HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٦

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابن إسماعيل) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سلمة ابن الْأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى. وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رسول الله ﷺ. فقلت: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ! قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي قَرَدٍ. وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ. فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي. وَكُنْتُ رَامِيًا. وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَرْتَجِزُ. حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ. وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ. وَهُمْ عِطَاشٌ. فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ (يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ! مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ). قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا. وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دخلنا المدينة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص189
ج ٣ ص ١٤٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٢١
[٤٣٦] حديث سلمة بن الأكوع : (ذُو قَرَدٍ) اسم ماء، و(اللِّقَاحُ): النّوق التي لها لبن و(جَبَا البِئْر) بفتح الجيم مع القصر ما حول فم البئر. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٤٧٠
يَختلف أهل السِّيَر أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وَهَم بعض الرواة، قال: ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن يقال: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - كان أغزى سريّة، فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فَتْحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه؛ يعني: حيث قال: «خرجنا إلى خيبر»، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبيّ - ﷺ - أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى. قال الحافظ: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: «حين خرجنا إلى خيبر، مع رسول الله - ﷺ -»: فجعل عامر يرتجز بالقول، وفيه قول النبيّ - ﷺ -: «مَن السائق؟»، وفيه مبارزة عليّ لمرحب، وقَتْل عامر، وغير ذلك، مما وقع في غزوة خيبر، حين خرج إليها النبيّ - ﷺ -، فعلى هذا ما في «الصحيح» من التاريخ لغزوة ذي قرد أصحّ مما ذكره أهل السِّير. ويَحْتَمِل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين: الأولى: التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية: بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة، كما في سياق سلمة عند مسلم، وبؤيّده أن الحاكم ذكر في «الإكليل» أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأُولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبيّ - ﷺ - في ربيع الآخر، سنة خمس، والثالثة هذه المختلَف فيها. انتهى، فإذا ثبت هذا قَوِي هذا الجمع الذي ذكرته. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦٨] (١٨٠٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِبدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ، قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ، قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَة، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي، حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي قَرَدٍ ، وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاء، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي، وَكُنْتُ رَامِيًا، وَأقولُ: أنَا ابْنُ الأَكْوَع، وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَأَرْتَجِزُ، حَتَّى استَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ -؛ وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: (يَا ابْنَ الأكْوَع مَلَكْتَ، فَأَسْجِحْ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا، وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِه، حَتى دَخَلنَا الْمَدِينَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي، ومن لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٢٣) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بن الأكوع، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ) تقدّم أنه سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه، (يَقُولُ: خَرَجْتُ)، وفي رواية للبخاريّ: «خرجت من المدينة ذاهبًا نحو الغابة»، (قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى)؛ يعني: صلاة الصبح، (وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) «اللقاح» - بكسر اللام، وتخفيف القاف، ثم جاء مهملة -: ذوات الدَّرّ من الإبل، واحدها لِقْحَةٌ، بالكسر، وبالفتح أيضًا، واللَّقُوح الْحَلُوب . وقال الفيّوميّ ﵀: «اللقاح» بالكسر، والفتح: اسمٌ، واللِّقْحة بالكسر: الناقة ذات لبن، والفتح لغة، والجمع: لِقَحٌ، مثلُ سِدْرَة وسِدَرٍ، أو مثلُ قَصْعَةٍ وقِصَع، واللُّقُوح بفتح اللام، مثلُ اللِّقْحَة، والجمع لِقَاحٌ، مثلُ قَلُوصٍ وقِلَاصٍ، وقال ثعلبٌ: اللِّقَاح: جمع لِقْحة، وإن شئتَ لَقُوحٌ، وهي التي نُتِجَت، فهي لَقُوحٌ شَهْرين، أو ثلاثة، ثم هي لَبُون بعد ذلك. انتهى . وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لِقحة، قال: وكان فيهم ابن أبي ذَرّ، وامرأته، فأغار المشركون عليهم، فقتلوا الرجل، وأسروا المرأة . (تَرْعَى) بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل؛ مضارع رَعَت الماشيةُ رَعْيًا، فهي راعيةٌ: إذا سَرَحَتْ بنفسها، ورعيتُها أرعاها، يُستَعْمَل لازمًا ومتعدّيًا، والفاعل راعٍ، والجمع رُعاةٌ بالضمّ، مثلُ قاضٍ وقُضاةٍ، وقيل أيضًا: رِعَاءٌ بالكسر والمدّ، ورُعْيانٌ، مثلُ رُغْفانٍ، وقيل للحاكم، والأمير: راعٍ؛ لقيامه بتدبير الناس، وسياستهم، والناس رعيّةٌ، والرِّعْيُ وزانُ حِمْلٍ، والْمَرْعَى معنًى، وهو ما ترعاه الدوابّ، والجمع: المراعي . (بذِي قَرَدٍ) تقدّم أن الصواب في ضبطه فتح القاف والراء. (قَالَ) سلمة - ﵁ - (فَلَقِيَني غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) - ﵁ -، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون هو رَبَاحًا غلام رسول الله - ﷺ -، كما في رواية مسلم، وكأنه كان مُلك أحدهما، وكان يَخْدُم الآخر، فنُسِب تارة إلى هذا، وتارة إلى هذا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وَيحْتَمل أن يكون رباحًا. . . إلخ» فيه نظر؛ لأنه سيأتي أن عبد الرحمن بن عُيينة أغار على ظهر رسول الله - ﷺ -؛ فاستاقه، وقتل راعيه، فقال سلمة: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس، وأبلغه طلحة. . . إلخ، فهذا نصّ بأن ذلك الغلام غير رباح، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (فَقَالَ: أُخِذَتْ) بالبناء للمفعول، (لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ) - بفتح الغين المعجمة، والطاء المشالة المهملة، والفاء - وسيأتي بيان نَسَبهم في «غزوة ذات الرقاع» بعد أربعة أبواب - إن شاء الله تعالى - وفي رواية للبخاريّ: «غَطَفَانُ، وفَزَارة»، وهو من