HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ عكرمة ابن عَمَّارٍ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. وَهَذَا حَدِيثُهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ). حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ونحن أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ. فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَتْ. فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ. ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ (بَايِعْ. يَا سَلَمَةُ!) قَالَ قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ (وَأَيْضًا) قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزِلًا (يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ). قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً. ثُمَّ بَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ (أَلَا تُبَايِعُنِي؟ يَا سَلَمَةُ!) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ (وَأَيْضًا) قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِي (يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟) قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا. فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ (إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي). ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ. حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ. وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدِمُهُ. وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ. وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ. قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فكسحت شوكها. فاضجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعو مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَبْغَضْتُهُمْ. فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى. وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى منادي مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي. ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ. فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ. فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ! لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَلَاتِ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ. يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ. فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال (دعوهم. كن لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ) فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [٤٨ /الفتح] الْآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا. بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ. وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ. كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَنَا مَعَهُ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ. أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ. وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ. فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ. وَأَرْتَجِزُ. أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ. حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ. فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا. ثُمَّ رَمَيْتُهُ. فَعَقَرْتُ بِهِ. حَتَّى إِذَا تضايق الجبل دخلوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ. فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم لتبعتهم أَرْمِيهِمْ. حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا. يَسْتَخِفُّونَ. وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ. يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى إذا أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ. فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ (يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ). وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ. قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا، مِنْ هَذَا الْبَرْحَ. وَاللَّهِ! مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ. يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ قَالَ قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ قلت: أنا سلمة ابن الْأَكْوَعِ. وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ! لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ. وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا. فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ. عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرْهُمْ. لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: يَا سَلَمَةُ! إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ. وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ، فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ محمد ﷺ! اتبعتهم أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ. حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا غُبَارِهِمْ، شَيْئًا. حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ. يُقَالُ لَهُ ذا قَرَدٍ. لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ. قَالَ: فَنَظَرُوا إلي أعدو ورائهم. فحليتهم عَنْهُ (يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً. قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فأعدوا فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ. وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ! أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ! أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ. وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ. فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الماء الذي حلأتهم منه. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ. وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ. وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ. وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ. فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نواجذه في ضوء النهار. فَقَالَ (يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟) قُلْتُ: نَعَمْ. وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! فَقَالَ (إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غطفان. فقال: نحر لهم جَزُورًا. فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا. فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ. فَخَرَجُوا هَارِبِينَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رسول الله ﷺ (كان خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ. وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ) قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ. فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا. ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ. رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا. إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ (إِنْ شِئْتَ) قَالَ قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ. وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي. ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ. فَرَبَطْتُ عليه شرفا أو شرفي. ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ. قَالَ فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ. وَاللَّهِ! قَالَ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللَّهِ! لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا * فَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ هَذَا؟) قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ (غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ) قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ. فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ. وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ. فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ. فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فإذا أنا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ. قَتَلَ نَفْسَهُ. قال: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟) قَالَ قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ (كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ). ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَرْمَدُ. فَقَالَ (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ. حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ. وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ: أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث الغابات كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ على يديه. قال إبراهيم: حدنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا الحديث بطوله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص189
ج ٣ ص ١٤٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٢١
[٤٣٧] وقوله: (لَقِيَنِي عَامِرٌ عَزِلًا) كذا في الكتاب، والمشهور: أعزل، وهو الذي لا سلاح معه، و(الحَجَفَة): الدَّرَقة، وقوله: (أَبْغِنِي) أي: ابغ لي، يقال: بغيتُه الشيء؛ بمعنى: بغيت له، وقوله: (تَبِيعًا) أي: تابعا وأجيرا، وقوله: (أَحُسُّهُ)؛ الحَسّ: حَسُّ الغبار عن الدابة، وهو نفضه وإزالته، ويقال لتلك الحديدة: مِحَسَّة، قال: (أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ). و(بَدْءُ الْفُجُورِ): أولُّه، و(ثِنَاهُ): ثانيه، و(المُجَفَّفُ): من قولك جفَّفتُ الخيل، أي: ألبسته التَّجْفَاف، و(الضِّغْثُ): الحزمة من الحشيش، و(شَدَدتُ) أي: حملت، (ويَالَ المُهَاجِرينَ): استغاثة، و(الْعَبَلَاتِ): قبيلة، وقوله: (أُبَدِّيهِ) : من بَدَّيتُه؛ أي: حملته إلى البادية وسقته إليه. و(اليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ) أي: يوم هلاك الرُّضَّع، والرُّضَّع: جمع راضع؛ وهو اللئيم، وقوله: (فَأَصُكُّ سَهْمًا)، الصَّكُّ: الضرب، وقوله: (فأَعْقِرُ بِهِمْ) يعني: أفراسَهم، وقوله: (يَسْتَخِفُّونَ)؛ أي: يطلبون الخِفّة؛ فيطرحون ما معهم لئلا يتخلفوا، و(يَتَضَحَّونَ): من الضَّحَاء وهو الغداء، و(القَرنُ): الجبل المنفرد، و(البَرحُ): الشِّدّة. وقوله: (مُنذُ غَبَش) كذا في الكتاب بضم الشين وكأنه مبني، والغَبَشُ: الظلام، وقوله: (أَنَا أَظُنّ) أي: أتيقّن، (وَأَردَوا فَرَسَينِ) يقال: رَدِيَ إذا هلك؛ وأرديته أنا، وقوله: (يَا ثَكِلَتْهُ) أي: يا قوم؛ ثَكِلَتْهُ أمّه، (أَكوَعُهُ بُكْرَةَ؟) يريد سلمةَ بنَ الأكوع؛ أضافه إلى نفسه لأنه كان يتبعه ويُلازمه، (بُكرَةَ): مبني على الفتح، أي: بكرةَ يومي، قال: (أَكْوَعُك بُكرَةَ) أي: أنا الذي خلفك من بكرة اليوم، و(السَّطِيحَةُ): القِرْبَة، و(حَلَّيتُهُم) : كذا في الكتاب بغير همزٍ، والمحفوظ: (حَلَّأتُهُم) بالهمز ; أي: طردتهم وأخّرتهم، وقوله: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقرَونَ) أي: يُضَافون؛ من القِرَى وهو الضيافة، يقال: قَرَيتُه أَقْرِيه قِرىً، و(الرَّجَّالَة): جمع راجل، و(العَضبَاء): اسم ناقة رسول الله ﷺ، وقوله: (شَدَّا) أي: عَدَوَا، (فَطَفَرتُ) أي: وثبتُ. وقوله: (فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ) أي: كففت نفسي عنه حتى عدا عَدوة أو عَدوتين، يعني: عدوتُ على سكونٍ، (أَسْتَبقِي نَفَسِي)؛ لئلَّا يغلبَني نفسي؛ فيقع عليَّ البُهْرُ فأضعُف عن العَدْوِ، وقوله: (يَخطِرُ بِسَيفِهِ) أي: يتبختر بسيفه، وقوله: (شَاكِي السِّلَاحِ) أي: تامّ السلاح، و(المُغَامِرُ): الذي يلقي نفْسه في المهالك، وقوله: (يَسْفُلُ لَهُ) أي: يقصِده من أسفله، و(الحَيدَرَةُ): الأسد، و(السَّندَرَةُ): مكيالٌ أو كيَّالٌ. وفي الحديث من الفقه: أن للغازي أن يواقع الكفار بغير إذن الإمام، وفيه: أن للمسلم أن يُنكئ في العدو بأبلغ ما يقدر عليه؛ من المخاتلة ؛ والمبالغة في الشجاعة؛ وتقريع العدو، والانتماء إلى النسب الشريف، وإظهار عيوب العدو، وفيه فضل الشهداء، وفيه: أن للإمام أن يستبيح الطعام قبل القسمة. وفي رواية: (مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ)؛ والغَلَس: بقية الظلام، وفيه سنة المسابقة، وقوله: (فَرَدَّيْتُهُم بِالحَجَر) أي: رميتهم، وقوله: (يَكْشِطُونَ جَلْدَهَا) أي: يَسلُخونها، وقوله: (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) أي: حبست نفْسي مقدار طلَقٍ أو طَلَقَين مُسْتَروحًا، وفي نسخة: (فَجَلَّيْتُهُم عَنْه) ، وقال يعني: أجليتهم، و(الآرَامُ): العلامات، وقوله: (فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا) أي: انقيادًا منهم من غير قتال، (فَاسْتَحْيَاهُم) أي: استبقاهم. ومن باب الغزو بالنساء
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٤٨٠
٥ - (ومنها): استحباب العفو عند المقدرة، فقد قال - ﷺ - لمسلمة - ﵁ -: «ملكت، فأسجح». ٦ - (ومنها): جواز الإرداف خلفه على الدابّة، إذا كانت تُطيق ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦٩] (١٨٠٧) - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أبو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ - أَخْبَرَنَا أبو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً، لَا تُرْوِيهَا، قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَبَا الرَّكِيَّة، فَإمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاشَتْ، فَسَقَيْنَا، وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثُمَّ إِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَعَانَا لِلْبَيْعَة، فِي أَصْلِ الشَّجَرَة، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاس، ثُمَّ بَايَعَ، وَبَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاس، قَالَ: «بَايعْ يَا سَلَمَةُ»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاس، قَالَ: «وَأَيْضًا»، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَزِلًا - يَعْنِي: لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَجَفَةً - أَوْ دَرَقَةً - ثُمَّ بَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: «ألَا تُبَايِعُني يَا سَلَمَةُ»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاس، وَفِي أَوْسَطِ النَّاس، قَالَ: «وَأَيْضًا»، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ - أَوْ دَرَقَتُكَ - الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِز عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: «إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِني حَبِيبًا، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي». ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ، وَاصْطَلَحْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدُمُهُ، وَآكُلُ مِنْ طَعَامِه، وَتَرَكْتُ أَهْلِي، وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ - ﷺ -، قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أتيْتُ شَجَرَةً، فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا، قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَة مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ، وَاضْطَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ، قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ، وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ، فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا في يَدِي، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ، لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ، إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلَات، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى فَرَسٍ، مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «دَعُوهُمْ، يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُور، وَثنَاهُ»، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية كُلَّهَا [الفتح: ٢٤]. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَة، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ؛ كَأنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِه، قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحِ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأنَا مَعَهُ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْر، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِه، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْل، وَأَرْتَجِزُ، أَقُولُ: أنا ابْنُ الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَصُكُّ سَهْمًا في رَحْلِه، حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِه، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا: وَأنا ابْنُ الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّع قَالَ: فَوَاللهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ ، أتَيْتُ شَجَرَةً، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ، فَعَقَرْتُ بِه، حَتى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِه، عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَة، قَالَ: فَمَا زِلْتُ كلذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَعِيرٍ، مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثينَ بُرْدَةً، وَثَلاثينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا، إِلا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَة، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى أتوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أتاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ - يَعْنى: يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ، وَاللهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا، حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ، قَالَ فَصَعِدَ إلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَل، قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَام، قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أنا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَع، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَيُدْرِكَنِي، قَالَ أَحَدُهُمْ: أنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَرَجَعُوا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ، عَلَى إِثْرِهِ أبو قَتَادَةَ الأنْصَارِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَم، قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ، لَا يَقْتَطِعُوكَ، حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِن بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَة، قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَن، قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن، فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِه، وَلَحِقَ أبو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِعَبْدِ الرَّحْمَن، فَطَعَنَهُ، فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ، فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ، وَهُمْ عِطَاشٌ، قَالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنى: أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ: وَيَخْرُجُونَ، فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَأَعْدُو، فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَصُكُّهُ بسَهْمٍ في نُغْضِ كَتِفِه، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا : وَأنَا ابْنُ الأَكْوَع … وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أمُّهُ أَكوَعُهُ بُكْرَةً؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِه، أَكْوَعكَ بُكْرَةَ، قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ؛ فَتَوَضَّأتُ، وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أتيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإبِلَ، وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الابِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْم، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ كَبدِهَا، وَسَنَامِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّنِي، فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَّبعُ الْقَوْمَ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، إِلَّا قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّار، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ، أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أتاكُمُ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أبو قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ»، قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْفَارِس، وَسَهْمُ الرَّاجِل، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاء، رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: ألَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟، هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا؟، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي، فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ ، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، وَثَنَيْتُ رِجْلَي، فَطَفَرْتُ، فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِه، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ، حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْه، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَالله، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَة، قَالَ: فَوَاللهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ ، حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا … فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأنزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا؟»، قَالَ: أنَا عَامِرٌ، قَالَ: «غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ»، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لإِنسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ الله، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ؟، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكهُمْ مَرْحَبٌ، يَخْطِرُ بِسَيْفِه، وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أقبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي عَامِرٌ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْن، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِه، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَأنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَرْمَدُ، فَقَالَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ »، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَجِئْتُ بِهِ أقودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْه، فَبَرَأَ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أقبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ … كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاع كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ، فَقَتَلَهُ، ثمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْه. قَالَ إبراهيمُ: حدَّثَنا مُحمَدُ بن يحيى، حَدَّثَنا عبدُ الصَّمَدِ بن عَبْدِ الوارِثِ عنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ، بهذا الحديثِ بطولهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السّمّرْقنديّ الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ فاضلٌ، متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٦ - (أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٠/ ١٤٥١. ٧ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ إلا في يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٨ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الأكوع، الأسلميّ، أبو سلمة، أو أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١١٩) وله (٧٧) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. ٩ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع - ﵁ -، ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ) اليماميّ أنه قال: (حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) قال: (حَدَّثَني أَبِي) سلمة بن عمرو بن الأكوع - ﵁ -، (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة، (الْحُدَيْبِيَةَ) تقدّم أنها بتخفيف الياء، وتشديدها، لغتان، والتخفيف أشهر، وهو موضع فيه ماء على قرب من مكة. (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً) جملة في محلّ نصب على الحال، قال النوويّ ﵀: هذا هو الأشهر، وفي رواية: «ثلاث عشرة مائة»، وفي رواية: «خمس عشرة مائة». انتهى . وقال ابن القيّم ﵀ في «الهدي»: وكان معه - ﷺ - ألف وخمسمائة، هكذا في «الصحيحين» عن جابر، وعنه فيهما: «كانوا ألفًا وأربعمائة»، وفيهما عن عبد الله بن أبي أوفى: «كنا ألفًا وثلاثمائة»، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شَهِدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله أَوْهَم، هو حدّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قال ابن القيّم: وقد صحّ عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نَحَروا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة، بِخَيْلنا، ورَجِلنا؛ يعني: فارسهم، وراجلهم، والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين، وقول المسيِّب بن حَزْن، قال شعبة عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه: كنا مع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأصحّ أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، كما هو رواية مسلم هنا، ورجّحه النوويّ، وابن القيّم - رحمهما الله تعالى - والله تعالى أعلم. (وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً، لَا تُرْوِيهَا)؛ يعني: أن ماء الحديبية كان قليلًا، لا يكفي خمسين شاةً، (قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ) قال النوويّ ﵀: «الْجَبَا» - بفتح الجيم، وتخفيف الباء الموحّدة، مقصورًا - هي ما حول البئر، وأما «الرَّكِيّ» فهو البئر، والمشهور في اللغة: رَكِيّ بغير هاء، ووقع هنا: «الركيّة» بالهاء، وهي لغة حكاها الأصمعيّ، وغيره . وقال القرطبيّ ﵀: «جَبَا الرَّكيّة» - بالفتح في الجيم، والباء الموحّدة، مقصورًا -: هو جانب البئر، و«الركيَّة»: البئر غير المطوية، فإذا طُوِيت فهي: الطَّوِيُّ، وللعذريّ: «جُبِّ رَكِيَّة» بضم الجيم، وكسر الباء، والْجُبّ: البئر ليست بعيدة القعر. انتهى . (فَإِمَّا دَعَا) - ﷺ - لمائها حتى يُبارَك فيه، (وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا)، ووقع في بعض النسخ: «بَسَقَ» بالسين، قال النوويّ: هكذا هو في النسخ: «بَسَقَ» بالسين، وهي صحيحة، يقال: بَزَقَ، وبَصَقَ، وبَسَقَ ثلاث لغات، بمعنًى، والسين قليلة الاستعمال. انتهى . (قَالَ) سلمة: (فَجَاشَتْ)؛ أي: ارتفعت، يقال: جاش الشيء يجيش جَيْشًا: إذا ارتفع، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، وقد سبق مرارًا كثيرةً التنبيه على نظائرها. (فَسَقَيْنَا) أنفسنا، ودوابّنا من تلك البئر، (وَاسْتَقَيْنَا)؛ أي: أخذنا من مائها في أوعيتنا لنستعمله عند الحاجة. (قَالَ) سلمة: (ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بكسر همزة «إن»؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ «إنَّ» الِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ) - بفتح الموحّدة، وسكون التحتانتة -: أصلها: الصَّفْقة على إيجاب البيع، وجمعها: بَيْعَاتٌ بالسكون، ويُحرَّك في لغة هُذيل، وتُطْلق على المبايعة، والطاعة ، وهي المرادة هنا، وهي بيعة الرضوان. (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ) هي الشجرة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]. (قَالَ) سلمة: (فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ) بنصب «أوّل» على الظرفيّة لـ «بايعتُ»، (ثُمَّ) بعد مبايعتي (بَايَعَ) - ﷺ - الناس (وَبَايَعَ) بعدهم آخرين، (حَتَّى إِذَا كَانَ) - ﷺ - (فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أي: في مبايعتهم (قَالَ) - ﷺ - («بَايعْ يَا سَلَمَةُ»، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاس، قَالَ) - ﷺ - («وَأَيْضًا»)؛ أي: وبايعْ كذلك مرّة ثانيةً. [فائدة]: قوله: «أيضًا» منصوب على المصدريّة، يقال: آض يئيض أيْضًا؛ كباع يبيع بيعًا: إذا رجع، فقولهم: افعَلْ ذلك أيضًا، معناه: افعله عَوْدًا إلى تقدّم، قاله الفيّوميّ . وقال ابن عابدين ﵀: قولهم: «أيضًا» هو مصدر آض يَئِيض أَيْضًا، كباع، تحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقُلبت ألفًا، وأصل يئيض: يَيْئِضُ، بوزن يَفْعِلُ، نُقلت حركة الياء إلى الهمزة، وأما إعرابه، فذكر ابن هشام في رسالة تعرّض فيها للمسألة: إن جماعة توهّموا أنه منصوب على الحال من ضمير«قال»، وأن التقدير: وقال أيضًا؛ أي: راجعًا إلى القول، وهذا لا يحسن تقديره إلا إذا كان هذا القول صدر من القائل بعد صدور القول السابق له، وليس ذلك بشرط، بل تقول: قلت اليوم كذا، وقلته أمس أيضًا، وكتبت اليوم، وكتبت أمس أيضًا، قال: والذي يظهر لي أنه مفعول مطلقٌ حُذف عامله، أو حالٌ حُذف عاملها وصاحبها؛ أي: أَرْجِعُ إلى الإخبار رُجوعًا، ولا أقتصر على ما قدّمتُ، أو أُخبر راجعًا، فهذا هو الذي يستمرّ في جميع المواضع، ومما يؤنسك بأن العامل محذوفٌ أنك تقول: عنده مالٌ، وأيضًا علمٌ، فلا يكون فبلها ما يصلح للعمل فيها، فلا بدّ حينئذ من التقدير. (واعلم): أنها إنما تُستعمل في شيئين، بينهما توافقٌ، ويغني كلّ منهما عن الآخر، فلا يجوز: جاء زيدٌ أيضًا، ولا جاء زيد، ومضى عمرو أيضًا، ولا اختصم زيد وعمرو أيضًا. انتهى ملخّصًا . (قَالَ) سلمة (وَرَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَزِلًا) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أحدهما: فتح العين، مع كسر الزاي، والثاني: ضمّهما، وقد فسّره في الكتاب بالذي لا سلاح معه، ويقال له أيضًا: أعزل، وهو أشهر استعمالًا. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: «عزلًا»: الرواية فيه هنا، وفي الحرف الآتي بعده: بفتح العين، وكسر الزاي، قال بعض اللغويين: الصواب: أعزل، ولا يقال: عَزِلٌ، وقيّده بعضهم: عُزُلًا - بضم العين والزاي - وكذا ذكره الهرويّ، كما يقال: ناقة عُلُط، وجمل فُنُق، والجمع: أَعزال، كما يقال: جُنُبٌ وأَجنابٌ، وماء سُدُمٌ، ومياه أَسدام، والأعزل: الذي لا سلاح معه. انتهى . وقوله: (يَعْنِي: لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ) تفسير من بعض الرواة لـ «عَزلٍ». (قَالَ) سلمة (فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَجَفَةً، أَوْ دَرَقَةً) - بفتحتين فيهما - و«أو» للشك من الراوي، والحجفة: الترس، وإنما يكون من عِيدان، والدّرق من الجلود، قاله القرطبيّ . وقال الفيّوميّ ﵀: الْحَجَفَةُ: التُّرْسُ الصغير، يُطارق بين جلدين، والجمع: حَجَفٌ، وحَجَفَاتٌ، مثلُ قَصَبَةٍ، وقَصَبٍ، وقَصَبَات. انتهى . وقال المجد ﵀: الْحَجَفُ: محرّكةً: التُّرْسُ، من جلود بلا خشب، ولا عَقَبٍ، قال: والدّرَقَةُ - محرّكة: الْحَجَفَةُ، جمعها: دَرَقٌ، وأَدراقٌ، ودِراقٌ. انتهى . (ثُمَّ بَايَعَ) - ﷺ - بقيّة الناس، (حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ) - ﷺ - («أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ»، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاس، وَفِي أَوْسَطِ النَّاس، قَالَ: «وَأَيْضًا»)؛ أي: وبايعْ كذلك مرّةً ثالثةً. (قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ) قال القرطبيّ ﵀: تخصيصه - ﷺ - سلمة بتكرار البيعة ثلاثًا؛ تأكيد في حقّه، لِمَا عَلِم من خصاله، وكثرة غَنائه، كما قد ظهر منه على ما يأتي . وقال بعضهم : فيه فضيلة ظاهرة لسلمة بن الأكوع - ﵁ -، وفي مبايعته - ﷺ - له ثلاث مرّات إشارة إلى أنه سيحضر ثلاثة مشاهد يكون له فيها بلاءٌ حسنٌ، وقد كان الأمر ذلك، فقد اتّصل بالحديبية غزوة ذي قَرَد، واتّصل بها فتح خيبر، وكان له في كلّ منها غَنَاءٌ عظيم، وبلاءٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ؟ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟»، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقِيَني عَمِّي عَامِرُ) بن الأكوع - ﵁ - (عَزِلًا)؛ أي: بلا سلاح، (فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا)؛ أي: آثرته بها على نفسي؛ عملًا بقوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. (قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) تعجّبًا مما صنع، حيث آثر عمه على نفسه بما أعطاه النبيّ - ﷺ - مع شدّة حرص الناس على مثل ذلك، (وَقَالَ) - ﷺ - («إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأوَّلُ)؛ أي: الرجل، المتقدّم زمانه، الظاهر أن هذا من المَثَل السائر، و»الأول«بالرفع على الفاعليّة، وأعربه بعضهم بالنصب على الظرفيّة؛ أي: في الزمن الأول، والأول هو الظاهر، والمعنى أن شأنك هذا يُشبه معنى قول القائل في الزمان السابق: اللهم أبغني. . . إلخ، وفي رواية أحمد في«مسنده»:«إنك كالذي قال» ، ولم يذكر لفظ الأول. (اللَّهُمَّ أَبْغِنِي) بقطع الهمزة، ووصلها، من أبغاه، وبغاه، رباعيًّا، وثلاثيًّا؛ أي: طلَب له؛ أي: اطلب لي، والمراد: ارزُقني، قال القرطبيّ: يقال: بَغَيتُ الشيءَ من فلان، فأبغانيه؛ أي: أعطاني ما طلبته. انتهى . وقال المجد ﵀: بَغَته أبغيه، بُغاءً، وبُغًى، وبُغيةً بضمّهنّ، وبِغْيةً بالكسر: طلبته، قال: وأبغاه الشيءَ: طلبه له؛ كبغَاهُ إيّاه، كرَمَاهُ، أو أعانه على طلبه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من عبارة المجد ﵀ المذكورة - حيث قال: وأبغاه الشيءَ؛ كبغاه إياه - أن «أبغني» هنا يجوز بقطع الهمزة، ووَصْلها، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (حَبِيبًا) منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ «أبغني»، (هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي«) هذا إشارة إلى أن سلمة آثر عمه على نفسه بما أعطاه النبيّ - ﷺ - مع احتياجه إليه، فصار كمن يدعو الله تعالى أن ييسّر له رجلًا حبيبًا يكون أحبّ إليه من نفسه، ففيه من مدح سلمة بالإيثار ما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا) من المراسلة؛ أي: أرسلوا إلينا، وأرسلنا إليهم في شأن الصلح، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ:«راسلونا»من المراسلة، وفي بعضها:«رَاسُّونا»بضم السين المهملة المشدّدة، وحَكَى القاضي عياض فَتْحها أيضًا، وهما بمعنى راسلونا، مأخوذ من قولهم: رَسَّ الحديث يَرُسُّهُ: إذا ابتدأه، وقيل: من رَسَّ بينهم؛ أي: أصلح، وقيل: معناه: فاتحونا، من قولهم: بلغني رَسٌّ من الخبر؛ أي: أوله، ووقع في بعض النسخ:«وَاسَوْنا»بالواو؛ أي: اتفقنا نحن وَهُم على الصلح، والواو فيه بدل من الهمزة، وهو من الأسوة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«راسلونا الصلح»هذه رواية العذريّ، وهي من الرسالة، ورواه جماعة:«راسُّونا»بسين مهملة مشدّدة مضمومة، وهو من رَسَّ الحديث يَرُسّهُ: إذا ابتدأه، ورسستُ بين القوم: أصلحت بينهم، ورسا لك الحديثَ رَسْوًا: إذا ذَكَر لك منه طرفًا، ورُوي:«راسَونا»بفتح السين لابن ماهان، قال عياضٌ: ولا وجه لها. انتهى . (الصُّلْحَ)؛ أي: طلب الصلح، وفي بعض النسخ:«بالصلح»، (حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ)«في»هنا بمعنى«إلى»؛ أي: مشى بعضنا إلى بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]؛ أي: إلى أفواههم، أو هي بمعنى«مع»، فيكون المعنى: مشى بعضنا مع بعض . (وَاصْطَلَحْنَا)؛ أي: اتّفقنا على أن لا الحرب بيننا وبينهم عشر سنين. (قَالَ) سلمة (وَكُنْتُ تَبِيعًا)؛ أي: خادمًا (لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيميّ المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، استُشهد - ﵁ - يوم الجمل سنة (٣٦) تقدّمت ترجمته في«الإيمان»٢/ ١٠٩. (أَسْقِي فَرَسَهُ) بفتح الهمزة، وضمّها، من سقى ثلاثيًّا، وأسقى رباعيًّا، (وَأَحُسُّهُ)؛ أي: أحُكّ ظهره بالْمِحَسّة؛ لأزيل عنه الغبار ونحوه، قال الجوهريّ رَءإدنهُ: و«المِحَسّة»بكسر الميم: الْفِرْجَونُ ، وقال المجد ﵀ في مادّة«فرْجَنَ»: الْفِرْجَونُ، كبِرْذَوْنٍ: الْمِحَسَّةُ، وفَرْجَنَ الدابّة: حسّها به. انتهى . (وَأَخْدُمُهُ) بضمّ الدال، وكسرها، من بأبي نصر، وضرب. (وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ) ثم بيّن سبب خدمته لطلحة، وأكله من طعامه بقوله: (وَتَرَكْتُ أَهْلِي، وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ - ﷺ -)؛ يعني: أن سبب عدم كفايته نفسه بماله أنه ترك ماله في بلده، وهاجر بلا مال، فاحتاح إلى أن يكون تابعًا لطلحة - ﵄ -. (قَالَ) سلمة (فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ)؛ أي: على ترك الحرب مدّة الصلح، (وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)؛ أي: اختلط المسلمون بالمشركين آمنين بسبب ما جرى من الصلح، (أَتَيْتُ شَجَرَةً، فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا)؛ أي: كنسته، وأزلته (فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا، قَالَ) سلمة (فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفهم . (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: يغتابونه، ويعيبون دينه، (فَأَبْغَضْتُهُمْ) لِمَا هم فيه من الشرك، والوقيعة برسول الله - ﷺ -، (فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى)؛ أي: عملًا بقول الله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. (وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ)؛ أي: على الشجرة، و«السلاح» بالكسر: ما يُقاتَل به في الحرب، ويدافَع، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير: أسلحة، وعلى التأنيث: سلاحات، والسِّلْحُ، وزانُ حِمْل: لغة في السلاح . (وَاضْطَجَعُوا)؛ أي: ناموا تحت الشجر، (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ)؛ أي: في حال نومهم، وقد علّقوا سلاحهم، (إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ) - بزاي معجمة، ثم نون، وآخره ميم، مصغرًا - الليثيّ، أو الدِّيليّ، صحابيّ . أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: «ذُكر لنا أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقال له: زُنيم اطَّلَع الثنية زمان الحديبية، فرماه المشركون، فقتلوه، فبعث رسول الله - ﷺ - خيلًا، فأَتَوا باثني عشر فارسًا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: هل لكم عهدٌ، أو ذمة؟ قالوا: لا، فأرسَلَهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤] . قال الجامع عفا الله عنه: كذا ذكر بعض الشرّاح هنا هذه القصّة، لكنها تخالف الذي في مسلم، فإنه ابن زنيم، والذي عند ابن حميد، وابن جرير أنه زُنيم، لا ابن زُنيم، ويَحْتَمِل أن يكون ممن اختُلف فيه، هل هو ابن زُنيم، أو زُنيم؟ ولكن الذي في «الصحيح» أصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: لم أجد ترجمة ابن زُنيم هذا، لا في «الإصابة»، ولا في غيرها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي) أي: سللته من غِمده ظنًّا بأن المشركين نقضوا الصلح، (ثُمَّ شَدَدْتُ)؛ أي: حَمَلتُ (عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ) المضطجعين (وَهُمْ رُقُودٌ) بالضمّ: جمع راقد؛ أي: نائمون، قال الفيّوميّ ﵀: رَقَدَ رَقْدًا، ورُقُودًا، ورُقَادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حَسِبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مُفتّحةٌ، وهم نيامٌ، ورَقَدَ عن الأمر: قَعَدَ، وتأخّر. انتهى . (فَأَخَذْتُ) وفي نسخة: «وأخذت» بالواو، (سِلَاحَهُمْ) الذي علّقوه على الشجرة، (فَجَعَلْنُهُ ضِغْثًا فِي بَدِي) «الضِّغْثُ، - بكسر الضاد، وسكون الغين المعجمتين -: الْحُزْمة الْمُجتمعة من قُضبان، أو حشيش، ونحوه مما يُجمع في اليد، قاله ابن الأثير . وقال الفيّوميّ ﵀: ضَغَثْتُ الشيءَ ضَغْثًا، من باب نفع: جمعتُهُ، ومنه: الضِّغْثُ، وهو قَبْضَةُ حَشِيش، مختلطٍ رطبُها بيابسها، ويقال: مِلْءُ الكفّ من قضْبانٍ، أو حَشِيشٍ، أو شَمَاريخَ، وفي التنزيل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قيل: كان حُزْمَةً من أَسَلٍ، فيها مائة عُود، وهو قْضبانٌ، دِقَاقٌ، لا وَرَقَ لها، يُعْمَل منه الْحُصُرُ، يقال: إنه حَلَف إن عافاه الله لَيَجلدنّها مائة جلدةٍ، فرَخَّص الله له في ذلك تَحِلةً ليمينه، ورفقًا بها؛ لأنها لم تقصد معصيةً. والأصل في «الضِّغْثِ» أن يكون له قُضبانٌ يَجمعها أصلٌ، ثم كَثُر حتى استُعْمِل فيما يُجْمَعُ. انتهى . والمراد هنا: أنه أخذ سلاحهم بيده، وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله كالْحُزمة. (قَالَ) سلمة (ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ) بتشديد الراء، من التكريم، (وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) وهو الله ﷾، (لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ)، وقوله: (إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ) كناية عن ضرب رأسه؛ أي: إلا قطعت رأسه. (قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، (بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلَاتِ) - بفتح العين المهملة، والباء الموحّدة - قال الجوهريّ في «الصحاح»: «الْعَبَلات» - بفتح العين، والباء - من قريش، وهم أمية الصغرى، والنسبة إليهم عَبَليّ، تَرُدُّه إلى الواحد، قال: لأن اسم أمهم عَبَلةُ . وقال القاضي عياض: هم: أمية الأصغر، وأخواه: نوفل، وعبد الله بن عبد شمس بن عبد مناف، نُسِبوا إلى أم لهم من بني تميم، اسمها عَبَلَة بنت عبيد بن البراجم. انتهى . وقال ابن الأثير: وعَبَلَةُ بنت عُبيد بن نافل بن قيس بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ، هي أم أُميّة الأصغر بن عبد شمس، إليها يُنسب ولدها، يقال لهم: الْعَبَلات. انتهى . (يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزٌ) بميم مكسورة، ثم كافٍ، ثمّ راء مكسورة، ثمّ زاي . (يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى فَرَسٍ، مُجَفَّفٍ) - بفتح الجيم، وفتح الفاء الأولى المشدّدة -؛ أي: عليه تِجْفَافٌ، بكسر التاء، وهو ثوب كالْجُلّ، يُلْبَسُهُ الفرسُ؛ لِيَقِيه من السلاح، وجمعه تجافيف . (فِي سَبْعِينَ)؛ أي: مع سبعين (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اختَلَفت الروايات في عدد هؤلاء الذين أُسروا، فوقع في بعضها أنهم كانوا سبعين، وفي بعضها ثمانين، وقيل غير ذلك، والذي في «الصحيح» هو الصحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «دَعُوهُمْ، يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُور، وَثِنَاهُ)؛ أي: أوله وآخره، قال القرطبيّ ﵀: الفجور هنا: نقض العهد، ورَوْمُ غِرّة المسلمين، وقال النوويّ ﵀: أما الْبَدْء - فبفتح الباء، وإسكان الدال، وبالهمز -؛ أي: ابتداؤه، وأما ثِنَاه، فوقع في أكثر النسخ:«ثناه»بثاء مثلَّثة مكسورة، وفي بعضها:«ثنياه»- بضم الثاء، وبياء مثناة تحتُ، بعد النون - ورواهما جميعًا القاضي عياض، وذكر الثاني عن رواية ابن ماهان، والأول عن غيره، قال: وهو الصواب؛ أي: عودةٌ ثانيةٌ. انتهى. وقال الفيّوميّ:«الثِّنَى»بالكسر، والقصر: الأمر يُعاد مرّتين ، وقال المجد:«ولا ثِنَى في الصدقة»: كـ«إلى»؛ أي: لا تؤخذ مرّتين في عام، أو لا تؤخذ ناقتان مكان واحدة، أو لا رجوع فيها. انتهى . (فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: عن هؤلاء السبعين؛ ليتمّ أمر الصلح، قال القاضي عياض: إنما فعل سلمة، وعمّه لمّا ذُكر من قتل المسلم بأسفل الوادي، فرأوا أن الصلح قد انتقض، ولم يَنقضه - ﷺ -: إما لأنه لم يتحقّق أن المشركين قتلوه بعد الصلح، أو لم ير نقض الصلح بذلك؛ لِجَهل قاتله، قاله الأبيّ . (وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَة كُلَّهَا [الفتح: ٢٤])، قال الإمام ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذِكْر لرسوله - ﷺ -، والذين بايعوا بيعة الرضوان: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾؛ يعني: أن الله كفّ أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله - ﷺ - بالحديبية، يلتمسون غِرّتهم؛ ليصيبوا منهم، فبعث رسول الله - ﷺ -، فأُتي بهم أسرى، فَخَلَّى عنهم رسول الله - ﷺ -، ومَنَّ عليهم، ولم يَقْتلهم، فقال الله للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: قوله ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كفّ أيدي المشركين عنهم، فلم يَصِل إليهم منهم سُوءٌ، وكَفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كُلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خير للمؤمنين، وعاقبةٌ لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوثقوهم بين يدي رسول الله - ﷺ -، فنظر إليهم، فقال: «أَرْسِلُوهم، يكن لهم بدء الفجور وثِناهُ»، قال: وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. وأخرج الإمام أحمد: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: لمّا كان يومُ الحديبية هَبَط على رسول الله - ﷺ - وأصحابه ثمانون رجلًا، من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غِرّة رسول الله - ﷺ -، فدعا عليهم، فأُخذوا، قال عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. وأخرج أحمد أيضًا عن عبد الله بن مُغَفَّل المزني - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله - ﷺ -، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله - ﷺ - لعليّ - ﵁ -: «اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب باسمك اللهم، وكتب: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة»، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب: «هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله»، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ -، فأخذ الله تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟» فقالوا: لا، فخَلَّى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية«. وقال القرطبيُّ ﵀: وقد اختُلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية على أقوال، هذا - يعني: في مسلم - أحدها، وهو أصحّها. انتهى . (قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَة، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ) بكسر اللام، وفتحها لغتان: قبيلة يُنسبون إلى لحيان بن هُذيل بن مُدركة بن إلياس بن مضر . (جَبَلٌ)؛ يعني: أنهم نزلوا منزلًا قريبًا من بني لحيان، بحيث لا يحول بينهم إلا جبل واحد، (وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) قال النوويّ ﵀: هذه اللفظة ضبطوها بوجهين، ذكرهما القاضي عياضٌ وغيره: أحدهما: «وهُمُ المشركون» بضم الهاء على الابتداء والخبر، والثاني: بفتح الهاء، وتشديد الميم؛ أي: هَمُّوا النبيَّ - ﷺ -، وأصحابَه، وخافوا غائلتهم؛ لِقُربهم منهم، يقال: هَمَّني الأمر، وأهمّني بمعنًى، وقيل: هَمَّني: أَذَابَنِي، وأهمّني: أَغَمّني. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وَهُم المشركون» بضم الهاء، وتخفيف الميم، وهي ضمير الجمع، وقد ضبطه بعض الشيوخ: «وهَمَّ» - بفتح الهاء، وتشديد الميم؛ على أنه فعل ماض، و«المشركون» فاعل به، قال عياض: معناه: هَمَّ النبيَّ - ﷺ - والمسلمين أمرُهُم؛ لئلا يَغْدِروا بهم، ويبَيِّتوهم؛ لقربهم منهم، يقال: هَمَّني الأمر، وأهمّني، ويقال: هفَني: أذابني، وأهمَّني: غَمَّني. قال القرطبيّ: والأقرب أن يكون معناه: هَمَّ المشركون بالغدر، واستَشْعَر المسلمون منهم بذلك. انتهى . (فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمَنْ رَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ، وقوله: (هَذَا الْجَبَلَ) منصوب على المفعوليّة؛ لأن «رقِيَ» يتعدّى بنفسه، يقال: راقيتُ السطح، والجبلْ إذا عَلَوْتُه، ويتعدّى أيضًا بـ «في»، فيقال: رَقِيتُ في السلّم ، وقوله: (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «رقِيَ». (كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ) «الطَّلِيعة» بفتح الطاء، وكسر اللام: القوم يُبعَثون أمام الجيش، يتعرّفون طِلْعَ الْعَدُوّ بالكسر؛ أي: خَبَره، والجمع: طلائع، قاله الفيّوميّ . (قَالَ سَلَمَةُ) - ﵁ - (فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ)؛ أي: للاطّلاع على خبر بني لحيان، (مَرَّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِظَهْرِهِ) بفتح الظاء، وسكون الهاء: هي الإبل تُعدّ للركوب، وحَمْل الأثقال، (مَعَ رَبَاحٍ) بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة، وهو مولى رسول الله - ﷺ -، كما أوْضَحه هنا، وله ذِكر في «الصحيحين»، في حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - في قصّة اعتزاله - ﷺ - نساءه، وحديث سلمة - ﵁ - هذا عند مسلم، وقال البلاذريّ: كان أسود، وكان يستأذن عليه - ﷺ -، ثم صيّره مكان يسار بعد قتله، فكان يقوم بلقاحه ، والله تعالى أعلم. وقوله: (غُلَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بالجرّ على البدليّة من «رباح»، أو عطف البيان منه. (وَأَنَا مَعَهُ) جملة حاليّة من «رباح»، (وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله الذي سبق ذِكره، (أُنَدِّيَهِ مَعَ الظَّهْرِ)؛ أي: أُورده الماءَ، فيشرب قليلًا، ثم أرعاه، وأُورده، وهي التَّنْدِيَة، وأصلها للإبل، وقد تكون التندية في الفرس بمعنى: التضمير، وهي: أن يَجري الفرس حتى يَعْرَق، ويقال لذلك العرق: النَّدَى، قاله الأصمعيّ . وقال النووي ﵀: قوله: (أُنَدِّيهِ) هكذا ضبطناه بهمزة مضمومة، ثم نون مفتوحة، ثم دال مكسورة مشدّدة، ولم يذكر القاضي في «الشرح» عن أحد من رواة مسلم غير هذا، ونقله في «المشارق» عن جماهير الرواة، قال: ورواه بعضهم، عن أبي الحذاء في مسلم: «أُبَدِّيهِ» بالباء الموحّدة بدل النون، وكذا قاله ابن قتيبة؛ أي: أُخرجه إلى البادية، وأُبرزه إلى موضع الكلأ، وكلُّ شيء أظهرته فقد أبديته، والصواب رواية الجمهور بالنون، وهي رواية جميع المحدِّثين، وقول الأصمعيّ، وأبي عبيد، في «غريبه»، والأزهريّ، وجماهير أهل اللغة، والغريب، ومعناه: أن يورد الماشيةَ الماءَ، فتُسقَى قليلًا، ثم تُرسل في المرعى، ثم تَرِد الماء، فتَرِد قليلًا، ثم تَرِد إلى المرعى، قال الأزهريّ: أنكر ابن قتيبة على أبي عبيد، والأصمعيّ، كونهما جعلاه بالنون، وزعم أن الصواب بالباء، قال الأزهريّ: أخطأ ابن قتيبة، والصواب قول الأصمعيّ. انتهى . (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا)؛ أي: دخلنا في الصباح، وقوله: (إِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: فاجأنا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ) هو عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاريّ، وللطبرانيّ عن سلمة قال: «خرجت بقوسي ونبلي، وكنت أرمي الصيد، فإذا عيينة بن حِصْن قد أغار على لقاح رسول الله - ﷺ -، فاستاقها»، ولا تنافي؛ فإن كلًّا من عيينة، وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم، والله تعالى أعلم. (قَدْ أَغَارَ) قال المجد: أغار على القوم غارةً، وإغارةً: دَفَعَ عليهم الخيل؛ كاستغار. (عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: لقاحه التي كانت ترعى، (فَاسْتَاقَهُ)؛ أي: ساقه، فالسين والتاء زائدتان، وقوله: (أَجْمَعَ) من ألفاظ التوكيد المعنويّ، يأتي غالبًا بعد التوكيد بـ «كُلّه»، نحو: جاء الركبُ كلّه أجمع، وقد يأتي بلا «كُلّ»؛ كقوله: جاء الجيش أجمع، وكما في الحديث هنا، فإنه توكيد للمفعول في قوله: «فاستاقه»، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: وَبَعْدَ «كُلٍّ» أَكَّدُوا بِـ «أجْمَعَا» … «جَمْعَاءَ» «أجْمَعِينَ» ثُمَّ «جُمَعَا» وَدُونَ «كُلٍّ» قَدْ يَجِيءُ «أجْمَعُ» … «جَمْعَاءُ» «أجْمَعُونَ» ثُمَّ «جُمَعُ» (وَقَتَلَ رَاعِيَهُ) لا يُعرف اسمه، وقول بعض الشرّاح: إنه يسار النوبيّ، فيه نظر، فإنه في قصّة العرنيين، لا في هذه الغزوة، فتنبّه. وذكر ابن القيّم ﵀ أن الراعي رجل من عُسفان، وأنهم احتملوا امرأته، قال: قال عبد المؤمن بن خلف: وهو ابن أبي ذرّ، قال ابن القيّم: وهو غريب جدًّا. انتهى . (قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ) - بفتح السين، وسكون الراء -: المال الراعي، تسميةً بالمصدر، يقال: سَرَحَت الإبل سَرْحًا، من باب نَفَعَ، وسُرُوحًا أيضًا: رَعَت بنفسها، وسَرَحتُها يتعدّى، ولا يتعدَّى، وسرّحتها بالتثقيل مبالغة وتكثيرٌ . وقال القرطبيّ: السَّرْحُ: الإبل التي تسرح في المرعى. (قَالَ) سلمة (ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ) - بفتحات -: هي التّلّ، وقيل: شُرْفةٌ كالرابية، وهو ما اجتَمَعَ من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظَ، وربّما لم يَغْلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأَكَمَاتٌ، مثلُ قَصَبةٍ وقَصَبٍ، وقَصَبَات، وجمع الأَكَمِ إِكَامٌ، مثلُ جَبَلٍ وجِبالٍ، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، وجمعُ الأُكُم آكامٌ، مثلُ عُنُقٍ وأَعْناق . (فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ)؛ أي: واجَهْتُها، (فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ) قال القرطبيّ ﵀: هاؤها ساكنة، وهو يُشبه المنادى المندوب، وليس به، ومعناه هنا: الإعلام بهذا الأمر المهمّ الذي قد دَهَمَهُم في الصباح. انتهى . (ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْم) بالمدِّ جمع أَثَرٍ بفتحتين، أو بكسر، فسكون، يقال: جئتُ في أَثَرِه، وإِثْرِه؛ أيَ: تبِعته عن قُرْبٍ ، وقوله: (أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ) جملة حاليّة، وتقدّم معنى النبل قريبًا، وقوله: (وَأَرْتَجزُ) عطفٌ على الجملة الحاليّة، ثم بيّن معنى ارتجازه بقوله: (أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ) قال القرطبيّ ﵀: الْكَوَع: اعوجاج في اليدين، قيل: الكوع، والوكع في الرِّجْل أن تميل إبهامها على أصابعها، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير، وهو أبو سلمة، على ما ذَكره محمد بن سعد، وقيل: اسم أبي سلمة عمرو بن الأكوع، وهو جدّ سلمة، فنُسب إليه. انتهى . (وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ) قال القرطبيّ ﵀: الرُّضع: جمع راضع، وهو اللئيم، وأصله: أن رجلًا كان يرضع الإبل، ولا يحلبها؛ لئلا يُسمَع صوت الحلب فيُقصَدَ، فعبَّروا عن كل لئيم بذلك، وعليه قالوا في المَثَل: لئيم راضع، وقيل: لأنه يرضع اللؤم من أمه، وهو مطبوع عليه، وقيل: معناه: اليومُ يُظْهِر من أرضعته كريمة أو لئيمة، وقيل: اليوم يُعْرَف من أرضعته الحربُ من صغره. انتهى ، وقد تقدّم بأطول من هذا في الحديث الماضي. وقوله: (فَأَلْحَقُ) معطوف على «خرجت»، وإنما اختار صيغة المضارع؛ لأجل حكاية الحال الواقعة إذ ذاك، ومثله قوله: «فأصكّ». (رَجُلًا مِنْهُمْ)؛ أي: من المشركين الذين أغاروا على السرح، «فَأَصُكّ». أي: أضرب (سَهْمًا فِي رَحْلِهِ) الرحل: مَرْكَبُ الإبل، (حَتَّى خَلَصَ)؛ أي: بلغ، ووصل (نَصْلُ السَّهْمِ)؛ أي: حديدته، (إِلَى كَتِفِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة: «رَحْله» بالحاء، و«كتفه» بالتاء، بعدها فاء، وكذا نقله صاحب «المشارق»، و«المطالع»، وكذا هو في أكثر الروايات، والأول هو الأظهر، وفي بعضها: «رجله» بالجيم، و«كعبه» بالعين، ثم الباء الموحَّدة، قالوا: والصحيح الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: «فأصكه بسهم في نُغْضِ كتفه»، قال القاضي عياض في «الشرح»: هذه رواية شيوخنا، وهو أشبه بالمعنى؛ لأنه يمكن أن يُصيب أعلى مؤخرة الرحل، فيصيب حينئذ إذا أنفذ كتفه، ومعنى «أصُكّ»: أَضْرِبُ. