HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٨

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جميعا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ. وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ. فَقَالَ رسول الله ﷺ (إلا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) فَسَكَتْنَا. فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثم قال (ألا برجل يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) فَسَكَتْنَا. فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قال (ألا برجل يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) فَسَكَتْنَا. فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. فَقَالَ (قُمْ. يَا حُذَيْفَةُ! فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ) فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا، إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي، أَنْ أَقُومَ. قَالَ (اذْهَبْ. فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ. وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ. حَتَّى أَتَيْتُهُمْ. فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ. فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رسول الله (وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ. فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ. فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ. فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا. فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ (قُمْ. يا نومان!).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص177
ج ٣ ص ١٤١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٤
[٤٢٣] قوله: (وَفَرَغتُ قُرِرتُ) ؛ أي: أصابني القَرّ، أي: البرد، وقوله: (يَا نَوْمَانُ)؛ أي: يا كثيرَ النوم، وهو فَعْلانٌ منه، وقوله: (يَصلِي ظَهرَهُ بِالنَّارِ)؛ أي: يُدفئ ويحمي، وقوله: (لَا تَذعَرهُم) من الذعر؛ وهو المَخافة، وقوله: (وَأَنَا أَمشِي فِي مِثلِ الحَمَّامِ)؛ أي: لِمَا نالني من الحرِّ. ومن باب غزوة أحد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢٦٧
خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال البخاريّ إلى قول موسى بن عقبة، وقوّاه بما أخرجه من حديث ابن عمر - ﵄ - أنه عُرِض يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة، ويوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة، فيكون بينهما سنة واحدة، وأُحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع. قال الحافظ - ﵀ -: ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس؛ لاحتمال أن يكون ابن عمر في أُحُد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقيّ. قال: ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لَمّا رجع من أُحد: موعدكم العامُ المقبلُ ببدر، فخرج النبيّ - ﷺ - من السنة المقبلة إلى بدر، فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه: إنما يصلح الغزو في سنة الْخِصْب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عُسْفان، أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وقد بَيَّن البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يَعُدّون التاريخ من المحرّم الذي وقع بعد الهجرة، ويُلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في «تاريخه»، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أُحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناءٌ وَاهٍ، مخالف لِمَا عليه الجمهور، من جَعْل التاريخ من المحرّم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، واحد في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو المعتمد. