله، وروي عن أحمد إباحته. وسُئل عنه العرباض بن سارية؛ فقال: كلوا، وأطعموني. وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهليّ، وأبي مسلم الخولانيّ، وأكله أبو الدرداء، وجبير بن نفير، ورخَّص فيه عمرو بن الأسود، ومكحول، وضمرة بن حبيب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا من طعامهم، قال القاضي: ما ذبحه الكتابي لعيده، أو نجم، أو صنم، أو نبي، فسمّاه على ذبيحته حَرُم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وإن سمّى الله وحده حَلّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٨]، لكنه يُكره؛ لِقَصْده بقلبه الذبح لغير الله. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بحِلّ ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق هو الأرجح؛ لإطلاق النصّ بذلك، دون تفصيل؛ فإن الله تعالى في الوقت الذي أخبرنا بأن أهل الكتاب بدّلوا، وغَيَّرُوا، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٠]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ الآية [المائدة: ٧٣]، فقد أحلّ ذبائحهم، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية، فدلّ على أن الحل على إطلاقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٩٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، يَقُولُ: رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ، فِيهِ طَعَامٌ، وَشَحْمٌ، يَوْمَ خَيْبَرَ، فَوَثَبْتُ لآخُذَهُ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، فَإذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ) المعروف ببندار البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث المذكور قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّعَامَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية شعبة، عن حميد بن هلال هذه ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنّفه»، فقال: (٣٦٨٩٠) - حدّثنا أبو داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفّل، قال: سمعته يقول: دُلِّي جراب من شحم، يوم خيبر، قال، فالتزمته، وقلت: هذا لا أعطي أحدًا منه شيئًا، قال: فالتفتّ، فإذا النبيّ - ﷺ - يتبسم، فاستحييت. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثلاثين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج»، وقت الضحى يوم الخميس المبارك، وهو اليوم الرابع عشر من شهر محرّم (١٤/ ١/ ١٤٣١ هـ) الموافق (٣١ ديسمبر ٢٠٠٩ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الواحد والثلاثون مفتتحًا بـ (٢٦) - (بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ) رقم [٤٥٩٨] (١٧٧٣). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الخميس الرابع عشر من شهر محزم ١٤/ ١/ ٤٣١ هـ. أول الجزء الواحد والثلاثين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. (٢٦) -) بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ) [٤٥٩٨] (١٧٧٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِع - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيه، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْم، إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ؛ يَعْنِي: عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِه، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْه، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْه، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِه، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ الله، لَوْلَا مَخَافَةَ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَمَنْ يَتَّبِعُهُ؟ أَشْرَافُ النَّاس، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِبهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟ قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِه، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلتُكَ عَنْ حَسَبِه، فَزَعَمْتَ أنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؛ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِه، وَسَأَلتُكَ عَنْ أَتبَاعِه، أَضُعَفَاؤُهُمْ، أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُل، وَسَأَلتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَع الْكَذِبَ عَلَى النَّاس، ثُمَّ يَدْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى الله، وَسَأَلتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوب، وَسَأَلتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ، أَوْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ، وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ ، وَسَأَلتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاة، وَالزكَاة، وَالصِّلَة، وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْه، لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْه، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُول الله - ﷺ -، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتبعَ الْهُدَى، أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلَام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْن، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسيِّينَ، وَ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَاب، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغْطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا : لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَي الإِسْلَامَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ حجة فقيه [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ صنّف «المسند» [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (عَبْدُ بن حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الفقيه المتّفق على جلالته، وإتقانه، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٨ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٩ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ١٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ الصحابيّ الشهير، أسلم عام الفتح، ومات سنة (٣٢) أو بعدها (خ م د ت س) تقدم في «الزكاة» ٤٤/ ٢٤٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وأن فيه روايةَ صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي: وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ … فَابْنُ الزُّبَيْرِ فَابْنُ عَمْرٍ وعَادَلَهْ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا … وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا … وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ … سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلًا تَنْتَفِعْ وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة المذكورين في قول الحافظ العراقيّ ﵀: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) واسمه صخر - بالمهملة، ثم بالمعجمة - ابن حرب - بالمهملة، والراء، وبالباء الموحدة - ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ القرشيّ الأمويّ المكيّ، ويُكنى بأبي حنظلة أيضًا، وُلِد قبل الفيل بعشر، وأسلم ليلة الفتح، وشَهِد الطائف، وحُنينًا، وأعطاه النبيّ - ﷺ - من غنائم حنين مائة من الإبل، وأربعين أوقية، وفُقئت عينه الواحدة يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، فنزل بالمدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة أربع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان - ﵁ -، وهو والد معاوية - ﵄ - . (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن عبّاس - ﵄ -، (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ)؛ أي: مشافهةً بدون واسطة، ولفظ البخاريّ في «التفسير»: «حدّثني أبو سفيان، من فيه إلى فيّ»، قال في «الفتح»: إنما لم يقل: إلى أذني يشير إلى أنه كان متمكنًا من الإصغاء إليه، بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب، فلذلك جعل التحديث متعلقًا بفمه، وهو في الحقيقة إنما يتعلق بإذنه. [تنبيه]: قال في «الفتح»: واتّفق أكثر الروايات على أن الحديث كلّه من رواية ابن عباس، عن أبي سفيان، إلا ما وقع من رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ في «الجهاد»، فإنه ذكر أول الحديث عن ابن عباس إلى قوله: «فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله - ﷺ - قال حين قرأه: التَمِسُوا لي ها هنا أحدًا من قومه؛ لأسألهم عنه. قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام …» الحديث، كذا وقع عند أبي يعلى من رواية الوليد بن محمد، عن الزهري، وهذه الرواية المفَصّلة تُشعر بأن فاعل «قال» الذي وقع هنا من قوله: «قال: وكان دحية … إلخ» هو ابن عباس، لا أبو سفيان، وفاعل «قال: وقال هرقل: هل هنا أحد»، هو أبو سفيان. انتهى . (قَالَ: انْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت إلى الشام (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْني وَبَيْنَ رَسُول اللهِ - ﷺ -)؛ أي: في مدّة الصلح التي عَقَدَتْها مع رسول الله - ﷺ -، وكانت في سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين، كما في السيرة، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر - ﵄ -، ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار: كانت أربع سنين، وكذا أخرجه الحاكم في «البيوع» من «المستدرك»، والأول أشهر، لكنهم نقضوا، فغزاهم سنة ثمان، وفَتَح مكة، قاله في «الفتح» . (قَالَ: فَبَيْنَا أنا بِالشَّأْمِ) مهموز، ويجوز تركه، وفيه لغة ثالثة: شَآمٍ، بفتح الشين، والمدّ، وهو مذكر، ويؤنث أيضًا، حكاه الجوهرقي، والنسبَة إليه: شاميّ، وشآم، بالمدّ، على فَعَال، وشآميّ بالمد، والتشديد، حكاها الجوهريّ عن سيبويه، وأنكرها غيره؛ لأن الألف عوض من ياء النسب، فلا يُجمع بينهما. سُمِّي بشامات هناك حُمْر وسُود، وقال الرشاطيّ: الشام جمع شامة، سُمِّيت بذلك؛ لكثرة قراها، وتداني بعضها ببعض، فشُبِّهت بالشامات، وقيل: سُمّيت بسام بن نوح ﵇، وذلك لأنه أول من نزلها، فجُعلت السين شينًا، وقال أبو عبيد: لم يدخلها سام قط، وقال أبو بكر بن الأنباريّ: يجوز أن يكون مأخوذًا من اليد الشُّؤمَى، وهي اليسرى؛ لكونها من يسار الكعبة. وحدّ الشام طولًا من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس، وقال أبو حيان في «صحيحه»: أول الشام بالس، وآخره العريش، وأما حدّه عرضًا: فمن جبل طيّ من نحو القبلة إلى بحر الروم، وما يسامت ذلك من البلاد، وقال ابن حوقل: أما طول الشام فخمس وعشرون مرحلة، من ملطية إلى رفح، وأما عرضه فأعرض ما فيه طرفاه، فأحد طرفيه من الفرات من جسر منبح على منبح، ثم على قورص، في حد قنسرين، ثم على العواصم في حد أنطاكية، ثم مقطع جبل اللكام، ثم على المصيصة، ثم على أذنة، ثم على طرسوس، وذلك نحو عشر مراحل، وهذا هو السمت المستقيم، وأما الطرف الآخر، فهو من حدّ فلسطين، فيأخذ من البحر من حدّ يافا، حتى ينتهي إلى الرملة، ثم إلى بيت المقدس، ثم إلى أريحا، ثم إلى زعز، ثم إلى جبل الشراه، إلى أن ينتهي إلى معان، ومقدار هذا ست مراحل، فأما ما بين هذين الطرفين من الشام، فلا يكاد يزيد عرضه موضعًا من الأردنّ، ودمشق، وحمص، على أكثر من ثلاثة أيام، وقال الملك المؤيد: وقد عَدّ ابن حوقل ملطية من جملة بلاد الشام، وابن خرداذية جعلها من الثغور الجزيرية، والصحيح أنها من الروم. ودخله النبيّ - ﷺ - قبل النبوة وبعدها، ودخله أيضًا عشرة آلاف صحابيّ، قاله ابن عساكر في «تاريخه»، وقال الكرمانيّ دخله نبيّنا مرتين قبل النبوة: مرة مع عمه أبي طالب، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، حتى بلغ بُصْرَى، وهو حين لقيه الراهب، والتمس الردّ إلى مكة، ومرة في تجارة خديجة - ﵄ - إلى سوق بُصْرَى، وهو ابن خمس وعشرين سنة، ومرتين بعد النبوة: إحداهما ليلة الإسراء، وهو من مكة، والثانية في غزوة تبوك، وهو من المدينة. انتهى . (إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ) - بكسر الهاء، وفتح الراء - على المشهور، وحَكَى جماعة إسكان الراء، وكسر القاف، كخِنْدِف، منهم الجوهريّ، ولم يذكر القزاز غيره، وكذا صاحب «المرغب»، ولمّا أنشد صاحب «المحكم» بيت لبيد بن ربيعة [من الكامل]: غَلَبَ اللَّيَالِي خَلْفَ آلِ مُحَرِّقٍ … وَكَمَا فَعَلْنَ بِتُبَّعٍ وَبِهِرْقِلِ بكسر الهاء، وسكون الراء، قال: أراد هِرَقْلًا بفتح الراء، فاضطرّ، فَغَيَّر، والْهِرْقِل: الْمُنْخُلُ، ودلّ هذا أن تسكين الراء ضرورة، ليست بِلُغة. وزعم الجواليقيّ أنه عجميّ تكلمت به العرب، وهو اسمٌ عَلَمٌ له، غير منصرف للعلمية والعجمة، مُلِّك إحدى وثلاثين سنة، ففي مُلكه مات النبيّ - ﷺ -، ولَقَبُه: قيصر، كما أن كل من ملك الفُرْس يقال له: كسرى، والترك يقال له: خاقان، والحبشة: النجاشيّ، والقبط: فرعون، ومصر: العزيز، وحمير: تُبَّع، والهند: دُهمى، والصين: فَغْفور، والزنج: غانة، واليونان: بطلميوس، واليهود: قِيطون، أو ماتح ، والبربر: جالوت ، والصابئة: نمرود، واليمن: تُبّعًا، وفرغانة: إخشيد، والعرب من قبل العجم: النعمان، وإفريقية: جرجير، وخلاط: شهرمان، والسِّنْد: فور، والحزر: رتبيل، والنوبة: كابل، والصقالبة: ماجد. وهرقل أول من ضرب الدينار وأحدث البِيعة. [فإن قلت]: ما معنى الحديث الصحيح: «إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده»؟ . [أجيب]: بأن معناه لا قيصر بعده بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، قاله الشافعيّ في «المختصر»، وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما؛ لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال - ﷺ -: «لا قيصر، ولا كسرى»؛ أي: بعدهما في هذين الإقليمين، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصر بعده بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، ولا يكون، وقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله»، متّفقٌ عليه، ففتحت الصحابة الإقليمين في زمن عمر - ﵁ -. [فائدة]: معنى قيصر: التبقير، والقاف على لغتهم غير صافية، وذلك أن أمه لمّا أتاها الطَّلْق به ماتت، فبُقِر بطنها عنه، فخرج حيًّا، وكان يفخر بذلك؛ لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتقّ من القطع؛ لأن أحشاء أمه قُطعت حتى أُخرج منها، وكان شجاعًا جبّارًا مِقدامًا في الحروب، نبّه على ذلك ابن دحية في «مرج البحرين» . قال ابن عبّاس، أو من دونه: (يَعْني عَظِيمَ الرُّومِ)؛ أي: يقصد أبو سفيان بقوله: هرقل، ولم يصفه بالمَلِك؛ لكونه معزولًا بالإسلام. (قَالَ : وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ) قال النوويّ ﵀: هو بكسر الدال، وفتحها لغتان مشهورتان، اختُلِف في الراجحة منهما، وادَّعَى ابن السِّكِّيت أنه بالكسر لا غير، وأبو حاتم السجستانيّ أنه بالفتح لا غير. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم: وقال المطرِّز: الدِّحى: الرؤساء، واحدهم: دِحية. قلت: وعلى هذا فالكسر هو الصواب، كما قال ابن السِّكِّيت؛ لأن: دِحْية، ودِحًى، كلِحْيةٍ، ولحًى، وفِدية، وفِدًى، وهو القياس؛ لأن نظيره من الصحيح: قِرْبة وقِرب، لكن لا يبعد أن يقال: إنه لمّا نُقل إلى العَلَمية غُيِّر بالفتح، كما قد فعلت العرب في كثير من الأعلام. انتهى . وقال في «الفتح»: «دِحْيَةُ» بكسر الدال، وحُكي فتحها، لغتان، ويقال: إنه الرئيس بِلُغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة الكلبيّ، صحابيّ جليل، كان أحسن الناس وجهًا، وأسلم قديمًا، وبعثه النبيّ - ﷺ - في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل في المحرَّم سنة سبع، قاله الواقديّ، ووقع في «تاريخ خليفة» أن إرسال الكتاب إلى هرقل كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلطٌ؛ لتصريح أبي سفيان بأن ذلك كان في مدة الْهُدْنة، والْهُدْنة كانت في آخر سنة ستّ اتفاقًا، ومات دحية في خلافة معاوية - ﵄ -. قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: «دحية» - بفتح الدال، وكسرها - ابن خليفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بخاء مفتوحة معجمة، ثم زاي ساكنة، ثم جيم - وهو العظيم، واسمه زيد مناة، سُمّي بذلك؛ لِعِظَم بطنه، ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف وهو زيد اللات، وهو ما ساقه الْمِزّيّ أوّلًا، قال: وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عبد بن زيد اللات بن رُفيدة - بضم الراء، وفتح الفاء - ابن ثور بن كلب بن وَبَرَة - بفتح الباء - ابن تغلب - بالغين المعجمة - ابن حلوان بن عمران بن إلحاف - بالحاء المهملة، والفاء - ابن قُضاعة بن معدّ بن عدنان، وقيل: قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبا. كان من أجمل الصحابة وجهًا، ومن كبارهم، وكان جبريل ﵇ يأتي النبيّ - ﷺ - في صورته، وذكر السهيليّ عن ابن سلام في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، ورُوي أنه كان إذا قَدِم الشام لم تبق مُعْصِر إلا خرجت للنظر إليه. قال ابن سعد: أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشَهِد المشاهد بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وقال غيره: شَهِد اليرموك، وسكن الْمِزّة، وهي بكسر الميم، وتشديد الزاي المعجمة: قرية بقرب دمشق . وليس في الصحابة من اسمه دحية سواه، ولم يخرّج من أصحاب الكتب الستة حديثه إلا أبو داود في «سننه» ، وهو من أصحاب المحدّثين، وقال البزار لمّا ساق الحديث من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه: لم يحدّث عن النبيّ - ﷺ - إلا هذا الحديث . (جَاءَ) دحية (بِهِ)؛ أي: بذلك الكتاب (فَدَفَعَهُ)؛ أي: الكتاب (إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى) قال النوويّ ﵀: هي بضم الباء، وهي مدينة حُوران، ذات قلعة، وأعمال، قريبة من طرف البريّة التي بين الشام والحجاز، والمراد بعظيم بصرى: أميرُها. انتهى . وقال في «الفتح»: «بُصْرَى» - بضم أوله، والقصر - مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران، وعظيمها: هو الحارث بن أبي شَمِر الغسانيّ، وفي «الصحابة» لابن السكن: أنه أرسل بكتاب النبيّ - ﷺ - إلى هرقل مع عديّ بن حاتم، وكان عديّ إذ ذاك نصرانيًّا، فوصل به هو ودحية معًا، وكانت وفاة الحارث المذكور عام الفتح . (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ) لمّا وصل إليه الكتاب لجلسائه: (هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ؟)؛ أي: هل يوجد في ناحيتنا أحد من قومه، نسأله عن حاله، ويخبرنا عن حقيقته؛ لأن قوم الرجل أعرف به من غيرهم، (قَالُوا: نَعَمْ)؛ أي: يوجد ههنا من قومه جماعة. (قَالَ) أبو سفيان (فَدُعِيتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلبت إلى مجلسه. قال في «الفتح»: قوله: «فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل» فيه حذفٌ، تقديره: فجاءنا رسوله، فتوجهنا معه، فاستأذن لنا، فأُذن، فدخلنا، وهذه الفاء تُسَمَّى الفصيحة، وهي الدالة على محذوف قبلها، هو سبب لِمَا بعدها، سمِّيت فصيحةً؛ لإفصاحها عما قبلها، وقيل: لأنها تدل على فصاحة المتكلم بها، فوُصفت بالفصاحة على الإسناد المجازيّ، ولهذا لا تقع إلا في كلام بليغ. ثم إن ظاهر السياق أن هرقل أرسل إليه بِعَيْنه، وليس كذلك، وإنما كان المطلوب مَن يوجد من قريش، ووقع عند البخاريّ في «الجهاد»: «قال أبو سفيان: فوَجَدَنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطَلَق بي، وباصحابي، حتى قَدِمنا إلى إيلياء»، والمراد ببعض الشام: غَزّة. انتهى . (فِي نَفَرٍ)؛ أي: مع جماعة، وفي رواية البخاريّ: «في رَكْب من قريش»، والركب: جمع راكب، كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، والمعنى أن أبا سفيان دُعي حال كونه في جملة نفر، وذاك لأنه كان كبيرهم، فلهذا خصه، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا. رواه الحاكم في «الإكليل»، ولابن السكن: نحو من عشرين، وسَمَّى منهم المغيرة بن شعبة في «مصنف ابن أبي شيبة» بسند مرسل، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه كان إذ ذاك مسلمًا، ويَحْتَمِل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر، ثم قَدِمَ المدينة مسلمًا، وقد وقع ذِكره أيضًا في أثر آخر في كتاب السِّيَرِ لأبي إسحاق الفزاريّ، وكتاب الأموال لأبي عبيد، من طريق سعيد بن المسيِّب، قال: «كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر …» الحديث، وفيه: «فلما قرأ قيصر الكتاب، قال: هذا كتاب لم أسمع بمثله، ودعا أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وكانا تاجرين هناك، فسأل عن أمر رسول الله - ﷺ -». انتهى . (مِنْ قُرَيْشٍ) هم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر، دون سائر ولد كنانة، وهم مالك، وملكان، ومويلك، وغزوان، وعَمْرو، وعامر، إخوة النضر لأبيه وأمه، وأمهم مُرّة بنت مُرّ، أخت تميم بن مُرّ. وهذا قول الشعبيّ، وابن هشام، وأبي عبيدة، ومعمر بن المثنى، وهو الذي ذكره الجوهريّ، ورجحه السمعانيّ، وغيره، قال النوويّ: وهو قول الجمهور، وقال الرافعيّ: قال الأستاذ أبو منصور: هو قول أكثر النسابين، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وهو أصح ما قيل. وقيل: إن قريشًا بنو فهر بن مالك، وفهر جِمَاع قريش، ولا يقال لمن فوقه: قرشيّ، وإنما يقال له: كنانيّ، ورجحه الزبير بن بكار، وحكاه عن عمه مصعب بن عبد الله، قال: وهو قول من أدركت من نسّاب قريش، ونحن أعلم بأمورنا، وأنسابنا، وذكر الرافعيّ وجهين غريبين، قال: ومنهم من قال: هم ولد إلياس بن مضر، ومنهم من قال: هم ولد مضر بن نزار. وفي «العباب»: قريش قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكل من كان من ولد النضر، فهو قرشيّ، دون ولد كنانة، ومن فوقه. وقال قوم: سُمِّيت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِيْر قريش، وخرجت عير قريش، قال الصغانيّ: ذكر إبراهيم الحربيّ في «غريب الحديث» من تأليفه في تسمية قريش قريشًا سبعة أقوال، وبَسَط الكلام، وأنا أجمع ذلك مختصرًا. فقال: سأل عبد الملك أباه عن ذلك، فقال: لِتَجمّعهم إلى الحَرَم. والثاني: أنهم كانوا يتقرّشون البياعات، فيشترونها. والثالث: أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له؛ يعني: اجتمع في ثوبه، فقالوا: قد تقرّش في ثوبه. والرابع: قالوا: جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جملٌ قريشٌ؛ أي: شديد. والخامس: أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص - ﵃ -: لِمَ سُمّيت قريشًا؟ قال: بدابة في البحر تُسَمَّى قريشًا. والسادس: قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قُصَيًّا كان يقال له: القرشيّ، لم يُسَمَّ قرشيّ قبله. والسابع: قال معروف بن خَرَّبُوذ: سميت قريشًا لأنهم كانوا يُفَتِّشون الحاجَ فيسدّون خَلّتها. انتهى. وقال الزهريّ: إنما نبذت فهرًا أمه بقريش، كما يسمى الصبيّ غرارة، وشملة، وأشباه ذلك، وقيل: من القَرْش وهو الكسب. وقال الزبير بن بكّار: قال عمّي: سمّيت قريش برجل يقال له: قريش بن بدر بن مخلد بن النضر، كان دليل بني كنانة في تجاراتهم، فكان يقال: قَدِمت عير قريش، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع، وقال غير عمّي: سميت بقريش بن الحارث بن يخلد، اسمه بدر التي سُمّيت به بدر، وهو احتفرها. وقال الكرمانيّ: وسال معاوية ابن عباس - ﵃ -: بم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعْلَى، والتصغير للتعظيم. وقال الليث: القَرْش الجمع من ههنا وههنا، وضَمَّ بعض إلى بعض، يقال: قَرَش يقرْش قرشًا ، وقال ابن عباد: قَرْشُ الشيء خفيقه وصوته، يقال: سمعت قَرْشه؛ أي: وقع حوافر الخيل، وقَرَش الشيءَ: إذا قطعه، وقَرَضه، وقال غيره: قَرِش بكسر الراء لغة في فتحها، والقرش: دابة من دواب البحر، وأقرشت الشجة: إذا صَدَعت العظم، ولم تَهْشِمه، والتقريش: التحريش، والإغراء، والتقريش: الاكتساب، وتقرّشوا: تجمعوا، وتقرّش فلان الشيء: إذا أخذه أوّلًا فأوّلًا، فإن أردت بقريش الحي صَرَفْته، وإن أردت به القبيلة لم تَصْرِفه، والأوْجَه صَرْفه، قال تعالى ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾، والنسبة إليه: قرشيّ، وقريشيّ، بالياء، وحذفها . (فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ) وللبخاريّ في «الجهاد»: «فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس مُلكه، وعليه التاج»، وفي رواية له في «الإيمان»: «فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم»، ولابن السكن: «فأدخلنا عليه، وعنده بطارقته، والقِسِّيسون، والرهبان». والروم: من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ على الصحيح، وفي خل فيهم طوائف من العرب، من تنوخ، وبهراء، وسليح، وغيرهم، من غسان، كانوا سكانًا بالشام، فلمّا أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم . (فَأَجْلَسَنَا) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر بإجلاسنا، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، (بَيْنَ يَدَيْهِ)؛ أي: قُدّامه، (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أقرَبُ نَسَبًا) قال العلماء: إنما سأل قريب النسب؛ لأنه أعلم بحاله، وأبعد من أن يكذب في نسبه وغيره، ثم أَكَّد ذلك، فقال لأصحابه: إن كَذَبني فكَذِّبوه؛ أي: لا تستحيوا منه، فتسكتوا عن تكذيبه إن كَذَبَ، ذكره النوويّ . وقال في «الفتح»: ظاهر هذا يقتضي أن هرقل خاطبهم أوّلًا بغير ترجمان، ثم دعا بالترجمان، لكن وقع عند البخاريّ في «الجهاد» بلفظ: «فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا … إلخ»، فيُجْمَع بين هذا الاختلاف بأن قوله: «ثم دعا بترجمانه»؛ أي: فأجلسه إلى جنب أبي سفيان، لا أن المراد أنه كان غائبًا، فأرسل في طلبه، فحضر، وكأن الترجمان كان واقفًا في المجلس، كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، فخاطبهم هرقل بالسؤال الأول، فلما تحرّر له حال الذي أراد أن يخاطبه من بين الجماعة، أمر الترجمان بالجلوس إليه؛ ليعبِّر عنه بما أراد. انتهى . (مِنْ هَذَا الرَّجُلِ) «من» هنا كأنها ابتدائية، والتقدير: أيكم أقرب نسبًا مبدؤه من هذا الرجل؟ أو هي بمعنى الباء، ويؤيده أن في بعض الرواية بلفظ: «بهذا الرجل»، وفي بعضها: «إلى هذا الرجل»، ولا إشكال فيه، فإن أقرب يتعدى بـ «إلى»، قال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والمفضَّل عليه محذوف تقديره: من غيره، ويَحْتَمِل أن تكون «من» في رواية الباب بمعنى الغاية، فقد ثبت ورودها للغاية مع قلة ، قاله في «الفتح» . (الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ؟) ولابن السكن: «الذي خرج بأرض العرب، يزعم أنه نبيّ»، (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا) وللبخاريّ: «قلت: أنا أقربهم نسبًا»، وفي رواية ابن السكن: «فقالوا: هذا أقربنا به نسبًا، هو ابن عمه، أخي أبيه»، وإنما كان أبو سفيان أقرب؛ لأنه من بني عبد مناف، وقد أوضح ذلك البخاريّ في «الجهاد» بقوله: «قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي، قال أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري». انتهى. وعبد مناف الأب الرابع للنبيّ - ﷺ -، وكذا لأبي سفيان، وأَطلق عليه ابن عمّ؛ لأنه نَزّل كلًّا منهما منزلة جدّه، فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعلى هذا ففيما أطلق في رواية ابن السكن تَجَوُّز، وإنما خَصّ هرقل الأقرب؛ لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يُومَن أن يقدَح في نسبه، بخلاف الأقرب، وظهر ذلك في سؤاله بعد ذلك: «كيف نسبه فيكم؟» . (فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْه، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي) قال بعض العلماء: إنما فعل ذلك؛ ليكون عليهم أهون في تكذيبه إن كذب؛ لأن مقابلته بالكذب في وجهه صعبة، بخلاف ما إذا لم يستقبله، ذكره النوويّ . وفي رواية البخاريّ في «الجهاد»: «عند كتفي»، وهي أخصّ، وعند الواقديّ: «فقال لترجمانه: قل لأصحابه: إنما جعلتكم عند كتفيه؛ لتردّوا عليه كذبًا إن قاله». والحاصل أنه إنما أجلسهم خلفه، لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كَذَبَ، كما صَرّحت بذلك رواية الواقديّ المذكورة، أفاده في «الفتح» . (ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ) قال النوويّ ﵀: هو بضم التاء، وفتحها، والفتح أفصح، وهو المعبِّر عن لغة بلغة أخرى، والتاء فيه أصلية، وأنكروا على الجوهريّ كونه جَعَلها زائدة. انتهى . وقال في «الفتح»: «الترجمان»: بفتح التاء المثناة، وضم الجيم، ورجّحه النوويّ، ويجوز ضم التاء إتباعًا، ويجوز فتح الجيم، مع فتح أوله، حكاه الجوهريّ، ولم يصرحوا بالرابعة، وهي ضم أوله، وفتح الجيم، والترجمان: المعبّر عن لغة بلغة، وهو معرَّب، وقيل: عربيّ، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر: والترجمان من يفسر لغة بلغة، فعلى هذا لا يقال ذلك لمن فَسّر كلمة غريبة بكلمة واضحة، فإن اقتضى معنى الترجمان ذلك فليُعْرَف أنه الذي يفسِّر لفظًا بلفظ، وقد اختُلِف هل هو عربيّ، أو معرَّب؟ والثاني أشهر، وعلى الأول فنونه زائدة اتفاقًا، ثم قيل: هو من ترجيم الظنّ، وقيل: من الرجم، فعلى الثاني تكون التاء أيضًا زائدة، ويوجب كونه من الرجم: أن الذي يُلقِي الكلامَ كأنه يَرْجُم الذي يُلقيه إليه. انتهى . (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لترجمانه، (قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا)؛ أي: أبا سفيان (عَنِ الرَّجُلِ) أشار إليه إشارةَ القرب؛ لِقُرب العهد بِذِكْره، أو لأنه معهود في أذهانهم؛ لاشتراك الجميع في معاداته، ووقع عند ابن إسحاق من الزيادة في هذه القصة: «قال أبو سفيان: فجعلت أُزَهِّده في شانه، وأُصغِّر أمره، وأقول: إن شأنه دون ما بلغك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك»، (الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) وفي رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ: «يَدَّعِي»، و«زعم» قال الجوهريّ: بمعنى قال، وحكاه أيضًا ثعلب، وجماعة، كما سبق في قصة ضمام في «كتاب الإيمان»، وهو كثير، ويأتي موضع الشك غالبًا . (فَإنْ كَذَنَبِي) بتخفيف الذال؛ أي: نقل إلي الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الدال؛ أَي: قولوا: إنه كَذَب؛ أي: قال لترجمانه: يقول لكم ذلك، ولمّا جرت العادة أن مجالس الأكابر لا يواجه أحد فيها بالتكذيب احترامًا لهم، أَذِن لهم هرقل في ذلك؛ للمصلحة التي أرادها، قال محمد بن إشماعيل التيميّ: كَذَب بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين، مثل صَدَقَ، تقول: كَذَبني الحديث، وصَدَقني الحديث، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، وكَذَّب بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهما من غرائب الألفاظ؛ لمخالفتهما الغالب؛ لأن الزيادة تناسب الزيادة، وبالعكس، والأمر هنا بالعكس. انتهى . (قَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ) مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: يمين الله قَسَمي، وهي بالهمزة، وبغير الهمزة، وفيها لغات أخرى، تقدّم بيانها، وقال القرطبيّ ﵀: «وايم الله» هي كلمة محذوفة من «أيمن الله»، تستعملها العرب اسمًا مرفوعًا في القَسَم على الابتداء، والخبر محذوف، وقد اختَلَف النحويون فيها، هل هي: اسم مفرد، همزته همزة وصل، وإنما فتحت همزته؛ لأنه غير متصرف، فخالف جميع همزات الوصل؛ وهو مذهب سيبويه، أو هل هي: جَمْع يمين، وهمزته همزة قطع؛ لأنها همزة جمع؛ وهو قول الفراء، وهي عنده جمع يمين، وقول سيبويه أشبه، بدليل: أنهم كسروا همزتها، وأنهم تصرَّفوا فيها بلغات مختلفة، منها: إِيْمُنٌ بالكسر، وبالفتح: أَيْمُنٌ، وبحذف النون، والهمزة، وضم الميم، من «مُ الله»، وكسرها، وقد أبدل بعضهم من الهمزة هاء، فقال: هيمن الله، وهذا النحو من التصرف لم تفعله العرب في صيغ الجموع. انتهى . (لَوْلَا مَخَافَةَ أَنْ يُؤْثَرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُنقَل، قال النوويّ ﵀: معناه: لولا خوفي أنّ رُفْقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثونه في بلادي، لكذبت عليه؛ لِبُغضي إياه، ومحبتي نَقْصه، وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية، كما هو قبيح في الإسلام. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وإنما وقع له هذا في ذلك الوقت؛ لشدَّة عداوته للنبيّ - ﷺ -، وحسده، وحرصه على إطفاء نوره، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وفيه ما يدلّ على أن الكذب مذموم في الجاهلية، والإسلام، وأنه ليس من خلق الكرام. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ: «لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كَذِبًا لكذبت عنه»، وهو بضم الثاء وكسرها، من أَثَرت الحديث بالقصر، آثره بالمدّ وضمّ المثلثة، وكسرها، من باب نصر، وضرب أَثْرًا، ساكنة الثاء: حدَّثت به، ويقال: أَثَرت الحديث؛ أي: رويته، والمعنى هنا: أن يُنقَلَ (عَلَيَّ)؛ أي: عني، فـ «على» بمعنى «عن»، كما في قول الشاعر [من الوافر]: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا أي: رضيت عنّي، أفاده في «العمدة» . (الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ) ولفظ البخاريّ: «لكذبت عنه»؛ أي: لأخبرت عن حاله بكذب؛ لبغضي إياه، ولمحبتي نقصه. ومعنى هذا الكلام: لولا مخافتي من أن رُفقتي يروون عني، ويحكون في بلدي عني كذبًا، فأُعابَ به؛ لأن الكذب قبيح، وإن كان على العدوّ، لكذبت عليه، ويُعلم منه قُبْح الكذب في الجاهلية أيضًا، أفاده في «العمدة» . وقال في «الفتح»: قوله - عند البخاريّ -: «فوالله لولا الحياء من أن يأثروا»؛ أي: ينقلوا عليّ الكذب لكذبت عليه، وللأصيليّ: «عنه»؛ أي: عن الإخبار بحاله، وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعُرف، وفي قوله: «يأثروا» دون قوله: يكذبوا دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كَذَب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبيّ - ﷺ -، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنَفَةً من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذّابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: «فوالله أَبُو قد كذبت ما ردُّوا عليّ، ولكني كنت امرءًا سيّدًا، أتكرم عن الكذب، وعَلِمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عنّي، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه»، وزاد ابن إسحاق في روايته: «قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قطّ، كان أدهى من ذلك الأقلف»؛ يعني: هرقل. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ) تقدّم أنه أمْرٌ من سأل يسأل، كخاف يخاف، لغة في سأل يسأل، كفتح يفتح، ويَحْتَمِل أن يكون تخفيفًا من اسأله. (كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟) كذا في رواية مسلم بلفظ «حسبه»، وفسّره النوويّ بنَسَبه، وفيه نظرٌ، قال المجد ﵀: «الْحَسَبُ»: ما تعُدّه من مفاخر آبائك، أو المال، أو الدِّين، أو الكرم، أو الشرفُ في الفِعْل، أو الفَعَالُ الصالح، أو الشرف الثابت في الآباء، أو البالُ، أو الحسب والكرم قد يكونان لمن لا آباء له شُرَفاء، والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «الحَسَبُ» - بفتحتين -: ما يُعَدّ من المآثر، وهو مصدر حَسُبَ وِزانُ شَرُفَ شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا، قال ابن السِّكِّيت: الحَسَبُ، والكرم يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ، ورجل حَسِيبٌ كريم بنفسه، قال: وأما المجد، والشرف فلا يوصف بهما الشخص إلا إذا كانا فيه، وفي آبائه، وقال الأزهريّ: الحَسَبُ: الشرف الثابت له، ولآبائه، قال: وقوله - ﷺ -: «تُنكح المرأة لِحَسَبها» أحوج أهل العلم إلى معرفة الْحَسَب؛ لأنه مما يُعتبر في مهر المثل، فَالحَسَبُ: الفَعَال له، ولآبائه، مأخوذ من الْحِسَاب، وهو عدّ المناقب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا حَسَب كلّ واحد مناقبه، ومناقب آبائه، ومما يَشهد لقول ابن السّكِّيت قول الشاعر [من الطويل]: وَمَنْ كَانَ ذَا نَسْبٍ كَرِيمٍ وَلَمْ يَكُنْ … لَهُ حَسَبٌ كَانَ اللئِيمَ المُذَمَّمَا جَعَل الحسب فَعَال الشخص، مثل الشجاعة، وحُسن الخُلق، والجود، ومنه قوله: «حَسَبُ المرء دينه»، وقولهم: «يُجْزَى المَرْءُ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ»؛ أي: على مقداره. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «كيف نسبه فيكم؟»؛ أي: ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم، أم لا؟، وفي رواية له في «التفسير»: «كيف حسبه؟» مثل ما هنا، قال في «الفتح»: كذا هنا، وفي غيرها: «كيف نسبه؟»، والنسب: الوَجْه الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء، والحَسَب: ما يَعُدّه المرء من مفاخر آبائه. (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ)؛ أي: حَسَبٍ رفيعٍ. قال في «الفتح»: استُشكِل هذا الجواب؛ لأنه لمَ يَزِد على ما في السؤال؛ لأن السؤال تضمَّن أن له نسبًا، أو حسبًا، والجواب كذلك. وأجيب: بأن التنوين يدلّ على التعظيم، كأنه قال: هو فينا ذو نسب كبير، أو حسبٍ رفيعٍ، ووقع في رواية ابن إسحاق: «كيف نسبه فيكم؟ قال: في الذِّرْوَة»، وهي بكسر الذال المعجمة، وسكون الراء: أعلى ما في البعير من السنام، فكأنه قال: هو من أعلانا نسبًا، وفي حديث دحية عند البزار: «حَدِّثْنِي عن هذا الذي خَرَج بأرضكم، ما هو؟ قال: شابّ، قال: كيف حسبه فيكم؟ قال: هو في حسب، ما لا يُفَضل عليه أحدٌ، قال: هذه آية». انتهى. (قَالَ) هرقل (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟) هكذا أيضًا عند البخاريّ بإسقاط «من»، وعنده من رواية كريمة، والأصيليّ، وأبي الوقت: «من ملك» بزيادة «من» الجارّة، ولابن عساكر بفتح «مَنْ» و«مَلَكَ» فعلٌ ماض، قال الحافظ: والجارّة أرجح؛ لسقوطها من رواية أبي ذرّ، والمعنى في الثلاثة واحد. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «فهل كان من آبائه مِن مَلِك»: فيه ثلاث روايات: إحداها: أن كلمة «مِنْ» حرف جرّ، و«مَلِك» صفة مشبهة، أعني بفتح الميم، وكسر اللام، وهي رواية كريمة، والأصيليّ، وأبي الوقت. والثانية: أن كلمة «مَنْ» موصولة، و«مَلَكَ» فعل ماض، وهي رواية ابن عساكر. والثالثة: بإسقاط حرف الجر، وهي رواية أبي ذرّ، والأولى أصحّ وأشهر، ويؤيده رواية مسلم: «هل كان في آبائه مَلِكٌ»، بحذف «مِنْ»، كما هي رواية أبي ذرّ، وكذا هو في «كتاب التفسير» في البخاريّ. انتهى . (قُلْتُ؛ لَا)؛ أي: لم يسبقه أحد من آبائه بالملك، (قَالَ) هرقل (فَهَلْ كنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ)؛ أي: على الناس، وإنما عَدَل إلى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب؛ تقريرًا لهم على صدقه؛ لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها، ولهذا عقّبه بالسؤال عن الغدر، قاله في «الفتح» . (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟)؛ أي: قبل أن يدّعي النبوّة، (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يكن معروفًا بالكذب، بل هو معرف عندنا بأنه الصادق الأمين. (قَالَ) هرقل (وَمَنْ يَتَّبِعُهُ؟) «من» استفهاميّة؛ أي: أي نوع من أنواع الناس تبعه في الإيمان به، وطاعته؟ (أَشْرَافُ النَّاسِ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأشراف الناس تبعوه؛ ولفظ البخاريّ: «فأشراف الناس اتبعوه»، قال في «الفتح»: فيه إسقاط همزة الاستفهام، وهو قليل، وقد ثبتت للبخاريّ في «التفسير»، ولفظه: «أيتبعه أشراف الناس؟»، والمراد بالأشراف هنا: أهل النخوة، والتكبّر منهم، لا كلّ شريف، حتى لا يَرِدَ مثلُ أبي بكر، وعمر، وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال، ووقع في رواية ابن إسحاق: «تَبِعَه منا الضعفاء، والمساكين، والأحداث، فأما ذوو الأنساب والشرف، فما تبعه منهم أحد»، وهو محمول على الأكثر الأغلب. انتهى . (أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) «أم» هنا متّصلة، معادلة لهمزة الاستفهام، وكذا في قوله الآتي: «أم ينقصون؟». (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) تقدّم أنه محمول على الأغلب، وإلا فقد تبعه من ذوي الشرف والحسب كثير، كأبي بكر، وعمر، وغيرهما، فتنبّه. (قَالَ) هرقل (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) ولفظ البخاريّ في «التفسير»: «قال: يزيدون، أم ينقصون؟» بدون همزة، قال في «الفتح»: كذا فيه بإسقاط همزة الاستفهام، وقد جزم ابن مالك بجوازه مطلقًا خلافًا لمن خصّه بالشعر. انتهى. (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لا ينقصون، (بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ) هرقل (هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) إنما لم يستغن هرقل بقوله: «بل يزيدون» عن هذا السؤال؛ لأنه لا ملازمة بين الارتداد، والنقص، فقد يرتدّ بعضهم، ولا يظهر فيهم النقص، باعتبار كثرة من يدخل، وقلّة من يرتدّ مثلًا . (سَخْطَةً لَهُ؟) - بفتح السين - ، والسُّخط: كراهة الشيء، وعدم الرضا به، فـ «فسخطةً» منصوب على التعليل، ويجوز نصبه على الحال، على تأويله بساخطًا، قال في «الفتح»: وأخرجَ بهذا مَن ارتدّ مُكرَهًا، أو لا لسخط لدين الإسلام، بل لرغبة في غيره، كحظّ نفسانيّ، كما وقع لعبيد الله بن جحش. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: قوله: «سخطةً له»: يريد أن مَن دخل في الشيء على بصيرة يَبْعد رجوعه عنه، بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه، فإنه يتزلزل بسرعة، وعلى هذا يُحْمَل حال من ارتد من قريش.، ولهذا لم يُعَرِّج أبو سفيان على ذِكرهم، وفيهم صهره، زوج ابنته أم حبيبة، وهو عبيد الله بن جحش، فإنه كان أسلم، وهاجر إلى الحبشة بزوجته، ثم تنصّر بالحبشة، ومات على نصرانيته، وتزوج النبيّ - ﷺ - أم حبيبة بعده، وكأنه ممن لم يكن دخل في الإسلام على بصيرة، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه، ولذلك لم يُعَرِّج عليه؛ خشية أن يكذِّبوه. ويَحْتَمِل أن يكونوا عرفوه بما وقع له من التنصّر، وفيه بُعْدٌ، أو المراد بالارتداد: الرجوع إلى الدين الأول، ولم يقع ذلك لعبيد الله بن جحش، ولم يطّلع أبو سفيان على من وقع له ذلك، زاد في حديث دحية: «أرأيت مَن خرج من أصحابه إليكم، هل يرجعون إليه؟ قال: نعم». انتهى . (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لا يرتدّ أحد سخطة لدينه، (قَالَ) هرقل (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نَسَب ابتداءَ القتال إليهم، ولم يقل: قاتلكم، فينسِب ابتداء القتال إليه؛ محافظةً على احترامه، أو لاطّلاعه على أن النبيّ لا يبدأ قومه بالقتال حتى يقاتلوه، أو لِمَا عَرَفه من العادة من حَمِيّة مَن يُدْعَى إلى الرجوع عن دينه، وفي حديث دحية: «هل ينكب إذا قاتلكم؟ قال: قد قاتله قوم فهزمهم، وهزموه، قال: هذه آية». (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) هر قل (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا) - بكسر أوله -؛ أي: نُوَبًا: نوبةٌ لنا، ونوبةٌ له، قالوا: وأصله من المستقين بالسَّجْل، وهي الدلو الملأى، يكون لكل واحد منهما سَجْلٌ، قاله النوويّ . وقال في «العمدة»: والسَّجْلُ: الدلو، والحرب: اسم جنس، ولهذا جَعَل خبره جمعًا، ويَحْتَمِل أن السجال بمعنى المساجلة، ولا يكون جمع سَجْل، فلا يَرِد السؤال أصلًا. انتهى . (يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ)؛ أي: يُصيب بعضنا بالقتل، ونصيب بعض أتباعه بالقتل، فكأنه شبّه المحاربين بالمستقيين: يستقي هذا في دلوًا، وهذا دلوًا، وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر، وغزوة أُحد، وقد صرّح بذلك أبو سفيان يوم أُحد في قوله: «يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال»، ولم يَرُدّ عليه النبيّ - ﷺ - ذلك، بل نطق النبيّ - ﷺ - بذلك في حديث أوس بن حذيفة الثقفيّ لَمّا كان يُحَدِّث وفد ثقيف، أخرجه ابن ماجه، وغيره، ووقع في مرسل عروة: «قال أبو سفيان: غَلَبَنا مرةً يوم بدر، وأنا غائب، ثم غزوتهم في بيوتهم ببَقْر البطون، وجَدْع الآذان»، وأشار بذلك إلى يوم أُحد، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر: قوله: «يصيب منّا، ونصيب منه»: وقعت المقاتَلة بين النبيّ - ﷺ - وبين قريش قبل هذه القصّة في ثلاثة مواطن: بدرٍ، وأُحُدٍ، والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدر، وعكسه في أُحد، وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق، فصح قول أبي سفيان: «يصيب منّا، ونصيب منه»، ولم يُصِب مَن تعقّب كلامه، وأن فيه دسيسةً لم ينبّه عليها، كما نَبَّه على قوله: «ونحن منه في مدة، لا ندري ما هو صانع فيها»، والحقّ أنه لم يدسّ في هذه القصة شيئًا، وقد ثبت مثل كلامه هذا من لفظ النبيّ - ﷺ -. انتهى. (قَالَ) هرقل (فَهَلْ يَغْدرُ؟) بكسر الدال، والغدرُ: ترك العهد، وعدم الوفاء به، (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يغدر فيما مضى من الزمن، (وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ) قال النوويّ ﵀: يعني: مدّة الْهُدْنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية، وتعقّبه العينيّ، فقال بعد نقل كلامه: وليس كذلك، وإنما يريد غيبته عن الأرض، وانقطاع أخباره عنه، ولذلك قال: «ولم يمكنّي كلمة أُدخل فيها شيئًا»؛ لأن الإنسان قد يتغير، ولا يُدرى الآن: هل هو على ما فارقناه، أو بَدَّل شيئًا؟ انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا وجه لتعقّب العيني المذكور، فإن ما قاله النوويّ محتمل لأن يراد هنا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (لَا نَدْرِي) قال الكرمانيّ ﵀: في قوله: «لا ندري» إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به، وتعقّبه العينيّ، فقال: ليس كذلك، بل لكون الأمر مغيَّبًا عنه، وهو في الاستقبال تردّد فيه، بقوله: «لا ندري». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم يظهر لي وجه اعتراض العينيّ، فليُتأمّل. (مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟)؛ أي: في تلك المدة، (قَالَ) أبو سفيان (فَوَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ) «من» زائدة، و«كلمة» فاعل «أمكنني»، (أُدْخِلُ) بضمّ أوله، من الإدخال، (فِيهَا)؛ أي: في الكلمة، ذَكَرَ الكلمة، وأراد بها الكلام، (شَيْئًا) مفعول به لـ«ادخِل»، (غَيْرَ هَذِهِ) وقال القرطبيّ ﵀؛ يعني: أنه كان يعلم من خُلُق رسول الله - ﷺ - الوفاء، والصدق، وأنه يفي بما عاقدهم عليه، لكن لمّا كان المستقبل غير حاصل في وقته ذلك لبَّس بتطريق الاحتمال، تمويهًا بما يعلم خلافه. انتهى . [تنبيه]: يجوز في «غير» الرفع، والنصبُ، أما الرفع فعلى كونه صفة لـ«كلمة»، وأما النصب فعلى كونه صفة لقوله: «شيئًا». واعتُرِض كيف يكون «غير» صفة لهما، وهما نكرتان، و«غير» مضاف إلى المعرفة؟ وأجيب: بأن «غير» لا يتعرف بالإضافة، إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «قوله:»ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا«؛ أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبيّ، وذلك أن من يُقْطَع بعدم غدره أرفع رتبةً ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، ولمّا كان الأمر مغيّبًا؛ لأنه مستقبَل أَمِنَ أبو سفيان أن يُنسَبَ في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردّد، ومن ثَمّ لم يُعَرِّج هرقل على هذا القدر منه، وقد صَرَّح ابن إسحاق في روايته عن الزهريّ بذلك، بقوله:»قال: فوالله ما التفت إليها مني«، ووقع في رواية أبي الأسود، عن عروة مرسلًا:»خرج أبو سفيان إلى الشام … «فذكر الحديث إلى أن قال:»فقال أبو سفيان: هو ساحرٌ كذّاب، فقال هرقل: إني لا أريد شتمه، ولكن كيف نَسَبه … «إلى أن قال:»فهل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر في هُدنته هذه، فقال: وما يُخاف من هذه؟ فقال: إن قومي أمَدُّوا حلفاءهم على حلفائه، قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر«. انتهى . (قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟)؛ يعني: سَبَقه أحد من قريش، أو العرب ادّعى ما ادّعاه من النبوّة، حتّى يتّبعه في ذلك؛، وفي رواية للبخاريّ:«فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟ »، قال في«الفتح»: وللكشميهنيّ، والأصيليّ بدل«قبله»:«مثله»، فقوله:«منكم»؛ أي: من قومكم؛ يعني: قريشًا، أو العرب، وششفاد منه أن الشفاهيّ يعمّ؛ لأنه لم يُرِد المخاطبين فقط، وكذا قوله:«فهل قاتلتموه»، وقوله:«بماذا يأمركم»، واستعمل«قَطّ»بغير أداة النفي، وهو نادر، ومنه قول عمر - ﵁ -:«صلينا أكثر ما كنا قطّ، وآمنه ركعتين»، ويَحْتَمِل أن يقال: إن النفي مُضَمَّنٌ فيه، كأنه قال: هل قال هذا القول أحد، أو لم يقله أحد قط؟ انتهى . (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يقل هذا القول أحد منا قبله. (قَالَ) هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ)؛ أي: لأبي سفيان، (إِنِّي سَأَلْتُكَ)؛ أي: قل له حاكيًا عن هرقل أني سألتك، أو المراد أني سألتك على لسان هرقل؛ لأن الترجمان يعيد كلام هرقل، ويعيد لهرقل كلام أبي سفيان، ولا يبعد أن يكون هرقل كان يفقه بالعربية، ويأنف من التكلم بغير لسان قومه، كما جرت به عادة الملوك من الأعاجم . (سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ) ذَكَر الأسئلة وهي تسعة، وسيأتي العاشر، وأجاب عن كل جواب بما يقتضيه الحال، وحاصل الجميع ثبوت علامات النبوة في الجميع، فالبعض مما تلقّفه من الكتب، والبعض مما استقرأه بالعادة. (فَزَعَمْتَ)؛ أي: قلت (أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ)؛ أي: شرف عظيم، (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا) الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرّر عنده في الكتب السالفة. قال القرطبيّ ﵀: إنما كان ذلك؛ لِمَا خَصّ الله به الأشراف من مكارم الأخلاق، والتباعد عن سفسافها، والصدق، والأمانة، ولتنجذب النفوس إليهم، فإن الأبصار مع الصور، وأقلُّ ما في الوجود إدراك البصائر. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله: «وكذلك الرسل تُبعث في أحساب قومها»؛ يعني: في أفضل أنسابهم، وأشرفها، قيل: الحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل، وأقرب إلى انقياد الناس له، وأما قوله: «إن الضعفاء هم أتباع الرسل»؛ فَلِكَوْن الأشراف يَأنَفُون من تقدّم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون، فيُسرعون إلى الانقياد، واتِّباع الحق، وأما سؤاله عن الردّة؛ فلان من دخل على بصيرة في أمر محقَّق لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل، وأما سؤاله عن الغدر؛ فلأن من طلب حظّ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره، مما يُتَوَصَّل به إلى ذلك، ومَن طلب الآخرة لم يرتكب غدرًا، ولا غيره من القبائح. انتهى . (وَسَأَلتُكَ) وفي بعض النسخ: «وسألت» بدون الكاف، (هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؛ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ)؛ أي: قلت في نفسي، وأطلق على حديث النفس قولًا، (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) وفي رواية للبخاريّ: «مُلك أبيه» بالإفراد. (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أتبَاعِه، أَضُعَفَاؤهُمْ، أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرّسُلِ)؛ معناه: أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة، لا أهل الاستكبار الذين أصرّوا على الشقاق بَغْيًا، وحَسَدًا، كأبي جهل، وأشياعه، إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد حين من أراد سعادته منهم. وقال القرطبيّ ﵀: إنما كان أتباع الرسل الضعفاء؛ لاستيلاء الرئاسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنَفَة من الانقياد للغير، والضعيف خَلِيّ عن تلك الموانع، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، وإلا فقد ظهر أن السُّباق للإسلام كانوا أشرافًا في الجاهلية والإسلام، كأبي بكر، وعمر، وحمزة، وغيرهم من الكبراء والأشراف - ﵃ -. انتهى . (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِب قَبْلَ أَنْ يَقولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْت) وفي بعض النسخ: «فعرفت»، (أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ) بكسر اللام، وهي تُسمّى لام الجحود؛ لملازمتها للجحد؛ أي: النفي، وفائدتها توكيد النفي، وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بـ«ما كان»، أو «لم يكن» ناقصتين مسنَدتين لِمَا أُسند إليه الفعل المقرون باللام، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ونحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧ و١٦٨]، وقال النحّاس: الصواب تسميتها لام النفي؛ لأن الجحود في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار، قاله في «العمدة» ؛ أي: لم يكن ليترك (الْكَذِبَ عَلَى النَّاس، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى الله، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ)؛ أي: أمرُ الإيمان، (إِذَا خَالَطَ) قال في «الفتح»: هذا يرجّح أن الرواية التي عند البخاريّ في «بدء الوحي» بلفظ: «حتى يخالط» وَهَمٌ، والصواب «حين»، كما للأكثر. انتهى . (بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ)؛ يعني: انشراح الصدور، وأصلها: اللطف بالإنسان عند قدومه، وإظهار السرور برؤيته، يقال: بَشَّ به، وتبشبش ، قاله النوويّ ﵀. وقال القرطبي ﵀: قوله: «وكذلك الإيمان حين يُخالط بشاشةَ القلوب»؛ هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وفي البخاريّ: «حين تخالط بشاشته القلوبَ»، وهي أوضح، وأصل البشاشة: التلطف، والتأنس عند اللقاء، يقال: بَشّ به، وبشبش، ومعنى هذا أن القلوب المنشَرِحَة إذا سمعت الإيمان، وأصغت إليه بشَّت له، ورحّبت بلقائه، كما يُفْعَل بالغائب عند اللقاء، ثم إذا حَلَّ الإيمان في القلب انكشفت له محاسنه، وتوالت عليه أنواره، حتى يَكره أن يعود في الكفر، كما يَكره أن يُقْذَف في النار. انتهى . وزاد البخاريّ في رواية في «الإيمان»: «لا يسخطه أحد»، وزاد ابن السكن في روايته في «معجم الصحابة»: (يزداد به عَجَبًا، وفَرَحًا«، وفي رواية ابن إسحاق:»وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا، فتخرجَ منه . (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ، أَوْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتى يَتِمَّ)؛ أي: أمر الإيمان؛ لأنه يظهر نورًا، ثم لا يزال في زيادة، حتى يتم بالأمور المعتبَرة فيه، من صلاة، وزكاة، وصيام، وغيرها، ولهذا نزلت في آخر سنيّ النبيّ - ﷺ -: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]، ومنه: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ الآية [التوبة: ٣٢]، وكذا جرى لأتباع النبي - ﷺ - لم يزالوا في زيادة، حتى كَمُل بهم ما أراد الله من إظهار دينه، وتمام نعمته، فله الحمد والمنّة . (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا)؛ أي: نُوَبًا، (يَنَالُ مِنْكُمْ) كيوم بدر (وَتَنَالُونَ مِنْهُ) كيوم أُحد، (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى)؛ أي: بقومها، ومحاربتهم لها، قال القرطبيّ ﵀: ابتلاء الرسل بنحو ما ذُكِر إنما هو ترفيع لدرجاتهم، وستر لأحوالهم، حتى لا يصير العلم بهم ضروريًّا، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ)؛ أي: الخاتمة الحسنة، وفي بعض النسخ: «ثمّ تكون لها العاقبة» بإفراد ضمير المؤنّث، باعتبار الجماعة، قال النوويّ ﵀: معناه: يبتليهم الله تعالى بذلك؛ لِيَعْظُم أجرهم بكثرة صبرهم، وبَذْلهم وُسْعهم في طاعة الله تعالى. (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ)؛ أي: لأنها لا تطلب حظّ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة، ولم يُعَرِّج هرقل على الدسيسة التي دَسَّها أبو سفيان، كما تقدم. [فائدة]: قال المازريّ: هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يَحْتَمِل أنها كانت عنده علامات على هذا النبيّ بعينه؛ لأنه قال بعد ذلك: «قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنّ أنه منكم»، قال الحافظ: وما أورده احتمالًا جَزَم به ابن بطال، وهو ظاهر. انتهى . (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ) وللبخاريّ: «فقلت»، قال في «الفتح»: وإنما لم يقل هرقل: «فقلت» إلا في هذا، وفي قوله: «هل كان من آبائه ملك؟»؛ لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة، فإنها مقام نَقْل. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «هل قال هذا القول أحد قبله؟» يعني: من عرب قومه، وإلا فالرسل كثير، وقد كان في العرب غير قومه رسل، كهود، وصالح، كما ذكر في حديث أبي ذرّ، ولذلك قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]؛ أي: لم يبعث في آبائهم المشهورين عندهم رسول ينذرهم، وهو قول المحققين من المفسّرين، وقد دلّ عليه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] . (رَجُلٌ ائْتَمَّ)؛ أي: اقتدى، وللبخاريّ: «رجلٌ يأتسي»، وفي رواية: «تأسّى»، وفي رواية: «يتأسّى»؛ أي: يقتدي (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ) أبو سفيان (ثُمَّ قَالَ) هرقل (بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟) «ما» استفهامتة، ولهذا حُذفت الألف منها، كما قال في «الخلاصة»: و«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُزَتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وللبخاريّ: «بما يأمركم»، بالألف، وهو جائز أيضًا؛ لأن الجرّ بالحرف، كما أشار إليه في «الخلاصة» بقوله: وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ «اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى ثم إن قوله:«بم يأمركم»يدلّ على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه. (قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) وفي رواية للبخاريّ في«بدء الوحي»:«يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف، والصلة». وأراد بالصلاة: الصلاةَ المعهودة التي مُفْتَتَحها التكبير، ومُخْتَتَمها التسليم، قال في«الفتح»: واستُدِلّ به على إطلاق الأمر على صيغة افْعَلْ، وعلى عكسه، وفيه نظر؛ لأن الظاهر أنه من تصرّف الرواة، ويستفاد منه أن المأمورات كلها كانت معروفة عند هرقل، ولهذا لم يستفسره عن حقائقها. انتهى . (وَالزَّكَاة، وَالصِّلَةِ) هي: كلُّ ما أمر الله تعالى أن يوصل، وذلك بالبرّ، والإكرام، وحسن المراعاة، ويقال: المراد بها: صلة الرحم، وهي تشريك ذوي القرابات في الخيرات، واختلفوا في الرحم، فقيل: هو كل ذي رَحِمٍ مَحْرَم، بحيث أَبُو كان أحدهما ذكرًا، والآخر أنثى، حرمت مناكحتهما، فلا يدخل أولاد الأعمام فيه، وقيل: هو عامّ في كل ذي رحم في الميراث مُحَرَّمًا، أو غيره . (وَالْعَفَافِ) - بفتح العين -: الكفّ عن المحارم، وخوارم المروءة، وقال صاحب «المحكم»: العِفّة: الكف عما لا يحلّ، ولا يَجْمُل، يقال: عَفّ يَعِفّ عَفًّا وعَفَافًا، وعَفَافَةً، وعِفّةً، وتعفّف، واستعفّ، ورجل عَفٌّ، وعَفِيفٌ، والأنثى: عفيفة، وجمع العفيف: أعفّة، وأعفاء . (قَالَ) هرقل (إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ) في حقّ هذا النبيّ - ﷺ - (حَقًّا، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) ووقع في رواية البخاريّ في «الجهاد»: «وهذه صفة نبيّ»، وفي مرسل سعيد بن المسيِّب، عند ابن أبي شيبة: «فقال: هو نبيّ»، قال العلماء: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله - ﷺ -، فعرفه بالعلامات، وأما الدليل القاطع على النبوّة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة، فهكذا قاله المازريّ، والله أعلم، ذكره النوويّ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «إن يكن ما تقول حقًّا فإنه نبيّ»؛ هذا الكلام محذوف المقدمة الاستثنائية؛ لدلالة الكلام عليها، وتقديرها: لكن ما تقول حقٌّ، فهو نبيّ، ويدلّ على أن هذا مراده قطعًا الكلام الذي بَعْده، فإنه قَطَع فيه بنبوّته، فتأمله. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: وقع في «أمالي المحامليّ»، رواية الأصبهانيين، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سفيان: «أن صاحب بُصْرَى أخذه، وناسًا معه، وهم في تجارة …»، فذكر القصّة مختصرة، دون الكتاب، وما فيه، وزاد في آخرها: «قال: فأَخْبِرْني هل تعرف صورته إذا رأيتها؛ قلت: نعم، فأُدخلت كنيسة لهم فيها الصور، فلم أره، ثم أدخلت أخرى، فإذا أنا بصورة محمد، وصورة أبي بكر، إلا أنه دونه»، وفي «دلائل النبوّة» لأبي نعيم، بإسناد ضعيف: «أن هرقل أخرج لهم سَفَطًا من ذهب، عليه قُفْل من ذهب، فأخرج منه حريرة مطويّةً، فيها صور، فعرضها عليهم إلى أن كان آخرها صورة محمد، فقلنا بأجمعنا: هذه صورة محمد، فذكر لهم أنها صور الأنبياء، وأنه خاتمهم - ﷺ -». انتهى . (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارجٌ)؛ أي: لِمَا في الكتب التي اطّلع عليها، والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته. (وَلَمْ كُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ)؛ أي: أعلم أن نبيًّا سيُبعث في هذا الزمان، لكن لم أعلم تعيين جنسه، وزعم بعض الشرّاح أنه كان يَظُنّ أنه من بني إسرائيل؛ لكثرة الأنبياء فيهم، وفيه نظرٌ؛ لأن اعتماد هرقل في ذلك كان على ما اطَّلع عليه من الإسرائيليات، وهي طافحة بأن النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان من ولد إسماعيل، فيُحْمَل قوله: لم أكن أظنّ أنه منكم؛ أي: من قريش . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: أولم أكن أظن أنه منكم»: كأنه استبعَدَ أن يكون نبيّ من العرب، لِمَا كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأمية، والحالة الضعيفة الزريّة، وتمسّكًا بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان كل ذلك، لكنْ جَبَرَ الله صدع هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛ الذي شرّفهم به، وكرّمهم حتى صيّرهم خير أمة، والحمد لله على هذه النعمة . وقال العلّامة ابن الملقّن ﵀: استدلال هرقل من كونه - ﷺ - ذا حسب ليس بدليل قاطع على النبوّة، وإنما القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها المعارضة، قاله المازريّ، قال: ولعلّ هرقل كان عنده عِلْم بكونها علامات هذا النبيّ، وقد قال فيه: وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنّ أنه منكم ، وقطع ابن بطّال بهذا، وقال: إخبار هرقل، وسؤاله عن كلّ فصل فصل إنما كان عن الكتب القديمة، وإنما ذلك كلّه نعْت للنبيّ - ﷺ - مكتوب عندهم في التوراة، والإنجيل، وجزم به النوويّ في «شرحه»، فقال: هذا الذي قاله هرقل أَخَذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا، أو نحوه من أعلام نبوّته. انتهى . (وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ) بضمّ اللام؛ أي: أصل، يقال: خَلَصَ إلى كذا؛ أي: وصل، (لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) هكذا في رواية مسلم بلفظ: «أحببت»، وفي رواية البخاريّ: «لتجشّمت لقاءه» - بالجيم والشين المعجمة -؛ أي: تكلفت الوصول إليه، وارتكبت المشقّة في ذلك، وهذا يدلّ على أنه كان يتحقق أنه لا يَسْلَم من القتل إن هاجر إلى النبيّ - ﷺ -، واستفاد ذلك بالتجربة، كما في قِصّة ضَغاطر الذي أظهر لهم إسلامه، فقتلوه، وللطبرانيّ من طريق ضعيف عن عبد الله بن شداد، عن دحية في هذه القصة مختصرًا: «فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلتُ ذَهَب مُلكي، وقتلني الروم»، وفي مرسل ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: «أن هرقل قال: ويحك، والله إني لأعلم أنه نبيّ مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته»، لكن أَبُو تفطَّن هرقل لقوله - ﷺ - في الكتاب الذي أرسل إليه: «أسلم تَسْلم»، وحَمَل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسَلِمَ أَبُو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى . وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: قوله: «لأحببت لقاءه»: في «بدء الوحي»: «لتجشمت» بجيم ومعجمة؛ أي: تكلّفت، ورجّحها عياض، لكن نَسَبها لرواية مسلم خاصّة، وهي عند البخاريّ أيضًا، وقال النوويّ: قوله: «لتجشمت لقاءه»؛ أي: تكلّفت الوصول إليه، وارتكبت المشقّة في ذلك، ولكني أخاف أن أُقتَطَع دونه، قال: ولا عذر له في هذا؛ لأنه قد عَرَفَ صفة النبيّ - ﷺ -، لكنه شحَّ بملكه، ورغب في بقاء رياسته، فآثرها على اتّباعه - ﷺ -، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «صحيح البخاريّ»، ولو أراد الله هدايته لوفّقه كما وفّق النجاشيّ، وما زالت عنه الرئاسة، ونسأل الله تعالى توفيقه . قال الحافظ: قال شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ -: كذا قال النوويّ، ولم أر في شيء من طرق الحديث في البخاريّ ما يدلّ على ذلك. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن النوويّ عَنَى ما وقع في آخر الحديث عند البخاريّ دون مسلم، من القضة التي حكاها ابن الناطور، وأن في آخرها في «بدء الوحي» أن هرقل قال: «إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت»، وزاد في آخر حديث الباب: «فقد رأيت الذي أحببت»، فكأن النوويّ أشار إلى هذا، والله أعلم، وقد وقع التعبير بقوله: «شَحّ بملكه» في الحديث الذي أخرجه. انتهى . (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ)؛ أي: إكرامًا له، واحترامًا، وخدمةً، وهذا منه مبالغة في العبودية - ﷺ -، والخدمة، زاد عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: «لو علمت أنه هو لمشيت إليه، حتى أُقَبِّل رأسه، وأغسل قدميه»، وهي تدلّ على أنه كان بقي عنده بعض شكّ، وزاد فيها: «ولقد رأيت جبهته تتحادر عَرَقًا من كرب الصحيفة»؛ يعني: لَمّا قُرئ عليه كتاب النبيّ - ﷺ -، وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يَطلب منه إذا وصل إليه سالِمًا، لا ولاية، ولا منصبًا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة. (وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) قال القرطبيّ ﵀: يعني بذلك أرضه التي كان فيها، ومملكته التي كان عليها، وكذلك كان، وهذا منه تحقيق لنبوَّته - ﷺ -، وعِلْم بما يفتح الله عليه، وبما ينتهي إليه أمره، ومع ذلك ففي البخاريّ: أنه استمرّ على كفره، فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وقال القرطبيّ أيضًا: إذا تأملت هذا الحديث علمت فِطنة هرقل، وجوّدة قريحته، وحسن نظره، وسياسته، وتثبّته، وأنه عَلِم صحة نبوَّة نبينا محمد - ﷺ -، وصدقه، غير أنه ظهر منه بعد هذا ما يدل على أنه لم يؤمن، ولم ينتفع بذلك العلم الذي حصل له، فإنه هو الذي جيَّش الجيوش على أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقاتلهم، وألّب عليهم، ولم يقضر في تجهيز الجيوش عليهم، وإرساله إليهم الجموع العظيمة من الروم وغيرهم الكرَّة بعد الكرَّة، فيهزمهم الله، ويهلكهم، ولا يرجع إليه منهم إلا فُلُّهم، واستمر على ذلك إلى أن مات، وقد فتح الله على المسلمين أكثر بلاد الشام، ثم وَلي ولده بعده، وعليه فتحت جميع البلاد الشامية، وبهلاكه هلكت المملكة الرومية. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ما تحت قدميّ»؛ أي: بيت المقدس، وكنى بذلك؛ لأنه موضع استقراره، أو أراد الشام كله؛ لأن دار مملكته كانت حمص، ومما يقوي أن هرقل آثر مُلكه على الإيمان، واستمرّ على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة، سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي مغازي ابن إسحاق: «وبلغ المسلمين لَمّا نزلوا مَعَان من أرض الشام، أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين»، فحَكَى كيفية الوقعة، وكذا روى ابن حبان في «صحيحه»، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - كتب إليه أيضًا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يُجِب، فدلّ ظاهر ذلك على استمراره على الكفر، لكن يَحْتَمِل مع ذلك أنه كان يُضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لِمُلْكه، وخوفًا من أن يقتله قومه. إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبيّ - ﷺ -: إني مسلم، فقال النبيّ - ﷺ -: «كَذَبَ، بل هو على نصرانيته». وفي «كتاب الأموال» لأبي عبيد بسند صحيح، من مرسل بكر بن عبد الله المزنيّ نحوه، ولفظه: «فقال: كذب عدوّ الله، ليس بمسلم»، فعلى هذا إطلاق صاحب «الاستيعاب» أنه آمن؛ أي: أظهر التصديق، لكنه لم يستمرّ عليه، ولم يعمل بمقتضاه، بل شَحّ بملكه، وآثر الفانية على الباقية، والله تعالى وليّ التوفيق . (قَالَ: ثُمَّ دَعَا)؛ أي: من وَكَّل ذلك إليه، ولهذا عُدّي إلى الكتاب بالباء، والله أعلم. (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، زاد في رواية البخاريّ: «الذي بعث به دِحيةُ إلى عظيم بُصرَى، فدفعه إلى هرقل»، (فَقَرَأَهُ)؛ أي: أمر بقراءته؛ لأنه عجميّ لا يعرف الكتاب العربيّ، وقال في «الفتح»: قوله: «ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ -، فقرأه»: ظاهره أن هرقل هو الذي قرأ الكتاب، ويَحْتَمِل أن يكون الترجمان قرأه، ونُسبت قراءته إلى هرقل مجازًا؛ لكونه الآمر به، وفي رواية للبخاريّ في «الجهاد» بلفظ: «ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ -، فقرئ»، وفي مرسل محمد بن كعب القُرَظيّ عند الواقديّ، في هذه القصة: «فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه»، ووقع في رواية «الجهاد» ما ظاهره أن قراءة الكتاب وقعت مرتين، فإن في أوله: «فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله - ﷺ - قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدًا من قومه؛ لأسالهم عنه، قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام، في رجال من قريش - فذكر القصّة إلى أن قال -: ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ -، فقرئ»، والذي يظهر لي أن هرقل قرأه بنفسه أوّلًا، ثم لَمّا جمع قومه، واْحضر أبا سفيان، ومن معه، وسأله، وأجابه، أمر بقراءة الكتاب على الجميع. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله أوّلًا: «فقال حين قرأه»؛ أي: قرأ عنوان الكتاب؛ لأن كتاب النبيّ - ﷺ - كان مختومًا بخَتْمه، وخَتْمه: «محمد رسول الله»، ولهذا قال: إنه يسأل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ، ويؤيد هذا الاحتمال أن من جملة الأسئلة قول هرقل: «بم يأمركم؟، فقال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا»، وهذا بِعَيْنه في الكتاب، فلو كان هرقل قرأه أوّلًا ما احتاج إلى السؤال عنه ثانيًا، نعم يَحْتَمِل أن يكون سأل عنه ثانيًا مبالغةً في تقريره. انتهى . (فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال النوويّ: فيه استحباب تصدير الكتب بـ»بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ«، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويُحْمَل قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -:»كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع«؛ أي: بذكر الله كما جاء في رواية أخرى، فإنه رُوي على أوجه:»بذكر الله«،»ببسم الله«،»بحمد الله«، قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام، ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد، بل بالبسملة. انتهى . قال الحافظ ﵀: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في مبحث البسملة من«شرح المقدّمة»أن هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، ولا يثبت منه شيء، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. قال: ثم اللفظ، وإن كان عامًّا لكن أريد به الخصوص، وهي الأمور التي تحتاج إلى تقدم الخطبة، وأما المراسلات فلم تجر العادة الشرعية، ولا العرفية بابتدائها بذلك، وهو نظير الحديث الذي أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا بلفظ:«كلُّ خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد الجذماء»، وهو حديث صحيح. فالابتداء بالحمد، واشتراط التشهد خاصّ بالخطبة، بخلاف بقية الأمور المهمة، فبعضها يُبدأ فيه بالبسملة تامّةً؛ كالمراسلات، وبعضها ببسم الله فقط، كما في أول الجِماع، والذبيحة، وبعضها بلفظ من الذكر مخصوصٍ؛ كالتكبير. قال: وقد جمعتُ كُتبَ النبيّ - ﷺ - إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة، وهو يؤيّد ما قررته، والله أعلم. ووقع في مرسل سعيد بن المسيِّب عند ابن أبي شيبة: «أن هرقل لما قرأ الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان ﵇»، كأنه يريد الابتداء بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وهذا يؤيِّد ما قدمناه، أنه كان عالِمًا بأخبار أهل الكتاب. انتهى . (مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول الله) فيه أن السُّنَّة أن يبدأ المرسِل الكتابَ بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حَكَى فيه النحاسُ إجماع الصحابة، والحقّ إثبات الخلاف، وفيه أن «مِنْ» التي لابتداء الغاية تأتي من غير الزمان والمكان، كذا قاله أبو حيان، والظاهر أنها هنا أيضًا لم تخرج عن ذلك، لكن بارتكاب مجاز، زاد في حديث دحية: «وعنده ابن أخ له أحمر، أزرق، سبط الرأس. وفيه: لمّا قرأ الكتاب نَخَرَ ، فقال: لا تقرأه، إنه بدأ بنفسه، فقال قيصر: لتقرأنّه، فقرأه»، وقد ذكر البزار في «مسنده» عن دحية الكلبيّ: أنه هو ناول الكتاب لقيصر، ولفظه: «بعثني رسول الله - ﷺ - بكتابه إلى قيصر، فأعطيته الكتاب» . وذكر المدائنيّ أن القارئ لما قرأ: «من محمد رسول الله إلى عظيم الروم» غَضِب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ فقال: بدأ بنفسه، وسَمَّاك صاحبَ الروم، فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله إنه لأحقّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكهم«، وأخرج الحسن بن سفيان في»مسنده«من طريق عبد الله بن شداد، عن دحية:»بعثني النبيّ - ﷺ - بكتاب إلى هرقل، فقَدِمت عليه، فأعطيته الكتاب، وعنده ابن أخ له أحمر، أزرق، سبط الرأس، فلما قرأ الكتاب نَخَرَ ابن أخيه نَخْرَةً، فقال: لا تقرأ، فقال قيصر: لِمَ؟ قال: لأنه بدأ بنفسه، وقال: صاحب الروم، ولم يقل: ملك الروم، قال: اقرأ، فقرأ الكتاب«. وفي رواية للبخاريّ:«من محمد عبد الله ورسوله»، وفيه إشارة إلى أن رسل الله، وإن كانوا أكرم الخلق على الله، فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيد الله، وكأن فيه إشارةً إلى بطلان ما تدّعيه النصارى في عيسى ﵇. (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) بجر«عظيم»على البدليّة، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، والمراد: مَن تُعَظِّمه الروم، وتقدّمه للرياسة عليها، وفيه العدول عن ذكره بالْمُلْك، أو الإمرة؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْلِهِ من إكرام؛ لمصلحة التأليف، وفي حديث دحية:«أن ابن أخي قيصر أنكر أيضًا كونه لم يقل: ملك الروم»، قاله في«الفتح». وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«عظيمِ الروم»؛ أي: الذي تعظّمه الروم، وهو مُفاتَحةٌ بخطاب استلطاف، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مع أنه حقٌّ في نفسه، فإنه كان معظَّمًا في الروم، وكان أعظم ملوكهم . (سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) وفي رواية البخاريّ في«الاستئذان»:«السلام»بالتعريف، وقد ذُكِرت في قصة موسى وهارون مع فرعون؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، وظاهر السياق يدلّ على أنه من جملة ما أُمرا به أن يقولاه. قال القرطبيّ ﵀: قوله:«سلام على من اتبع الهدى»: عدول عن السلام عليه، لأن الكافر لا يُفاتَح بالسلام إلى التعريض له باتباع طريق الهداية، وقد رأى بعض أهل العلم أن السلام على أهل الكفر والبدع هكذا يكون . وقال النوويّ ﵀: هذا دليل لمن يقول: لا يُبتدأ الكافر بالسلام، وفي المسألة خلاف، فمذهب الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأكثر العلماء أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ كافرًا بالسلام، وأجازه كثيرون من السلف، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك، وستأتي في موضعها - إن شاء الله تعالى - وجوّزه آخرون؛ لاستئلاف، أو لحاجة إليه، أو نحو ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالنهي عن ابتداء الكافر بالسلام هو الحقّ، لصحّة قوله - ﷺ -: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام. . .» الحديث، رواه الترمذيّ وقال: حديث حسنٌ صحيح، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: [فإن قيل]: كيف يُبدأ الكافر بالسلام؟. [فالجواب]: أن المفسرين قالوا: ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه: سَلِمَ من عذاب الله من أسلم، ولهذا جاء بعده: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]، وكذا جاء في بقية هذا الكتاب: «فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين». فمُحَصَّل الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدًا، وإن كان اللفظ يُشعر به، لكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتَّبع الهدى، فلم يُسَلَّم عليه . (أمّا بَعْدُ) في قوله: «أما» معنى الشرط، وتُستعمل لتفصيل ما يُذكَر بعدها غالبًا، وقد تَرِدُ مستأنفةً، لا لتفصيل؛ كالتي هنا، وللتفصيل والتقرير، ولفظة «بعدُ» مبنية على الضم، وكان الأصل أن تُفتح لو كانت مضافةً لفظًا، لكنها قُطعت عن الإضافة لفظًا، فبُنيت على الضم. وقال في «الفتح»: قوله: «أما بعدُ» قال: سيبويه: إن معنى «أما بعدُ»: مهما يكن من شيء، وكذا كل كلام أوله «أمّا»، وفيه معنى الجزاء، مثل: أما عبد الله فمنطلق، والفاء لازمة في أكثر الكلام، وقد تُحذف، وهو نادر، قال الكرماني: فإن قلت: «أمّا» للتفصيل، فأين القسيم؟ ثم أجاب بأن التقدير: أما الابتداء فهو بسم الله، وأما المكتوب فهو من محمد. . . إلخ، وأما المكتوب به فهو ما ذُكِر في الحديث، وهو توجيه مقبول، لكنه لا يطّرد في كل موضع، ومعناها: الفصل بين الكلامين، واختُلِف في أول من قالها، فقيل: داود ﵇، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤيّ، وقيل: قُسّ بن ساعدة، وقيل: سحبان، وفي غرائب مالك للدارقطنيّ: أن يعقوب ﵇ قالها، فإن ثبت، وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل، فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم ﵇، فيعرب أوّل من قالها، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في «أما بعدُ» في «شرح المقدّمة»، فراجعه، تستفد علْمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. (فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ) - بكسر الدال - من قولك: دعا يدعو دِعايةً، نحو شَكَا يَشْكُو شِكَايةً، وفي الرواية التالية هنا: «بداعية الإسلام»؛ أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والباء بمعنى «إلى». وقال النوويّ ﵀: قوله - ﷺ -: «أدعوك بدعاية الإسلام»: هو بكسر الدال؛ أي: بدعوته، وهي كلمة التوحيد، وقال في الرواية الأخرى التي ذكرها مسلم بعد هذا: «أدعوك بداعية الإسلام»، وهو بمعنى الأولى، ومعناها: الكلمة الداعية إلى الإسلام، قال القاضي عياض: ويجوز أن تكون «داعية» هنا بمعنى دعوة، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]؛ أي: كشف. انتهى . وقوله: (أَسْلِمْ تَسْلَمْ)؛ أي: ادخل في دين الإسلام تسلم في الدنيا من الخزي، وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع. وقال في «الفتح»: هو غاية في البلاغ، وفيه نوع من البديع، وهو الجناس الاشتقاقيّ، وفيه بشارة لمن دخل في الإسلام أنه يَسْلَم من الآفات اعتبارًا بأن ذلك لا يختصّ بهرقل، كما أنه لا يختص بالحُكم الآخَر، وهو قوله: «أسلم يؤتك الله أجرك مرتين»؛ لأن ذلك عامّ في حقّ من كان مؤمنًا بنبيّه، ثم آمن بمحمد - ﷺ -. (وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ)؛ أي: باتباعه لدين عيسى ﵇، وباتباعه لدين محمد - ﷺ -، قال القرطبيّ: وهذا كقوله - ﷺ -: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه، ثم أدرك النبيّ - ﷺ -، فآمن به واتبعه، فله أجران». قال: وهذا إنما يتحصَّل للكتابيّ إذا كان متبعًا لدين نبيّه من الاعتقاد الصحيح، والعمل على مقتضى شريعته، أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجئ به شريعته، فلا يحصل له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصّة؛ لأنه لم يكن على شريعة عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصل له أجر. انتهى . ووقع للبخاريّ في الجهاد بلفظ: «أَسْلِم، أَسْلِم يؤتك»، بتكرار «أَسْلِم»، فيَحْتَمِل - كما قال في «الفتح» -: التأكيد، ويَحْتَمِل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٦]، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية [القصص: ٥٤]، وإعطاؤه الأجر مرتين؛ لكونه كان مؤمنًا بنبيّه، ثم آمن بمحمد - ﷺ -، ويَحْتَمِل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سببًا لدخول أتباعه، وقد تقدّم التصريح بذلك في «كتاب الإيمان» من حديث الشعبيّ، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه، وأدرك النبيّ - ﷺ -، فآمن به، واتَّبعه، وصدّقه، فله أجران. . .» الحديث، متّفق عليه. وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: أعاد «أَسْلِمْ» تأكيدًا، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «أَسْلِم» أوّلًا؛ أي: لا تعتقد في المسيح ما تعتقده النصارى، و«أَسْلم» ثانيًا؛ أي: ادخل في دين الإسلام، فلذلك قال بعد ذلك: «يؤتك الله أجرك مرتين». [تنبيه]: لم يصرِّح في الكتاب بدعائه إلى الشهادة للنبيّ - ﷺ - بالرسالة، لكن ذلك مُنطَوٍ في قوله: «والسلام على من اتّبع الهدى»، وفي قوله: «أدعوك بدعاية الإسلام»، وفي قوله: «أَسْلِمْ»، فإن جميع ذلك يتضمن الإقرار بالشهادتين . قال: واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ ﵀ - أن كلَّ من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة، والذبائح؛ لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، فدلّ على أن لهم حكمَ أهل الكتاب، خلافًا لمن خصَّ ذلك بالإسرائيليين، أو بمن عُلم أن سلفه ممن دخل في اليهودية، أو النصرانية قبل التبديل. انتهى ، وهو استنباط حسن، والله تعالى أعلم. (وَإِنْ تَوَلَّيْتَ)؛ أي: أعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام، وحقيقةُ التولِّي إنما هو بالوجه، ثم استُعمل مجازًا في الإعراض عن الشيء، وهي استعارة تبَعية . (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسيِّينَ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في هذه الرواية الأولى في مسلم: «الأريسيين»، وهو الأشهر في روايات الحديث، وفي كتب أهل اللغة، وعلى هذا اختُلِف في ضبطه على أوجه: أحدها: بياءين بعد السين، والثاني: بياء واحدة بعد السين، وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة، والراء مكسورة، مخففةٌ، والثالث: «الإِرِّيسين» بكسر الهمزة، وتشديد الراء، وبياء واحدة بعد السين. ووقع في الرواية الثانية في مسلم، وفي أول «صحيح البخاريّ»: «إثم الْيَرِيسيين» بياء مفتوحة، في أوله، وبياءين بعد السين. واختلفوا في المراد بهم على أقوال: أصحها، وأشهرها: أنهم الأكّارون؛ أي: الفلاحون، والزراعون، ومعناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك، وينقادون بانقيادك، ونبّه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وهذا القول هو الصحيح، وقد جاء مصرَّحًا به في رواية، رويناها في «كتاب دلائل النبوة» للبيهقيّ، وفي غيره: «فإن عليك إثم الأكّارين»، وفي رواية ذكرها أبو عبيد في «كتاب الأموال»: «وإن لم تدخل في الإسلام، فلا تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام»، وفي رواية ابن وهب: «وإثمهم عليك»، قال أبو عبيد: ليس المراد بالفلاحين: الزراعين خاصّة، بل المراد بهم: جميع أهل مملكته. الثاني: أنهم اليهود، والنصارى، وهم أتباع عبد الله بن أَرِيس الذي تُنسب إليه الأروسية من النصارى، ولهم مقالة في كتب المقالات، ويقال لهم: الأروسيون. الثالث: أنهم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة، ويأمرونهم بها. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إثمَ الأريسيين»: هو جمع أريسيّ، وهو منسوب إلى أَرِيس بوزن فَعِيل، وقد تُقلب همزته ياءً، كما جاءت به رواية أبي ذرّ، والأصيليّ، وغيرهما هنا، قال ابن سِيدَهْ: الأريس: الأَكّار؛ أي: الفَلّاح عند ثعلب، وعند كُراع: الأريس: هو الأمير، وقال الجوهريّ: هي لغة شاميّة، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك، لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاء مصرَّحًا به في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، بلفظ: «فإن عليك إثم الأَكّارين»، زاد الْبَرْقانيّ في روايته: «يعني الحرّاثين»، ويؤيده أيضًا ما في رواية المدائنيّ من طريق مرسلة: «فإن عليك إثم الفَلّاحين»، وكذا عند أبي عبيد في «كتاب الأموال»، من مرسل عبد الله بن شداد: «وإن لم تدخل في الإسلام فلا تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام»، قال أبو عبيد: المراد بالفَلّاحين: أهل مملكته؛ لأن كلّ من كان يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه، أو بغيره. قال الخطابيّ: أراد: أن عليك إثمَ الضعفاء، والأتباع، إذا لم يُسلموا تقليدًا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر. قال الحافظ: وفي الكلام حذفٌ دلّ المعنى عليه، وهو: فإن عليك مع إثمك إثمَ الأريسيين؛ لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر، فَلَأَنْ يكون عليه إثم نفسه أولى، وهذا يُعَدّ من مفهوم الموافقة، ولا يعارَض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن وزر الإثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسيئات يَتَحَمَّل من جهتين: جهةِ فعله، وجهة تسبّبه. وقد ورد تفسير «الأريسيين» بمعنى آخر، فقال الليث بن سعد، عن يونس، فيما رواه الطبرانيّ في «الكبير»، من طريقه: «الأريسيون»: الْعَشّارون؛ يعني: أهل الْمَكْس، والأول أظهر، وهذا إن صحّ أنه المراد فالمعنى: المبالغة في الإثم، ففي «الصحيح» في المرأة التي اعترَفَت بالزنى: «لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مَكْس لَقُبِلت» . وقال الحافظ في «الفتح» في موضع آخر: قوله: «إثم الأريسين»: تقدّم ضَبْطه، وشَرْحه في «بدء الوحي»، ووجدته هناك في أصل معتمد بتشديد الراء، وحَكَى هذه الرواية أيضا صاحب «المشارق» وغيره، وفي أخرى: «الأريسين» بتحتانية واحدة، قال ابن الأعرابيّ: أَرَسَ يارس، بالتخفيف، فهو أريس، وأَرّس بالتشديد يؤرِّس، فهو إِرِّيسٌ ، وقال الأزهريّ: بالتخفيف، وبالتشديد: الأكّار، لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فِلاحة، وكانوا مجوسًا، وأهل الروم أهل صِناعة، فأُعلموا بأنهم، وإن كانوا أهل كتاب، فإنّ عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم إثم المجوس. انتهى، وهذا توجيه آخر لم يتقدم ذكره، وحَكَى غيره أن الأريسيين يُنسبون إلى عبد الله بن أَرِيس رجل كان تعظمه النصارى، ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى ﵇، وقيل: إنه من قوم بُعث إليهم نبيّ، فقتلوه، فالتقدير على هذا: فإن عليك مثل إثم الأريسيين، وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أَرِيس كانوا أهل مملكة هرقل، وردّه بعضهم بأن الأريسيين كانوا قليلًا، وما كانوا يُظهرون رأيهم، فإنهم كانوا يُنكرون التثليث، قال الحافظ: وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل. ووقع في رواية الأصيليّ: «اليريسيين» بتحتانية في أوله، وكأنه بتسهيل الهمزة، وقال ابن سِيدَهْ في «المحكم»: الأريس: الأكّار عند ثعلب، والأمين عند كراع، فكأنه من الأضداد؛ أي: يقال للتابع والمتبوع، والمعنى في الحديث صالح على الرأيين، فإن كان المراد: التابع، فالمعنى: إن عليك مثل إثم التابع لك على ترك الدخول في الإسلام، وإن كان المراد: المتبوع، فكأنه قال: فإن عليك إثم المتبوعين، وإثمُ المتبوعين يضاعَف باعتبار ما وقع لهم من عدم الإذعان إلى الحقّ، من إضلال أتباعهم. وقال النوويّ: نَبَّه بذكر الفلاحين على بقية الرعية؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادًا. وتُعُقّب بأن من الرعايا غير الفلاحين من له صرامةٌ، وقُوّة، وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين في الإسلام دخول بقية الرعايا، حتى يصحّ أنه نبّه بذكرهم على الباقين. قال الحافظ: كذا تعقبه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ - والذي يظهر أن مراد النوويّ أنه نبّه بذكر طائفة من الطوائف على بقية الطوائف، كأنه يقول: إذا امتنعت كان عليك إثم كل من امتنِع بامتناعك، وكان يطيع لو أطعت؛ كالفلاحين، فلا وجه للتعقب عليه، نعَم قول أبي عبيد في «كتاب الأموال»: ليس المراد بالفلاحين الزراعين فقط، بل المراد به جميع أهل المملكة، إن أراد به على التقرير الذي قررت به كلام النوويّ فلا اعتراض عليه، وإلا فهو معترَض. وحَكَى أبو عبيد أيضًا: أن الأريسيين هم الْخَوَل والْخَدَم، وهذا أخصّ من الذي قبله، إلا أن يريد بالخوَل ما هو أعمّ بالنسبة إلى من يحكم الملِك عليه. وحَكَى الأزهريّ أيضًا أن الأريسيين قوم من المجوس، كانوا يعبدون النار، ويُحَرِّمون الزنا، وصناعتهم الحراثة، ويُخرجون العُشر مما يزرعون، لكنهم يأكلون الموقوذة، وهذا أثبت، فمعنى الحديث: فإن عليك مثل إثم الأريسيين، كما تقدم. انتهى . (وَ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾) هكذا وقع بإثبات الواو في أوله، وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيليّ، وأبي ذرّ، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدَّر، معطوف على قوله: «أدعوك»، فالتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك، ولأتباعك امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، ويَحْتَمِل أن تكون من كلام أبي سفيان؛ لأنه لم يَحفَظ جميع ألفاظ الكتاب، فاستحضر منها أول الكتاب، فذكره، وكذا الآية، وكأنه قال فيه: كان فيه كذا، وكان فيه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، فالواو من كلامه، لا من نفس الكتاب، وقيل: إن النبيّ - ﷺ - كَتَبَ ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لَمّا نزلت، والسبب في هذا أن هذه الآية نزلت في قصة وَفْد نَجْران، وكانت قصتهم سنةَ الوفود، سنةَ تسع من الهجرة، وقصة أبي سفيان كانت قبل ذلك سنة ست، وقيل: بل نزلت سابقةً في أوائل الهجرة، وإليه يومئ كلام ابن إسحاق، وقيل: نزلت في اليهود، وجوّز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد. [تنبيه]: قيل: في هذا دليل على جواز قراءة الجُنُب للآية، أو الآيتين، وبإرسال بعض القرآن إلى أرض العدوّ، وكذا بالسفر به، وأغرب ابن بطال، فادَّعَى أن ذلك نُسِخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدوّ، وَيحتاج إلى إثبات التاريخ بذلك. ويَحْتَمِل أن يقال: إن المراد بالقرآن في حديث النهي عن السفر به: المصحف، وأما الجنب فيَحْتَمِل أن يقال: إذا لم يقصد التلاوة جاز، على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصّة نظرًا، فإنها واقعة عين، لا عموم فيها، فيُقيّد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك؛ كالإبلاغ، والإنذار، كما في هذه القصّة، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة، فلا يتجه، قاله في «الفتح» . [تنبيه آخر]: قد اشتَمَلت هذه الْجُمَل القليلة التي تضمَّنها هذا الكتاب على الأمر بقوله: «أسلم»، والترغيب بقوله: «تَسلَم، ويؤتك»، والزجر بقوله: «فإن توليت»، والترهيب بقوله: «فإن عليك»، والدلالة بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا؛، وهو كلام من أُوتي جوامع الكلم - ﷺ - . (﴿تَعَالَوْا﴾) - بفتح اللام - وأصله تعاليوا، تقول: تَعَالَ، تعاليا، تعالَيُوا، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصار: تَعَالَوْا، والمراد من أهل الكتاب أهل الكتابين: اليهود، والنصارى، وقيل: وفد نَجْران، وقيل: يهود المدينة، قاله في «العمدة» . (﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾)؛ أي: مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل، وتفسير الكلمة قوله: (﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾)؛ يعني: تعالَوْا إليها، حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله؛ لأن كلّ واحد منهما بَشَرٌ مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم، والتحليل، من غير رجوع إلى ما شرع الله. (﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾)؛ أي: عن التوحيد، وأصل «تَوَلَّوْا»: تتولّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» (﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)؛ أي: لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا، وتُسَلِّمُوا، بإنا مسلمون دونكم، وقال الزمخشريّ: يجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا، واعترفوا بأنكم كافرون، حيث توليتم عن الحقّ بعد ظهوره. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اليهود، والنصارى، نُسبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى ﵇، ﴿تَعَالَوْا﴾ بمعنى أجيبوا إلى ما دُعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة، التي ليس فيها ميل عن الحقّ، وقد فسّرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: «أربابًا»: جمع ربّ، وقد تقدَّم تفسيره، و«دون» هنا بمعنى: غير، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا عمَّا دُعُوا إليه، ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: متّصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن، والإنعام. انتهى . (فَلَمَّا فَرَغَ)؛ أي: القارئ، ويَحْتَمِل أن يريد هرقل، ونُسب إليه مجازًا؛ لكونه الآمر به، ويؤيّده قوله بعده: «عنده»، فإن الضمير فيه، وفيما بعده لهرقل جزمًا . (مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ) وفي رواية البخاريّ: «قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب»، (ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ) ووقع عند البخاريّ في «الجهاد»: «فلما أن قضى مقالته، عَلَتِ أصواتُ الذين حوله، من عظماء الروم، وكَثُر لغطهم، فلا أدري ما قالوا»، لكن يُعرف من قرائن الحال أن اللغط كان لِمَا فَهِمُوه من هرقل من ميله إلى التصديق. (وَكَثُرَ اللَّغْطُ) بفتح الغين، وسكونها: اسم من لَغَطَ لَغْطًا، من باب نَفَعَ، وهو كلام فيه جَلَبَةٌ، واختلاطٌ، ولا يتبيّن، وألغط بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقال المجد ﵀: اللَّغْطُ - أي: بفتح، فسكون - ويُحَرَّكُ: الصوت، والْجَلَبَةُ، أو أصوات مُبْهَمة، لا تُفهَمُ، جمعه أَلْغَاطٌ، لَغَطُوا، كمَنَعوا، ولَغّطوا، وألغطوا. انتهى . زاد في رواية البخاريّ في «الجهاد»: «فلا أدري ما قالوا». (وَأَمَرَ بِنَا) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر هرقلُ بإخراجنا من عنده، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، (فَأُخْرِجْنَا) بالبناء للمفعول، (قَالَ) أبو سفيان (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي) المراد: أصحابه الذي جلسوا معه في مجلس هرقل، (حِينَ خَرَجْنَا) وفي بعض النسخ: «حين أُخرجنا»، وفي رواية للبخاريّ في «الجهاد»: «حين خلوت بهم»، (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) قال النوويّ ﵀: أمّا «أَمِرَ» فبفتح الهمزة، وكسر الميم؛ أي: عَظُم، وأما قوله: «ابن أبي كبشة»، فقيل: هو رجل من خُزاعة، كان يعبد الشِّعْرَى، ولم يوافقه أحدٌ من العرب في عبادتها، فشبَّهوا النبيّ - ﷺ - به؛ لمخالفته إياهم في دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، رَوَينا عن الزبير بن بكار في «كتاب الأنساب»، قال: ليس مرادهم بذلك عيب النبيّ - ﷺ - إنما أرادوا بذلك مجرد التشبيه، وقيل: إن أبا كبشة جدّ النبيّ - ﷺ - من قبل أمه، قاله ابن قتيبة، وكثيرون، وقيل: هو أبوه من الرضاعة، وهو الحارث بن عبد العزى السعديّ، حكاه ابن بطال، وآخرون، وقال القاضي عياض: قال أبو الحسن الجرجانيّ النّسّابةُ: إنما قالوا: ابن أبي كبشة عداوةً له - ﷺ -، فنسبوه إلى نَسَب له غير نَسَبه المشهور؛ إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه المعلوم المشهور، قال: وقد كان وهب بن عبد مناف بن زُهرة جدّه، أبو آمنة، يُكنَى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد الأنصاريّ النجاريّ، أبو سلمى أم عبد المطلب، كان يُدْعَى أبا كبشة، قال: وكان في أجداده أيضًا من قِبَل أمه أبو كبشة، وهو أبو قَيْلة، أم وهب بن عبد مناف، أبو آمنة، أم النبيّ - ﷺ -، وهو خُزَاعيّ، وهو الذي كان يعبد الشعرى، وكان أبوه من الرضاعة يُدْعَى أبا كبشة، وهو الحارث بن عبد العزى السعديّ، قال القاضي: وقال مثل هذا كله محمد بن حبيب البغداديّ، وزاد أبو نصر ابن ماكولا، فقال: وقيل: أبو كبشة عمّ والد حليمة مرضعته - ﷺ -. انتهى . وقال في «الفتح»: «أَمِرَ» الأولُ بفتح الهمزة، وكسر الميم، والثاني بفتح الهمزة، وسكون الميم، وحَكَى ابن التين أنه رُوي بكسر الميم أيضًا، وقد قال كراع في «المجرد»: وَرَعٌ أَمِر بفتح، ثم كسر؛ أي: كثير، فحينئذ يصير المعنى: لقد كثُر كثيرُ ابنُ أبي كبشة، وفيه قلق، وفي كلام الزمخشريّ ما يُشعر بأن الثاني بفتح الميم، فإنه قال: أَمَرَةٌ، على وزن بَرَكة: الزيادة، ومنه قول أبي سفيان: «لقد أَمِرَ أَمَرُ محمد». انتهى، قال الحافظ: هكذا أشار إليه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين في «شرحه»، وردّه، والذي يظهر لي أن الزمخشريّ إنما أراد تفسير اللفظة الأولى، وهي «أَمِرَ» بفتح، ثم كسر، وأن مصدرها أَمَرٌ، بفتحتين، والأمر بفتحتين: الكثرة، والعظم، والزيادة، ولم يُرِد ضبط اللفظة الثانية، والله أعلم. انتهى . وقوله: (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كبْشَةَ) أراد به النبيّ - ﷺ -؛ لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نَسَبت إلى جدّ غامض، قال أبو الحسن النسابة الجرجانيّ: هو جدّ وَهَب جدّ النبيّ - ﷺ - لأمه، وهذا فيه نظر؛ لأن وهبًا جدّ النبيّ - ﷺ - اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرّة بن هلال، ولم يقل أحدٌ من أهل النسب أن الأوقص يكنى أبا كبشة، وقيل: هو جدّ عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضًا؛ لأن أم عبد المطلب سَلْمَى بنت عمرو بن زيد الخزرجيّ، ولم يقل أحد من أهل النسب: إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة، ولكن ذكر ابن حبيب في «المجتبى» جماعةً من أجداد النبيّ - ﷺ - من قِبَل أبيه، ومن قِبَل أمه، كلُّ واحد منهم يكنى أبا كبشة، وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى، قاله أبو الفتح الأزديّ، وابن ماكولا. وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن رجال من قومه، أنه أسلم، وكانت له بنت تُسَمَّى كبشة، يكنى بها. وقال ابن قتيبة، والخطابيّ، والدارقطنيّ: هو رجل من خُزاعة، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فعَبَد الشعرى، فنسبوه - ﷺ - إليه؛ للاشتراك في مطلق المخالفة، وكذا قاله الزبير، قال: واسمه: وجز بن عامر بن غالب. (إِنَّهُ لَيَخَافُهُ) هو بكسر الهمزة استئنافًا تعليليًا لا بفتحها، ولثبوت اللام في ليخافه في رواية أخرى، (مَلِكُ بَني الأَصْفَرِ) هم الروم، ويقال: إن جدّهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، حكاه ابن الأنباريّ، وقال ابن هشام في «التيجان»: إنما لُقِّب الأصفر؛ لأن جدته سارة زوج إبراهيم - ﵂ - حَلَّته بالذهب، قاله في «الفتح» . وقال ابن الأنباريّ: سُمُّوا بني الأصفر؛ لأن جيشًا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت، فوطئ نساءهم، فَوَلَدْن أولادًا صُفْرًا، من سواد الحبشة وبياض الروم، وقال أبو إسحاق بن إبراهيم الحربيّ: نُسِبوا إلى الأصفر بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم - ﷺ -، قال القاضي عياض: هذا أشبه من قول ابن الأنباريّ. انتهى . (قَالَ) أبو سفيان (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ سَيَظْهَرُ)؛ أي: سيغلب على المشركين، وفي حديث عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: «فما زلت مَرْعُوبًا من محمد، حتى أسلمت»، أخرجه الطبراني. (حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ)؛ أي: فأظهرت ذلك اليقين، وليس المراد أن ذلك اليقين ارتفع. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سفيان - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٦/ ٤٥٩٨ و٤٥٩٩] (١٧٧٣)، و(البخاريّ) في «بدء الوحي» (٧) و«الإيمان» (٥١) و«الشهادات» (٢٦٨١) و«الجهاد» (٢٩٣٦ و٢٩٤٠، ٢٩٤١ و٢٩٧٨) و«الجزية والموادعة» (٣١٧٤) و«التفسير» (٤٥٥٣) و«الأدب» (٥٩٨٠) و«الاستئذان» (٦٢٦٠) و«الأحكام» (٧١٩٦) و«الأدب المفرد» (١/ ٣٧٩)، و(الترمذيّ) في «الاستئذان» (٢٧١٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣١٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٣٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٥٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨/ ٢٦٤ و٢٧٠)، و(الطبرانيّ) في «المعحم الكبير» (٨/ ١٥ و١٨ و٢٢) و«مسند الشاميين» (٤/ ٢١٩)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٧٨)، و«دلائل النبوّة» (٤/ ٣٧٧ - ٣٨٠)، و(اللالكائيّ) في «أصول الاعتقاد» (١٤٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده، وإن تقدّم بعضها، إلا أن كونها مرتّبة في موضع واحد أنفع: ١ - (منها): البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، عن العلاء بن الحضرميّ: «أنه كتب إلى النبيّ - ﷺ -، وكان عامله على البحرين، فبدأ بنفسه: من العلاء إلى محمد رسول الله - ﷺ -»، وقال ميمون: كانت عادة ملوك المعجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدءوا باسم ملوكهم، فتبعتهم بنو أمية، وكتب ابن عمر إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية، وإلى عبد الملك كذلك، وكذا جاء عن زيد بن ثابت إلى معاوية، وعند البزار بسند ضعيف، عن حنظلة الكاتب: أن النبيّ - ﷺ - وَجَّهَ عليًّا، وخالد بن الوليد، فكتب إليه خالد، فبدأ بنفسه، وكتب إليه عليّ، فبدأ برسول الله - ﷺ -، فلم يَعِبْ على واحد منهما، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: فإن قلت: كيف صدّر سليمان ﵇ كتابه باسمه حيث قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾؟ [النمل: ٣٠]. قلت: خاف من بلقيس أن تسُبّ، فقدم اسمه حتى إذا سبَّت يقع على اسمه، دون اسم الله تعالى . ٢ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: «إلى عظيم الروم» ملاطفة المكتوب إليه، وتعظيمه، وإنما لم يقل: إلى ملك الروم؛ لأنه معزول عن الحكم بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة لأحد إلا من قِبَل رسول الله - ﷺ -، وإنما لم يقل: إلى هرقل فقط؛ ليكون فيه نوع من الملاطفة، فقال: «عظيم الروم»؛ أي: الذي تعظّمه الروم، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن يُدْعَى إلى الإسلام، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] . ٣ - (ومنها): مشروعيّة مكاتبة الكفّار، وقد كاتب النبيّ - ﷺ - سبعة من الملوك، فيما قاله الداوديّ: هرقل، وكسرى، والنجاشيّ، والمقوقس، وملك غسّان، وهوذة بن عليّ، والمنذر بن ساوى. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة، فيها اسم الله تعالى؛ للضرورة، وإن كان عن مالك الكراهة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش، من ذِكْر الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن فيه وجوبَ العمل بخبر الواحد، وإلا لم يكن لِبَعْثه مع دحية فائدة، مع غيره من الأحاديث الدالة عليه. ٦ - (ومنها): أن خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد، ولا سيّما إذا كانوا جَمْعًا يقع العلم بخبرهم، وهذه مأخوذة من قوله: «وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره» . ٧ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن منع أن يبتدأ الكافر بالسلام، وهو مذهب الشافعيّ، وأكثر العلماء، وأجازه جماعة مطلقًا، وجماعة للاستئلاف، أو الحاجة، وقد جاء عنه النهي في الأحاديث الصحيحة، وفي «صحيح مسلم»: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام»، الحديث، وقال البخاريّ وغيره: ولا يسلِّم على المبتدع، ولا على من اقترف ذنبًا كبيرًا، ولم يتب منه، ولا يردّ ﵈، واحتَجَّ البخاريّ بحديث كعب بن مالك، وفيه: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا». ٨ - (ومنها): أن فيه استحبابَ «أما بعدُ» في المكاتبة، والخطبة، وقد تقدّم الخلاف في أول من قالها قريبًا. ٩ - (ومنها): أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا - ﷺ -، فآمن به، فله أجران. ١٠ - (ومنها): ما قال الخطابيّ ﵀: في هذا الخبر دليل على أن النهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدوّ، إنما هو في حمل المصحف، والسُّوَر الكثيرة، دون الآية، والآيتين، ونحوهما. وقال ابن بطال ﵀: إنما فعله؛ لأنه كان في أول الإسلام، ولم يكن بُدٌّ من الدعوة العامّة، وقد نَهَى، وقال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ»، وهو حديث صحيح، وقال العلماء: ولا يُمَكَّن المشركون من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى. قال العينيّ ﵀: كلام الخطابيّ أصوب؛ لأنه يلزم من كلام ابن بطال النسخ، ولا يلزم من كلام الخطابيّ، والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. انتهى . ١١ - (ومنها): أن فيه دعاءَ الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبله حرام، إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهب الشافعيّ، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في هذه المسألة في أوائل «كتاب الجهاد»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١٢ - (ومنها): أنه يدل على أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين، ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جُعلت الخلفاء من قريش؛ لأن عادة الناس أن يطيعوا ويسمعوا لمن كان نسيبًا حسيبًا، ولا يأنفون عنه، فتجتمع به كلمة المسلمين، ولأنهم أحوط من أن يدنّسوا أحسابهم، وقد قال الحسن البصريّ: حدِّثوا عن الأشراف؛ فإنهم لا يرضون أن يدنّسوا شرفهم بالكذب، ولا بالخيانة . ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا لجمهور الأصوليين: أن للأمر صيغةً معروفةً؛ لأنه أتى بقول: «اعبدوا الله» في جواب: «ما يأمركم»، وهو من أحسن الأدلّة؛ لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مُقَرّرًا له، ومذهب بعض أصحاب الشافعيّ أنه مشترك بين القول والفعل بالاشتراك اللفظيّ، وقال آخرون: بالاشتراك المعنويّ، وهو التواطؤ، بأن يكون القدر المشترك بينهما على ما عُرِف في الأصول، قاله في «العمدة» . ١٤ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز مسّ المُحْدِث، والكافر كتابًا فيه آية، أو آيات يسيرة من القرآن، مع غير القرآن. ١٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ البلاغة، والإيجاز، وتحري الألفاظ الْجَزْلة في المكاتبة، فإن قوله: «أسلم تسلم» في نهاية الاختصار، وغاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس. ١٦ - (ومنها): جواز المسافرة إلى أرض الكفار. ١٧ - (ومنها): جواز البعث إليهم بالآية من القرآن، ونحوها. ١٨ - (ومنها): أن من كان سببًا لضلالة، أو مَنْع هداية كان آثمًا، متحمّلًا لأوزار من تبعوه في ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»، رواه مسلم. ١٩ - (ومنها): أن الكذب مهجور، وعيب في كل أمة. ٢٠ - (ومنها): أنه يجب الاحتراز عن العدوّ؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يكذب على عدوّه. ٢١ - (ومنها): أن الرسل لا تُرسَل إلا من أكرم الأنساب؛ لأن من شَرُف نسبه كان أبعد من الانتحال لغير الحقّ، ومثله الخليفة ينبغي أن يكون من أشرف قومه. ٢٢ - (ومنها): البيان الواضح أن صدق رسول الله - ﷺ -، وعلاماته كان معلومًا لأهل الكتاب علمًا قطعيًّا، وإنما تَرَكَ الإيمان مَنْ تَرَكه منهم عنادًا، أو حسدًا، أو خوفًا على فوات مناصبهم في الدنيا. ٢٣ - (ومنها): أن الإمام، وكلّ من حاول مطلبًا عظيمًا إذا لم يتأسّ بأحد تقدّمه من أهله، ولا طلب رئاسة سلفه كان أبعد للظنّة، وأبرأ للساحة. ٢٤ - (ومنها): أن من أخبر بحديث، وهو معروف بالصدق قُبِل منه، بخلاف ضدّه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٥٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثناهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ؛ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ»، وَقَالَ: «إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ»، وَقَالَ: «بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م دت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تكلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠ أوبعد ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل «زاد» ضمير صالح بن كيسان؛ أي: زاد على رواية معمر قوله: «وكان قيصر. . . إلخ». وقوله: (وَكَانَ قَيْصَرُ) هو لقب هرقل كما تقدّم. (لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ)؛ أي: هزمهم عنه كما أخبر الله ﷿ بذلك، في «سورة الروم»، وحاصل ذلك أنه غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، واضطرّ هرقلَ ملكَ الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل، وكانت غلبة الروم على فارس يوم وقعة بدر على ما قاله كثير من أهل العلم، كابن عبّاس، والثوريّ، والسدّيّ، وغيرهم، وقال آخرون: بل غلبت الروم عام الحديبية، قاله عكرمة، والزهريّ، وقتادة، وغيرهم، وهذا أرجح؛ لأن كتاب رسول الله - ﷺ - إنما أتى قيصر لمّا جاء إلى بيت المقدس؛ ليفي بنذره لئن أظفره الله على كسرى ليمشينّ من حمص إلى إيلياء، وهو بيت المقدس شكرًا، كما في رواية مسلم هذه الرواية، ففعل، فلما بلغ بيت المقدس وافاه الكتاب، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، كما سبق في كلام أبي سفيان أنه إنما استدعاه هرقل في المدة التي كانت بينه وبينه - ﷺ -؛ وهي ما وقع في صلح الحديبية، والله تعالى أعلم. أخرج الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» ، فقال: حدّثنا معاوية بن عمرو، حدّثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -، في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣] قال: غُلِبت وغَلَبَت. قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنهم سيغلبون»، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أَجَلًا، فإن ظَهَرْنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظَهَرْتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يَظْهَروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبيّ - ﷺ -، فقال: «ألا جعلتها إلى دون» أراه قال: «العشر»، قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾، وأخرجه الترمذيّ بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح . وقوله: (مَشَى مِنْ حِمْصَ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها صاد مهملة: بلدة معروفة بالشام، غير منصرف؛ للعلميّة والعجمة، قاله النوويّ ﵀ ، وقال المجد ﵀: حِمْصُ: كورة بالشام، أهلها يمانون، وقد تذكّر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: فعلى هذا يجوز صرفها أيضًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِلَى إِيلِيَاءَ)؛ أي: بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: إيلياء بكسر الهمزة واللام، وإسكان الياء بينهما، وبالمد، والثانية: كذلك، إلا أنها بالقصر، والثالثة: إِلْيَاءُ، بحذف الياء الأولى، ولإسكان اللام، وبالمدّ، حكاهنّ صاحب «المطالع»، وآخرون، وفي رواية لأبي يعلى الموصلي في مسند ابن عباس: الإيلياء بالألف واللام، قال صاحب «المطالع»: قيل: معناه بيت الله، والله أعلم، ذكره النوويّ ﵀ . وقوله: (شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ)؛ أي: أنعم الله تعالى به عليه، وأناله إيّاه، ويُستعمل ذلك في الخير والشرّ، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، قال القرطبيّ ﵀: وأصل الابتلاء الاختبار، وفيه لغتان، يقال: بَلا ثلاثيًّا، وأبلى رباعيًّا، وقد جمعهما زهير في قوله [من الطويل]: جَزَى اللهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ … وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو وقيل: أبلى في الخير، وبَلا في الشرّ، والأول أشهر، قاله القرطبيّ . وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ»). وقوله: (وَقَالَ: «إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ»)؛ أي: بالياء في أوله بدل الهمزة، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. وقوله: (وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ)؛ أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أو الداعية هنا بمعنى الدعوة، كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]؛ أي: خيانتها، وأنه من المصادر التي جاءت على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النجم: ٥٨]، أفاده القاضي عياض ﵀ . [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «الجهاد» من «صحيحه»، إلا أنه رواه بلفظ: «بِدِعَاية الإسلام»، كرواية معمر السابقة، فقال: (٢٩٤٠) - حدّثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه أخبره: أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى قيصر، يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبيّ، وأمره رسول الله - ﷺ - أن يدفعه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر، وكان قيصر لَمّا كَشَف الله عنه جنود فارس، مشى من حمص إلى إيلياء؛ شُكْرًا لِمَا أبلاه الله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله - ﷺ - قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدًا من قومه؛ لأسألهم عن رسول الله - ﷺ -، قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشأم، في رجال من قريش، قَدِمُوا تِجَارًا في المدة التي كانت بين رسول الله - ﷺ - وبين كفار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشأم، فانطلق بني، وبأصحابي، حتى قَدِمنا إيلياء، فأُدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس مُلكه، وعليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيُّهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبًا، قال: ما قرابة ما بينك وبينه؟ فقلت: هو ابن عمي، وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري، فقال قيصر: أدنوه، وأمر بأصحابي، فجُعِلوا خلف ظهري، عند كتفي، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إني سائل هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبيّ، فإن كذب فكذبوه، قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثْر أصحابي عني الكذب لكذبته، حين سألني عنه، ولكني استحييت أن يأثْروا الكذب عني، فصَدَقته، ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا، فقال: كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فيزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن الآن منه في مدّة نحن نخاف أن يغدِر - قال أبو سفيان: ولم يُمْكِنّي كلمة أن أدخل فيها شيئًا أنتقصه به، لا أخاف أن تؤثر عني غيرها - قال: فهل قاتلتموه، أو قاتلكم؟ قلت: نعم، قال: فكيف كانت حربه وحربكم؟ قلت: كانت دُوَلًا، وسِجَالًا، يُدال علينا المرة، ونُدال عليه الأخرى، قال: فماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، فقال لترجمانه حين قلتُ ذلك له: قل له: إني سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله، قلت: رجل يأتمّ بقول قد قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن لِيَدَع الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه مَلِك، قلت: يطلب مُلك آبائه، وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتمّ، وسألتك: هل يرتدّ أحد سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوبَ، لا يسخطه أحدٌ، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه، وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دُوَلًا، ويدال عليكم المرة، وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى، وتكون لها العاقبة، وسألتك: بماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة، والصدق، و
مصادر المؤلف (٢٤٠)

١. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ٤٩٦.

٢. وفي نسخة: «ووضع السلاح».

٣. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٧/ ١٢٦.

٤. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٧/ ١٢٧.

٥. «الجامع لأحكام القرآن» ١٤/ ١٣٥.

٦. وقال في «الفتح»: وهو حِبّان بن قيس، ويقال: ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف.

٧. بفتح الميم، وكسر العين المهملة، ثم تحتانيّة ساكنة، ثم صاد مهملة، قاله في «الفتح» ٩/ ٢١٥.

٨. وفي «الفتح»: الْعَرِقة بنت سعيد بن سعد بن سهم.

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٤.

١٠. «الفتح» ٩/ ٢١٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

١١. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٧/ ١٢٧.

١٢. هو: الشيخ الهرريّ.

١٣. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٢٦٢.

١٤. «الفتح»٩/ ٢١٥، كتاب«المغازي»رقم (٤١٢٢).

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٨.

١٦. اسم جبل بالمدينة.

١٧. «الجِهام»: سحاب لا ماء فيه.

١٨. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبيّ ١٤/ ١٣١ - ١٣٢.

١٩. «الفتح» ٩/ ٢١٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٢٠. هكذا عزا في «الفتح» رواية عليّ بن مسهر، عن هشام هذه إلى مسلم، ولم أرها عنده، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٢١. «الفتح» ٩/ ٢١٦، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٢٢. «الفتح» ٩/ ٢١٧، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٢٣. «المفهم» ٣/ ٥٩٨.

٢٤. «عمدة القاري» ٧/ ١٢٩.

٢٥. راجع: «الفتح» ١/ ٤٨١ - ٤٨٣.

٢٦. «غرر الفوائد» ١/ ٢٢٦.

٢٧. وفي نسخة: «أنه ليس».

٢٨. «المفهم» ٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦.

٢٩. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٠.

٣٠. راجع: «الفتح» ٨/ ٦٧١، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٩٠١).

٣١. هو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» (٤/ ١٥٠٩) من حديث سليمان بن صرد - ﵁ -: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول حين أجلى الأحزاب عنه: «الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم»، والحديث انفرد به البخاريّ.

٣٢. «الفتح» ٩/ ٢١٧ - ٢١٨، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٢.

٣٤. شرح النوويّ«١٢/ ٩٥.

٣٥. «المفهم»٣/ ٥٩٦.

٣٦. «شرح النوويّ»١٢/ ٩٥.

٣٧. «المفهم»٣/ ٥٩٦.

٣٨. «الفتح» ٩/ ٢١٨، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٣٩. «المصباح» ١/ ٢٤٦.

٤٠. «الفتح» ٩/ ٢١٨، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٤١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٨٧.

٤٢. وفي «القاموس»: غَذَّ الْجُرْحُ يَغُذُّ - أي: من باب نصر - ويَغِذّ - أي: من باب ضرب -: سال بما فيه؛ كأغذّ، أو وَرِمَ. انتهى.

٤٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٦.

٤٤. «المفهم» ٣/ ٥٩٦.

٤٥. «الفتح» ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢١).

٤٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٦.

٤٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٢.

٤٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٦ - ٩٧.

٤٩. «الفتح» ٩/ ٢١٩، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٥٠. «الفتح» ٩/ ٢١٩، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٢).

٥١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٠٨.

٥٢. «إكمال المعلم» ٦/ ١٠٨، و«شرح النوويّ» ١٢/ ٩٧، و«المفهم» ٣/ ٥٩٨.

٥٣. بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة: نسبة إلى ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، قاله في «اللباب» ٢/ ٢٦٠.

٥٤. قال ابن الأثير ﵀: يقال: عَذِيرَكَ من فلان بالنصب؛ أي: هات من يعذُرك فيه، فعيلٌ بمعنى فاعل. انتهى. «النهاية» ٣/ ١٩٧.

٥٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣٢.

٥٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٨.

٥٧. «الروض الأنف» ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

٥٨. «الفتح» ٩/ ٢٠٩، ٢١١، كتاب «المغازي» رقم (٤١١٩).

٥٩. «الفتح» ٩/ ٢٠٩، ٢١١، كتاب «المغازي» رقم (٤١١٩).

٦٠. «النهاية»٣/ ٢٧٤.

٦١. «المصباح المنير»٢/ ٤٢١.

٦٢. «شرح النوويّ»١٢/ ٩٩.

٦٣. «الفتح» ٦/ ٤٨٨، كتاب «الهبة» رقم (٢٦٣٠).

٦٤. «عمدة القاري» ١٣/ ١٨٦.

٦٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٩.

٦٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٦.

٦٧. «الفتح» ٦/ ٤٨٨، كتاب «الهبة» رقم (٢٦٣٠).

٦٨. هو: الحافظ ابن حجر، وتعقبُ العينيّ له هنا جيّد، ولذا أشار هو في آخر كلامه إلى التراجع، فراجع: «الفتح» ٦/ ٤٨٨.

٦٩. «عمدة القاري» ١٣/ ١٨٦.

٧٠. «تهذيب التهذيب» ٥/ ٢٣٦.

٧١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٧٢. «الفتح» ٩/ ٢١١، كئاب «المغازي» رقم (٤١٢٠).

٧٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦١.

٧٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٠.

٧٥. «القاموس المحيط» ص ٢٩٨ - ٢٩٩.

٧٦. «القاموس المحيط» ص ١١١٠.

٧٧. «تهذيب التهذيب»١٢/ ٤٨٦.

٧٨. راجع:«الفتح»٩/ ٢١٢، كتاب«المغازي»رقم (٤١٢٠).

٧٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٩ - ١٠٠.

٨٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ٩٩ - ١٠٠.

٨١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠١.

٨٢. شرح النوويّ«١٢/ ١٠١.

٨٣. وترجم في بعض النسخ بقوله: «بابُ أَخْذِ الطَّعَامِ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ»، وهو قريب من الأول.

٨٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٢.

٨٥. «المصباح المنير» ١/ ٩٥.

٨٦. «القاموس المحيط» ص ٢٥٤.

٨٧. «الفتح» ٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣١٥٣).

٨٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٢.

٨٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٢.

٩٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٢.

٩١. «المغني» ١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥.

٩٢. «مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ٣٩٥.

٩٣. وفي نسخة: «قال: وكيف».

٩٤. وفي نسخة: «وسألت هل كان».

٩٥. وفي نسخة: «فعرفت».

٩٦. وفي نسخة: «أم ينقصون».

٩٧. وفي نسخة: «ثم تكون لها العاقبة».

٩٨. وفي نسخة: «حين أخرجنا».

٩٩. «عمدة القاري» ١/ ٢١٠.

١٠٠. «الفتح» ٩/ ٧٢٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١٠١. «الفتح» ١/ ٧٢ - ٧٣، كتاب «بدء الوحي» رقم (٧).

١٠٢. «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣، و«عمدة القاري» ١/ ١٤١ - ١٤٢.

١٠٣. كذا في «العمدة»، وفي «التوضيح»: مالخ بلام، فخاء معجمة، فليحرّر.

١٠٤. وفي «التوضيح»: ورأس جالوت لمن كان مَلِكًا منهم من بني داود خاصّة. انتهى.

١٠٥. متّفقٌ عليه.

١٠٦. «التوضيح» ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٧، و«عمدة القاري» ١/ ١٣٧ - ١٣٨.

١٠٧. ظاهر هذا السياق أن فاعل «قال» هو أبو سفيان، لكن سيأتي عن «الفتح» ما يفيد أن فاعله ابن عبّاس، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٠٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٣.

١٠٩. «المفهم» ٣/ ٦٠١.

١١٠. «الفتح» ١/ ٨٠، كتاب «الإيمان» رقم (٧).

١١١. «المعصِر» اسم فاعل من أعصرت المرأة: إذا بلغت شبابها، أو دخلت في الحيض، أو راهقت العشرين، أو وَلَدت، أو حُبست في البيت ساعةَ طمثت. اهـ «ق».

١١٢. «التوضيح» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

١١٣. راجع: «سنن أبي داود» رقم (٢٤١٣ و٤١١٦).

١١٤. تعقّب الحافظ الهيثميّ كلام البزار هذا، فقال: له حديثان آخران. راجع: «كشف الأستار» ٣/ ١١٩.

١١٥. «عمدة القاري» ١/ ١٣٨ - ١٣٩.

١١٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٤.

١١٧. «الفتح» ١/ ٨٠.

١١٨. «الفتح» ٩/ ٧٢٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١١٩. «الفتح» ١/ ٧٢.

١٢٠. من بابي نصر، وضرب، كما في «القاموس».

١٢١. «عمدة القاري» ١/ ٢١٧، و«التوضيح» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.

١٢٢. «الفتح» ١/ ٧٤.

١٢٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٥٤.

١٢٤. «الفتح» ٩/ ٧٢٤ - ٧٢٥ رقم (٤٥٥٣).

١٢٥. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٦١٤.

١٢٦. «الفتح» ٩/ ٧٢٥ رقم (٤٥٥٣).

١٢٧. «الفتح» ١/ ٧٤.

١٢٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٤.

١٢٩. «الفتح» ٩/ ٧٢٥.

١٣٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٤.

١٣١. «الفتح» ١/ ٧٤.

١٣٢. «الفتح» ٩/ ٧٢٤ - ٧٢٥، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١٣٣. «الفتح» ١/ ٧٤.

١٣٤. «الفتح» ٩/ ٧٢٥ رقم (٤٥٥٣).

١٣٥. «المفهم» ٣/ ٦٠٣.

١٣٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٤.

١٣٧. «المفهم» ٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤.

١٣٨. «عمدة القاري» ١/ ١٤٦.

١٣٩. «عمدة القاري» ١/ ١٤٦.

١٤٠. «الفتح» ١/ ٧٥ رقم (٧).

١٤١. «القاموس المحيط» ص ٢٨٧.

١٤٢. يتعيّن تسكين السين حتى يستقيم الوزن، فتنبّه.

١٤٣. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤ - ١٣٥.

١٤٤. «الفتح» ١/ ٧٥ - ٧٦.

١٤٥. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ١/ ١٥٠.

١٤٦. «الفتح» ١/ ٧٦.

١٤٧. «الفتح» ١/ ٧٦.

١٤٨. «الفتح» ٩/ ٧٢٦.

١٤٩. وضبطه في «الفتح» بفتح السين، وضمّها، وتعقّبه العينيّ في الضم، ولقد أصاب في ذلك؛ لأن السَّخْطة هي المرّة، وهي فَعْلة بالفتح، لا بالضمّ، و«السُّخْطُ» بالضمّ، وبضمّتين كعُنُق، وبفتحتين، كجَبَل، وكمَقْعَد: ضدّ الرضا، وقد سَخِط، كفرح، وتسخّط. أفاده في «القاموس» ص ٦٠٠.

١٥٠. «الفتح»١/ ٧٦.

١٥١. «الفتح» ٩/ ٧٢٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١٥٢. وفي نسخة: «قال: وكيف».

١٥٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٥.

١٥٤. «عمدة القاري» ١/ ١٥٦.

١٥٥. «الفتح» ١/ ٧٦ - ٧٧.

١٥٦. «عمدة القاري» ١/ ١٥٦.

١٥٧. «المفهم»٣/ ٦٠٤.

١٥٨. «عمدة القاري»١/ ١٥٦.

١٥٩. «الفتح»١/ ٧٦.

١٦٠. «الفتح» ١/ ٧٥.

١٦١. «الفتح» ٩/ ٧٢٧.

١٦٢. «المفهم» ٣/ ٦٠٥.

١٦٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٥ - ١٠٦.

١٦٤. «المفهم» ٣/ ٦٠٤ - ٦٠٥.

١٦٥. «عمدة القاري» ١/ ١٥٦.

١٦٦. «الفتح» ٩/ ٧٢٧ - ٧٢٨.

١٦٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٦.

١٦٨. «المفهم» ٣/ ٦٠٥.

١٦٩. «الفتح» ١/ ٧٨.

١٧٠. وفي نسخة: «أم ينقصون».

١٧١. «الفتح» ١/ ٧٨.

١٧٢. «الفتح»١/ ٧٨.

١٧٣. «الفتح» ١/ ٧٧.

١٧٤. «المفهم» ٣/ ٦٠٦.

١٧٥. «الفتح» ٩/ ٧٢٨، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١٧٦. «عمدة القاري»١/ ١٤٧.

١٧٧. «عمدة القاري»١/ ١٤٧.

١٧٨. «شرح النوويّ»١٢/ ١٠٧.

١٧٩. «المفهم»٣/ ٦٥٦ - ٦٠٧.

١٨٠. «السَّفَطُ»محرّكة: ما يُخبأ فيه الطيب ونحوه، والجمع: أسفاط، مثلُ سَبَبٍ وأسباب.«المصباح»١/ ٢٧٩.

١٨١. «الفتح» ٩/ ٧٢٨، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

١٨٢. «الفتح» ٩/ ٧٢٨.

١٨٣. «المفهم» ٣/ ٦٠٧.

١٨٤. راجع: «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٤٤.

١٨٥. راجع: «شرح ابن بطّال على البخاريّ» ١/ ٤٦.

١٨٦. «التوضيح» ٢/ ٤١٣.

١٨٧. «الفتح» ١/ ٧٩.

١٨٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٧.

١٨٩. «الفتح» ٩/ ٧٢٨ - ٧٢٩.

١٩٠. «المفهم»٣/ ٦٠٢.

١٩١. بفتح الميم، كما في«ق».

١٩٢. «الفتح»١/ ٧٩ - ٨٠.

١٩٣. «الفتح»٩/ ٧٢٩.

١٩٤. «شرح النوويّ»١٢/ ١٠٧ - ١٠٨.«صحيحه»، وصححه ابن حبّان أيضًا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته، فالرواية المشهورة فيه بلفظ: حَمْد الله، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النوويّ، وَرَدَت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية.

١٩٥. «الفتح»٩/ ٧٣٠.

١٩٦. نخَر ينخْرُ، من بابي ضرب، ونصر: إذا مدّ النفس في الخياشيم.

١٩٧. «الفتح»١/ ٨٠.

١٩٨. «المفهم»٣/ ٦٠٨.

١٩٩. «المفهم» ٣/ ٦٠٨.

٢٠٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٠.

٢٠١. «الفتح» ١/ ٨٠ - ٨١.

٢٠٢. «الفتح» ٩/ ٧٣١، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

٢٠٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٠.

٢٠٤. «المفهم» ٣/ ٦٠٨ - ٦٠٩.

٢٠٥. «الفتح» ٩/ ٧٣٢ رقم (٤٥٥٣).

٢٠٦. «الفتح» ١/ ٨١ - ٨٢.

٢٠٧. «الفتح» ١/ ٨١ - ٨٢.

٢٠٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠٩ - ١١٠.

٢٠٩. أي: «صحيح مسلم»، فقد رواه في كتاب «الحدود» برقم (١٦٩٥).

٢١٠. «الفتح» ١/ ٨٢.

٢١١. قال في «القاموس»: الإِرْسُ بالكسر: الأصل الطيِّب، والأَرِيسيّ، والإِرِّيسُ، كجَلِيسٍ، وسِكِّيتٍ: الأكّار، جمعه أَرِيسون، وإِرِّيسُونَ، وأَرارسةٌ، وأراريس، وأَرارس، وأَرَسَ يَأْرِس أَرْسًا - أي: من باب ضرب - وأرّس تأريسًا: صار أَريسًا، وكسِكِّيتٍ: الأمير. انتهى.

٢١٢. «الفتح» ٧٣٢ - ٧٣٣، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

٢١٣. «الفتح» ١/ ٨٣.

٢١٤. أي: الكتاب الذي كتبه النبيّ - ﷺ - إلى هرقل، وقُرئ عليه.

٢١٥. «الفتح» ١/ ٨٣.

٢١٦. «عمدة القاري» ١/ ١٥٨.

٢١٧. «المفهم» ٦/ ٦٠٩.

٢١٨. «الفتح» ٩/ ٧٣٣.

٢١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٥.

٢٢٠. «القاموس المحيط» ص ١١٨٠.

٢٢١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٢، و«شرح النوويّ» ١٢/ ١١٠ - ١١١.

٢٢٢. «الفتح» ٩/ ٧٣٣ - ٧٣٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٥٣).

٢٢٣. «الفتح» ١/ ٨٤.

٢٢٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٢ - ١٢٣، و«شرح النوويّ» ١٢/ ١١١.

٢٢٥. «الفتح» ٩/ ٧٣٥، كتاب (التفسير، رقم (٤٥٥٣).

٢٢٦. «عمدة القاري» ١/ ١٦٧ - ١٦٨.

٢٢٧. «التوضيح» ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.

٢٢٨. «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقّن ﵀ ٢/ ٤١٣.

٢٢٩. «عمدة القاري» ١/ ١٦٨ - ١٦٩.

٢٣٠. «التوضيح» لابن الملقّن ﵀ ٢/ ٤١٣.

٢٣١. «عمدة القاري» ١/ ١٦٩.

٢٣٢. راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٦٧ - ١٧٠.

٢٣٣. راجع: «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» للعلامة ابن الملقّن ﵀ ٢/ ٤١٣ - ٤٢٤ و«عمدة القاري» للعلامة العينيّ ﵀ ١/ ١٦٧ - ١٧٠.

٢٣٤. «المسند» ١/ ٢٧٦، والنسائيّ في «السنن الكبرى» (١١٣٨٩).

٢٣٥. «جامع الترمذيّ» رقم (٣١٩٤).

٢٣٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١١.

٢٣٧. «القاموس المحيط» ص ٣٢٠.

٢٣٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١١.

٢٣٩. «المفهم» ٣/ ٦١١.

٢٤٠. «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٤.