الخاصّ بعد العامّ؛ لأن فزارة من غطفان. ويأتي للمصنّف في الحديث التالي، من رواية إياس بن سلمة، عن أبيه: «قَدِمنا الحديبية، ثم قَدِمنا المدينة، فبعث رسول الله - ﷺ - وبظهره، مع رَبَاح غلامه، وأنا معه، وخرجت بفرس لطلحة أُنَدِّيه، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الْفَزَاريّ». ولأحمد، وابن سعد من هذا الوجه: «عبد الرحمن بن عُيينة بن حِصْن الفزاريّ، وقد أغار على ظهر رسول الله - ﷺ -، فاستاقه أجمع، وقَتَل راعيه، قال: فقلت: يا رَبَاح خذ هذا الفرس، وأبلغه طلحة، وأبلِغْ رسول الله - ﷺ - الخبر». وللطبرانيّ من وجه آخر، عن سلمة: «خرجت بقوسي، ونَبْلي، وكنت أرمي الصيد، فإذا عُيينة بن حِصن قد أغار على لقاح رسول الله - ﷺ -، فاستاقها». ولا منافاة، فإن كُلًّا من عيينة، وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم. وذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق أن مَسعدة الفزاريّ كان أيضًا رئيسًا في فزارة في هذه الغزاة. انتهى . (قَالَ) سلمة - ﵁ -: (فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ) وفي رواية المستملي: «بثلاث صرخات» بزيادة الموحّدة، وهي للاستغاثة. (يَا صَبَاحَاهْ) هي كلمة تقال عند استنفار من كان غافلًا عن عدوّه. وقال في «الفتح»: قوله: «يا صباحاه»: هو منادى مستغاثٌ، والألف للاستغاثة، والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثةً بهم في وقت الصباح، وقال ابن الْمُنَيِّر: الهاء للندبة، وربما سقطت في الوصل، وقد ثبتت في الرواية، فيوقف عليها بالسكون، وكانت عادتهم يُغيرون في وقت الصباح، فكأنه قال: تأهبوا لِمَا دَهَمَكُم صباحًا. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «يا صباحاه»؛ يعني: أُغير عليكم في الصباح، أو: قد أصبحتم، فخذوا حِذْرَكم. وقال القرطبيّ: معناه: الإعلام بهذا الأمر المهمّ الذي دَهَمَهم في الصباح، قيل: لأنهم كانوا يُغيرون وقت الصباح، وكأنه قيل: جاء وقت الصباح، فتأهبوا للقاء، فإن الأعداء يتراجعون عن القتال في الليل، فإذا جاء النهار عاودوه، والهاء فيه للندبة، تَسقُط في الوصل، والرواية إثباتها، فتقف على الهاء، وهو مُنَادًى مستغاثٌ، والألف فيه للاستغاثة، وقيل: الهاء فيه للسكت؛ كأنه نادى الناس استغاثةً بهم في وقت الصباح؛ أي: وقت الغارة، والحاصل أنها كلمة يقولها المستغيث. انتهى . (قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ) تثنية لابة، وهي الْحَرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السُّود، والمدينة واقعة بين حرّتين عظيمتين، وأراد بذلك أنه أسمع بصرخاته جميع أهل المدينة، كما يريد جميعَ القرآن من يقول: حفظت ما بين دَفّتي المصحف. وفيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدًّا، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من خوارق العادات، وسيأتي في رواية إياس بن سلمة التالية: «ثم قُمت على أَكَمَةً، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه»، وللطبرانيّ: «فصَعِدت في سَلْع، ثم صحْتُ: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبيّ - ﷺ -، فنُودي في الناس: الفزعَ الفزعَ»، وهو عند ابن إسحاق بمعناه. (ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي)؛ أي: لم ألتفت يمينًا ولا شمالًا، بل أسرعت الجري، وكان شديد العَدْو كما سيأتي بيانه في الحديث التالي. (حَتِّي أَدْرَكْتُهُمْ) وفي رواية للبخاريّ: «حتى ألقاهم، وقد أخذوها»؛ يعني: اللقاح، وذَكَره بهذه الصيغة مبالغةً في استحضار الحال. (بِذِي قَرَدٍ) تقدّم أنه اسم موضع قرب المدينة (وَقَدْ أَخَذُوا)، وفي بعض النسخ: «حتى أدركتهم، وقد أخذوا بذي قَرَد»، (يَسْقُونَ) بفتح أوله، وضمّه، يقال: سقاه، وأسقاه، ثلاثيًّا، ورُباعيًّا؛ أي: يسقون أنفسهم، ودوابّهم (مِنَ الْمَاء، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ)، وللبخاريّ: «فأقبلت أرميهم»؛ أي: أقبلت عليهم، أرميهم، (بِنَبْلِي) بفتح، فسكون: هي السهام العربيّة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى . (وَكُنْتُ رَامِيًا)؛ أي: مُجيدًا للرمي، وحاذقًا فيه، (وَأقُولُ) جملة حاليّة من «أرميهم»، (أَنَا ابْنُ الأَكْوَع، وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ) - بضم الراء، وتشديد الضاد المعجمة -: جمع راضع، وهو اللئيم، فمعناه: اليومُ يوم اللئام؛ أي: اليوم يوم هلاك اللئام، والأصل فيه أن شخصًا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته، ارتضع من ثديها؛ لئلا يَحْلُبها، فيسمعَ جيرانه، أو مَن يَمُرّ به صوتَ الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل: بل صنع ذلك؛ لئلا يتبدد من اللبن شيء، إذا حلب في الإناء، أو يبقى في الإناء شيء، إذا شربه منه، فقالوا في المثل: «ألأم من راضع»، وقيل: بل معنى المَثَل: ارتضع اللؤمَ من بطن أمه، وقيل: كلُّ من كان يوسف باللؤم يوسف بالمصّ، والرَّضاع، وقيل: المراد من يَمُصّ طرف الخلال، إذا خَلَّلَ أسنانه، وهو دال على شدّة الحرص، وقيل: هو الراعي الذي لا يَستصحب مِحْلَبًا، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا مِحْلَب معه، وإذا أراد أن يشرب ارتضع ثديها. وقال أبو عمرو الشيبانيّ: هو الذي يرتضع الشاة، أو الناقة عند إرادة الحلب، من شدة الشرَه، وقيل: أصله الشاة تَرضع لبن شاتين من شدّة الجوع، وقيل: معناه: اليومُ يُعرَف من ارتضع كريمةً، فانجبته، ولئيمةً فَهَجَّنته، وقيل: معناه: اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتَدَرّب بها من غيره. وقال الداوديّ: معناه: هذا يومٌ شديدٌ عليكم، تفارِق فيه المرضعة من أرضعته، فلا تجد من ترضعه. وقال السهيليّ: قوله: «اليومُ يومُ الرُّضَّع» يجوز الرفع فيهما، ونَصْب الأول، ورَفْع الثاني على جعل الأول ظرفًا، قال: وهو جائز إذا كان الظرف واسعًا، ولا يضيق على الثاني، قال: وقال أهل اللغة: يقال في اللؤم: رَضَع - بالفتح - يرضُع - بالضم - رضاعةً، لا غير، ورَضِعَ الصبيّ - بالكسر - ثدي أمه، يَرْضَع - بالفتح - رَضَاعًا، مثلُ سَمِع يَسْمَع سماعًا. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: رَضِعَ الصبيُّ رَضَعًا، من باب تَعِبَ في لغة نجد، ورَضَعَ رَضْعًا، من باب ضَرَبَ لغة لأهل تهامة، وأهلُ مكة يتكلّمون بها، وبعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة كسر الضاد، وإنما السكون تخفيفٌ، مثلُ الْحَلِف، والْحَلْف، ورَضَعَ يَرْضَعُ - بفتحتين - لغة ثالثةٌ. انتهى . وفي رواية إياس الآتية: «فأقبلت أرميهم بالنبل، وأرتجز»، وفيه: «فألحق رجلًا منهم، فأَصُكّه بسهم في رجله، فخَلَص السهم إلى كعبه، فما زلت أرميهم، وأعقرهم، فإذا رجع إليّ فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت به، فإذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، عَلَوت الجبل، فرميتهم بالحجارة». وعند ابن إسحاق: «وكان سلمة مثل الأسد، فإذا حَمَلت عليه الخيل فَرَّ، ثم عارَضَهم، فنضحها عنه بالنَّبْل». (فَأَرْتَجِزُ)؛ أي: أقول شعرًا من بحر الرجز، وتقدّم أنه مستفعلن ستّ مرّات. (حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ)؛ أي: خَلَّصتُ، قال المجد ﵀: النَّقْذُ: التخليصُ، والتنحيةُ؛ كالإنقاذ، والتنقيذ، والاستنقاذ، والتنقّذ. انتهى . وقال الفيّوميّ: أنقذته من الشرّ: إذا خلّصته منه، فَنَقِذَ نَقَذًا، من باب تَعِبَ: تخلّص منه، والنَّقَذُ بفتحتين: ما أنقذته. انتهى . وكتب الطرابلسيّ في هامش