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦١٣] (١٧٨٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاتَلْتُ مَعَهُ، وَأَبْلَيْتُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةَ الأَحْزَاب، وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَلا رَجُلٌ يَأتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَلا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ»، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْم، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِه، جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ، حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّار، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْس، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ، وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّام، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْم، وَفَرَفْتُ، قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ، كَانَتْ عَلَيْه، يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: «قُمْ يَا نَوْمَانُ »). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) ابن يزيد، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، إلا أنه يدلّس، ويرسل [٥] (ت ٩٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٦. ٦ - (أَبُوهُ) يزيد بن شريك بن طارق التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ، يقال: إنه أدرك الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٦. ٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان - ﵄ - المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، وفيه الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان - ﵄ -، (فَقَالَ رَجُلٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه ، وذكر ابن إسحاق في «السيرة» أنه رجل من أهل الكوفة. (لَوْ) شرطيّة، جوابها «قاتلت»، قال في «الخلاصة»: «لَو»حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ … إِيلَاؤُهُ مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ (أدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: حياته وجهاده في سبيل الله تعالى، (قَاتَلْتُ) الكفّار (مَعَهُ) - ﷺ -، (وَأَبْلَيْتُ) بالبناء للفاعل؛ أي: بالغت في ذلك، واجتهدت فيه حتى يظهر منّي ما يُبْتَلَى؛ أي: ما يُختبَر، وقد تقدّم أن أصل هذا اللفظ الاختبار، وأن فيه لغتين، جمعهما زُهير في قوله [من الطويل]: جَزَى اللهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ … فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو وقد قيل: إن «بلا» في الخير، و«أبلى»، في الشر، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقال في «النهاية»: قال القتبي: يقال من الخير: أبليته إبلاءً، ومن الشرّ: بَلَوتُهُ أَبْلُوهُ بَلاءً، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشرّ معًا، من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. انتهى . (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - منكرًا على الرجل قوله هذا، (أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟) هو على تقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أأنت تفعل ذلك؟؛ أي: من القتال، والإبلاء، والمعنى: لست ممن يفعله، قال النوويّ - ﵁ -: معنى كلام حذيفة - ﵁ - أنه فَهِم من الرجل أنه لو أدرك النبيّ - ﷺ - لبالغ في نُصرته، ولزاد على الصحابة - ﵃ -، فأخبره بخبره في ليلة الأحزاب، وقصدُهُ زجره عن ظنّه أنه يفعل أكثر من فعل الصحابة - ﵁ -. انتهى . وقال ابن إسحاق - ﵀ - في «السيرة»: حدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله - ﷺ -، وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نَجْهَد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق … فذكر الحديث . وقال القرطبيّ - ﵀ -: لَمَّا قال هذا الرجل هذا الكلام، ولم يستثن فيه، فَهِمَ منه حذيفة - ﵁ - الجزم، والقطع بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر ذلك عليه، وأخبره بما يَفْهَم منه أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا أقوى في دين الله، وأحرص على إظهاره، وأحب في رسول الله - ﷺ -، وأشجع منك، ومع ذلك فقد انتهت بهم الشدائد، والمشاقّ إلى أن حصل منهم ما ذكره، وإذا كان هذا فغيرهم بالضَّعف أَولى. وحاصله: أن الإنسان ينبغي له أن لا يتمنى الشدائد، والامتحان، فإنه لا يدري كيف يكون حاله فيها، فإن ابتُلِي صبر، وإن عوفي شكر. انتهى . وقال الأبيّ - ﵀ -: قوله: «أنت تفعل ذلك؟» إنكار على الرجل؛ لأنه فَهِمَ منه