HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى). قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كان رسول الله ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ. وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ: (وَاللَّهِ! لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * إِنَّ الأُلى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا) قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: (إِنَّ الْمَلَا قَدْ أبو علينا * إن أرادوا فتنة أبينا) ويرفع بها صوته.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص187
ج ٣ ص ١٤٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٢١
[٤٣٥] (إِنَّ المَلَا قَد أَبَوا عَلَينَا) ، يريد الملأ فخفف، ورُوي: (إِنَّ الأُلَى قَد أَبَوا عَلَينَا) أي: إن هؤلاء أبوا علينا. وفي رواية خارج الصحيح: (نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ) بالنون . ومن باب غزوة ذي قرد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٤٥٥
فرجع إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله - ﷺ - وقد رَدّ الله عدوّه بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفاه الله قتالهم، فصدق وعدَه، وأعزّ جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة، ووضع السلاح، فجاءه جبريل ﵇، وهو يغتسل في بيت أمّ سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعدُ أسلحتها، انهض إلى غزوة هؤلاء - يعني: بني قريظة - فنادى رسول الله - ﷺ -: «مَن كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة»، فخرج المسلمون سراعًا، وكان من أمْره وأمْر بني قريظة ما قدَّمناه، واستُشهد يوم الخندق، ويوم قريظة، نحو عشرة من المسلمين، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦١] (١٨٠٣) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِه، وَهُوَ يَقُولُ: «وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: إِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا» وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و«أبو إسحاق» هو: عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ الكوفيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان، وأن شيخيه كلاهما من التسعة الذين اتفق أصحاب الكتب الستّة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) - ﵁ - (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الأَحْزَابِ)؛ أي: يوم تجمّع الأحزاب، كما أخبر الله ﷿ به بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠]، قالت عائشة - ﵂ -: كان ذلك يوم الخندق. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس - ﵄ -: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: عيينة بن حِصْن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب. وبَيَّن ابن إسحاق في «المغازي» صفة نزولهم، قال: نزلت قريش بِمُجْتَمَع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة، وتهامة، ونزل عيينة في غَطَفان، ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أُحُد، بباب نعمان، وخرج رسول الله - ﷺ -، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجعل النساء والذراريّ في الآطام، قال: وتوجه حُيَيّ بن أخطب إلى بني قُريظة، فلم يزل بهم، حتى غَدَروا، وبلغ المسلمين غَدْرُهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبيّ - ﷺ - أن يعطي عيينة بن حِصْن، ومن معه ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة، وقالا: كنا نحن وَهُمْ على الشرك لا يطمعون منا في شيء من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله ﷿ بالإسلام؟ وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا؟، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتد بالمسلمين الحصار، حتى تكلم مُعَتِّب بن قُشير، وأوس بن قَيْظِيّ، وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ الآيات [الأحزاب: ١٢]، قال: وكان الذين جاءوهم من فوقهم: بنو قريظة، ومن أسفل منهم: قريش، وغطفان، قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب، إلا مُراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عَبْد وَدّ العامريّ اقتحم هو ونَفَر معه خيولهم، من ناحية ضَيِّقة من الخندق، حتى صاروا بالسَّبَخَة، فبارزه عليّ، فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ، فبارزه الزبير، فقتله، ويقال: قتله عليّ، ورجعت بقية الخيول منهزمةً. ورَوَى البيهقيّ في «الدلائل» من طريق زيد بن أسلم، أن رجلًا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله - ﷺ -، ولم ندركه، فقال: يا ابن أخي، والله لا تدري، لو أدركته، كيف تكون؟ لقد رأيتنا ليلة الخندق، في ليلة باردة مطيرة، فقال رسول الله - ﷺ -: «من يذهبُ، فيَعْلَم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟»، فوالله ما قام أحدٌ، فقال لنا الثانية: «جعله الله رفيقي»، فلم يَقُم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: «اذهب»، فقلت: أخشى أن أُؤسَرَ، قال: «إنك لن تؤسر»، فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، «وبَعَث الله عليهم الريح، فما تَرَكَتْ لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته»، وقد تقدّم حديث حذيفة - ﵁ - هذا عند مسلم قبل سبعة أبواب برقم [٣٤/ ٤٦٣١] (١٧٨٨). ومن طريق عمرو بن سَرِيع بن حذيفة نحوه، وفيه أن علقمة بن عُلاثة صار يقول: يا آل عامر إن الريح قاتلتي، وتحملت قريش، وإن الريح لَتَغْلبهم على بعض أمتعتهم. وروى الحاكم من طريق عبد العزيز بن أخي حذيفة، عن أبي حذيفة، قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، وأبو سفيان، ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشدّ ظلمةً، ولا ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، فمرّ بني النبيّ - ﷺ -، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة، فقال: «اذهب، فأتني بخبر القوم»، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني الْقُرّ، والفزع، فدخلت عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبرًا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ﷿ كفاه القوم . (يَنْقُلُ) - ﷺ - (مَعَنَا التُّرَابَ) وفي رواية البخاريّ: «ينقل من تراب الخندق»، (وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ) وفي بعض النسخ: «وقد وارى التراب»؛ أي: غطّى التراب (بَيَاضَ بَطْنِهِ) وفي رواية البخاريّ: «حتى وارى عني الترابُ جِلْدة بطنه، وكان كثير الشعر»، وفي رواية شعبة، عن أبي إسحاق: «كان النبيّ - ﷺ - ينقُل التراب يوم الخندق، حتى أغمر بطنه، أو اغبرّ بطنُهُ»، قال في «الفتح»: كذا وقع بالشكّ بِالْغَين المعجمة فيهما، فأما التي بالموحّدة، فواضح من الغبار، وأما التي بالميم، فقال الخطابيّ: إن كانت محفوظة، فالمعنى: وارى التراب جلدة بطنه، ومنه غِمَار الناس، وهو جَمْعهم، إذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض، قال: ورُوِيَ: «اعْفَرَّ» بمهملة، وفاء، والْعَفَر بالتحريك: التراب. وقال عياض: وقع للأكثر بمهملة، وفاء، ومعجمة، وموحّدة، فمنهم من ضبطه بنصب «بطنَهُ»، ومنهم من ضبطه برفعها، وعند النسفيّ: «حتى غَبَرَ بطنُهُ، أو اغْبَرَّ» بمعجمة فيهما، وموحّدة، ولأبي ذرّ، وأبي زيد: «حتى أغمر»، قال: ولا وجه لها، إلا أن يكون بمعنى سَتَرَ، كما في الرواية الأخرى: «حتى وارى عني الترابُ بطنَهُ»، قال: وأَوْجَهُ هذه الروايات: «اغْبَرَّ» بمعجمة، وموحّدة، وبرفع «بَطْنُهُ». قال الحافظ: وفي حديث أم سلمة - ﵂ - عند أحمد، بسند صحيح: «كان النبيُّ - ﷺ - يعاطيهم اللَّبِنَ يوم الخندق، وقد اغْبَرَّ شعر صدره». وفي رواية عند البخاري: «حتى وارى عني الغبارُ جِلدة بطنه، وكان كثير الشَّعر»، وظاهر هذا أنه كان كثير شَعْر الصدر، وليس كذلك، فإن في صفته - ﷺ - أنه كان دقيق الْمَسْرُبة؛ أي: الشَّعر الذي في الصدر إلى البطن، فيمكن أن يُجمع بأنه كان مع دِقّته كثيرًا؛ أي: لم يكن منتشرًا، بل كان مستطيلًا، والله أعلم. انتهى . (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محل نصب على الحال، («وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) هذه الأبيات من شِعر عبد الله بن رواحة - ﵁ -، ففي رواية يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه، عند البخاري:»فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة«. [تنبيه]: قال ابن بطال ﵀:«لولا»عند العرب يمتنع بها الشيء لوجود غيره، تقول: لولا زيد ما صِرْتُ إليك؛ أي: كان مصيري إليك من أجل زيد، وكذلك لولا الله ما اهتدينا؛ أي: كانت هدايتنا من قبل الله تعالى . وقال الراغب ﵀: لوقوع غيره، ويلزم خبره الحذف، ويُستغنى بجوابه عن الخبر، قال: وتجيء بمعنى«هَلَّا»، نحو: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، ومثله:«لوما»بالميم بدل اللام. وقال ابن هشام ﵀:«لولا»تجيء على ثلاثة أوجه: [أحدهما]: أن تدخل على جملة؛ لتربط امتناع الثانية بوجود الأولى، نحو: لولا زيدٌ لأكرمتك؛ أي: لولا وجوده، وأما حديث:«لولا أن أشقّ»، فالتقدير: لولا مخافة أن أشقّ لأمرت أمْر إيجاب، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. [والوجه الثاني]: أنها تجيء للحضّ، وهو طلب بحثّ، وإزعاج، وللعرض، وهو طلب بلِين، وأدب، فتختص بالمضارع، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]. [والوجه الثالث]: أنها تجيء للتوبيخ، والتندّم، فتختص بالماضي، نحو: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] أي: هلّا. انتهى. وذكر أبو عبيد الهرويّ ﵀ في «الغريبين» أنها تجيء بمعنى: «لِمَ لا»، وجعل منه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨]، والجمهور أنها من القسم الثالث ، والله تعالى أعلم. (وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) السكينة السكون، والثبات، والطمأنينة. وقوله: (إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا)، وفي رواية عبد الرحمن بن مهديّ التالية: «إن الأُلَى قد بَغَوْا علينا»، وعلى الروايتين، فليس بموزون، والموزون أن يقول: «إن الَّذِين قد أبوا علينا»، أو «بغوا علينا»، و«الألى» بضمّ الهمزة، بمعنى: الذين. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «إن الأولى قد بَغَوا علينا» كذا صحَّت الرواية «الأولى» بالقصر، فيَحْتَمِل أن يريد به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشرّ بغوا علينا. ويَحْتَمِل أن تكون «الألى» هي الموصولة بمعنى: الذين، كما قال أبو ذؤيب [من الطويل]: وَيَأْشِبُنِي فِيهَا الأُلَى لَا يَلُونَهَا … وَلَوْ عَلِمُوا لَمْ يَأْشِبُونِي بِبَاطِلِ وقال ابن دريد: إَنَّ الأُلَى فَارَقْتُ عَنْ غَيْرِ قِلًى … مَا زَاغَ قَلْبِي عَنْهُمُ وَلَا هَفًا ويكون خبر «إن» محذوفًا، تقديره: إن الذين بَغَوا علينا ظالمون، وقيل: إن هذا تصحيف من بعض الرواة، وإن صوابه: «أولاء» ممدود، التي لإشارة الجماعة، وهذا صحيح من جهة المعنى، والوزن، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) الراوي، وَيحْتَمل أن يكون البراء، أو من دونه (وَرُبَّما قَالَ: إِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا) قال النوويّ ﵀: «الملأ»: هم أشراف القوم، وقيل: هم الرجال، ليس فيهم نساء، وهو مهموز، مقصور، كما جاء به القرآن ومعنى: «أبوا علينا»: امتنعوا من إجابتنا إلى الإسلام . (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً؛ ليْنَا، وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ) وفي رواية البخاريّ: «ويرفع بها صوته: أَبَيْنا، أبينا»، وفي هذا الحديث استحباب الرجز، ونحوه من الكلام، في حال البناء، ونحوه، وفيه عمل الفضلاء في بناء المساجد، ونحوها، ومساعدتهم في أعمال البرّ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٤٦٦١ و٤٦٦٢] (١٨٠٣)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٣٦ - ٢٨٣٧ و٣٠٣٤) و«المغازي» (٤١٠٤ و٤١٠٦) و«القدر» (٦٦٢٠) و«التمنّي» (٧٢٣٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٧١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٨٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٢١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٧١٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أصاب النبيّ - ﷺ -، وأصحابه في سبيل الدعوة إلى الله تعالى من الجهد، والتعب، ومكالبة الأعداء. ٢ - (ومنها): بيان ما منّ الله تعالى على المؤمنين في تلك الغزوة، فقد صرف الله تعالى شرّ أعدائهم مع كثرة عددهم، وعُدَدهم، إلا أنهم خُذِلوا بما بعث الله عليهم من جنوده، فانقلبوا خاسرين، وقد نبّه الله تعالى على ذلك في كتابه الكريم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٠]، وقال أيضًا: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧]. ٣ - (ومنها): مشروعيّة التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا ينقص منه، فقد كان النبيّ - ﷺ - على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يَطْرح الأسباب، ولا مقتضى العادات على ما يراه جُهّال المتزهدين أهل الدّعاوى الممخرقين . وقال في «العمدة»: فيه من الفوائد أن للحفر في سبيل الله وتحصين الديار وسدّ الثغور منها أجرًا كأجر القتال، والنفقةُ فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة ضعف، وفيه استعمال الرجز والشعر، إذا كانت فيه إقامة النفوس، وإثارة الأَنَفَة. انتهى . ٤ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر المباح، وجواز الاستماع إليه، قال القرطبيّ ﵀: وقد يَستدل بإنشاد النبيّ - ﷺ - وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهلُ الْمُجُون والْبِدَع من المتصوّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات، فكيف بأهل الديانات؟! كالطارات، والشبابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وهزّ الأقدام، كما يفعله الفسقة الْمُجَّان، ومجموع ذلك يُعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان، وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه: «كشف القناع عن حكم مسائل الوَجْد والسَّماع». انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦٢] (. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. والباقون هم المذكورون في السند الماضي.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٥.

٢. وفي نسخة: «وقد وارى التراب».

٣. راجع: «الفتح» ٩/ ١٩٤ - ١٩٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٠٦).

٤. «الفتح»٩/ ١٩٥ - ١٩٦، كتاب«المغازي»رقم (٤١٠٦).

٥. «شرح البخاريّ» لابن بطال ١٠/ ٢٩١.

٦. «الفتح» ١٧/ ٨٥ - ٨٦، كتاب «التمنّي» رقم (٧٢٣٦).

٧. «يأشْبني» من بابي نصر، وضرب؛ أي: يلومونني، ويعيبونني.

٨. يقال: هفا الفؤاد: إذا ذهب في أثر الشيء، وطَرِب.

٩. «المفهم» ٣/ ٦٤٤ - ٦٤٥.

١٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧١ - ١٧٢.

١١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧١ - ١٧٢.

١٢. «المفهم» ٣/ ٦٤٥.

١٣. «عمدة القاري» ١٤/ ١٣١.

١٤. «المفهم» ٣/ ٦٤٥.