HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٧٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خيثمة عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ! أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ! مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ. جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ. فَرَشَقُوهُمْ رشقا ما يكادون يخطئون. فقبلوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ. فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ. وَقَالَ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ * أَنَا ابْنُ عبد المطلب). ثم صفهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص167
ج ٣ ص ١٤٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٩٧
الحارث بن الخزرج، فأقبلوا، ولهم حَنِين كحنين الإبل، فقالوا: لبيك يا رسول الله، وسعديك، فلما رآهم النبيّ - ﷺ - قد أقبلوا قال: «هيه عَطْفَةَ البقرة على أولادها، الآن حَمِيَ الوَطِيس»، فأخذ كفًّا من حَصًى، فضرب بها وجوه المشركين، وقال: «شاهت الوجوه»، فهزمهم الله، وأعزّ نبيه - ﷺ -، ونَزَل القرآن: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٥] انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٦] (١٧٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِه، وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا، مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاء، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِه، فَنَزَلَ، فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» ثُمَّ صَفَّهُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةُ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، مع أن سماعه بعد اختلاطه؟. [قلت]: لم ينفرد زهير به، بل تابعه عليه جماعة، فقد أخرجه مسلم بعد هذا من رواية زكريّا بن أبي زائدة، وشعبة، والثوريّ كلهم عن أبي إسحاق، وتابعهم إسرائيل، وابن عيينة، عند البخاريّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ، عابدٌ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، واستصغر يوم بدر، مات - ﵁ - سنة (٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣١٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وقد دخل الكوفة أيضًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ، وسيأتي في الرواية الثالثة من طريق الثوريّ قال: «حدّثني أبو إسحاق»، (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد ذكر في رواية شعبة التالية أنه من قيس، (لِلْبَرَاءِ) بن عازب - ﵁ -، (يَا أَبَا عُمَارَةَ) كنية البراء - ﵁ -، (أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟) الهمزة للاستفهام، وفي رواية زكريا: «أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟»، وفي رواية شعبة: «أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟»، وفي رواية للبخاريّ: «أتولّيت يوم حنين؟»، (قَالَ) البراء - ﵁ - (لَا)؛ أي: ليس الأمر كما ظننته، ثم بيّن وجه الصواب، فقال: (وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية زكريّا: «فقال: أشهد على نبيّ الله - ﷺ - ما ولَّى»، وفي رواية شعبة: «ولكنّ رسول الله - ﷺ - لم يفرّ»، وفي رواية للبخاريّ: «أما أنا فأشهد على النبيّ - ﷺ - أنه لم يُوَلّ». قال في «الفتح»: تضمَّن جواب البراء - ﵁ - إثباتَ الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يَشْمَل الجميع، حتى النبيّ - ﷺ - لظاهر الرواية الأخرى بلفظ: «أولّيتم مع النبيّ - ﷺ - يوم حنين؟». قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل المعية على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشدّ منه - ﷺ -. قال النوويّ ﵀: هذا الجواب من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: فررتم كلُّكم، فيدخل فيهم النبيّ - ﷺ -، فقال البراء: لا، والله، ما فرَّ رسول الله - ﷺ -، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح أن فرار مَن فَرّ لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام، وكأنه لم يستحضر الرواية الأخرى. وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصّة أن الجميع لم يفرّوا، كما سيأتي بيانه. ويَحْتَمِل أن البراء فَهِمَ من السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - الذي أخرجه مسلم بلفظ: «ومررت برسول الله - ﷺ - مُنهزِمًا»، فلذلك حلف أن النبيّ - ﷺ - لم يُوَلّ، ودل ذلك على أن «مُنهزمًا» حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى: «ومررت برسول الله - ﷺ - مُنهزمًا، وهو على