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «في رحله» كذا روايتنا فيه بالحاء المهملة، ويعني به: أن سهمه أصاب آخرة رحله، فنفذها، ووصل إلى كتفه، وفي بعض النسخ: «فأصكّه سهمًا في رجله حتى خلص إلى كعبه»، والأول أشبه. انتهى . (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَع، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ) سلمة (فَوَاللهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ)؛ أي: بالنبل، (وَأَعْقِرُ بِهِمْ) خيلهم، ومنه: «فعقر بعبد الرحمن فرسه»، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أَصِيح بهم، من قولهم: رَفَعَ عَقِيرته؛ أي: صوته، قاله القرطبيّ ، وقال النوويّ؛ أي: أعقر خيلهم، ومعنى «أرميهم»؛ أي: بالنبل، قال القاضي: ورواه بعضهم هنا: «أُرديهم» بالدال. انتهى . وكتب في هامش «التركيّة» ما نصّه: قوله: «وأَعْقِر بهم» مفعول «أعقر» محذوف، والتقدير: وأعقر بهم أفراسهم، قال في «النهاية»: يقال: عَقَرتُ به: إذا قتلت مركوبه، وجعلته راجلًا. انتهى، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير، أو الشاة، ثم اتُّسِع حتى استُعمل في القتل، كما وقع هنا، وحتى صار يقال: عقرت البعير؛ أي: نحرته. انتهى . (فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ) وفي بعض النسخ: «فإذا أتى إليّ فارس»؛ أي: راكب فرس، قال الفيّوميّ ﵀: «الفارس»: الراكب على الحافر، فَرَسًا كان، أو بَغْلًا، أو حمارًا، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مَرَّ بنا فارس على بغل، وفارس على حمار، وفي «التهذيب»: فارس على الدابة بَيِّنُ الْفُرُوسيّة، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِنِّي امْرُؤٌ لَلْخَيْلِ عِندِي مَزِيَّةٌ … عَلَى فَارِسِ الْبِرْذَونِ أَوْ فَارِسِ الْبَغْلِ وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل، والحمار: فارس، ولكن أقول: بَغَّالٌ، وحَمَّارٌ، وجَمْع الفارس: فُرْسانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذٌّ؛ لأن فَوَاعِلَ إنما هو جمع فاعلة، مثل ضاربة، وضوارب، وصاحبة وصواحب، أو جمع فاعلٍ، صفةً لمؤنث، مثلُ حائض وحوائض، أو كان جَمْع ما لا يَعْقِل، نحو: جَمَلِ بازِلٍ وبَوَازلَ، وحائط وحوائطَ، وأما مذكرُ مَن يَعْقل، فقالوا: لم يأت فيه فواعلُ إلا فوارس، ونواكسُ، جَمْعُ ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلِّف، وقوم ناجعة، ونَواجِعُ، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى . وإلى قاعدة الجمع بفواعل أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلٍ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ وَحَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ (أَتَيْتُ شَجَرَةً، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ)؛ أي: الفارس، (فَعَقَرْتُ بِهِ)؛ أي: قتلت فرسه، (حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ) التضايق: ضدّ الاتّساع؛ أي: تدانى، وقرُب. (فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ)؛ أي: في المحلّ المتضايق منه بحيث يَستترون به عنه، فصار لا يبلغهم ما يرميهم به من السهام. (عَلَوْتُ الْجَبَلَ)؛ أي: صعدت فيه، (فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ)؛ أي: أرميهم بالحجارة التي تُسقطهم، وتُنزلهم؛ يعني: أنه لمّا امتنع عليه رميهم بالسهام عدل عنه إلى رميهم من أعلى الجبل بالحجارة التي تُسقطهم، وتهوّرهم، يقال: رَدّى الفرس راكبه: إذا أسقطه، وهَوَّره. (قَالَ) سلمة (فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ تبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَعِيرٍ) «من» هنا زائدة أُتي بها لتأكيد العموم، وقد يؤتى بها للتنصيص على العَموم في نحو: ما رأيتُ من رجل، فإنه قَبْل دخولها يَحْتَمِلُ نفي الجنس، ونفي الوحدة، ولهذا يصحّ أن يقال: بل رجلين، وبعد دخولها تعيّن لنفي عموم الرجال، وإنما سُمّيت زائدةً؛ لأن الكلام يستقيم بدونها، فيصحّ أن يقال: حتى ما خلق الله بعيرًا ، وأما «من» في قوله: (مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) فهي بيانيّة، والمعنى: أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كلّ بعير أخذوه، من إبل رسول الله - ﷺ -. (إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي)؛ أي: تركته ورائي، يريد: أنه جعله في حَوْزته، وحَالَ بينهم وبينه، كما قال: (وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: كان له خالصًا لا ينازعه منهم أحد. (ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ) هكذا هو في أكثر النسخ: «اتّبعتهم» بهمزة الوصل، وتشديد التاء، وفي نسخة: «ثمّ أَتْبَعتهم» بهمزة القطع، وهي أشبه بالكلام، وأجْوَد موقعًا فيه، وذلك أن «تَبعَ» المجرّد، و«اتّبعه» المشدّد التاء بمعنى: مشى خلفه على الإطلاق، وأما «أتبع» الرباعيّ، فمعناه: لَحِقَ به بعد أن سبقه، قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]؛ أي: لَحِقهم مع جنوده بعد أن سبقوه، وتعبيره هنا بـ «ثُمّ» المفيدة للتراخي يُشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل، توقّف عن اتّباعهم، ولعلّ ذلك ريثما جَمَعَ الإبل، وأقامها على طريقٍ يَأْمَن عليها فيه، والمعنى على هذا الوجه: وبعد أن توقّفتُ عن اتّباعهم حتى سبقوني تَبِعْتُهم، فلحقت بهم، قاله بعض المحقّقين . (حَتَّى أَلْقَوْا)؛ أي: طرحوا، ورموا (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاِثينَ بُرْدَةً، وَثَلَاِثينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ)؛ أي: يطلبون بإلقائها الخفّة حتى يتمكّنوا من الفرار، (وَلَا يَطْرَحُونَ)؛ أي: يُلقون، ويرمون (شَيْئًا، إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرامًا مِنَ الْحِجَارَةِ) بهمزة ممدودة، ثمّ راء مفتوحة: هي الأعلام، وهي حجارة تُجمع، وتُنصبُ في المفازة، يُهتدى بها، واحدها: إِرَمٌ، كعِنَبٍ وأعناب . وقال ابن منظور ﵀: الإِرَمُ، كعِنَبٍ: حجارة تُنصبُ عَلَمًا في المفازة، والجمع آرامٌ، وأُرُومٌ، مثلُ ضِلَعٍ، وأضلاعٍ، وضُلُوع، قال: وكان من عادة الجاهليّة أنهم إذا وجدوا شيئًا في طريقهم، ولا يُمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها، حتى إذا عادوا أخذوه. انتهى باختصار . (يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ)؛ أي: يعرف تلك العلامات التي وضعها على تلك الأشياء التي طرحوها استخفافًا، (حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا) يَحْتَمِل أن يكون بضمّ أوله، وكسر ثالثه، بصيغة اسم الفاعل، مِنْ يتضايق؛ كتَضَارَب، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح ثالثه، بصيغة اسم المفعول على أنه مصدر ميميّ من تضايق أيضًا؛ أي: أتوا مكانًا ضيّقًا، أو ذا تضايقٍ، وقوله: (مِنْ ثَنِيَّةٍ) بيان لـ«متضايقًا»، وهو - بفتح الثاء المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة -: الطريق في الجبل؛ أي: حتى أتوا طريقًا في الجبل متضايقًا، (فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ) «إذا» هنا للمفاجأة؛ أي: ففاجأهم إتيان فلان بن بدر من قبيلة فزارة، وفلان هذا قيل: هو حبيب بن عُيينة بن بدر الفزاريّ، قاله صاحب «التنبيه» . (فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ) قال المجد ﵀: وتضحَّى: أكل في الضحى، وضَحَّيته أنا تضحيةً: أطعمته فيها ، وهذا المعنى موافق لِمَا فسّر به بعض الرواة هنا بقوله: (يَعْني: يَتَغَدَّوْنَ)؛ أي: يأكلون غداءهم، وهو بالفتح، والمدّ: الطعام الذي يؤكل في الغداة؛ أي: وقت الضحوة. (قال) سلمة (وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ) - بفتح القاف، وإسكان الراء -: هو كلّ جبل صغير، منقطع عن الجبل الكبير، قاله النوويّ ، وفي «اللسان»: الْقَرْنُ: الْجُبيلُ المنفردُ، وقيل: هو قطعة تنفرد من الجبل، وقيل: هو الجبل الصغير، وقيل: الجبيل الصغير المنفرد، والجمع: قُرُون، وقِرانٌ، قال أبو ذُيب: تَوَفَّى بِأَطْرَافِ الْقِرَانِ وَطَرْفِهَا … كَطَرْفِ الْحُبَارَى أَخْطَأَتْهَا الأَجَادِلُ قال الجامع عفا الله عنه: ضَبْط القَرْن - بفتح، فسكون - هو الصواب الذي يقتضيه نصّ «اللسان»، و«القاموس»، و«شرحه»، وأما ما ذكره بعض الشرّاح من ضَبْطه بفتحتين، فليس بصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ الْفَزَارِيُّ)؛ أي: الرجل الذي أتاهم، (مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟)؛ أي: أيُّ شيء هذا الذي أراه جالسًا، فـ «ما» استفهاميّة، قيل: عبّر بهذا دون «مَنْ» تحقيرًا له. (قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ) - بفتح الموحّدة، وإسكان الراء -؛ أي: الشدّة، (وَاللهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ) - بفتحتين -: ظلام آخر الليل؛ أي: ما فارقنا من الليل، (يَرْمِينَا، حَتَّى انْتَزَعَ)؛ أي: حتى أخرج (كُلَّ شَيْءٍ فِيِ أَيْدِينَا، قَالَ) ذلك الفزاريّ (فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ) بدل من «نفرٌ». (قَالَ: فصَعِدَ) - بكسر العين المهملة - يقال: صَعِدَ في السُّلَّم، كسَمِعَ صُعُودًا، وصَعَّد بالتشديد في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَع صَعِدَ فيه، قاله المجد . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولم يُسمع صَعِدَ فيه» فيه نظر، فقد أثبته الفيّوميّ بقلّة، ودونك عبارته: وصَعِدَ في السلّم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا عَلَوته، وصَعِدتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ. انتهى . (إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَل، قَالَ) سلمة (فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ)؛ أي: جعلوني قادرًا على إبلاغهم كلامي، وإسماعهم إياه، يقال: أمكنه من الشيء، ومكَنه: إذا جعله له عليه قدرة، ومعناه: فلما قربوا منّي بحيث صاروا يسمعون كلامي، (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟) هكذا في بعض النسخ: «تعرفوني» بنون واحدة على حذف نون الوقاية، أو نون الرفع، وحَذْف إحداهما في مثل هذا الفعل جائز، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون، بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وهو أيضًا جائز، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] في قراءة من شدّد، ووقع في النسخ: «تعرفونني» بنونين على الأصل، وهو ظاهر، وإلى قاعدة نون الوقاية أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَ«لَيْسِي» قَدْ نُظِمْ وَ«لَيْتَنِي» فَشَا وَ«لَيْتِي» نَدَرَا … وَمَعْ «لَعَلَّ» اعْكِسْ وَكُنْ مُخَيَّرَا فِي الْبَاقِيَاتِ وَاضْطِرَارًا خَفَّفَا … «مِنِّي» وَ«عَنِّي» بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفَا وَفِي «لَدُنِّي» «لَدُنِي» قَلَّ وَفِي … «قَدْنِي» وَ«قَطْنِي» الْحَذْفُ أَيْضًا قَدْ يَفِي (قالوا: لَا) نعرفك (وَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) فيه جواز تعريف الإنسان بنفسه إذا كان معروفًا بالشجاعة؛ ليُدخل الرعب في قلب خصمه. (وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَيُدْرِكَنِي) بالنصب بـ «أن» مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببيّة في جواب النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَاب نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (قَالَ أَحَدُهُمْ. أنَا أَظُنُّ) بحذف مفعوليه؛ لدلالة القرينة عليهما؛ أي: أظنّ ذلك واقعًا، وإلى جواز هذا الحذف أشار في «الخلاصة» بقوله: وَلَا تُجِزْ هُنَا بَلَا دَلِيلِ … سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ إذ مفهومه أنه إن دلّ الدليل على المحذوف جاز حَذْفهما معًا، أو حَذْف أحدهما، ومِن حَذْفهما معًا لدلالة ما قبلهما عليهما قول الشاعر [من الطويل]: بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ … تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ أي وتحسَب حبَّهم عارًا عليّ، ومِنْ حَذْف أحدهما للدلالة قوله [من الكامل]: وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ … مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ أي: فلا تظنّي غيره واقعًا. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «أنا أظنُّ»؛ أي: أتيقَّن، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]؛ أي: تحققت، وأيقنت، ويَحْتَمِل البقاء على أصل الظنّ الذي هو تغليب لأحد المحتملين، وقد اقتُصِر عليها، ولم يُذكر لها هنا مفعول، ويَحْتَمِل أن يكون حَذَف مفعولها؛ للعِلم به، وهو: «ذاك» الذي هو إشارة إلى المصدر الذي يُكْتَفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننت ذاك، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما قدّمته من تقدير المفعولين بقولي؛ أي: أظنّ ذاك واقعًا، والله تعالى أعلم. (قَالَ) سلمة (فَرَجَعُوا)؛ أي: رجع الأربعة الذين صَعِدوا إليه خوفًا منه لمّا علموا شجاعته، (فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي) بكسر الراء، من تَعِبَ؛ أي: لم أزل، ولم أنتقل من مكاني الذي كنت فيه إلى مكان آخر، (حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) تقدّم أنه جمع فارس، وهو من شواذ الجمع. (يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ)؛ أي: يمرّون من خلالها، والخلال: جمع خَلَل بفتحتين، وهو الفرجة بين الشيئين. (قَالَ) سلمة (فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ) «إذا» تقدّم قريبًا أنها للمفاجأة. و«الأخرم الأسديّ» هذا هو: مُحرز بن نَضْلَة بن عبد الله بن مُرَّة بن كثير بن غَنْم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسديّ، أبو نضلة، ويُعرف بالأخرم، ذَكَره موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما فيمن شَهِدَ بدرًا، قال في «الإصابة»: وثَبَت ذِكْره في حديث سلمة بن الأكوع الطويل عند مسلم، وفيه: «فما بَرِحت مكاني، حتى رأيت فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسديّ، وعلى أثره أبو قتادة»، فساق القصّة، كما هنا . (عَلَى إِثْرِهِ) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، والجاز والمجرور خبر مقدّم لقوله: (أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ) هو الحارث بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة، وقيل في اسمه غيره، شَهِدَ أُحُدًا وما بعده، ولم يصحّ شُهُوده بدرًا، ومات في السنة (٤٨) تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. (وَعَلَى إِثْرِهِ)؛ أي: بعد أبي قتادة (الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهرانيّ، ثم الكنديّ، ثم الزهرانيّ، حالف أبوه كِنْدة، وتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين إلى الإسلام، لم يثبُت أنه كان ببدر فارس غيره، مات - ﵁ - سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنةً، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨١. (قَالَ) سلمة (فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَم)؛ أي: بعنان فرسه، وهو - بكسر العين المهملة، وتخفيف النون -: سَيْرُ اللِّجَام الّذي تُمْسك به الدابّةُ، جَمْعه: أَعِنَّةٌ، وعُنُنٌ . وأما الْعَنَان بفتح العين، فهو السحاب وزنًا ومعنًى، ولا يُناسب هنا. وإنما أخذ سلمة بعنان فرس الأخرم، ليحبسه عن اتّباع المشركين وحده إلى أن يلحق به النبيّ - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -. (قَالَ) سلمة (فَوَلَّوْا مُدْبرِينَ) حال مؤكّد لعامله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]. قال في «الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ «لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا» (قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ)، وقوله: (لَا يَقْتَطِعُوكَ)؛ أي: لا يأخذوك، وينفردوا بك، فيفصلوك عن أصحابك، وَيحُولوا بينك وبينهم، فقوله: «لا يقتطعوك» مجزوم بالطلب قبله، واختُلف في جازمه، والأصحّ أنه بشرط مقدّر؛ أي: إن تحذرهم لا يقتطعوك. (حَتَّى يَلْحَقَ) من باب تَعِب، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، قَالَ) الأخرم (يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ)؛ أي: اتركني وحدي أقاتلهم حتى يقتلوني، وأُستشهد على أيديهم، وفيه ما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - من إيثارهم الآخرة على الدنيا، وتَبادُرهم إلى الشهادة في سبيل الله ﷿، واستهانتهم بالحياة الدنيا، وكأن الجنّة ونعيمها بمرأى من أعينهم، وكأن هذه الدنيا سجنٌ، يُحبّون الفرار منه ﵃ أجمعين. (قَالَ) سلمة (فَخَلَّيْتُهُ)؟ أي: خليت سبيله حتى ينال ما أراده، (فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ. (قَالَ) سلمة (فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ)؛ أي: جرح الأخرمُ الأسديّ فرسَ عبد الرحمن الفزاريّ، وضرب قوائمه، يقال: عَقَرَه عقْرًا، من باب ضرب: جرحه، وعَقَرَ البعيرَ بالسيف عَقْرًا: ضَرَب قوائمه به، لا يُطلق الْعَقْرُ في غير القوائم، قاله الفيّوميّ . (وَطَعَنَهُ)؛ أي: الأخرمَ الأسديَّ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ، فـ «عبد الرحمن» مرفوع على الفاعليّة لـ«طَعَنَ»، (فَقَتَلَهُ)؛ يعني أن عبد الرحمن الفزاريّ قتل الأخرم الأسديّ بعدما عقَر الأسديُّ فرسه، (وَتَحَوَّلَ) عبدُ الرحمن (عَلَى فَرَسِهِ)؛ أي: فرس الأخرم، (وَلَحِقَ) بكسر الحاء المهملة، (أَبُو قَتَادَةَ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (فَارِسُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) نعت لـ (أَبُو قَتَادَةَ)، (بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفزاريّ (فَطَعَنَهُ)؛ أي: طعن أبو قتادة الفزاريَّ (فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَتَبِعْتُهُمْ) بفتح اللام، وهي الداخلة على جواب القسم، كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقوله: (أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كوني مسرعًا في المشي، قال الفيّوميّ ﵀: عدا في مشيه يَعْدو عَدْوًا، من باب قال: قارب الْهَرْوَلةَ، وهو دون الْجَرْيِ. انتهى . (حَتَّى مَا) نافيةٌ، (أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَلَا غُبَارِهِمْ)؛ أي: وما أرى من الغبار الذي تثيره دوابّهم (شَيْئًا) أراد بذلك أنه أمعن في شدّة عَدْوه، وملاحقته المشركين، والجري خلفهم إلى أن بعُد عن أصحاب رسول الله - ﷺ - بُعْدًا شاسعًا بحيث إنه لا يرى منهم أحدًا، ولا من غبارهم شيئًا، وقوله: (حَتَّى يَعْدِلُوا) غاية لمتابعته لهم، (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ) - بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والجمع: شِعابٌ . (فِيهِ)؛ أي: في ذلك الشِّعْب (مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ) - بفتحتين - تقدّم أنه موضع قرب المدينة النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة - (لِيَشْرَبُوا) متعلّق «بيَعْدِلوا»، (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الماء، وقوله: (وَهُمْ عِطَاشٌ) جملة حاليّة، وهو - بكسر العين -: جمع عَطِشٍ، أو عطشان، يقال: عَطِشَ عَطَشًا، فهو عَطِشٌ، وعَطْشَان، وامرأةٌ عَطِشَةٌ وعَطْشَى، ويُجمعان على عِطاشٍ بالكسر . (قَالَ) سلمة (فَنَظَرُوا) وفي نسخة: «نَظَروا»، (إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ) جملة حاليّة؛ أي: حال كوني مسرعًا خلفهم، (فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ) - بحاء مهملة، ولام مشدّدة، غير مهموز -؛ أي: طردتهم عن ذلك الماء ، يقال: حلأت الرجل من الماء: إذا منعته من شُربه، وجلٌ مُحَلّأٌ؛ أي: مَذُود عن الماء مصدود، فقُلبت الهمزة ياء على غير قياس، كما سيأتي، وفسّره بعض الرواة بقوله: (يَعْني: أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) بالجيم من الإجلاء، وهو الإخراج، قال القاضي عياض: كذا روايتنا فيه هنا: «فحلّيتهم» غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهّله، وقد جاء مهموزًا بعد هذا في هذا الحديث . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وحلّيتهم» كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصله الهمز، قال القرطبيّ: وصوابه الهمز، وهو أصله، وهذا تسهيل لا يقتضيه القياس، وروايتي فيه بالهمز على الأصل، ومعناه: طردتهم عن الماء. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: هكذا جاء «حلّيتهم» في الرواية غير مهموز، فَقَلَب الهمزة ياءً، وليس بالقياس؛ لأن الياء لا تُبدل من الهمزة إلا أن يكون ما قبلها مكسورًا، نحو بِيرٍ، وإِيلاف، وقد شذّ: قَرَيتُ في قرأت، وليس بالكثير، والأصل الهمز. انتهى . (فَمَا) نافية، (ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ) سلمة (وَيَخْرُجُونَ) المضارع هنا وفيما بعده بمعنى الماضي؛ أي: وخرجوا، فاشتدّوا، وإنما عبّر بالمضارع؛ لاستحضار الحال الواقعة إذ ذاك، وتمثيلها للسامع، وكذلك قوله: «فأعدو، فألحق»، وقوله: «فأصكّه» كلّه بمعنى الماضي، وإنما اختار صيغة المضارع للغرض المذكور. (فَيَشْتَدُّونَ)؛ أي: يَجْرُون (فِي ثَنِيَّةٍ) تقدّم أنها الطريق، أو الطريق في الجبل. (قَالَ) سلمة (فَأَعْدُو)؛ أي: جريت في المشي، (فَأَلْحَقُ)؛ أي: لحقت (رَجُلًا مِنْهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَأَصُكُّهُ)؛ أي: ضربته، وأصل الصكّ هو: الضرب باليد مبسوطةً، يقال: صَكّه صَكًّا: إذا ضرب قفاه، ووجهه بيده مبسوطةً، قاله الفيّوميّ . وقال المجد ﵀: صَكّه: ضربه شديدًا بعريض، أو عامٌّ. انتهى . (بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ) - بنون مضمومة، ثمّ غين معجمة ساكنة، ثمّ ضاد معجمة - هو العظم الرقيق على طرف الكتف، وأصله من التحرّك، يقال: نغَضَ الشيءُ، كنصر، وضرب نَغْضًا، ونُغُوضًا ونَغَضَانًا، ونَغَضًا بالتحريك: إذا تحرّك، واضطرب، كأنغض، وتنغّضى، ويتعدّى بنفسه، يقال: نغضه: إذا حرّكه، كأنغضه ، وسُمّي بذلك العظم المذكور؛ لكثرة تحرّكه، وهو الناغض أيضًا . (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: خُذْهَا) وفي نسخة: «قلت: نعم خذها»؛ أي: الضربة، (وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ)؛ أي: المشهور بالشجاعة، (وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ)؛ أي: يوم هلاك اللئيم، وتقدّم الخلاف في معناه، فلا تغفل. (قَالَ) ذلك الرجل المصكوك: (يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ) الثُّكْلُ: فَقْدُ الولد، ومراده: الدعاء عليه بالموت، و«يا» للنداء، والمنادى بها محذوفٌ، تقديره: يا قوم، أو يا هؤلاء، أو هي لمجرّد التنبيه. (أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ؟) وفي بعض النسخ: «أأكوعه؟» بهمزتين؛ أي: أنت ابن الأكوع الذي كان معنا أول النهار؟. قال النوويّ ﵀: معنى «ثكلته أمه»: فَقَدَتْه، وقوله: «أَكْوَعُهُ» هو برفع العين؛ أي: أنت الأكوع الذي كنت بكرةَ هذا النهار، ولهذا قال: نعم، و«بُكْرَةَ» منصوب غير منوَّن، قال أهل العربية: يقال: أتيته بُكْرَةً بالتنوين: إذا أردت أنك لقيته باكرًا في يوم غير معيَّن، قالوا: وإن أردت بُكرةَ يوم بعينه، قلت: «أتيتُه بُكْرَةَ» غير مصروف؛ لأنها من الظروف غير المتمكنة. انتهى . وقال بعض المحقّقين فيما كتبه على هامش النسخة التركيّة ما نصّه: قوله: «أكْوَعه بُكرةَ» هكذا في عامّة النسخ التي بأيدينا «أَكْوَعُهُ» بالإضافة إلى ضمير الغَيْبة، ومعناه: هذا الأكوع الذي كان يرتجز لنا به صباح هذا النهار قد عاد يرتجز لنا به آخره، وقد علمتَ أنه كان أول ما لحقهم صاح بهم بهذا الرجز، ووقع في رواية «البهجة»: «أَكْوَعُنَا بكرةَ» بالإضافة إلى ضمير المتكلّمين؛ أي: أنت الأَكْوَعُ الذي كنت تتبعنا بكرةَ اليوم؟ قال: نعم أنا أَكْوَعك بكرة، ولعلّ هذه الرواية أقرب إلى الصواب؛ لاتّصال آخر الكلام فيها بأوله، وموافقة صَدْره لِعَجُزه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولعلّ هذه الرواية أقرب إلى الصواب» لا داعي إلى هذا الكلام، فإن رواية مسلم صواب، لا ركاكة فيها، فمعناها: أأنت أكوع هذا اليوم، أو هذا الأمر الذي كنت معنا بهذا الرجز أول اليوم؟، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «أكوعه بكرة» الضمير في «أكوعه» يعود على المتكلم، على تقدير الغَيبة، كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فَهِمَ منه هذا سلمة، حيث أجابه بقوله: «أكوعك بكرةَ»، فخاطبه بذلك، و«بكرةَ» منصوب، غير منوَّن على الظرف؛ لأنه لا ينصرف؛ للتعريف والتأنيث؛ لأنه أُريدَ بها بُكرة معيَّنة، وكذلك: غُدْوَةُ، وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمتُ. انتهى . (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ)؛ أي: متخذ نفسه عدوًّا حيث يريد أن يدخلها في نار جهنّم بِشِرْكه، (أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ)؛ أي: أنا الأكوع الذي كنت معك منذ أول النهار. (قَالَ) سلمة (وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ) قال ابن الأثير ﵀: أرديته: رميته، وتركته، والمراد: أنهم من خوفهم تركوا من خيلهم فرسين، ولم يقفوا عليهما هربًا، وخوفًا أن يلحقهم. انتهى. وقال القاضي عياض ﵀: كذا رواية الكافّة بالدال المهملة، ورواه بعضهم بالمعجمة، قال: وكلاهما متقارب المعنى، فبالمعجمة معناه: خَلَّفُوهما، والرَّذِيّ: الضعيف من كل شيء، وبالمهملة معناه: أهلكوهما، وأتعبوهما، حتى أسقطوهما، وتركوهما، ومنه الْمُتَرَدِّيةُ، وأَرْدَتِ الخيلُ الفارسَ: أسقطته. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وأرذوا فرسين»، روايتي فيه بالذال المعجمة، ومعناه: تركوا فرسين مَعِيبين لم يقدرا على النهوض، من الضعف والْكَلال، والرَّذِيّة: المعيبة، وجَمْعها: رَذَايا، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: .......................... … فَهُنَّ رَذَايَا فِي الطَّرِيقِ وَدَائِعُ وقد رُوي بالدال المهملة: «أردوا»؛ أي: تركوهما هلكى، من الرَّدَى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: «فأقبلت بهما أسوقهما»، فدل على أنهما لم يهلكا، وإنما ثَقُلا كَلالًا، وإعياءً. انتهى . (قَالَ) سلمة (فَجِئْتُ بِهِمَا)؛ أي: بالفرسين، (أَسُوقُهُمَا اِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ) سلمة (وَلَحِقَنِي) بكسر الحاء، (عَامِرٌ) ابن الأكوع، وهو عمّه، (بِسَطِيحَةٍ) - بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين -: إناء من جلود سُطح بعضها على بعض، (فِيهَا)؛ أي: في تلك السطيحة، (مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ) «الْمَذْقَة» - بفتح الميم، وإسكان الذال المعجمة: القليل من اللبن الممزوج بماء، (وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ)؛ أي: بالماء (وَشَرِبْتُ)؛ أي: من اللبن الممزوج بالماء. (ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ) جملة حاليّة من رسول الله؛ أي: والحال أنه - ﷺ - جالس على الماء (الَّذِي حَلْالهُمْ عَنْهُ)، أي: أجليتهم، وطردتهم عن ذلك الماء، قال النوويّ ﵀: كذا هو في أكثر النسخ: «حَلأتهم» بالحاء المهملة، والهمز، وفي بعضها: «حلّيتهم عنه» بلام مشدّدة، غير مهموز، وقد سبق بيانه قريبًا. (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) تقدّم أن «إذا» هي الفجائيّة، (قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِبِلَ)؛ أي: التي استنقذها سلمة من أيدي المشركين الذين أغاروا عليها، (وَكُلَّ شَيْءٍ) بالنصب عطفًا على «تلك»، (اسْتَنْقَذْتُهُ)؛ أي: خلّصته (مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ) بنصب «كلَّ» أيضًا كسابقه، (وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِبِلِ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ) كذا في النسخة الهنديّة بلفظ «التي»، وهو الصواب، ووقع في أكثر النسخ: بلفظ: «الذي» بدل «التي»، قال النوويّ ﵀: كذا في أكثر النسخ: «الذي»، وفي بعضها: «التي»، وهو أوجَهُ؛ لأن الإبل مؤنّثةٌ، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين، والأول صحيح أيضًا، وأعاد الضمير إلى الغنيمة، لا إلى لفظ الإبل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «والأول صحيح أيضًا … إلخ» لا يخفى ما فيه من التعسّف، فالصواب أن لفظ «التي» هو الصواب، كما قال صاحب «البهجة» ، فتأمل، والله تعالى أعلم. (وَإِذَا هُوَ يَشْوِي) بفتح أوله، يقال: شويتُ اللحم أَشْويه شَيًّا، فانشوى، مثلُ كسرته، فانكسر، وهو مَشْويّ، وأصله مَفْعُولٌ، وأشويته بالألف لغةٌ، واشتويتُ على افتعلتُ، مثلُ شَوَيته، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فاشتوى، على افتَعَلَ، فإن الافتعال فِعْلُ الفاعل، والشِّوَا فِعَالٌ، بمعنى مفعول، مثلُ كتاب، وبساطٍ، بمعنى مكتوب، ومبسوط، وله نظائر كثيرة، وأشويتُ القومَ بالألف: أَطعمتهم الشِّوَاء، قاله الفيّوميّ . (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ كَبِدِهَا) «من» تبعيضيّة، أو بعض كبد تلك الناقة، و«الكبد» من الأمعاء معروف، وهي أنثى، وقال الفرّاء: تُذكَّرُ، وتؤنّثُ، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلًا . (وَسَنَامِهَا)؛ أي: بعض سنامها، والسّنام للبعير كالأَلْيَة للغنم، والجمع أسنِمَةٌ، وسُنِمَ البعير، وأُسْنِمَ بالبناء للمفعول: عَظُمَ سَنامه، ومنهم من يقول: أَسْنَمَ بالبناء للفاعل . (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّنِي)؟ أي: اترُكني (فَأَنْتَخِبُ) يُروى بالنصب بـ «أن» مضمرة وجوبًا؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما في «الخلاصة»: وَبَعْدَ جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصبْ ويُروى بالرفع، على أن الفاء لمجرّد العطف . (مِنَ الْقَوْمِ)؛ أي: من الصحابة - ﵃ -، (مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَّبعُ الْقَوْمَ)؛ أي: المشركين (فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ)؛ أي: أحد ممن يُخبر قومه في بلده بما جرى لهم من هلاك هؤلاء (إِلَّا قَتَلْتُهُ، قَالَ) سلمة (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) تعجّبًا من شدّة بغضه للمشركين، ومحبته لظهور الإسلام في بقاع الأرض، (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) جمع ناجذ، وهو السنّ بين الضِّرْس والناب، قال ثعلبٌ: المراد: الأنياب، وقيل: الناجذ: آخر الأضراس، وهو ضِرْسُ الْحُلُم؛ لأنه يَنبُتُ بعد البلوغ، وكمالِ العقل، وقيل: الأضراس كلُّها نواجذ، قال في البارع: وتكون النواجذ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الْخُفّ: الأنياب . ثم إن ظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويُحْمَل ما ورد في صفته - ﷺ - أن ضحكه كان تبسمًا على غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لم يَزِد على التبسم ، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي ضَوْءِ النَّارِ) متعلّق بـ «بَدَتْ»، (فَقَالَ: «يا سَلَمَةُ، أَتُرَاكَ)؛ أي: أتظُنّك (كُنْتَ فَاعِلًا؟)؟ أي: ما ذكرته لو أذِنت لك بذلك؟ (قُلْتُ: فَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ) - ﷺ - (»إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: ليُضافون، يقال: قَرَيتُ الضيف أَقريه، مِن رَمَى قِرًى بالكسر، والقصر: أضفته، والاسم: الْقَرَاءُ بالفتح، والمدّ . (فِي أَرْضِ غَطَفَانَ)؛ أي: عند قومهم؛ يعني: أنهم قد بلغوا بني غطفان، وهم يُقرونهم بتقديم طعام وغيره، وهذا من معجزات النبيّ - ﷺ -، حيث أخبر بما وقع لهم بعد غيابهم عنه - ﷺ -، ووُجد واقعًا كما أخبر به - ﷺ -. (قَالَ) سلمة (فَجَاءَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه، (مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ) قال صاحب «التنبيه»: قيل: هو حبيب بن عيينة بن بدر الفزاريّ، كما وُجد بخط بعض الفضلاء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم يذكر بعض الفضلاء مستنده، فهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم. (جَزُورًا) - بفتح الجيم -: هو البعير، أو خاصّ بالناقة المجزورة، كما تقدّم بيانه. (فَلَمَّا كشَفُوا)؛ أي: سلخوا (جِلْدَهَا)؛ أي: جلد تلك الجزور، (رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ) يعنون المسلمين، النبيّ - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ -، (فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا) بالضمّ: جمع فارس، (الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ - ﵁ -، (وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا) بفتح الراء، وتشديد الجيم: جمع راجل، وهو خلاف الفارس، (سَلَمَةُ) بن الأكوع - ﵁ -، قال النوويّ ﵀: وفيه استحباب الثناء على الشجعان، وسائر أهل الفضائل؛ لِمَا فيه من الترغيب لهم، ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل، وهذا كلّه في حقّ من تُؤْمَن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه. انتهى . (قَالَ) سلمة (ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْفَارِس، وَسَهْمُ الرَّاجِل، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا) قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نَفَلًا، وهو - ﵁ - حقيقٌ باستحقاق النّفَل؛ لبديع ما صنعه في هذه الغزوة . وقال القرطبيّ ﵀: أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبيّ - ﷺ - إيَّاه؛ لشدَّة غَنَائه، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم، وهو الذي تَنَزَّل منزلة الجيش فيما فَعَل، ولم يُسمع بمن فَعَل مثل فِعله في تلك الغزاة، ثم لعل النبيّ - ﷺ - إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن كان أعطاه من الغنيمة، فذلك خصوص به؛ لخصوص فِعله. انتهى . وقال بعض المحقّقين: أما سهم الراجل، فهو حقّه، وأما سهم الفارس، فهو شيء نفّله النبيّ - ﷺ - إياه؛ لحسن بلائه، والتنفيل: تخصيص الإمام من له أثرٌ في الحرب بشيء من المال زيادةً على سهمه، وقد اختَلَفَ العلماء فيه، فقال بعضهم: يُعطى النفل من أصل الغنيمة، وقال آخرون: بل من الخُمس، وقيل: من خمس الخمس، وقيل: مما عدا الخمس، ونَقَل الزقانيّ! عن الشافعيّ أنه قال بتفويضه لرأي الإمام، يَعمَل بما يرى فيه المصلحة؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١]. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله الإمام الشافعي ﵀ هو الأقرب؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَرْدَفَنِي)؛ أي: أركبني (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ) اسم ناقة النبيّ - ﷺ -، وأصل العضباء: هي الناقة المشقوقة الأذن، وليست ناقته - ﷺ - كذلك، وإنما هذا لَقَبُها؛ لنجابتها، لا لشفها، فتنبّه. (رَاجِعِينَ)؛ أي: حال كوننا راجعين (إِلَى الْمَدِينَةِ) النبويّة. (قَالَ) سلمة - ﵁ - (فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ) سلمة (وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لا يُعرف اسمه ، (لَا يُسْبَقُ) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يسبقه أحد من الناس (شَدًّا)؛ أي: عَدْوًا على الرجلين؛ يعني: أنه كان شديد الجري بحيث لا يسبقه أحدٌ في العدو. (قَالَ) سلمة (فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ ذلك الرجل (يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟) قال القرطبيّ ﵀: قيّدنا «ألا» مفتوحًا بغير تنوين؛ لأنها «لا» التي للنفي، والتبرئة، زيدت عليها همزة الاستفهام، وأُشربت معنى التمني؛ كما قالوا: ألا سيفَ صارمٌ، ألا ماءَ باردٌ؛ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد [من الطويل]: ألا طِعَانَ، ألا فُرْسانَ عادِيَةً … إِلَّا تجشُّؤُكُمْ حَوْلَ التَّنانِيرِ ويجوز الرفعُ على أن تكون «ألا» استفتاحًا، ويكون «مسابقٌ» مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَا هنا مسابق، أو نحوه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: «ألا» في البيت المذكور للتوبيخ والإنكار، وَيحْتَمِلُ أن تكون «ألا» هنا للتمنّي، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: أَلَا عُمْرَ وَلَّى مُسْتَطَاعٌ رُجُوعُهُ … فَيَرْأَبَ مَا أَثْأَتْ يَدُ الْغَفَلَاتِ يدلّ على ذلك قوله: «هل من مسابق؟» ، والله تعالى أعلم. (هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ) من الإعادة، وهو التكرار؛ أي: يردّده مرّةً بعد أخرى. (قَالَ) سلمة (فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كرِيمًا؟، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟) قال القرطبيّ: قول سلمة هذا يدلّ على أنه فَهِمَ من قول الرجل: «ألا مسابقٌ؟» النفي، فكأنه قال: لا أحدَ يسبقني، فلذلك أنكر عليه سلمة، ولو كان عرضًا فقط لم يكن فيه ما يُنكره. انتهى . (قَالَ) الرجل (لَا)؛ أي: لا أُكرم كريمًا، ولا أهاب شريفًا، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) الكريم المهاب (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) فـ «رسولَ» منصوب على أنه خبر «يكون»، ووقع في بعض النسخ مضبوطًا بالرفع أيضًا، وعليه فهو اسم «يكون»، وخبرها محذوف؛ أي: مسابقًا لي، فأهابه. (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِيِ وَأُمِّي) متعلّق بمحذوف؛ أي: أَفديك بأبي وأُمي، أو أنت مفديّ بأبي وأمي، (ذرْنِي)؛ أي: (اتركني فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ) وفي بعض النسخ: «فلأَسْبِقَ الرجل»، وهو منصوب بلام «كي»، على زيادة الفاء، أو اللام زائدة، والفاء سببيّة، والفعل منصوب بعد الفاء السببيّة بـ «إن» مضمرة وجوبًا، كما مرّ قريبًا. (قَالَ) - ﷺ - («إِنْ شِئْتَ»)؛ أي: إن شئت أن تسابقه، فافعل، قال النوويّ ﵀: وفي هذا دليلٌ لجواز المسابقة على الأقدام، وهو جائز بلا خلاف، إذا تسابقا بلا عِوَضٍ، فإن تسابقا على عوض، ففي صحّتها خلافٌ، والأصحّ عند الشافعيّة لا تصحّ. انتهى . (قَالَ) سلمة (قُلْتُ: اذْهَبْ) هذا خطاب للرجل الطالب للمسابقة؛ أي: اشرع في العدو، وقوله: (إِلَيْكَ) متعلّق بـ «اذهب»؛ أي: اذهب إلى الجهة التي تريد المسابقة فيها، ويَحْتَمِل أن يكون «إِليك» اسم فعل، بمعنى: تنحّ، وأبعُد عني، حتى ينفصل جريك عن جرصي، وهذا من شدّة وثوق سلمة - ﵁ - بأن هذا المتسابق لا يغلبه، وقد وقع كذلك. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «اذهب إليك»: قيّدناه على من يوثق بعلمه على الأمر؛ أي: انفُذ لوجهك، وخذ في الجري، يقوله سلمة، وهو راكب خلف النبيّ - ﷺ - للرَّجل الذي قال: ألا مسابق، ولذلك قال: وثنيت رجليّ؛ أي: نزلت عن ظهر العضباء، و«إليك» على هذا معمول لـ «اذهب»؛ أي: انفذ لوجهك. انتهى . (وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ)؛ أي: عطَفتهما؛ لأتمكّن من الجري، (فَطَفَرْتُ)؛ أي: وثبت، وقفزت، قال الفيّوميّ ﵀: طَفَرَ طَفْرًا، من باب ضرب، وطُفُورًا أيضًا، والطَّفْرة أخصّ من الطَّفْر، وهو الوثوب في ارتفاع، كما يَطْفِرُ الإنسان الحائطَ إلى ما وراءه، قاله الأزهريّ وغيره، وزاد الْمُطَرّزيّ على ذلك، فقال: ويدلّ على أنه وَثْبٌ خاصّ قول الفقهاء: زالت بَكَارتها بوثْبَةٍ، أو طَفْرة، وقيل: الوَثْبةُ من فوقُ، والطَّفْرة إلى فوقُ. انتهى . (فَعَدَوْتُ)؛ أي: أسرعتُ. (قَالَ) سلمة (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: حَبَستُ نفسي عن الجري الشديد، (شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ) الشرَفُ بفتحتين: ما ارتفع من الأرض، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: أي: طَلَقًا، أو طَلَقَين، والطّلَق بفتحتين: الشوط الواحد من سباق الخيل، وقال الفيّوميّ: الطلق بفتحتين: جَرْيُ الفرس، لا تحتبس إلى الغاية، فيقال: عَدَا الفرسُ طَلَقًا، أو طَلَقين، كما يقال: شَوْطًا، أو شَوْطين. انتهى . والمراد أنه حبس نفسه مقدار شَرَف، أو شرفين، ثم جرى بعده، وفسّر القرطبيّ: «ربطت» بشددت عليه، والظاهر أنه غير مناسب، بل ظاهر السياق يؤيّد تفسيره بحبستُ، فتأمل بالإمعان. (أَسْتَبْقِي نَفَسِي) بفتح الفاء؛ يعني: أنه حبس نَفَسه؛ إبقاء له، لئلا ينقطع من شدّة الجري، والمراد أنه لم يبذل في بداية الأمر قصارى قوّته في الجري؛ لئلا ينقطع نفسه، بل استبقاه؛ ليتمكّن من الإسراع عندما يقترب من الرجل. وقال القرطبيّ: قوله: «أستبقي نفسي» رويناه بفتح الفاء، وسكونها، ففي الفتح يعني به التنفّس، يريد أنه رَفَقَ في جريه؛ مخافة ضيق النفس، وبالسكون يعني به: أُرَوِّح نفسي، وأُجمّها لجري آخر. انتهى . (ثُمَّ عَدَوْتُ)؛ أي: أسرعت (فِي إِثْرِهِ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين؛ أي: بعده (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْن، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ)؛ أي: أسرعتُ، وقال القرطبيّ: رفعتُ؛ أي: زِدْت في السير، ويُروى «دَفَعْتُ» بالدال؛ أي: دفعت دفعةً شديدةً من الجري، وكلاهما قريبٌ في المعنى . (حَتَّى أَلْحَقَهُ) «حتى» هنا للتعليل، بمعنى «كي»، و«ألْحَقَ» منصوب بـ «أنْ» مضمرة وجوبًا بعدها، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ «حَتَّى» هَكَذَا إِضْمَارُ «أَنْ» … حَتْمٌ كـ «جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ» (قَالَ) سلمة (فَأَصُكُّهُ)؛ أي: أضربه، وتقدّم أن المضارع هنا بمعنى الماضي، وإنما عبّر به؛ لحكاية الحال الماضي، واستحضارها كأنها تشاهَدُ الآن. (بَيْنَ كتِفَيْه، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللهِ) ببناء الفعل للمفعول، والخطاب للرجل المتسابق؛ أي: قد سبقتك. (قَالَ) الرجل (أَنَا أَظُنُّ) بحذف المفعولين اختصارًا؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أظنّ ذلك واقعًا. (قَالَ) سلمة (فَسَبَقْتُهُ)؛ أي: الرجلَ (إِلَى الْمَدِينَةِ) النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة - (قَالَ) سلمة (فَوَاللهِ مَا لَبِثْنَا) بكسر الباء، يقال: لَبِثَ بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِب: إذا مكث فيه، وجاء في المصدر السكون؛ للتخفيف . (إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ) وفي بعض النسخ: «ما لبثنا ثلاث ليالٍ»، (حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا الكلام أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قَرَد؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير الذي هو ثلاث ليال، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن غزوة ذي قَرَد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم غزا بعدها بني المصطلِق في شعبان من تلك السنة، ثم اعتَمَر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجَّة، وبعض المحرَّم، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البرّ وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك، وهذا الذي وقع في هذا الحديث وَهَمٌ من بعض الرُّواة. ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - أغزى سَرِيّة فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه، وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب «المغازي» له: أنه - ﷺ - أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الأخير يُبعده قول سلمة - ﵁ -: «حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - ﷺ -»، فقد نصّ على أنه - ﷺ - خرج إليها، فلا يناسب حمله على أنه أغزى إليها سريّة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ثم رأيت الحافظ قد بحث في المسألة، فقال - عند البخاريّ ﵀: «باب غزوة ذات الْقَرَد، وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبيّ - ﷺ - قبل خيبر بثلاث» - ما نصّه: قوله: «وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبيّ - ﷺ - قبل خيبر بثلاث» - كذا جزم به، ومُستنَده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه: «قال: فرجعنا - أي: من الغزوة - إلى المدينة، فوالله ما لَبِثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر»، وأما ابن سعد فقال: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية، وقيل: في جمادى الأولى، وعن ابن إسحاق: في شعبان منها، فإنه قال: كانت بنو لحيان في شعبان سنة ستّ، فلما رجع النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، فلم يُقِم بها إلا ليالي، حتى أغار عُيينة بن حِصْن على لقاحه، قال القرطبيّ شارح مسلم في الكلام على حديث سلمة بن الأكوع: لا يَختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وَهَمِ بعض الرواة، قال: ويَحْتمل أن يُجْمَع بأن يقال: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - كان أغزى سريّةً، فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه؛ يعني: حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبيّ - ﷺ - أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى. قال الحافظ: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: «حين خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - ﷺ -»: «فجعل عامر يرتجز بالقول»، وفيه قول النبيّ - ﷺ -: «من السائق؟»، وفيه مبارزة عليّ لمرحب، وقَتْل عامر، وغير ذلك، مما وقع في غزوة خيبر حين خرج إليها النبيّ - ﷺ -، فعلى هذا ما في «الصحيح» من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السِّير. ويَحْتَمِل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح، وقعت مرتين: الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية، قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة، كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في «الإكليل» أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأُولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبيّ - ﷺ - في ربيع الآخر، سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها. انتهى. قال الحافظ ﵀: فإذا ثبت هذا قَوِي هذا الجمع الذي ذكرته، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما حققه الحافظ ﵀ أنه لا وَهَمَ فيما وقع في «صحيح مسلم»، من قوله: «ما لبثنا إلا ثلاث ليال»، وكذا فيما ذكره البخاريّ في كلامه السابق: «قبل خيبر بثلاث»، ولا اعتراض على ذلك بما ذكره أهل السِّيَر؛ لأن ما في «الصحيح» أصحّ، وأثبت مما ذكروه؛ لأنهم لا يتحاشون عن ذكر الضعيف، بل المنكَر؛ لأن قَصْدَهم ذِكْر كلّ ما قيل، وإن لم يصحّ، كما نبّه عليه الحافظ العراقيّ ﵀ في «ألفيّة السِّيَر» حيث قال: وَلْيَعْلَمِ الطَّالِبُ أَنَّ السِّيَرَا … تَجْمَعُ مَا صَحَّ وَمَا قَدْ أُنْكِرَا وَالْقَصْدُ ذِكْرُ مَا أَتَى أَهْلُ السِّيَرْ … بِهِ وَإِنْ إِسْنَادُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ (قَالَ) سلمة (فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، وتقدّمت في رواية أبي الطاهر، عن ابن وهب أنه قال: «أخي»، وقلنا: يُجمع بأنه عمه حقيقةً، وأنه أخوه من الرضاعة، أو نحو ذلك، فتنبّه. (يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ)؛ أي: يُنشد شعرًا من بحر الرجز، وتقدّم أن أوزانه «مستفعلن» ستّ مرّات. (تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) قد تقدّم شرح هذه الأبيات، فلا تغفل. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا؟») وفي رواية: «من هذا السائق؟» (قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ) - ﷺ - («غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ»، قَالَ) سلمة: (وَمَا) نافية، (اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ)؛ أي: استغفارًا خاصًّا بذلك الإنسان، (إِلَّا اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول؛ أي: نال الشهادة في سبيل الله. (قَالَ) سلمة (فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، وقوله: (وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من «عمر»، (يَا نَبِيَّ الله، لَوْلَا مَتَّعْتَنَا)؛ أي: هلّا دعوت الله تعالى أن يمتّعنا بحياته، فـ «لولا» هنا للعرض، وهو الطلب بِلِيْن وتأدّب، كما قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية [المنافقون: ١٠]، ووقع في بعض النسخ: «لو ما متّعتنا»، وفي بعضها: «لولا ما متّعتنا»، (بِعَامِرٍ؟)؛ أي: بحياته، وبقائه فينا. (قَالَ) سلمة (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (خَيْبَرَ قَالَ) مؤكّد لـ«قال» قبله، (خَرَجَ) مبارزًا (مَلِكُهُمْ)؛ أي: رئيس يهود خيبر، وقوله: (مَرْحَبٌ) مرفوع على البدليّة، وهو - بفتح الميم، وإسكان الراء، وفتح الحاء، آخره موحّدة - وضبطه في «تاج العروس» كمِنْبَر . (يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ) بكسر الطاء المهملة؛ أي: يرفعه مرّةً، ويضعه أخرى، ومنه: خَطَر البعير بذنبه يَخْطِر بالكسر، من باب ضرب خَطَرًا بفتحتين: إذا رفعه مرّةً، ووضعه مرّةً أخرى ، والمعنى: أنه يهزّ سيفه متكبّرًا ومُحادّة لله ﷾، ورسوله - ﷺ -. (وَ) الحال أن عامرًا (يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ)؛ أي: تامّ السلاح، يقال: رجل شاير السلاح، وشاكُ السلاحِ - بالرفع - وشاكِ السلاح - بالكسر - من الشوكة، وهي القوّة، والشوكة أيضًا: السلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. وقال الفيّوميّ ﵀: الشوكة: شدّة البأس والقوّة في السلاح، وَشَاكَ الرجلُ يَشَاكُ شَوْكًا، من باب خافَ: ظهرت شوكته، وحِدّته، وهو شائك السلاح، وشاكي السلاح على القلب، وشوكة المقاتل: شدّة بأسه. انتهى . وقال المجد ﵀: الشوكة: السلاح، أو حِدّته، ومن الققال: شدّة بأسه، والنكاية في العدوّ، قال: ورجلٌ شاكُ السِّلاح، وشَائِكُهُ، وشَوِكُهُ، وشَاكِيهِ: حديده. انتهى . (بَطَلٌ) بفتحتين؛ أي: شُجاعٌ، يقال: بَطُل الرجلُ بضم الطاء، يَبْطُل بَطَالةً، وبُطُولةً؛ أي: صار شُجاعًا، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: رجل بَطَلٌ؛ أي: شُجاع، والجمع أَبْطَالٌ، مثلُ سبب وأسباب، والفعل منه: بَطُلَ بالضم، وزانُ حسُن، فهو حَسَنٌ، وفي لغة: بَطَلَ يَبْطُلُ، من باب قتل، فهو بَطَلٌ: بَيِّنُ البِطَالَة، بالفتح، والكسر، سُمِّي بذلك؛ لبطلان الحياة عند ملاقاته، أو لبطلان العظائم به، قال بعض شارحي الْحَمَاسة: يقال: رجل بَطَلٌ، وأمرأة بَطَلَةُ، كما يقال: شُجَاعَةٌ. انتهى . (مُجَرَّبُ) بفتح الراء المشدّدة؛ أي: مجرّب بالشجاعة، وقهر الْفُرسان. وقال القرطبيّ ﵀: «مجرّبٌ» روايتنا فيه بفتح الراء، على أنه اسم مفعول؛ يعني: أنه جُرّبت حروبه، وعُلمت، ويصحّ أن يقال بالكسر، على أنه اسم فاعل؛ يعني: أنه جرّب الحروب بنفسه، فخَبَرَها. انتهى . (إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ) أصله: تتلهّب، بتاءين، إلا أنه خُفّف بحذف إحداهما، كنظائره، نحو قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» قال المجد ﵀: اللَّهْبُ، واللَّهَبُ، واللهِيبُ، واللُّهَابُ بالضمّ، واللَّهَبَانُ محرَّكةً: اشتعال النار إذا خَلَصَ من الدخان، أو لَهَبُهَا: لسانها، ولَهِيبها: حَرُّها، وألهبها، فالتهَبَت، ولَهّبها، فتلهّبت، واللَّهَبَانُ: شِدّةُ الحرّ. انتهى . والمعنى هنا: تشتعل نارها، وهو كثاية عن شدّة الحرب. (قَالَ) سلمة (وَبَرَزَ)؛ أي: ظهر، مبارزًا (لَهُ)؛ أي: لمرحب، (عَمِّي عَامِرٌ) - ﵁ - (فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَل مُغَامِرٌ) اسمُ فاعل من غامر؛ يعني: أنه يأتي غَمَرَات الحروب، ويقتحمها، وأصله من الْغَمْر، وهو الماء الكثير، قاله القرطبيّ ، وقال النوويّ: «مغامر» بِالغين المعجمة؛ أي: يركب غَمَرَات الحرب، وشدائدها، ويُلقي نفسه فيها . (قَالَ) سلمة (فَاخْتَلَفَا)؛ أي: اختلف عامرٌ، ومرحب، فتضاربا (ضَرْبَتَيْنِ) متعاقبتين، (فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرسِ عَامِرٍ) بضمّ التاء، وإسكان الراء: هو ما يُتوقّى به في الحرب، جَمْعه تَرِسَةٌ، كعِنَبَةٍ، وتُرُوسٌ، وتِرَاسٌ، مثل فُلُوسٍ، وسِهَام، وربّما قيل: أتراسٌ، قال ابن السّكّيت: ولا تقل: أَتْرِسَةٌ، وزانُ أَرْغِفةٍ . (وَذَهَبَ)؛ أي: شرع، وأخذ (عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ) - بفتح الياء، وإسكان السين، وضمّ الفاء؛ أي: يضربه من أسفله . (فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِه، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ) بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح الحاء، آخره لام: عِرْقٌ في اليد، أو هو عِرْق الحياة، ولا يقال: عِرْق الأكحل، قاله المجد . (فَكَانَتْ فِيهَا)؛ أي: في تلك الضربة، (نَفْسُهُ)؛ أي: هلاك نفسه. (قَالَ سَلَمَةُ) - ﵁ - (فَخَرَجْتُ)؛ أي: من المحل الذي كنت فيه، (فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ)؛ أي: جهاده، ثم علّلوا حكمهم ببطلانه، فقالوا: (قَتَلَ نَفْسَهُ) ببناء الفعل للفاعل؛ أي: لأنه قتل نفسه، وقَتْل النفس من الموبقات. (قَالَ) سلمة (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -)، وَالحال (وأَنَا أَبْكِي) لِمَا سمعته من قولهم: بَطَل عمل عامر، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ) هكذا في هذه الرواية، وتقدّم أنه قال قلت له: «فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حَبِطَ عمله»، (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟»)؛ أي: من الذي قال: بطل عمل عامر؟ (قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ) وتقدّم أنه قال: قلت: فلان وفلان، وأُسيد بن حُضير الأنصاريّ. (قَالَ) - ﷺ - («كَذَبَ)؛ أي: أخطأ (مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ») وقال فيما سبق: «إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهدٌ، قلّ عربيّ مشى بها مثله». (ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ)؛ أي: ابن أبي طالب - ﵁ -، (وَهُوَ أَرْمَدُ)؛ أي: والحال أن عليًّا - ﵁ - به رَمَدٌ، وهو داء التهابيّ، يصيب العين ، قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: يقال: رَمِد الإنسان بكسر الميم يَرْمَدُ بفتحها رَمَد، فهو رَمِدٌ، وأرمدُ: إذا هاجت عينه. انتهى ، وقال الفيّوميّ ﵀: رَمِدت العين رَمَدًا، من باب تَعِبَ، فالرجل: أَرْمَدُ، والمرأة رَمْداء، مثلُ أحمر، وحمراء، ويقال أيضًا: رَمِدٌ، ورَمِدَةٌ، وأرمدت العين بالألف لغة . (قَالَ) - ﷺ - («لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) هي عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تركه؛ تخفيفًا، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمع الهمز، والجمع: رايات، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقال في«الفتح»عند قول البخاريّ ﵀:«باب ما قيل في لواء النبيّ - ﷺ -»ما نصّه:«اللواء» بكسر اللام والمد: هي الراية، ويُسمى أيضًا لعَلَمَ، وكان الأصل أن يُمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تُحمل على رأسه، وقال أبو بكر بن العربيّ: اللواء غير الراية، فاللواء ما يُعْقَد في طَرَف الرمح، ويُلْوَى عليه، والراية ما يُعقَد فيه، ويُترك حتى تُصَفِّقه الرياح، وقيل: اللواء دون الراية، وقيل: اللواء: العَلَم الضخم، والعَلَم علامة لمحل الأمير، يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب. انتهى . (رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) - ﷺ - (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال هذا، أو قال: (يُحِبُّهُ اللهُ) تعالى (وَرَسُولُهُ») - ﷺ -، ووقع في بعض النسخ:«ويُحبّه الله ورسوله»بالواو بدل«أو»، وهكذا وقع في بعض روايات البخاريّ بالواو، وفي بعضها بـ«أو». (قَالَ) سلمة (فَأَتيْتُ عَلِيًا) - ﵁ - (فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَبَسَقَ) بالسين المهملة، وفي بعض النسح: كما يُطلق الْعَرِينُ على الغابة أيضًا، ولعلّ ذلك لاتّخاذه إياه في داخل الغابة غالبًا. (كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ)؛ يعني: أنه كريه المنظر في عين عدوّه؛ لأن موت عدوّه مقرون بنظره إليه، قال القرطبيّ: الهاء فيه، وفي حيدرة للاستراحة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يعني: أنها هاء السكت، وفيه نظر؛ لأن المنظرة مثل المنظر، وقد عدّهما في «القاموس» من مصادر نظر، و«الحيدرة» لغة في «الحيدر» أيضًا، كما أسلفته قريبًا، فليست الهاء فيهما للسكت، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ)؛ أي: أقتُل الأعداء قتلًا ذريعًا واسعًا، (كَيْلَ السَّنْدَرَهْ) - بفتح السين المهملة، وإسكان النون، وفتح الدال المهملة -: مكيالٌ واسعٌ، وقيل: هي العَجَلة؛ أي: أقتلهم عاجلًا، وقيل: مأخوذ من السندرة، وهي شجرة الصَّنَوْبِر، يُعْمَلُ منها النَّبْلُ، والْقَسِيّ، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ ﵀: «السندرة»: مكيال واسع، قال القتبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون أُخذ من السَّنْدرة، وهي شجرة يُعْمَل منها النبل والقسيّ، قال صاحب العين: كيل السندرة: ضرب من الكيل، ومعناه: أقتلهم قتلًا واسعًا، وقيل: السندرة: العجلة؛ أي: أقتلهم