النسخة التركيّة: أن استنقذ استفعل بمعنى المجرّد؛ أي: أنقذت، وكذا قوله: «استلبتُ». انتهى. (اللِّقَاحَ) بالنصب على المفعوليّة، (مِنْهُمْ)؛ أي: من المشركين الذين استلبوها، (وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ)؛ أي: أَخَذَ من هؤلاء المشركين، يقال: سلبته، واستلبته: إذا أخذته. (ثَلاثِينَ بُرْدَةً) منصوب على التمييز، قال المجد ﵀: الْبُرْدُ بالضمّ: ثوبٌ مخطّطٌ، جمعه أبرادٌ، وأبرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسيةٌ يُلْتَحَفُ بها، الواحدة بِهاء. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الْبُرْدُ: معروفٌ، وجمعه أبراد، وبُرُودٌ، ويضاف للتخصيص، فيقال: بُرْدُ عَصَبٍ، وبُرْدُ وَشْيٍ، والْبُرْدة: كساء صغيرٌ، مربّعٌ، ويقال: كساءٌ أسود صغير. انتهى . وفي رواية إياس الآتية: «فما زلت كذلك أتبعهم، حتى ما خلق الله من بعير، من ظهر رسول الله - ﷺ - إلا خلّفته وراء ظهري، وخلّوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يستخفّون». (قَالَ) سلمة - ﵁ -: (وَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَالنَّاسُ)؛ أي: الصحابة - ﵃ -، وفي رواية إياس التالية: «وأتاني عمّي عامر بن الأكوع بسطيحة، فيها ماء، وسطيحة فيها لبن، فتوضأت، وشربت، ثم أتيت النبيّ - ﷺ -، وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء استنقذته منهم، ونَحَر له بلال ناقته». (فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ)؛ أي: منعتهم من الشرب منه، يقال: حَمَيتُ المكانَ من الناس حَمْيًا، من باب رَمَى، وحِمْيَةً بالكسر: إذا منعته منهم، والْحِمَايَةُ اسم منه . (وَهُمْ عِطَاشٌ) بالكسر: جمع عَطْشَانَ، يقال: عَطِشَ عَطَشًا، من باب فَرِحَ، فهو عَطِشٌ، وعَطْشَانُ، وامرأةٌ عَطِشَةٌ، وعَطْشَى، ويُجمعان على عِطَاشٍ بالكسر، ومكانٌ عَطِشٌ ليس به ماء، وقيل: قليل الماء، قاله الفيّوميّ . (فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ)؛ أي: لاستئصالهم جميعًا، وفي رواية إياس: «فقلت: يا رسول الله، خَلِّني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتّبِعْهم، فلا يبقى منهم مُخْبِرٌ إلا قتلته، قال: فضَحِك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه في ضوء النار»، وعند ابن إسحاق: «فقلت: يا رسول الله لو سَرَّحتني في مائة رجل، لأخذت بأعناق القوم». (فَقَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ، فَأَسْجِحْ») - بهمزة قطع، وسين مهملة ساكنة، وجيم مكسورة، بعدها مهملة -؛ أي: سَهِّل، والمعنى: قَدَرت فاعفُ، والسَّجَاحة: السهولة، والمعنى: قَدَرت على أعدائك، فاعف عنهم، وارفق بهم. وهذه الكلمة صارت مثلًا للتحريض على العفو عند المقدرة، تمثّلت بها عائشة - ﵂ - لعليّ بن أبي طالب - ﵁ - يوم الجمل، حين ظهر على الناس، فدنا من هودجها، ثم كلّمها بكلامٍ فأجابته: «ملكتَ، فأسجِحْ»؛ أي: ظَفِرت، فأحسِنْ، فجهّزها عند ذلك بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأةً وقيل: سبعين، حتى قَدِمت المدينة . زاد في رواية للبخاريّ: «إنَّ القوم لَيُقْرَوْنَ في قومهم»، وفي رواية: «من قومهم». وفي رواية إياس التالية: «إنهم الآن لَيُقْرَون في أرض غَطَفان»، و«يُقْرَون» - بضم أوله، وسكون القاف، وفتح الراء، وسكون الواو - من الْقِرَى، وهي الضيافة. ولابن إسحاق: فقال: «إنهم الآن لَيُغْبَقُون في غطفان»، وهو بِالغين المعجمة الساكنة، والموحدة المفتوحة، والقاف، من الْغَبُوق: وهو شُرْب أول الليل، والمراد: أنهم فأتوا، وأنهم وصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يَذبحون لهم، ويُطعمونهم. وفي رواية إياس: «قال: فجاء رجل من غطفان، فقال: نَحَر لهم فلان