HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٩٠

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رسول الله ﷺ، يوم أُحُدٍ؟ فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ. فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ. فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا. ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بالجرح. فاستمسك الدم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص178
ج ٣ ص ١٤١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢٨٨
قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجَال، يُدال علينا المرّة، وندال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تُبْتَلَى، ثم تكون لهم العاقبة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [١٤٦٣٣] (١٧٩٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبي حَازِم، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ أحُدٍ، فَقَالَ: جُرحَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِه، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهُ، حَتى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْح، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، ثقةٌ فقية [٨] (ت ١٨٤)، أو قبل ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. ٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابد [٥] (ت ١٤٠)، أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. ٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -؛ كسابقه، ولاحقه، وهو (٣١٢) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وأن صحابيّه آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالمدينة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) - ﵄ - (يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، وفي الرواية التالية: «عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد، وهو يُسأل عن جُرح رسول الله - ﷺ -»، وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عُيينة، عن أبي حازم، سمع سهل بن سعد الساعديَّ، وسأله الناس، وما بيني وبينه أحد: بأيّ شيء دُووي جُرح رسول الله - ﷺ -؟ «، ووقع في رواية الحميديّ عن سفيان:»اختَلَف الناس بأيّ شيء دُووي جرح رسول الله - ﷺ -؟ «. (عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) الجُرْح بالضمّ: اسم من جَرَحَه يَجْرَحه، جَرْحًا، من باب نَفَعَ، (يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: خرِحَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (وَجْه رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية التالية:«فقال: أَمَ، والله إني لأعرف من كان يغسل جُرح رسول الله - ﷺ -، ومن كان يسكب الماء، وبماذا دُووي جرحه … »، وفي رواية البخاريّ المذكورة:«فقال: ما بقي أحدٌ أعلم به مني، كان عليّ يجيء بترسه فيه ماءٌ»، فذكره. وإنما قال سهل - ﵁ -:«ما بقي أحد … إلخ »؛ لأنه كان آخر من بقي من الصحابة - ﵃ - بالمدينة، كما صرّح به البخاريّ في«النكاح»، ولفظه:«فسألوا سهل بن سعد الساعديّ، وكان من آخر من بقي من أصحاب النبيّ - ﷺ - بالمدينة». وقوله:«وكان من آخر من بقي من الصحابة بالمدينة»فيه احتراز عمن بقي من الصحابة بالمدينة، وبغير المدينة، فأما المدينة فكان بها في آخر حياة سهل بن سعد محمود بن الربيع، ومحمد بن لبيد، وكلاهما له رؤية، وعُدّ في الصحابة، وأما من الصحابة الذين ثبت سماعهم من النبيّ - ﷺ - فما كان بقي بالمدينة حينئذ إلا سهل بن سعد، على الصحيح، وأما بغير المدينة، فبقي أنس بن مالك - ﵁ - بالبصرة، وغيرُه بغيرها، قاله في«الفتح». [تنبيه]: كان بين وقعة أُحد، وبين إخبار سهل بن سعد - ﵄ - بذلك أكثر من ثمانين سنةً، قاله في«الفتح». [تنبيه آخر]: ذكر ابن عائذ، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، حدّثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن الذي رَمَى رسول الله - ﷺ - بأُحد، فجرحه في وجهه، قال: خُذها مني، وأنا ابن قمئة، فقال: «أقمأك الله» ، قال: فانصرف إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذِرْوة جبل، فدخل فيها، فَشَدَّ عليه تيسها، فنَطَحه نَطْحَةً أدراه من شاهق الجبل، فتقطع . (وَكُسِرَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا، ونائب فاعله قوله: (رَبَاعِيَتُهُ) - بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة -: هي السنّ التي تلي الثنية، من كل جانب، وللإنسان أربع رَبَاعِيَات، قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ: «الرباعية بوزن الثمانية: السنّ التي بين الثنيّة والناب، والجمع رَبَاعيات بالتخفيف أيضًا». انتهى . (وَهُشِمَتِ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال الفيّوميّ: الْهَشْمُ: كسرُ الشيء اليابس، والأجوف، وهو مصدرٌ، من باب ضرب، ومنه الهاشمة، وهي الشَّجَّة التي تَهْشِم العظم. انتهى ، وقوله: (الْبَيْضَةُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، وهي بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة، ثم ضاد معجمة - وهي الْخُوذَة بالضمّ؛ أي: الْمِغْفر، وقوله: (عَلَى رَأْسِهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كون البيضة كائنةً على رأس النبيّ - ﷺ -. [تنبيه]: قال في «الفتح»: مجموع ما ذُكِر في الأخبار - أي: مما أصاب النبيّ - ﷺ - يوم أُحد - أنه: شُجّ وجهه، وكُسرت رَباعيته، وجُرحت وجنته، وشفته السفلى، من باطنها، ووَهَى مَنْكِبه، من ضربة ابن قَمِئة، وجُحِشت ركبته. ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: ضُرِب وجهُ النبيّ - ﷺ - يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرّها كلَّها، وهذا مرسل قويّ، ويَحْتَمِل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة. انتهى . (فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) - ﵂ -، أم الحسنين، سيّدة نساء هذه الأمة، تزوّجها عليّ - ﵁ - في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفّيت بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بستّة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل. وقد أوضح سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، فيما أخرجه الطبرانيّ من طريقه، سبب مجيء فاطمة - ﵂ - إلى أُحُد، ولفظه: «لَمّا كان يومُ أُحد، وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبيّ - ﷺ - اعتنقته، وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير، فأحرقته بالنار، وكَمَّدته به، حتى لَصِقَ بالجرح، فاستمسك الدم. وله من طريق زهير بن محمد، عن أبي حازم:«فأَحْرَقت حصيرًا، حتى صارت رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد، فوضعته فيه، حتى رقأ الدم»، وقال في آخر الحديث:«ثم قال يومئذ: اشتَدَّ غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسوله»، ثم مكث ساعة، ثم قال:«اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». (تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - المتوفّى سنة أربعين من الهجرة، وتقدّمت ترجمته في«المقدمة»٢/ ٢. (يَسْكُبُ) بضمّ الكاف، من باب نصر؛ أي: يصبّ، يقال: سَكَبَ الماءُ سَكْبًا، وسُكُوبًا: انصبّ، وسَكَبه غيره، يتعدّى، ولا يتعدَّى ، وما هنا من المتعدّي، ومفعوله محذوف؛ أي: يصبّ الماءَ، وفي رواية للبخاريّ:«وعليّ يسكُبُ الماء بالمِجَنّ»، (عَلَيْهَا)؛ أي: على فاطمة - ﵂ -، والمراد أنه يصبّ على موضع غسلها. (بِالْمِجَنِّ) - بكسر الميم، وفتح الجيم، وتشديد النون -: التُّرْس، (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ) - ﵂ - (أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين -: هي البَاريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بريد وبُرُد، وتأنيثها بالهاء عاميّ، قاله الفيّوميّ . (فَأَحْرَقَتْهُ، حَتى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ ألْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ) ووقع عند ابن ماجه، من وجه آخر، عن سهل بن سعد - ﵁ -: «أَحرقت له حين لم يرقأ قطعة حصير، خَلَقٍ، فوضعت رماده عليه»، (فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ)؛ أي: توقّف خروجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٤٦٣٣ و٤٦٣٤ و٤٦٣٥] (١٧٩٠)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (٢٤٣) و«الجهاد» (٢٩٠٣ و٢٩١١ و٣٠٣٧) و«المغازي» (٤٠٧٣ و٤٠٧٥) و«النكاح» (٥٢٤٨) و«الطبّ» (٥٧٢٢)، و(الترمذيّ) في «الطبّ» (٢٠٨٥)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٤٦٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٣٠ و٣٣٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ١٦٧)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٣٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥٨٩٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٥٠١)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ١٩٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٠) و«دلائل النبوّة» (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠ و٢٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية، من الجراحات، والآلام، والأسقام؛ لِيَعْظُم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعةً، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين، قال القاضي عياض ﵀: وليُعْلَم أنهم من البشر، تصيبهم مِحَنُ الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر؛ لِيُتَيَقَّنَ أنهم مخلوقون، مربوبون، ولا يُفْتَتَن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، وتلبيس الشيطان من أمرهم ما لبَّسه على النصارى وغيرهم، حتى اعتقدوا في عيسى ﵇ أنه إله. انتهى . ٢ - (ومنها): جواز التداوي، ومعالجة الجراح، واتخاذ التُّرْس في الحرب، وأن جميع ذلك لا يَقْدَح في التوكل؛ لصدوره من سيد المتوكلين - ﷺ -، مع قول الله تعالى له: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الآية [الفرقان: ٥٨]. ٣ - (ومنها): أن فيه مباشرةَ المرأة لأبيها، وكذلك لغيره من ذوي محارمها، ومداواتها لأمراضهم، وقد احتجّ البخاريّ ﵀ به على جواز إبداء المرأة زينتها لأبيها، وكذا لسائر من ذُكر في آية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] وهو احتجاج واضحٌ. ٤ - (ومنها): أن فيه إشعارًا بأن الصحابة والتابعين كانوا يتّبعون أحوال النبيّ - ﷺ - في كل شيء حتى في مثل هذا، فإن الذي يُداوى به الجرح لا يختلف الحكم فيه، إذا كان طاهرًا، ومع ذلك فترددوا فيه، حتى سألوا مَن شاهد ذلك، وهو سهل بن سعد - ﵃ -. ٥ - (ومنها): مشروعيّة التداوي برماد الحصير. قال في «الفتح»: وقد كان أبو الحسن القابسيّ يقول: وَدِدْنا لو علمنا ذلك الحصير، مم كان؟ لنتخذه دواء لقطع الدم. قال ابن بطال : قد زعم أهل الطبّ أن الحصير كلّها إذا أُحرقت تُبطل زيادة الدم، بل الرماد كلّه كذلك؛ لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذيّ لهذا الحديث: «التداوي بالرماد». وقال المهلَّب: فيه أن قَطْع الدم بالرماد كان معلومًا عندهم، لا سيما إن كان الحصير من دبس السعد، فهي معلومة بالقبض، وطيب الرائحة، فالقبض يَسُدّ أفواه الجرح، وطيب الرائحة يُذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أوّلًا، فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان. غائرًا، فلا يؤمَن معه ضرر الماء إذا صُبّ فيه. وقال الموفق عبد اللطيف: الرماد فيه تجفيفٌ، وقلة لَذْع، والمجفف إذا كان فيه قُوّة لَذْع ربما هيّج الدم، وجلب الْوَرَم ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرحمن الْقَارِيَّ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَمَ وَالله، إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُووِيَ جُرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيز، غَيْرَ أنهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَقَالَ مَكَانَ هُشِمَتْ: كُسِرَتْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٥. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م دت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كسابقيه، وهو (٣١٣) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (أَمَ وَاللهِ) «أَمَ» هي «أما» التي هي أداة استفتاح، وتنبيه، ك«ألا»، حُذفت ألفها؛ تخفيفًا، قال ابن هشام ﵀ في «مغنيه»: «أما» حرف استفتاح، بمنزلة «ألا»، وتكثر قبل القسم؛ كقوله [من الطويل]: أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي … أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ وقد تُبدل همزتها هاء، أو عينًا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف، وحذفها، أو تحذف الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت «أَنْ» بعد أما هذه كُسِرت، كما تكسر بعد «ألا» الاستفتاحية. انتهى . وقوله: (لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسلُ … إلخ) «من» موصولة مفعول «أعرف». وقوله: (وَبِمَاذَا دُووِيَ جُرْحُهُ)؛ أي: وبأيّ شيء عُولج جرح النبيّ - ﷺ -، فـ «ماذا» استفهاميّة، مركبة من «ما»، و«ذا»، ويَحْتَمِل أن تكون «ما» استفهاميّة، و«ذا» موصولةً، كما قال في «الخلاصة». وَمِثْلُ «مَا» «ذَا» بعْدَ «مَا» اسْتِفْهَامِ … أَوْ«مَنْ» إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ وقوله: «دُووِيَ»؛ كقُوتِل، مجهول دَاوَى، مكتوب بواوين، بلا إدغام، ووقع في بعض النسخ: «دُويَ» بواو واحدة، فتكون الأخرى محذوفة تخفيفًا، كما حُذفت من داود في الخطّ . وقوله: (ثُمَّ ذَكرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير يعقوب بن عبد الرحمن. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ) هذا محلّ نظر، فإن هذا مذكور في حديث عبد العزيز الماضي، في قوله: «جُرح وجه رسول الله - ﷺ -»، فكيف يكون زائدًا؟ فليُتأمّل. [تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٣٨٤٧) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد، وهو يُسأل عن جرح رسول الله - ﷺ -، فقال: أما والله إني لأعرف، من كان يَغسل جرح رسول الله - ﷺ -، ومن كان يسكب الماء، وبما دُووي، قال: كانت فاطمة - ﵂ - بنت رسول الله - ﷺ - تغسله، وعليّ بن أبي طالب يسكب الماء بالْمِجَنّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، وألصقتها، فاستمسك الدم، وكُسرت رباعيته يومئذ، وجُرح وجهه، وكُسرت البيضة على رأسه. انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدثنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُطَرِّفٍ - كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيث، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ: أصِيبَ وَجْهُهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُطَرَّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٣٩. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، قيل: إنه اختلط [٦] مات بعد (١٣٠) وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥١) (م ت س) تقدم في «الصيام» ٨/ ٢٥٣٥. ٨ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٨. ٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ) بن داود الليثيّ، أبو غسّان المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [٧] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٢/ ١٥٢٥. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. [تنبيه]: سند المصنّف الأول - أعني: سند ابن عيينة - من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣١٤) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)؛ يعني: أن الأربعة، وهم: ابن أبي شيبة، وزُهير، وإسحاق، وابن أبي عمر رووا هذا الحديث عن سفيان بن عيينة بسنده الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: ابن عيينة، وسعيد بن أبي هلال، ومحمد بن مطرّف رووا هذا الحديث عن أبي حازم بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن أبي حازم لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وأما رواية سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، فقد ساقها الطبرانيّ ﵀ في «المعجم الكبير»، فقال: (٥٩٨٦) - حدّثنا أحمد بن رِشدين، وعبدان بن أحمد، قالا: ثنا عمرو بن سوّاد السرحيّ، ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أُحد، أصيب وجهه، وأصيبت رباعيته، وهُشمت بيضته، فأتاه عليّ - ﵁ - بماء في مِجَنّ، فأتت فاطمة - ﵂ -، فغسلت عنه الدم، وأُحرق قطعة حصير، فجعلته
مصادر المؤلف (٢١)

١. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٣/ ١٩٦.

٢. «الفتح»١١/ ٧٠٦، كتاب«النكاح، رقم (٥٢٤٨).

٣. «الفتح» ١/ ٦٠٤ - ٦٠٥، كتاب «الطهارة» رقم (٢٤٣).

٤. أي: أذلّك، يقال: قَمَأَ، كجَمَعَ، وكَرُم قمأةً، وقَماءةً، وقُمْأةً بالضمّ، والكسر: ذَلَّ، وصَغُرَ، وأقمأه: صَغّره، وأذلّه، قاله في «القاموس» ص ١٠٨٨.

٥. «الفتح» ٩/ ١٥٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٧٥).

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٨.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢١٦.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٨.

٩. راجع:«الفتح»٩/ ١٥١، كتاب«المغازي»(٤٠٧٣).

١٠. قال في«القاموس»:«الْكِمَادُ، ككتاب: خِرْقة، وسِخَةٌ، تُسخّن، وتوضع على الْمَوْجُوع، يَشتفي بها من الريح، ووجعِ البطن؛ كالكمادة، وتكميد العضو: تسخينه بها». انتهى.

١١. «الفتح»٩/ ١٥٢، كتاب«المغازي»رقم (٤٠٧٥).

١٢. «المصباح» ١/ ٢٨١.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٣٨ - ١٣٩.

١٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٦٤.

١٥. راجع: «شرح ابن بطّال على البخاريّ» ٩/ ٤٢٠.

١٦. «الفتح» ١٣/ ١٢١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٢).

١٧. وفي نسخة: «وبماذا دُوي، ثم ذكر».

١٨. «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ١١٧.

١٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٩ - ١٥٠.

٢٠. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٤٩٦.

٢١. بتشديد الواو.