قتلًا عَجِلًا عاجلًا. انتهى . (قَالَ) سلمة: (فَضَرَبَ) عليّ - ﵁ - (رَأْسَ مَرْحَبٍ، فَقَتَلَهُ)؛ أي: قتل عليّ - ﵁ - مرحبًا، وهذا هو الأصح، وقيل: أن قاتلً مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن عبد البرّ ﵀ في كتابه «الدرر في مختصر السير»: قال محمد بن إسحاق: إن محمد بن مسلمة هو قاتله، قال: وقال غيره: إنما قتله عليّ ﵀، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، ثم رَوَى ذلك بإسناده عن سلمة، وبُريدة، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث، وأهل السير أن عليًّا - ﵁ - هو قاتله، وحكى محمد بن سعد أن الذي قتله محمد بن مسلمة، وذَفَّفَ عليه عليّ ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قاتل مرحب هو عليّ - ﵁ -، وذكر بعضهم ما يَجمع بين اختلاف الروايتين، وهو ما ساقه الواقديّ في «مغازيه»، فقال: ويقال: إن مرحب برز، وهو كالفحل الصئول، يرتجز، وهو يقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَضْرِبُ أَحْيَانًا وَحِينًا أُضْرَبُ يدعو للبراز، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قُتِل أخي بالأمس، فائذن لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فَأَذِن له رسول الله - ﷺ - في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج محمد، فصاح يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم، فبرز إليه مرحب، وهو يرتجز: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ. وخرج محمد بن مسلمة، وهو يقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَاضِ … حُلْوٌ إِذَا شِئْتُ وَسُمٌّ قَاضِ ويقال: إنه جعل يومئذٍ يرتجز ويقول: يَا نَفْسُ إَنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي … لَا صَبْرَ لِي بَعْدَ أَبِي النُّبَيتِ وكان أخوه محمود يكنى بأبي النُّبَيت. قال: وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه، قال: فحال بينهما عُشَرات، أصلها كمثل أصل الْفَحْل من النخل، وأفنان مُنْكَرة، فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعُشَر، حتى قطعا كل ساق لها، وبقي أصلها قائمًا، كأنه الرجل القائم، وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، وبَدَر مَرْحَبٌ محمدًا، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدَّرَقَة، فلَحَجَ سيفه، وعلى مرحب دِرْع مشمرة، فيضرب محمد ساقي مرحب، فقطعهما. ويقال: لما اتقى محمد بالدرقة، وشمرت الدرع عن ساقي مرحب، حين رفع يديه بالسيف، فطأطأ محمد بالسيف، فقطع رجليه، ووقع مرحب، فقال مرحب: أَجْهِز يا محمد، قال محمد: ذُقْ الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه، ومَرَّ به عليّ، فضرب عنقه، وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله - ﷺ - في سلبه، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، والله ما قطعت رجليه، ثم تركته إلا ليذوق مُرّ السلاح، وشدّة الموت، كما ذاق أخي، مكث ثلاثًا يموت، وما منعني من الإجهاز عليه شيء، قد كنت قادرًا بعد أن قطعت رجليه، أن أجهز عليه، فقال عليّ - ﵁ -: صدق، ضربت عنقه بعد أن قَطَع رجليه، فأعطى رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة سيفه، ودرعه، ومِغْفره، وبيضته، فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب لا يُدْرَى ما هو؟ حتى قرأه يهوديّ من يهود تيماء، فإذا فيه: هذا سيفُ مَرْحب مَن يَذُقه يَعْطَبْ. انتهى قال الجامع عفا الله عنه: لكن الواقديّ ضعيف، لا تُعارض روايته ما في «الصحيح»، فما في «الصحيح» من أن قاتل مرحب هو عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هو الصحيح، ولا حاجة إلى الجمع بين الروايتين، إذ لا تعارض بين الصحيح والضعيف، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ)؛ أي: فَتْح خيبر (عَلَى يَدَيْه)؛ أي: على يدي عليّ - ﵁ -، كما قال - ﷺ -: «يفتح الله على يديه». وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو إبراهيم بن محمد بن سفيان، أبو إسحاق النيسابوريّ المتوفّى سنة (٣٠٨ هـ) تلميذ الإمام مسلم، راوي هذا الكتاب عنه، تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. وغرضه بهذا بيان علوّ إسناده الذي ذكره على إسناده من طريق مسلم، فإنه وصل إلى عكرمة بواسطتين: محمد بن يحيى، وعبد الصمد بن عبد الوارث، بينما وصل إليه من طريق مسلم بثلاث وسائط: مسلم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهاشم بن القاسم في السند الأول، ومسلم، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو عامر العقديّ في السند الثاني. والحاصل أن فائدة ذكر إبراهيم بن محمد هذا الإسناد بيان العلوّ له فيه، بخلاف ما في إسناد مسلم، والله تعالى أعلم. (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذّهْليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [حافظ جليلٌ ١١] (ت ٢٥٨) وله (٨٦) سنةً (خ ٤) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. [تنبيه]: كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليّ هو الظاهر، فما ذكره بعض الشرّاح من أنه محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، ففيه نظر؛ لأن الأول هو الذي نصّ المزيّ في «التهذيب» أنه يروي عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان، راجع: «تهذيب الكمال» (٢٦/ ٦٢١). وأما الثاني، فلم يُذكر إيراهيم المذكور ممن روى عنه، والظاهر أنه لم يلقه؛ لأنه متقدّم الوفاة، فإن مسلمًا لا يروي عنه إلا بواسطة، وأحيانًا بواسطتين، كما تقدّم في «مقدّمة صحيحه» برقم (٤٤)، ومات سنة (٢٢٣)، وقيل: (٢٢٦)، وقيل: (٢٣٣). والحاصل أن كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليّ، لا القطّان هو الظاهر، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (حَدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم التّنّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ) وفي بعض النسخ: «بهذا، (ح) وحدّثنا أحمد»؛ أي: حدّثنا بهذا الحديث، ثم قال: (ح) إشارة إلى تحويل السند، فهو من تَتِمّة أسانيد مسلم، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٤٦٦٩ و٤٦٧٠] (١٨٠٧)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٥٣٣ - ٥٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٥٢ - ٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٧٣)، و(الطبريّ) في «تاريخه» (٢/ ٥٩٦، ٦٠٠)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٨١ - ٨٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٨٨) و«دلائل النبوّة» (٤/ ١٨٢ - ١٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله ﷿؛ إرادةً للشهادة. ٢ - (ومنها): جواز اقتحام الواحد على الجمع؛ إذا كان من أهل النجدة. ٣ - (ومنها): جواز المبارزة بغير إذن الإمام، كما بارز عامر بن الأكوع - ﵁ -، وهو حجَّة على من كرهها مطلقًا، وهو الحسن، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام، وهو إسحاق، وأحمد، والثوري، ثم هل يُعان المبارِزُ أم لا؟ أجازها أحمد، وإسحاق، ومنعها الأوزاعيّ، وفصّل الشافعيّ، فقال: إن شَرَطَ المبارَزُ عدمها لم يَجُز، وإن لم يشترط جاز . ٤ - (ومنها): استحباب الثناء على الشجاع، ومن فيه فضيلة، لا سيما عند الصنع الجميل؛ ليستزيد من ذلك، ومحلّه حيث يؤمَن الافتتان. ٥ - (ومنها): جواز المسابقة على الأقدام، ولا خلاف في جوازه بغير عِوَض، وأما بالعوض فالصحيح لا يصحّ، والله أعلم. ٦ - (ومنها): أن فيه أربعَ معجزات لرسول الله - ﷺ -: إحداها: تكثير ماء الحديبية، والثانية: إبراء عين عليّ - ﵁ -، والثالثة: الإخبار بأنه يَفتَحُ الله على يديه، وقد جاء التصريح به في رواية غير مسلم هذه، والرابعة: إخباره - ﷺ - بأنهم يُقْرَون في غَطَفان، وكان كذلك، قاله النوويّ . ٧ - (ومنها): جواز الصلح مع العدوّ. ٨ - (ومنها): بعث الطلائع. ٩ - (ومنها): بيان فضيلة الشجاعة، والقوة. ١٠ - (ومنها): بيان مناقب سلمة بن الأكوع، وأبي قتادة، والأحزم الأسديّ - ﵃ -. ١١ - (ومنها): جواز عَقْر خيل العدوّ في القتال. ١٢ - (ومنها): استحباب الرجز في الحرب. ١٣ - (ومنها): جواز قول الرامي، والطاعن، والضارب: خُذْها وأنا فلان، أو ابن فلان. ١٤ - (ومنها): جواز الأكل من الغنيمة. ١٥ - (ومنها): استحباب التنفيل منها لمن صنع صَنِيعًا جميلًا في الحرب. ١٦ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابة المطيقة. ١٧ - (ومنها): ما كانت عليه الصحابة - ﵃ - من حبّ الشهادة، والحرص عليها، كما فعل الأخرم الأسديّ، وعامر بن الأكوع - ﵄ -. ١٨ - (ومنها): جواز إلقاء النفس في غَمَرات القتال، وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد، في المبارزة، ونحوها. ١٩ - (ومنها): أن من مات في حرب الكفار بسبب القتال، يكون شهيدًا، سواء مات بسلاحهم، أو رَمَته دابة، أو غيرها، أو عاد عليه سلاحه، كما جرى لعامر - ﵁ -. ٢٠ - (ومنها): تفقّد الإمام الجيش، ومن رآه بلا سلاح أعطاه سلاحًا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزدِيُّ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزدِيُّ السُّلَمِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةُ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن موسى الْجُرَشيّ الأمويّ مولاهم، أبو محمد اليماميّ، ثقةٌ له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤١. و«عكرمة بن عمّار» ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: رواية النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمّار هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده» بسند المصنّف، فقال: (٦٨٢٠) - حدّثنا أحمد بن يوسف السُّلَمِيّ، قثنا النضر بن محمد، قثنا عكرمة بن عمار، قثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه - ﵁ -، قال: خرجت إلى النبيّ - ﷺ -، وأنا غلام حَدَثٌ، وتركت أهلي ومالي إلى الله ﷿، ورسوله - ﷺ -، فكنت تَبِيعًا لطلحة بن عبيد الله - ﵁ - أَخدُمُه، وآكل معه من طعامه، فقدِمنا الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، مع النبيّ - ﷺ -، وعليها يومئذٍ خمسون شاةً، ما ترويها، فرأيت رسول الله - ﷺ - حين قعد على جِبَاها ، قال: فإما بَسَقَ فيها، وإما دعا، فما نُزحت بعدُ، ثم إن نبي الله - ﷺ - بايعنا تحت الشجرة، فبايعته في أول الناس، ثم بايع، حتى كان في وسط من الناس، ثم قال: «يا سلمة ألا تبايعني؟» قلت: يا رسول الله بايعتك في أول الناس، قال: «وأيضًا»، ثم قال: «يا سلمة، أما لك جُنّة؟»، فأعطاني جَحَفَةً، أو قال: دَرَقَةً، ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس، قال: «يا سلمة، ألا تبايعني؟» قال: قلت: يا رسول الله قد والله بايعتك أول الناس، وفي أوسطهم، قال: «وأيضًا»، ثم قال: «يا سلمة، أين جحفتك؟ - أو قال: دَرَقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت: يا رسول الله أعطيتها عَمِّي عامرًا، وكان أعزل، فقال رسول الله - ﷺ - وضحك -: «إنك كالذي قال الأَوّل: اللهم أبغني حبيبًا أحبّ إليّ من نفسي»، ثم إن قومًا من المشركين من أهل مكة، كان بيننا وبينهم صلح، حتى تمشت بعضنا في بعض، واختلطنا، فأتيت الشجرة، فكَسَحت شوكها، ثم نزلت في ظلها، ثم اضطجعت، ووضعت سلاحي، فأتاني أربعة من المشركين، يتماشون، فجلسوا إليّ، فجعلوا يقعون في النبيّ - ﷺ -، فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، فما عدا أن وضعوا ثيابهم، وعَلَّقوا سلاحهم، إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قُتِل ابن زُنيم، قال: فأشُدّ عليهم، حتى أَقِفَ على رؤوسهم بالسيف، ثم قال: والذي كَرَّم وجه محمد - ﷺ - لا يمدّ واحد منكم يده إلى سلاحه، إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم ضممت سلاحهم، وسُقتهم بسيفي، حتى آتي بهم النبيّ - ﷺ -، وجاء عمي عامر بِمِكْرَز، أو ابن مكرز رجلٍ من الْعَبَلات، يقود به فرسه، مُتسلِّحًا في سبعين رجلًا، فلما نظر إليهم نبيّ الله - ﷺ - قال: «ذَرُوهم، يكن لهم بَدْء الفجور وثِنَاهُ»، ثم رجعنا إلى المدينة، فمررنا على جبل بيننا وبين العدوّ، فاستغفر رسول الله - ﷺ - لمن طلعه تلك الليلة، فأطلعته ثلاث مرّات، أو مرتين، ثم قَدِمنا المدينة، فخرجت بفرس طلحة بن عبيد الله - ﵁ - مع رَبَاح - ﵁ - غلام رسول الله - ﷺ - في ظهر رسول الله - ﷺ -، فلما كان بِغَلَس، إذا نحن بعبد الرحمن بن عيينة بن بدر الْفَزَاريّ، قد أغار على سرح رسول الله - ﷺ -، فاستاق هو وأصحابه، وقَتَلوا راعيها، فقلت: يا رَبَاح، اركب هذا الفرس، فأبلغه طلحة، وأخبر رسول الله - ﷺ - أن المشركين قد أغاروا على سرحه، وقَتَلوا راعيه، قال: وأشرقت شَرْقًا من الأرض، ثم ناديت بأعلى صوتي: يا صباحاه، ثم اتَّبعت القوم، أرميهم بالنبل، وأقول: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ … الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ وأهوي لرجل منهم بسهم، فأضعه في بعض الكتف، ثم قلت: خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فلم أزل أرميهم بالنبل، فإذا حملوا عليّ لجأت إلى شجرة، ثم نثرت نبلي، فعقرت بهم، وإذا تضايق الوادي، عَلَوت عليهم الجبل، فرميتهم بالحجارة، حتى أحرزت الظهر الذي أخذوا كلَّه، وأخذت من مُشاتهم سوى ذلك أكثر من ثلاثين رُمْحًا، وثلاثين بُرْدةً، يطرحونها، لا أضم منها شيئًا ثمة إلا جعلته طريق رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وجعلت عليه حجارةً علامةً؛ ليعرفوا، فلما امتدّ الضحى إذا عُيينة بن بدر أبو عبد الرحمن قد أتاهم مددًا، فنزلوا يتضحون، وعلوت عليهم الجبل، فقعدت، فنظر إليّ عيينة، فقال: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا الْبَرْحاء، ما فارقنا بغَلَس حتى هذا مكانه، قال: أفلا يقوم إليه نفر منكم، فقام إليّ أربعة منهم، فسندوا إلى الجبل، فلما دَنَوا مني، قلت: أتعرفوني؟ أنا ابن الأكوع، والذي نفسي بيده، لا يطلبني رجل منكم، فيلحَقَني، ولا أطلبه، فيفوتَني، قالوا: إنا نظنّ، فرجعوا، ثم إذا أنا بفوارس رسول الله - ﷺ - أولهم الأخرم الأسديّ، وأبو قتادة، والمقداد بن الأسود، فانحدرت من الجبل، فأعرض الأخرم، وهو أول القوم، فآخذ بعِنَان فرسه، فقلت: يا أخرم أتذر القوم أن يقتطعوك، حتى يلحق رسول الله - ﷺ - وأصحابه؟ فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حقّ، والنار حقّ، فلا تَحُل بيني وبين الشهادة، فتركته، فتقدّم، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعَقَر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، ثم تحول على فرسه، فالتقى عبد الرحمن وأبو قتادة، فاختلفا طعنتين، فعقر عبد الرحمن بأبي قتادة، وطعنه أبو قتادة فقتله، وتحول على فرسه، ثم وَلَّى القوم، لا يَلْوُون على شيء، فاتبعتهم على رجليّ، حتى ما أرى من فرسان رسول الله - ﷺ -، ولا من رَجّالتهم أحدًا، ثم مالوا إلى ماء، يقال له ذو قَرَد، فأبصروني وراءهم، فحَلّيتهم عنه، وهم عِطاشٌ، حتى ألحق في ثنية ذي الدثير، فألحقُ رجلًا على راحلته في مؤخر القوم، فأرميه بسهم، فقلت: خذها: وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قال: واثكل أمي، أَكْوَعِيا بكرةَ؟ قلت: نعم؛ أي عدوّ نفسه، وأخذت بفرسين أرديهما في الثنية، فسُقْتهما معي حتى ألقى عمي عامرًا في الظلام، على بعير، معه سطيحتان، إحداهما مَذْقة - أي: بقية من لبن - والأخرى ماء، فتوضأت، وصليت، حتى آتي نبيّ الله - ﷺ - نازلًا على الماء الذي حَلّيتهم عنه، ذو قَرَد، ووجدت بلالًا - ﵁ - يشوي كبدًا وسنامًا من جزور نُحِر من الإبل التي حَوَيت من المشركين، فقلت: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي ذَرْني، فأنتخبَ من القوم مائة، فآخذ عليهم بالعشوة، فأصبح، ولم يبق مُخبِرٌ، فرأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه في عشوة النار، ثم قال رسول الله - ﷺ -:«يا سلمة أكنت فاعلًا؟ »قلت: نعم والذي بعثك بالحقّ، فقال رسول الله - ﷺ -:«إنهم الآن لَيُقْرَون في غطفان»، فما بَرِحت حتى جاء رجل، فقال: يا رسول الله نزلوا بفلان الغطفانيّ، فنحر لهم جَزورًا، ثم أبصروا الغَبَرة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فخرجوا، وتركوا قراهم، قال: وأعطاني رسول الله - ﷺ - سهم الفارس، وسهم الراجل جميعًا، وأردفني خلفه على العضباء، فلما كان بيننا وبين المدينة كالروحة، أو الغدوة، أتانا رجل من الأنصار، كان لا يُسبَق، فقال: هل من مسابق؟ ألا هل من مسابق؟ مرتين، أو ثلاثًا، فأقبلت عليه، فقلت: أما تكرم عليه كريمًا؟ ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله - ﷺ -، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أفلا أسابق الرجل؟ قال: إن شئت، فثنيت رجلي، فطَفَرت عن ظهر الناقة، ثم قلت: اذهب إليك، ورَبَطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم ترفعت حتى ألحقه، فصككت بين كتفيه، ثم قلت: سبقتك والله، قال: إني أظنّ، ثم قدمنا المدينة، فما لبثنا بها إلا ثلاثًا، حتى خرج رسول الله - ﷺ - إلى خيبر، فخرجت، وعمي عامر بن الأكوع، فجعل يرتجز القوم، ويقول: تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا إِنَّ الَّذِينَ هُمْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا … فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فنادى رسول الله - ﷺ -: «مَن هذا؟» قالوا: يا رسول الله هذا عامر، فقال: «غفر لك ربك»، قال: فوالله ما استغفر رسول الله - ﷺ - قط يخصه لرجل، إلا استُشْهِد، قال: فناداه عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهو على راحلته في ناحية القوم: يا رسول الله، لو متّعتنا بعامر؟ قال: فلما قَدِمنا خيبر، أقبل مَرْحَب، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فقال عامر: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ … شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرَ فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في تُرْس عامر، ورجع سيف عامر عليه، فأصاب ساق نفسه، فأتى له فيها، قال: فمررت على نفر من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وهو يقولون: بَطَل عمل عامر، فأتيت النبيّ - ﷺ - أبكي، فقلت: يا رسول الله أبَطَل عمل عامر؟ قال: «ومَن قال ذاك؟» قال: قلت: بعض أصحابك، قال: «كَذَب ذاك، بل له أجره مرتين»، قال: ثم أرسل نبيّ الله - ﷺ - إلى عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، فقيل: يا نبيّ الله إنه أرمد، فجئت به أقوده إلى النبيّ - ﷺ -، وقد قال رسول الله - ﷺ - قبل ذلك: «لأعطينّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، فبسق رسول الله - ﷺ - في عينيه، ثم أعطاه الراية، فكان الفتح على يديه، ولمّا برز عليّ، فارتجز مرحب، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبَ … شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قال: فقال عليّ - ﵁ -: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ … كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قال: ففَلَق عليّ رأسه، وكان الفتح على يديه. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٧٠)