بغلته، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فَزَعًا». ويَحْتَمِل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، فَبَيَّن له أنه من العموم الذي أُريد به الخصوص. انتهى . (وَلَكِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ) - بضم الشين المعجمة، وتشديد الموحّدة -: جمع شابّ، يقال: شبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبِيبةً، وهو شابٌّ، وذلك سنّ الكُهُولة، قاله الفيّوميّ . (وَأَخِفَّاؤُهُمْ) بفتح الهمزة، جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون، قال النوويّ ﵀: ووقع هذا الحرف في رواية إبراهيم الحربيّ، والهرويّ، وغيرهم: «جُفَاء» بجيم مضمومة، وبالمدّ، وفسّرهم الْمُهْدويّ بالسُّرَّاع، قالوا: تشبيهًا بجُفَاء السيل، وهو غثاؤه، وقال غيره: إنما أراد أخلاط الناس، وضُعفاءهم، ممن لم يقصد القتال، بل الغنيمة، وفي قلبه مرضٌ، شبّههم بغُثاء السيل، وهو ما احتمله السيل، قاله القرطبيّ ﵀ . وقال القاضي عياض ﵀: إن صحّت هذه الرواية، فإنما معناها ما تقدّم من خروج مَن خرج معهم، من أهل مكة، ومَن انضاف إليهم، ممن لم يستعدّ للقتال، وإنما خرج للغنيمة، من النساء، والصبيان، والضعفاء، ومَن في قلبه مرض من مُسْلِمة الفتح، فهؤلاء شبه جُفاء السيل الذي لا يُنتفع به، ويرميه بجانبيه، وهو الغثاء أيضًا. انتهى . (حُسَّرًا)؛ أي: بغير دُروع، وهو - بضم الحاء، وتشديد السين المفتوحة -: جمع حاسر، وهو من لا درع عليه، ولا شيء يتّقي به النبي، وقد فسّره بقوله.: (لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ) «أو» هنا للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: ليس عليهم كثير سلاح؛ يعني: أن أسلحتهم التي معهم قليلة، لا تمكّنهم من مواجهة هؤلاء الكفّار، وقوله: (فَلَقُوا) بضم القاف، أصله: لَقِيُوا بكسرها، بوزن عَلِمُوا، فنُقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار: لَقُوا. (قَوْمًا رُمَاةً) - بضمّ الراء: جمع رام، (لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ)؛ يعني: أنهم لا يُخطئون في رميهم، ولا يقع سهم على الأرض، وإنما يقع على من أرادوه من عدوّهم، وقوله: (جَمْعَ هَوَازِنَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هم جمع هوازن، وبالنصب بدلًا من «قومًا»، أو مفعولًا لفعل مقدّر: أعني جمع هوازن، وهي: قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدّة بطون، يُنسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة - بخاء معجمة، ثم صاد مهملة، ثم فاء مفتوحات - ابن قيس بن عَيلان بن إلياس بن مضر . (وَبَنِي نَصْرٍ) - بفتح النون، وإسكان الصاد المهملة، آخره راء -: قبيلة من ولد نصر بن معاوية بن بكر بن هَوَازن، وهوازن من قيس عيلان، قاله في «اللباب» . (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) - بفتح الراء، وسكون الشين المعجمة، آخره قاف -: مصدر، رَشَقَ: إذا رمى، وأما الرِّشْق بالكسر، فهو اسم للسهام التي تَرميها الجماعة دَفعةً واحدةً، قال النوويّ ﵀: وضَبَط القاضي الرواية هنا بالكسر، وضبطه غيره بالفتح، كما ذكرنا أوّلًا، وهو الأجود، وإن كانا جَيِّدين، وأما قوله في الرواية التي بعد هذه: «فَرَموه بِرِشْق، من نبل»، فهو بالكسر، لا غير، والله أعلم، قال أهل اللغة: يقال: رَشَقَه يَرْشُقُه، من باب نصر، ثلاثيًّا، وأرشقه، رُباعيًّا، والثلاثيّ أشهر، وأفصح. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: رَشَقْتُهُ بالسهم رَشْقًا، من باب قتل، وأرشقته بالألف لغةٌ: رميته به، والرِّشْقُ بالكسر: الوجهُ من الرمي، إذا رَمَى القومُ بأجمعهم جميعَ السهام، وحينئذ يقال: رَمَى القومُ رِشْقًا، وقال ابن دُريد: الرِّشْقُ: السهام نفسها التي تُرمَى، والجمع: أَرْشَاقٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، وربّما قيل: رَشَقته بالقول، وأرشقته. انتهى . (مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ)؛ أي: رميهم، (فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ)؛ أي: في ذلك الموضع الذي أصابهم الرشق، وفي بعض النسخ: «هنالك»، (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: منهزمين، ومتوجّهين إلى رسول الله - ﷺ -، وقد بُيّن في هذه الرواية سبب انهزامهم، وهو كثرة عدد عدوّهم، وشدّة بأسهم، بحيث لا يستطيعون المدافعة عنهم، وقال في «الفتح»: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدوّ كانوا ضُعفهم في العدد، وأكثر من ذلك، وكذلك بيّن السبب في رواية شعبة الثالثة: «وكانت هوازن يومئذ رُماةً، وإنا لَمّا حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام»، وكذلك بيّن في رواية زكريّا التالية: «وهم قومٌ رُماةٌ، فرموهم برِشْقٍ من نَبْلٍ، كأنها رِجْل من جراد، فانكشفوا». وذكر ابن إسحاق من حديث