أنه يزيد على الصحابة، فأخبره بخبر ليلة الأحزاب، قال: ويَحْتَمِل أنه إنما أنكر عليه؛ لأنه أمر مغيّبٌ، لو حضَر لأمكن أن يعجز، كما سكت القوم، ولم يجبه أحدٌ؛ لعظم المشقّة، مع أنهم أحرص الناس على عمل البرّ، لا سيّما وقد ضمن رسول الله - ﷺ - أن يجعله الله تعالى معه يوم القيامة . (لَقَدْ رَأَيْتُنَا)؛ أي: رأيت أنفسنا أيها الصحابة، (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةَ الأَحْزَابِ)؛ أي: ليلة من ليالي غزوة الأحزاب، وقوله: (وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والريح: الْهَوَاءُ المسخّر بين السماء والأرض، وهي مؤنّثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، ولذا أنّث وَصْفها هنا، وقد تُذكّر على معنى الْهَوَاء، فيقال: هو الريح، وهَبَّ الريحُ، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنّثة، لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الإعصار، فإنه مذكّر. [تنبيه]: (اعلم): أن «الريح» أصلها واو بدليل تصغيرها على رُوَيْحَةٍ، ولكن قُلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها، والجمع: أَرْوَاحٌ، ورِيَاحٌ، وبعضهم يقول: أَرْيَاحٌ بالياء على لفظ الواحد، وغَلّطه أبو حاتم، قال: وسألته عن ذلك، فقال: ألا تراهم قالوا: رِيَاحٌ بالياء على لفظ الواحد، قال: فقلت له: إنما قالوا: رِيَاحٌ بالياء؛ للكسرة، وهي غير موجودة في أَرْيَاحٍ، فسَلَّمَ ذلك. [تنبيه آخر]: الرِّيحُ أربع: الشَّمَالُ، وتأتي من ناحية الشام، وهي حارّة في الصيف، بَارحٌ ، والْجَنُوبُ: تقابلها، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصَّبَا، وتأتي من مطلع الشمس، وهي القَبول أيضًا، والرابعة: الدَّبُّورُ، وتأتي من ناحية المغرب، أفاده الفيّوميّ - ﵀ - . (وَقُرٌّ) - بضمّ القاف، وتشديد الراء -، قال المجد - ﵀ -: الْقُرّ بالضمّ: البردُ، أو يُخَصُّ بالشتاء، قال: وقُرّ الرجل بالضمّ: أصابه الْقُرّ، وأقرّه الله تعالى، فهو مقرورٌ، ولا تقل: قَرَّه، وقد قرّ يقرّ مثلّثة القاف. انتهى باختصار . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قَرَّ اليومُ - أي: من باب ضرب -: بَرَدَ، والاسم: القُرُّ بالضم، فهو قَرٌّ تسميةً بالمصدر، وقَارٌّ، على الأصل؛ أي: باردٌ، وليلةٌ قَرَّةٌ، وقَارَّةٌ، وفي المثل: «وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا»؛ أي: وَلِّ شَرَّها مَن تَوَلَّى خيرها، أو حَمِّلْ ثِقَلَكَ مَن ينتفع بك، وقَرَّتِ العين قُرَّة بالضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَتْ سُرورًا، وفي الكلّ لغة أخرى، من باب تَعِبَ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أفاد كلام الفيّومي المذكور أن يقرّ من بابي ضرب، وتَعِب، وما سبق عن المجد يدلّ على أنه مثلّث؛ أي: من باب نصر، وضرب، وتَعِب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه الوصف بما بعده، وخبره محذوف؛ أي: موجود (يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟)؛ أي: المشركين الذين تحزّبوا لقتال المسلمين. وقال الأبيّ - ﵀ -: قوله: «ألا رجلٌ؟» هو حضّ لحواشي الجيش، ليس لأكابرهم؛ كأبي بكر - ﵁ -، وأنظاره، حتى إنه لو أراد أبو بكر لنهاه، ولذا لم يُبادر أكابر الصحابة إلى الإجابة، وما ذاك إلا؛ لأنهم فَهِموا أن المراد غيرهم، وإلا فهم أسبق الناس إلى الخير، وأصبرهم على ارتكاب المشاقّ الدينيّة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الأبيّ - ﵀ - من أن قوله - ﷺ -: «ألا رجل … إلخ» الحواشي الجيش لا لأكابرهم تأويل حسن موافق لحال أكابر الصحابة - ﵁ -، لو ساعده النصّ، لكنك إذا تأملت إطلاق النصّ استبعدت ما قاله، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ») جملة في محل رفع صفة بعد صفة، وهو بمعنى المضارع؛ أي: يجعله الله تعالى معي في الجنّة؛ أي: مصاحبًا لي، وملازمًا لحضرتي، وكلُّ واحد منهما على منزلته في الجنّة، فإن منزلة النبيّ - ﷺ - لا يلحقها أحد، قاله القرطبيّ - ﵀ - . (فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجبْهُ مِنَّا أَحَدٌ) هذا يدلّ على مدى شدّة المشقّة، والنصب الذي لحق بالصحابة - ﵃ - في تلك الغزوة، وإلا فإنهم كانوا أسرع الناس إجابة لرسول الله - ﷺ -، وأكثرهم شوقًا إلى الاستشهاد في سبيل الله، وأقواهم استعدادًا لاقتحام الأخطار والمتاعب في سبيل الله تعالى، ولم يكونوا ليتخلّفوا عما يدعوهم إليه - ﷺ - بهذه البشارة العظيمة ثلاث مرّات، فسكوتهم في ذلك الحين لا يمكن إلا إذا بلغوا من التعب والنصب نهايته، بما أدّاهم إلى حال الاضطرار الشديد، - ﵃ - أجمعين . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؛ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ) - ﷺ - («قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْم»، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا) بضمّ الموحّدة؛ أي: غنًى، وكفاية، يقال: لا بُدّ من كذا؛ أَي: لا مَحِيدَ عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي، قاله الفيّومي . والمعنى: لم أجد من يكفيني، ويقوم مقامي في ذلك، (إِذْ) تعليليّة؛ أي: لأنه - ﷺ - (دَعَانِي بِاسْمِي)؛ أي: عيّنني باسمي الخاصّ، وقوله: (أَنْ أَقُومَ) في تأويل المصدر مجرور بـ «من» مقدّرة متعلّق بـ «ببُدًّا»، (قَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْم، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) - بفتح التاء المثنّاة فوقُ، وسكون الذال المعجمة، وفتح العين المهملة: يقال: ذَعَرته ذَعْرًا، من باب نَفَعَ: أفزعته، والذُّعْرُ بالضمّ اسم منه . وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: لا تُفزعهم، ولا تحرّكهم، فتُهيّجهم عليّ، وقيل: معناه: لا تُنفّرهم، وهو قريب من المعنى الأول، والمراد: لا تحرّكهم عليك، فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضررًا عليّ؛ لأنك رسولي، وصاحبي. انتهى . (فَلَمَّا وَلَّيْتُ)؛ أي: أدبرتُ وذهبت، (مِنْ عِنْدِهِ) - ﷺ -، (جَعَلْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (كَأَنَّمَا أَمْشِي في حَمَّامٍ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم - قال المجد - ﵀ -: «الْحَمّامُ؛ كشدّاد: الدِّيماسُ ، مذكّرٌ ، جمعه حمّامات». انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْحَمّامُ مثقّل: معروفٌ، والتأنيث أغلب، فيقال: هي الْحَمّامُ، وجمعها حمّاماتٌ على القياس، ويُذَكَّر، فيقال: هو الْحَمّامُ. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: لفظة«الحمّام» عربية، وهو مُذَكَّر، مشتقّ من الحميم، وهو الماء الحارّ. ومعنى كلام حذيفة - ﵁ - هذا أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس، ولا من تلك الريح الشديدة شيئًا، بل عافاه الله منه، ببركة إجابته للنبيّ - ﷺ -، وذهابِهِ فيما وجهّه له، ودعائه - ﷺ - له، واستمَرَّ ذلك اللطف به، ومعافاته من البرد، حتى عاد إلى النبيّ - ﷺ -، فلما رجع، ووصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس، وهذه من معجزات رسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «كأنما أمشي في حَمَّام»؛ أي: لم يصبه شيء من ذلك البرد ببركة طاعة رسول الله - ﷺ -، وهي من كراماته، ألا ترى أنه لما فَرَغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة؟! انتهى . (حَتَّى أَتَيْتُهُمْ)؛ أي: القوم المتحزّبين، (فَرَأَيْتُ أَبا سُفْيَانَ) صخر بن حرب، (يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ) - بفتح الياء، وإسكان الصّاد -؛ أي: يُسخّنه، ويُدنيه منها، وهو الصَّلا - بفتح الصاد، والقصر - والصِّلاء - بكسرها، والمد -، قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: صَلِيَ بالنار، وصَلِيهَا صَلًى، من باب تَعِبَ: وَجَدَ حَرّها، والصِّلاءُ، وزانُ كتاب: حرّ النار، وصَلَيْتُ اللحمَ أَصْلِيه، من باب رَمَى: شَوَيْتُهُ. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: صَلَى اللَّحمَ يَصْليه صَلْيًا: شَوَاه، أو ألقاه في النار للإحراق؛ كأصلاه، وصَلَّاهُ، وَيدَه بالنار: سَخَّنَها، قال: وَصَلِيَ النارَ؛ كرَضِيَ، وبها صُلِيًّا، وصِلِيًّا، وصَلَاءً، ويُكسَرُ: قاسى حرّها. انتهى . (فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ)؛ أي: وسطها حيث يَقبِض الرامي، قال الخليل: كَبِدُ كلِّ شيء: وسطه . (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ)؛ أي: أبا سفيان، (فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»)؛ أي: لا تُفزعهم، وتُحرّكهم، (وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ)؛ أي: لكونه قريبًا منه، وعند ابن هشام: «قال: فذهبت، فدخلت في القوم، والريح، وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقِرّ لهم قِدْرًا، ولا نارًا، ولا بناءً، فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان» . (فَرَجَعْتُ) إلى النبيّ - ﷺ -، وقوله: (وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (فَلَمَّا أَتَيْتُهُ) - ﷺ - (فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ)؛ أي: بما حصل لهم من البرد، والريح الشديد، وأزعجهم، وقد ذكر ابن هشام ما حصل لهم، وما قاله أبو سفيان لجيشه في ذلك، فقال: «ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مُقام، لقد هَلَك الْكُراع، والْخُفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شِدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءُ، فارتحلوا، فإني مرتحلٌ، ثم قام إلى جمله، وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فوالله ما أَطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله - ﷺ - إليّ:»أن لا تُحدِث شيئًا حتى تأتيني«، ثم شئت، لقتلته بسهم، قال: وسَمِعت غَطَفانُ بما فعلت قريش، فانشمَرُوا راجعين إلى بلادهم . قال الجامع عفا الله عنه: وهذا ما أخبر الله - ﷿ - به بقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. (وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ) - بضمّ القاف مبنيًّا للمفعول؛ أي: أصابني القُرّ؛ أي: البرد، (فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ) قال النوويّ - ﵀ -: «الْعَبَاءة» - بالمدّ -، والْعَبَاية بزيادة ياء، لغتان مشهورتان، معروفتان، والجمع: عَبَاءٌ بحذف الهاء، وعباآتٌ أيضًا. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: «الْعَابَاءُ»: كساءٌ معروفٌ؛ كالعَبَاءة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «العباءة» - بفتح العين، والمدّ -: هي الشملة، وهي كساء يُشْتَمَل به؛ أي: يُلْتَفُّ فيه. انتهى . وفي رواية ابن هشام - ﵀ -: «قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، وهو قائم يصلي في مِرْط لبعض نسائه مَرَاجل - قال ابن هشام: المراجل: ضرب من وَشْي اليمن - فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطَرَح عليّ طَرَفَ الْمِرْط، ثم ركعَ وسجد، وإني لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر. انتهى . (كَانَتْ عَلَيْه، يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح حين طلع الفجر، (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: (قُمْ يَا نَوْمَانُ«» هو - بفتح النون، وإسكان الواو، وهو كثير النوم، وأكثر ما يُستعمل في النداء، كما استعمله هنا، قاله النوويّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: «نَوْمانُ» من الأسماء التي لازمت النداء، وقد ذكر بعضها ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة»، فقال: و«فُلُ» بعْضُ مَا يَخْتَصُّ بِالندَا … «لُومَانُ» «نَوْمَانُ» كَذَا وَاطَّرَدَا فِي سَبِّ الانْثَى وَزَنُ «يَا خَبَاثِ» … وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلَاثِي وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ «فُعَلُ» … وَلَا تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ «فُلُ» وقال القرطبيّ - ﵀ -: نسبه إلى النوم؛ لأنه نام حتى دخل عليه وقت صلاة الصبح ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٤٦٣١] (١٧٨٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧١٢٥)، و(البزّار) في«مسنده»(١٨٠٩)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٣/ ٣١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٣١٩)، و(أبو نعيم) في«الحلية»(١/ ٣٥٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ١٤٨ - ١٤٩) و«دلائل النبوّة»(٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن في إنكار حذيفة على الرجل قوله:«لو أدركت رسول الله - ﷺ - … إلخ»بيان أنه لا ينبغي أن يتمنّى الشدائد، والامتحانات؛ لأنه لا يدري كيف يكون حاله فيها؛ ولهذا المعنى قال النبيّ - ﷺ -:«يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم، فاصبروا … » الحديث، متّفقٌ عليه. والحاصل أنه ينبغي للعبد أن لا يتمنّى الابتلاء، والامتحان؛ لما ذكرناه، ولكن إذا ابتلي صبر، وثَبَت، ودعا الله تعالى أن