جَزورًا، فلمّا كَشفوا جِلْدها، رأوا غبارًا، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين». (قَالَ) سلمة - ﵁ -: (ثُمَّ رَجَعْنَا)؛ أي: إلى المدينة، (ويُرْدِفُني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِهِ)، وفي رواية إياس: «ثم أردفني رسول الله - ﷺ - وراءه على العضباء»، وفيه تشجيع لسلمة - ﵁ -، ومكافأة لِمَا فعل في الأعداء - ﵁ -. (حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ)، وفي رواية إياس: «فقال رسول الله - ﷺ -: خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رَجّالتنا اليوم سلمة، قال سلمة: ثم أعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا»، ورَوَى الحاكم في «الإكليل»، والبيهقيّ من طريق عكرمة بن قتادة بن عبد الله بن عكرمة بن عبد الله بن أبي قتادة، حدّثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة اشترى فرسه، فلقيه مَسعدة الفزاريّ، فتقاولا، فقال أبو قتادة: أسأل الله أن يُلْقِنيك وأنا عليها، قال: آمين، قال: فبينما هو يَعْلِفها؛ إذ قيل: أُخذت اللقاح، فركبها حتى هَجَم على العسكر، قال: فطلع على فارس، فقال: لقد ألقانيك الله يا أبا قتادة، فَذكر مصارعته له، وظَفَرَه به، وقَتْله، وهَزْمَ المشركين، ثم لم يَنْشَب المسلمون، أن طلع عليهم أبو قتادة يَحُوش اللقاح، فقال النبيّ - ﷺ -: «أبو قتادة سيد الفرسان»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٤٦٦٨] (١٨٠٦)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٣٠٤١) و«المغازي» (٤١٩٤)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٣/ ٨١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٤٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٨)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٩٧٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦٢٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٢٩ و٧١٢٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٣٦) و«دلائل النبوّة» (٤/ ١٨٠ - ١٨٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز الصُّرَاخ بـ «يا صباحاه»؛ للإنذار بالعدوّ، ونحوه. ٢ - (ومنها): جواز الْعَدْو الشديد في الغزو، والإنذار بالصياح العالي. ٣ - (ومنها): جواز تعريف الإنسان نفسه، إذا كان شُجاعًا؛ لِيُرعِب خصمه. ٤ - (ومنها): جواز إنشاد الرجز، والْحُداء؛ للتنشيط، وإفزاع الأعداء، وإدخال الرعب في قلوبهم.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «الفتح» ٩/ ٢٨٩، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

٢. وفي بعض النسخ: «أدركتهم، وقد أخذوا».

٣. «الفتح» ٩/ ٢٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٦.

٥. «الفتح» ٩/ ٢٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٣١.

٧. «الفتح» ٩/ ٢٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

٨. «الفتح» ٩/ ٢٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

٩. «الفتح» ٦/ ١٦٤.

١٠. «عمدة القاري» ١٤/ ٢٨٥.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩١.

١٢. «الفتح» ٩/ ٢٩١ - ٢٩٢، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٩.

١٤. «القاموس المحيط» ص ١٣٠٨.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٠.

١٦. «القاموس المحيط» ص ٩٢.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٤٣.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ١٥٣.

١٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤١٦.

٢٠. راجع: كتاب«الأمثال»لأبي عُبيدة ص ١٥٤ رقم (٤٣٩)، و«المستقصى»للزمخشريّ ٢/ ٣٤٨، و«مجمع الأمثال»للميدانيّ ٢/ ٢٨٣.