جابر وغيره في سبب انكشافهم أمرًا آخر، وهو أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين، فأعَدُّوا، وتَهَيَّؤا في مضايق الوادي، وأقبل النبيّ - ﷺ - وأصحابه حتى انحطّ بهم الوادي في عَماية الصبح، فثارت في وجوههم الخيل، فشَدّت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين. وفي حديث أنس - ﵁ - الآتي عند مسلم وغيره، من رواية سليمان التيميّ، عن السُّمَيط السّدوسيّ، عن أنس قال: «افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حُنينًا، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، صفّوا الخيل، ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النَّعم، قال: ونحن بشر كثير، وعلى ميمنة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرَّت الأعراب، ومن نَعْلَم من الناس». وفي رواية للبخاريّ من رواية هشام بن زيد، عن أنس: قال: «أقبلت هوازن، وغطفان بذراريهم، ونَعَمهم، ومع رسول الله - ﷺ - عشرة آلاف، ومعه الطُّلَقاء، قال: فأدبروا عنه حتى بَقِي وحده …» الحديث. قال الحافظ ﵀: ويُجْمَع بين قوله: «حتى بَقِي وحده»، وبين الأخبار الدالة على أنه بقي معه جماعة، بأن المراد: بقي وحده متقدِّمًا، مقبلًا على العدوّ، والذين ثبتوا معه، كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدُمونه في إمساك البغلة، ونحو ذلك، ووقع في رواية أبي نعيم في «الدلائل» تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار، ومن النساء أم سليم، وأم حارثة. انتهى . وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، وهو ابن عم النبيّ - ﷺ -، وكان فيمن ثبت معه - ﷺ -، وتقدّمت ترجمته قريبًا. وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة، قال: «لَمّا فَرّ الناس يوم حنين، جعل النبيّ - ﷺ - يقول: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: عليّ، والعباس، بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، قال: وليس يُقبل نحوه أحد إلا قُتل. ورَوَى الترمذيّ من حديث ابن عمر - ﵁ - بإسناد حسن قال:«لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولِّين، وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل»، قال الحافظ: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد مَن ثبت يوم حنين. ورَوَى أحمد، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال:«كنت مع النبيّ - ﷺ - يوم حنين، فوَلَّى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا، من المهاجرين، والأنصار، فكنا على أقدامنا، ولم نُوَلِّهم الدُّبُر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة»، وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين. وأما ما ذكره النوويّ في«شرح مسلم» أنه ثبت معه اثنا عشر رجلًا، فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه: العباس، وابنه الفضل، وعليّ، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر، وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذِكْرُ ابن مسعود في مرسل الحاكم، فهؤلاء عشرة، ووقع في شِعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط، وذلك قوله: نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا وَعَاشِرُنَا وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ … لِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ ولعل هذا هو الثبت، ومن زاد على ذلك يكون عَجِلَ في الرجوع، فعُدّ فيمن لم ينهزم. وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضًا: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وقثم بن العباس، وعتبة، ومُعَتِّب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقِيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الْحَجَبيّ، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبيّ - ﷺ - ليقتله، فأقبل عليه، فضربه في صدره، وقال له: قاتل الكفار، فقاتلهم حتى انهزموا. قال الطبريّ: الانهزام المنهيّ عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة، فهو كالتحيُّز إلى فئة. انتهى . (يَقُودُ بِهِ) يقال: قَاد الرجلُ الفرسَ قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ: أن يكون الرجل أَمَامَ الدابة، آخذًا بقِيَادها، والسَّوْق: أن يكون خلفها، فإن قَادَهَا لنفسه قيل: اقْتَادَهَا، ويُطلق على الخيل التي تُقَادُ بمقَاوِدِهَا، ولا تُركَب، قاله الأزهريّ، والمِقْوَدُ بالكسر: الحبلُ يُقادُ به، والجمع: مَقَاوِدُ، والقِيَادُ: مثل المِقْوَد، ومثله لِحَاف ومِلْحَفٌ، وإِزارٌ، ومِئْزرٌ. انتهى . وفي رواية زكريّا: «وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته»، وفي رواية شعبة: «وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها»، وفي