يثبّته عليه، فإنه - ﷾ - وعد بذلك، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. ٢ - (ومنها): بيان ما حلّ بالمسلمين في غزوة الأحزاب من شدّة الحال، بحيث منعهم ذلك من استجابة دعوة النبيّ - ﷺ - في الاستطلاع على العدوّ، مع أنهم أحرص الناس على استجابته إلا أن شدّة الحال اضطرّهم إلى السكوت. ٣ - (ومنها): بيان فضل حذيفة - ﵁ - حيث عيّنه النبيّ - ﷺ - شأن الاستطلاع، وقد أخبرهم بأن من فعل ذلك يكون معه يوم القيامة. ٤ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ -، وكرامة لحذيفة - ﵁ -، وذلك أنه لما استجاب لدعوته انطلق إلى القوم؛ كأنما يمشي في حمّام، مع شدّة البرد، والريح، واستمرّ له ذلك إلى أن قضى مهمّته، وعاد إليه - ﷺ -. ٥ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للإمام، وأمير الجيش بعث الجواسيس، والطلائع؛ لكشف خبر العدوّ. ٦ - (ومنها): جواز الصلاة في الصوف، قال النوويّ - ﵀ -: وهو جائز بإجماع مَن يُعْتَدّ به، وسواء الصلاة عليه، وفيه، ولا كراهية في ذلك، قال العبدريّ من أصحابنا: وقالت الشيعة: لا تجوز الصلاة على الصوف، وتجوز فيه، وقال مالك: يُكره كراهة تنزيه. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط «لفظ أُحُدٌ»، واشتقاقه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «أُحُدٌ» - بضمّتين -: جبَل بقرب مدينة النبيّ - ﷺ -، من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة، في شوّال، سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم الْبُقعة، فيُمنَع من الصرف، وليس هذا القول بالقويّ. انتهى . وقال في «التاج»: أُحُدٌ - بضمّتين - جبلٌ بالمدينة، وقال الزمخشريّ: رأيت بخطّ المبرّد «أُحْد» بكون الحاء منوّنًا، قال: وأنكره جماعة، وقالوا: إنه لا يُسكّن إلا في الضرورة، ولعلّ رآه كذلك. انتهى بتصرّف . وقال في «الفتح»: «أُحُدٌ» - بضم الهمزة، والمهملة -: جبل معروف، بينه وبين المدينة أقلّ من فرسخ، وهو الذي قال فيه - ﷺ -: «هذا جَبل يُحبّنا، ونحبّه»، كما سبق في «كتاب الحجّ». وقال السهيليّ - ﵀ -: سُمّيَ أُحُدًا؛ لتوحّده، وانقطاعه عن جبال أخرى، أو لِمَا وقَعَ من أهله من نَصْر التوحيد. ونقل السهيليّ عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارون - ﵇ - بأُحد، وأنه قَدِمَ مع موسى - ﵇ - في جماعة من بني إسرائيل حُجّاجًا، فمات هناك. قال الحافظ - ﵀ -: وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدًّا، من جهة شيخه محمد بن الحسن بن زِبالة، ومنقطع أيضًا، وليس بمرفوع. انتهى . (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وقت غزوة أُحد: قال في «الفتح»: كانت عنده وقعة أُحُد في شوال سنة ثلاث، باتفاق الجمهور، وشَذّ من قال: سنة أربع، قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلةً خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان، وقيل: لتسع، وقيل: في نصفه، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوُّزٌ؛ لأن بدرًا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر لم يَكْمُل، ولهذا قال مرّةً أخرى: كانت بعد الهجرة بأحد وثلاثين شهرًا. انتهى . (المسألة الثالثة): في بيان سبب غزوة أُحُد: (اعلم) أن سببها هو ما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، وهذا مُلَخّص ما ذكره موسى بن عقبة، في سياق القصّة كلِّها، قال: لمّا رجعت قريشٌ استجلبوا من استطاعوا من العرب، وسار بهم أبو سفيان، حتى نزلوا ببطن الوادي، من قبل أُحُد، وكان رجال من المسلمين أَسِفُوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وتَمَنَّوا لقاء العدوّ، ورأى رسول الله - ﷺ - ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: «رأيت البارحة في منامي بَقَرًا تُذْبَح، والله خيرٌ وأبقى، ورأيت سيفي ذا الْفَقَار انقصم من عند ظُبَته - أو قال -: به فُلُولٌ، فكرِهته، وهما مصيبتان، ورأيت أني في دِرْعٍ حَصِينة، وأني مُردف كبشًا»، قالوا: وما أوّلتها؛ قال: «أوّلت البقر بَقْرًا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دَخَل القوم الأَزِقّة قاتلناهم، ورُمُوا من فوق البيوت»، فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنّى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فلما صلى الجمعة، وانصرف دعا باللَّأَمَة، فلبسها، ثم أَذَّن في الناس بالخروج، فنَدِم ذوو الرأي منهم، فقالوا: يا رسول الله امكُث كما أمرتنا، فقال: «ما ينبغي لنبيّ إذا أَخَذَ لَأَمَةَ الحرب أن يرجع حتى يقاتل». فخرج بهم، وهم ألف رجل، وكان المشركون ثلاثة آلاف، حتى نزل بأُحُد، ورجع عنه عبد الله بن أبي ابنُ سَلُول في ثلاثمائة، فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين، وهما بنو حارثة، وبنو سَلِمة، وَصَفّ المسلمون بأصل أُحد، وصفّ المشركون بالسَّبِخة، وتَعَبَّوا للقتال، وعلى خيل المشركين، وهي مائة فرس خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فَرَس. وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأَمَّر رسولُ الله - ﷺ - عبد الله بن جبير على الرُّماة، وهم خمسون رجلَا، وعَهِد إليهم أن لا يتركوا منازلهم. وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عُمير، فبارز طلحة بن عثمان فقتله، وحَمَل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحَملت خيل المشركين، فنضحتهم الرُّماة بالنَّبْل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين، فانتبهوهم، فرأى ذلك الرماة، فتركوا مكانهم، ودخل العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد، ومن معه، فحملوا على المسلمين في الخيل، فمزقوهم، وصَرَخ صارخ: قُتل محمد، أخراكم، فعَطَف المسلمون يقتل بعضهم بعضًا، وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل، وثبت نبيّ الله - ﷺ - حين انكشفوا عنه، وهو يدعوهم في أُخراهم، حتى رجع إليه بعضهم، وهو عند الْمِهْراس في الشِّعْب، وتوجه النبيّ - ﷺ - يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون، فَرَمَوا وجهه، فأدموه، وكسروا رَبَاعيته، فَمَرّ مصعدًا في الشِّعب، ومعه طلحة، والزبير، وقيل: معه طائفة من الأنصار، منهم سهل ابن بيضاء، والحارث بن الصِّمّة، وشُغل المشركون بقتلى المسلمين، يُمثِّلون بهم، يقطعون الآذان، والأنوف، والفروج، وَيبقُرون البطون، وهم يظنون أنهم أصابوا النبيّ - ﷺ -، وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان، يفتخر بآلهته: اعْلُ هُبَل، فناداه عمر: الله أعلى وأجلّ، ورجع المشركون إلى أثقالهم، فقال النبيّ - ﷺ - لأصحابه: «إن رَكِبوا، وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن رَكِبُوا الأثقال، وتجنبوا الخيل فهم يريدون الرجوع»، فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع، فقال: رأيت الخيل مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين، ورجعوا إلى قتلاهم، فدفنوهم في ثيابهم، ولم يغسلوهم، ولم يصلوا عليهم، وبَكَى المسلمون على قتلاهم، فَسُرّ المنافقون، وظهر غَشّ اليهود، وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبيًّا ما ظهروا عليه، وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا. (المسألة الرابعة): في بيان ما ذكره أهل العلم من الْحِكَم الجليلة، والفوائد النبيلة في قصّة غزوة أُحُد: (اعلم) أن العلماء قالوا: كان في قصة أُحُد، وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد، والْحِكَم الربانية، أشياء عظيمة: ١ - (منها): تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي؛ لِمَا وقع من ترك الرُّماة موقفهم الذي أمرهم الرسول - ﷺ - أن لا يبرحوا منه. ٢ - (ومنها): أن عادة الرسل أن تُبْتَلَى، وتكون لها العاقبة، كما تقدم في قصّة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميّز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين، لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًّا عن المسلمين، فلمّا جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول، عاد التلويح تصريحًا، وعَرَفَ المسلمون أن لهم عدوًّا في دُورهم، فاستعدُّوا لهم، وتحرّزوا منهم. ٣ - (ومنها): أن في تأخير النصر في بعض المواطن هَضْمًا للنفس، وكسرًا لشَمَاختها، فلما ابْتُلِي المؤمنون صبروا، وجَزِع المنافقون. ٤ - (ومنها): أن الله تعالى هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لا تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن؛ لِيَصِلوا إليها. ٥ - (ومنها): أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها إليهم. ٦ - (ومنها): أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون
مصادر المؤلف (٤٣)