رواية للبخاريّ: «وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء». (فَنَزَلَ)؛ أي: بغلته، (فَاسْتَنْصَرَ)؛ أي: دعا الله تعالى بالنصر، فقال: «اللهم أنزل نصرك»، وقع مصرَّحًا به في رواية زكريّا التالية. (وَقَالَ) - ﷺ - («أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ) قال النوويّ ﵀: معناه: أنا النبيّ حقًّا، فلا أفِرّ، ولا أزول، وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان، وأنا ابن فلان، ومثله قول سلمة - ﵁ -: أنا ابن الأكوع، وقول عليّ - ﵁ -: أنا الذي سَمَّتني أمي حَيْدَرَهْ، وأشباه ذلك، وقد صَرَّح بجوازه علماء السلف، وفيه حديث صحيح، قالوا: وإنما يُكره قول ذلك على وجه الافتخار، كفعل الجاهلية، والله أعلم. انتهى . وقال في«الفتح»: فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبيّ، والنبيّ لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول، حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حقّ، فلا يجوز عليّ الفرار، وقيل: معنى:«لا كذب»؛ أي: أنا النبيّ حقًّا، لا كَذِبَ في ذلك. انتهى. [تنبيه]: قوله:«أنا النبي لا كذب … إلخ»قال ابن التين: كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء، من قوله:«لا كذب»؛ لِيُخرجه عن الوزن. وقد أجيب عن مقالته - ﷺ - هذا الرجز بأجوبة: [أحدها]: أنه نَظْم غيره، وأنه كان فيه: أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ فذكره بلفظ«أنا» في الموضعين. [ثانيها]: أن هذا رَجَز، وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود، فإن الرجز من البحور التي أسسها الخليل، ومشى عليها مَنْ بعده، فتنبّه. [ثالثها]: أنه لا يكون شعرًا حتى يتم قطعةً، وهذه كلمات يسيرة، ولا تسمى شعرًا. [رابعها]: أنه خرج موزونًا، ولم يَقصِد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة . وقال القاضي عياض: قال المازريّ: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرًا؛ لوقوعه من النبيّ - ﷺ -، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا مذهب الأخفش، واحتَجَّ به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر، وجواب الجليل عن هذا أن الشعر هو ما قُصِد إليه، واعتَمَد الإنسان أن يوقعه موزونًا مُقَفًّى يقصد إلى القافية والرويّ، وقد يقع في ألفاظ العامّة كثير من الألفاظ الموزونة، ولا يقول أحد: إنها شعر، ولا صاحبها شاعر، فإن الجزار يقول في ندائه على اللحم: «لحم الخروف بزبد أمه»، ولا يظنّ بالجزار أنه شاعر، قصد إلى عمل الشعر. وهكذا الجواب عما وقع في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرًا؛ لأنه لم تقصد تقفيته، وجعله شعرًا، قال: وقد غَفَل بعض الناس عن هذا القول، فأوقعه ذلك في أن قال الرواية: أنا النبي لا كَذِبَ، بفتح الباء حرصًا منه على أن يَفْسُد الرويّ، فيُستغنى عن الاعتذار، وإنما الرواية بإسكان الباء. انتهى كلام القاضي عياض . قال النوويّ: وقد قال الإمام أبو القاسم عليّ بن أبي جعفر بن عليّ السعدي الصقليّ المعروف بابن القطاع في كتابه «الشافي في علم القوافي»: قد رأى قوم منهم الأخفش، وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل، أن مشطور الرجز، ومنهوكه ليس بشعر؛ كقول النبيّ - ﷺ -: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ وقوله - ﷺ -: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ وقوله - ﷺ -: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وأشباه هذا. قال ابن القطاع: وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غَلَطٌ بَيِّنٌ، وذلك لأن الشاعر إنما سُمّي شاعرًا؛ لوجوه: منها أنه شَعَر القول، وقصده، وأراده، واهتدى إليه، وأتى به كلامًا موزونًا على طريقة العرب، مُقَفًّى، فإن خلا من هذه الأوصاف، أو بعضها لم يكن شعرًا، ولا يكون قائله شاعرًا، بدليل أنه لو قال كلامًا موزوًا على طريقة العرب، وقصد الشعر، وأراده ولم يُقَفِّه لم يُسَمَّ ذلك الكلام شعرًا، ولا قائله شاعرًا، بإجماع العلماء، والشعراء، وكذا لو قَفّاه، وقصد به الشعر، ولكن لم يأت به موزونًا لم يكن شعرًا، وكذا لو أَتَى به موزونًا مقفًّى لكن لم يقصد به الشعر، لا يكون شعرًا، ويدلّ عليه أن كثيرًا من الناس يأتون بكلام موزون مقفى، غير أنهم ما قصدوه، ولا أرادوه، لا يسمى شعرًا، وإذا تُفُقِّد ذلك وُجد كثيرًا في كلام الناس، كما قال بعض السُّؤَّال: اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَة، وأمثال هذا كثيرة فدلّ على أن الكلام الموزون لا يكون شعرًا إلا بالشروط المذكورة، وهي القصد وغيره مما سبق، والنبيّ - ﷺ - لم يقصد بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده، فلا يُعَدّ شعرًا، وإن كان موزونًا. انتهى ، وهو تحقيق نفيس جدًّا، والله أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: لا يقال: كيف يصح أن ينسب هذا الشعر للنبيّ - ﷺ - مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]؟ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه: [أحدها]: أن هذا قَصَد به السجع لا الشعر، فليس بشعر، قيل: قد قال الأخفش: إن هذا رجز، والرجز ليس من الشعر. [والثاني]: أنه - ﷺ - لم يقصده نظمًا ووزنًا فيكونَ شعرًا، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتّزن بوزن الشعر وليس بشعر؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وكثيرًا ما يقع للعوام في كلامهم الكلام المقفى الموزون، وليس بشعر، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ لأنه لم يقصده، ولا شعر به، والشعر إنما سمي بذلك؛ لأن قائله يشعر به، ويقصده نظمًا، ووزنًا، ورويًا، وقافية، ومعنى. [والثالث]: على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبيّ - ﷺ - عالِمًا بالشعر، ولا شاعرًا؛ فإن التمثّل بالبيت الندر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العقلاء، وأما الذي نفى الله عن نبيه - ﷺ -، فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بشيء من ذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول: إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر، وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر، وكان أنيس من أشعر العرب، وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال، والله تعالى أعلم. انتهى . (أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ») إنما انتسب - ﷺ - إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله، فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس؛ لِمَا رُزق من نباهة الذكر، وطول العمر، بخلاف عبد الله، فإنه مات شابًّا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لَمّا قَدِم:«أَيُّكُم ابن عبد المطلب؟ »، وقيل: لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله، ويهدي الله الخلقَ على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه؛ ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديمًا لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة، وأراد النبيّ - ﷺ - تنبيه أصحابه بأنه لا بُدّ من ظهوره، وأن العاقبة له؛ لِتَقْوَى قُلوبُهُم إذا عرفوا أنه ثابتٌ، غير منهزم. انتهى . وقال النوويّ ﵀: [فإن قيل]: كيف قال النبيّ - ﷺ -:«أنا ابن عبد المطلب»، فانتسب إلى جده دون أبيه، وافتخر بذلك، مع أن الافتخار في حقّ أكثر الناس من عمل الجاهلية؟. [فالجواب]: أنه - ﷺ - كانت شهرته بجده أكثر؛ لأن أباه عبد الله تُوُفّي شابًّا في حياة أبيه عبد المطلب، قبل اشتهار عبد الله، وكان عبد المطلب مشهورًا شهرة ظاهرة شائعةً، وكان سيد أهل مكة، وكان كثيرٌ من الناس يدعون النبيّ - ﷺ - ابنَ عبد المطلب، ينسبونه إلى جدّه؛ لشهرته، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة في قوله:«أيكم ابن عبد المطلب؟ »، وقد كان مشتهرًا عندهم أن عبد المطلب بَشَّر بالنبيّ - ﷺ -، وأنه سيظهر، وسيكون شأنه عظيمًا، وكان قد أخبره بذلك سيف بن ذي يزن، وقيل: إن عبد المطلب رأى رؤيا تدلّ على ظهور النبيّ - ﷺ -، وكان ذلك مشهورًا عندهم، فأراد النبيّ - ﷺ - تذكيرهم بذلك، وتنبيههم بأنه - ﷺ - لا بُدّ من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له؛ لتَقْوَى نفوسهم، وأعلمهم أيضًا بأنه ثابت ملازم للحرب، لم يُوَلِّ مع من وَلَّى، وعرّفهم موضعه، ليرجع إليه الراجعون، والله أعلم. انتهى . (ثُمَّ صَفَّهُمْ)؛ أي: ثمّ بعد أن نزل عن بغلته، واستنصر ربّه صفّ أصحابه؛ أي: جعلهم مصطفّين للقتال، فقاتلوا الكفّار، فهزمهم الله تعالى، كما أخبر الله ﷿ بذلك حيث قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٨/ ٤٦٠٦ و٤٦٠٧ و٤٦٠٨ و٤٦٠٩] (١٧٧٦)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٦٤ و٢٨٧٤ و٢٩٣٠ و٣٠٤٢) و«المغازي» (٤٣١٥ و٤٣١٦ و٤٣١٧)، و(الترمذيّ) في «الجهاد» (١٦٨٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٨٨ و١٩١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٧٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٥٢١ و٥٢٢ و١٢/ ٥٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٩ و٣٠٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٧٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٦٧)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٦٥٨٠ و١٦٥٨١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٢٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٧١)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٣ و٩/ ١٥٤ و١٥٥) و«دلائل النبوّة» (١/ ١٧٧ و٥/ ١٣٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٠٦) و«تفسيره» (٢/ ٢٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه حسنَ الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب. ٢ - (ومنها): جواز الانتساب إلى الآباء، ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب، دون غيرها. ٣ - (ومنها): جواز التعرّض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبيُّ - ﷺ - متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حقّ؛ لأن أبا سفيان بن الحارث، قد ثبت معه، آخذًا بلجام بغلته، وليس هو في اليقين مثل النبيّ - ﷺ -، وكذلك العبّاس، ومن ثبت معه - ﷺ - في تلك الحالة، وقد استُشهد في تلك الحالة أيمن ابن أم أيمن، كما تقدمت الإشارة إليه في شعر العباس. ٤ - (ومنها): أن ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات؛ لأن ركوب الفحولة مَظِنّة الاستعداد للفرار والتولّي، وإذا كان رأس الجيش قد وَطَّن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أَدْعَى لأتباعه على الثبات. ٥ - (ومنها): أن فيه تشهيرَ الرئيس نفسه في الحرب؛ مبالغةً في الشجاعة، وعدم المبالاة بالعدوّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٧] (…) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاء، فَقَالَ: «أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاس، وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ، مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَانْكَشَفُوا، فَأَقبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ، وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ»، قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِه، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ؛ يَعْنِي: النَّبِيَّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ) هو: أحمد بن جَنَاب بن المغيرة الْمِصِّيصيّ، أبو الوليد الْحَدَثِيّ، يقال: إنه بغداديُّ الأصل، صدوقٌ [١٠]. روى عن عيسى بن يونس، والحكم بن ظُهير، وغيرهما. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ بواسطة، ويعقوب بن شيبة، وصاعقة، وأبو زرعة، والدَّراورديّ، وكتب عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وآخرون. قال صالح جَزَرَة: صدوقٌ، وقال الحاكم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي، وقال: هو صدوق، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٣٠). انفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٧٧٦) و(١٧٨٣) و(١٩٠٠) و(٢٤٤٨). ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (زكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْروز الْهَمْدانيّ الْوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ) بكسر الراء: اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. وقوله: (كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ)؛ أي: كأنها قطعة من جراد، وكأنها شُبّهت برجل الحيوان؛ لكونها قطعة منه، قاله النوويّ . وقوله: (فَانْكَشَفُوا)؛ أي: انهزموا، وفارقوا مواضعهم، وكشفوها. وقوله: (فنَزَلَ)؛ أي: نزل النبيّ - ﷺ - عن بغلته إلى الأرض، وَدَعَا الله ﷾، وَاسْتَنْصَرَه؛ أي: طلب منه النصر. وقوله: (اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ) بتشديد الزاي المكسورة، وفي بعض النسخ: «أنزل». وقوله: (كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ) قال النوويّ ﵀: احمرار البأس: كناية عن شدّة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة، أو لاستعار الحرب، واشتعالها، كاحمرار الجمر، كما في الرواية السابقة: «حَمِيَ الْوَطِيسُ»، وفيه بيان شجاعته - ﷺ -، وعظيم وُثوقه بالله تعالى. انتهى . وقوله: (نَتَّقِي بِهِ)؛ أي: نتستّر بالنبيّ - ﷺ -، ونتّخذه وِقايةً، وهذا فيه كمال شجاعته - ﷺ -، وأن من رآه امتلأ قلبه شجاعة، استمدادًا منه - ﷺ -، ولذلك قال البراء - ﵁ -: «وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ». وقوله: (وَإِنَّ الشُّجَاعَ) مثلّث الشين، يقال: شَجُعَ بالضمّ شَجَاعَةً: قَوِيَ قلبه، واستهان بالحروب جَرَاءةً وإقدامًا، فهو شَجِيعٌ، وشُجاعٌ، وبنو عُقَيل تفتح الشين؛ حملًا على نقيضه، وهو جَبَانٌ، وبعضهم يكسر؛ للتخفيف، قاله الفيّوميّ . وقوله: (لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ) اللام لام الابتداء؛ أي: الشخص الذي يوازيه، ويقابله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِم، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَام، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاء، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ») رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب، [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت الناقد، أو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَفِرَّ) تقدّم أنه يجوز في رائه الكسر على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، والفتح على التخفيف، قال القرطبيّ ﵀: هذا هو المعلوم من حاله - ﷺ -، وحال الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من إقدامهم، وشجاعتهم، وثقتهم بوعد الله تعالى، ورغبتهم في الشهادة، وفي لقاء الله تعالى، ولم يثبت قط عن واحد منهم: أنه فرَّ، أو انهزم، ومن قال ذلك عن النبيّ - ﷺ -، فقال: فرَّ، أو انهزم قُتِل، ولم يُستَتَبْ؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه - ﷺ - كان أسود، أو أعجميًا، فأنكر ما عُلِم من وصفه قطعًا، وكَذّب به، وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصًا وعيبًا، وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه - ﷺ - نقصًا أو عيبًا، وقيل: يستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِلَ. انتهى . وقوله: (وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ)؛ أي: لمّا هجمناهم، وواجهناهم بشدّة القتال. وقوله: (فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ)؛ أي: أقبلنا عليها، ولازمنها، يقال: أكبّ عليه: أقبل، ولزِمَ، كانكبّ، وكَبّه: قلبه، وصَرَعه، كأكبّه، وكَبْكَبه، فأكبّ، وهو لازمٌ متعدّ، قاله المجد ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: كَبَبْتُ الإناءَ كَبًّا، من باب قَتَلَ: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيُّها، وقَصَرَ رباعيُّها، وفي التنزيل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كلام المجد أن أكبّ رباعيًّا يتعدّى ويلزم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسّهَامِ)؛ أي: واجهونا، وكرُّوا علينا برمي السهام بالكسر: جمع سهم، وهو واحدٌ من النَّبْل، وقيل: السهم: نفس النصل . وقوله: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) تقدّم في حديث العباس - ﵁ -: «وكان على بغلةٍ له بيضاء، أهداها له فَرْوة بن نُفَاثة الْجُذاميّ»، وسيأتي في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -: «وكان على بغلته الشهباء»، ووقع عند ابن سعد، وتبعه جماعة ممن صنَّف السيرة: أنه - ﷺ - كان على بغلته دُلْدُل. قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأن دُلْدُل أهداها له المقوقس، وقد ذكر القطب الحلبيّ أنه استَشْكَل عند الدمياطيّ ما ذكره ابن سعد، فقال له: كنت تبعته، فذكرت ذلك في السيرة، وكنت حينئذ سِيرِيًّا مَحْضًا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف، قال القطب الحلبيّ: يَحْتَمِل أن يكون يومئذ ركب كُلًّا من البغلتين، إن ثبت أنها كانت صَحِبته، وإلا فما في «الصحيح» أصحّ. قال الحافظ: ودلّ قول الدمياطيّ أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السِّير، وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة، ولخروج نُسَخ من كتابه، وانتشاره، لم يتمكن من تغييره. انتهى . وقوله: (وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا) هذا ظاهر في أن الآخذ بلجام بغلته - ﷺ - هو أبو سفيان بن الحارث، وقد تقدّم قول العبّاس - ﵁ -: «وأنا آخذ بلجام رسول الله - ﷺ - أَكُفُّها إرادةَ أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه»، فكيف الجمع بينهما؟. قلت: يُجمع بينهما بأن أبا سفيان كان آخذًا أوّلًا بزمامها، فلما رَكَضَها النبيّ - ﷺ - إلى جهة المشركين خَشِي العباس، فأخذ بلجام البغلة يكُفّها، وأخذ أبو سفيان بالرِّكاب، وترك اللجام للعباس؛ إجلالًا له؛ لأنه كان عمه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاء، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الحجة الفقيه الثبت الناقد الشهير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الفقيه الثبت الحجة، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير سفيان. وقوله: (وَهُوَ أقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث سفيان أقلّ سياقًا من حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: يونس بن يزيد، وزكريّا بن أبي زائدة، وشعبة بن الحجاج، وكون حديثه أقل من حديثهم يتبيّن بما أذكره في التنبيه التالي - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا) تصريح بما عُلم مما قبله، ومؤكّد له؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة أطول حديثًا من حديث سفيان الثوريّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال:
مصادر المؤلف (٣١)

١. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

٢. وفي نسخة: «هنالك».

٣. «الفتح» ٩/ ٤٢٥ - ٤٢٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٣١٥).

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٢.

٥. «المفهم» ٣/ ٦١٨.

٦. «المفهم» ٦/ ١٣٠.

٧. «الفتح» ٩/ ٤٢٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٣١٤).

٨. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٣١١.

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٨.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٨.

١١. «الفتح»٩/ ٤٢٦ - ٤٢٧ رقم (٤٣١٤).

١٢. «الفتح» ٩/ ٤٢٧ - ٤٢٨.

١٣. «المصباح المنير»٢/ ٥١٨.

١٤. «شرح النوويّ»١٢/ ١٢٠.

١٥. «الفتح» ٩/ ٤٢٩.

١٦. «إكمال المعلم» ٦/ ١٣١.

١٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٩.

١٨. «المفهم»٣/ ٦١٩ - ٦٢٥.

١٩. «الفتح» ٩/ ٤٢٩.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٩ - ١٢٠.

٢١. وفي نسخة: «أنزِل».

٢٢. بفتح الجيم، وتخفيف النون.

٢٣. بكسر الميم، وتشديد الصاد الأولى، هذا هو المشهور، ويقال أيضًا: بفتح الميم، وتخفيف الصاد، قاله النوويّ ١٢/ ١٢٠. وبالضبط الأول ضبطه ابن الأثير، وقال: نسبة إلى الْمِصِّيصة، مدينة على ساحل البحر. انتهى. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢٢١.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٠.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢١.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٥.

٢٧. «المفهم» ٣/ ٦٢٠ - ٦٢١.

٢٨. «القاموس المحيط» ص ١١٠٩.

٢٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

٣٠. «المصباح» ١/ ٢٩٣.

٣١. «الفتح» ٩/ ٤٢٨ - ٤٢٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣١٧).