١. «الفتح» ٩/ ١٨٣ - ١٨٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٩٧).

٢. وفي نسخة: «حتى أصبحت، قال: قم».

٣. «تنبيه المعلم» ص ٣٠٩.

٤. «المفهم» ٣/ ٦٤٦.

٥. «النهاية» ١/ ١٥٥.

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٥.

٧. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٣١.

٨. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٣١ و«المفهم» ٣/ ٦٤٦ - ٦٤٧.

٩. راجع: «شرح الأبيّ» ٥/ ١٣٠.

١٠. أي: حاملة للتراب.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٤.

١٢. «القاموس المحيط» ص ١٠٤١.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧.

١٤. «شرح الأبيّ» ٥/ ١٣٠.

١٥. «المفهم» ٣/ ٦٤٧.

١٦. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٣/ ١٩٠.

١٧. «المصباح المنير»«١/ ٢٠٨.

١٨. «المصباح المنير»١/ ٣٨.

١٩. «شرح النوويّ»١٢/ ١٤٥.

٢٠. في«القاموس»: الدِّيْمَاسُ - أي: بالفتح - ويُكسر: الْكِنُّ، والسَّرَبُ، والْحَمَّامُ. اهـ.

٢١. وكونه مذكّرًا هو الذي سيأتي عن«القاموس»، وهو الذي مشى عليه في شرحه«التاج»، وما قاله الفيّومي من أن تأنيثه هو الأغلب، نقل في«التاج»عن بعضهم تغليطه، فليُراجع.

٢٢. «القاموس المحيط»ص ٣٢٣.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ١٥٢ - ١٥٣.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٦.

٢٥. «المفهم» ٣/ ٦٤٨.

٢٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٦.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٦.

٢٨. «القاموس المحيط» ص ٧٥٢.

٢٩. «المفهم» ٣/ ٦٤٨.

٣٠. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٣١.

٣١. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٣٢.

٣٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٦ بزيادة من «المصباح» ٢/ ٣٩١.

٣٣. «القاموس المحيط» ص ٨٣٠.

٣٤. «المفهم، ٣/ ٦٤٨.

٣٥. «سيرة ابن هشام»٢/ ٢٣١.

٣٦. وفي نسخة:«حتى أصبحت، قال: قم».

٣٧. «المفهم»٣/ ٦٤٨.

٣٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٤٦.

٣٩. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٦.

٤٠. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٢٨٨.

٤١. «الفتح» ٩/ ١٠٨ - ١٠٩ و١٥٩، كتاب «المغازي».

٤٢. «الفتح» ٩/ ١٠٩، كتاب «المغازي».

٤٣. من باب تَعِبَ؛ أي: حزِنُوا.