١. وفي نسخة: «وإما بسق».

٢. وفي نسخة: «بالصلح».

٣. وفي نسخة: «وأخذت».

٤. وفي نسخة: «فإذا أتى إليّ فارس».

٥. وفي نسخة: «هل تعرفونني».

٦. وفي نسخة: «نظروا».

٧. وفي نسخة: «قلت: نعم خذها».

٨. وفي نسخة: «فلأسبق الرجل».

٩. وفي نسخة: «ما لبثنا ثلاث ليال».

١٠. وفي نسخة: «لولا متعتنا».

١١. وفي نسخة: «ويحبّه الله ورسوله».

١٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٤ - ١٧٥.

١٣. «زاد المعاد» ٣/ ٢٥٥.

١٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٥.

١٥. «المفهم» ٣/ ٦٦٩.

١٦. شرح النوويّ«١٢/ ١٧٥.

١٧. راجع:«المصباح المنير»١/ ٦٩.

١٨. «المصباح المنير»١/ ٣٣.

١٩. «الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة» لابن عابدين ﵀ ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٥.

٢١. «المفهم» ٣/ ٦٧٠.

٢٢. «المفهم»٣/ ٦٧٠.

٢٣. «المصباح المنير»١/ ١٢٢.

٢٤. «القاموس المحيط»ص ٢٦٧ و٤٢٦.

٢٥. «المفهم»٣/ ٦٧٠.

٢٦. راجع:«تكملة فتح الملهم»٣/ ٢٣٢.

٢٧. «مسند الإمام أحمد»٤/ ٤٩.

٢٨. «المفهم»٣/ ٦٧٠.

٢٩. «القاموس المحيط»ص ١٢٠.

٣٠. «شرح النوويّ»١٢/ ١٧٦.

٣١. «المفهم» ٣/ ٦٧٠ - ٦٧١.

٣٢. راجع: هامش «التركيّة» ٥/ ١٩٠.

٣٣. «الصحاح» ص ٢٣٣.

٣٤. «القاموس المحيط» ص ٩٨٢.

٣٥. «تنبيه المعلم» ص ٣١٨.

٣٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٤.

٣٧. «فتح المغيث» ٣/ ٢٢٣.

٣٨. راجع: «الدر المنثور» ٧/ ٥٢٧.

٣٩. هو صاحب «تكملة فتح الملهم»، وتبعه الهرريّ.

٤٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

٤١. «جامع الأصول» ٨/ ٣١٩.

٤٢. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٢.

٤٣. «شرح النوويّ»١٢/ ١٧٦ - ١٧٧.

٤٤. «إكمال المعلم»٦/ ١٩٨.

٤٥. «اللباب في تهذيب الأنساب»٢/ ٣١٧.

٤٦. «شرح النوويّ»١٢/ ١٧٦.

٤٧. «شرح النوويّ»١٢/ ١٧٧.

٤٨. «المصباح المنير» ١/ ٨٦.

٤٩. «القاموس المحيط» ص ١٨٢.

٥٠. «شرح الأبيّ» ٥/ ١٤٨.

٥١. «تفسير الطبريّ» ٢٦/ ٩٣.

٥٢. «تفسير ابن كثير» ٤/ ١٩٣.

٥٣. «المفهم» ٣/ ٦٧٢.

٥٤. راجع: «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ١٢٩.

٥٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٧ - ١٧٨.

٥٦. «المفهم» ٣/ ٦٧٢.

٥٧. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٣٦.

٥٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٥.

٥٩. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٣٧٧.

٦٠. «المفهم» ٣/ ٦٧٣.

٦١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٨.

٦٢. «زاد المعاد» ٣/ ٢٤٨.

٦٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٣.

٦٤. «المصباح المنير» ١/ ١٨.

٦٥. «المفهم» ٣/ ٦٧٣.

٦٦. «المصباح المنير» ١/ ٤.

٦٧. «المفهم» ٣/ ٦٧٣.

٦٨. «المفهم» ٣/ ٦٧٣ - ٦٧٤.

٦٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٨ - ١٧٩.

٧٠. «المفهم» ٣/ ٦٧٤.

٧١. «المفهم» ٣/ ٦٧٤ - ٦٧٥.

٧٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٩.

٧٣. هامش «النسخة التركيّة» ٥/ ١٩٢.

٧٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٩.

٧٥. راجع: هامش «النسخة التركيّة» ٥/ ١٩٢.

٧٦. من هامش «النسخة التركيّة» ٥/ ١٩٢.

٧٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٩.

٧٨. «لسان العرب» ١٢/ ١٤.

٧٩. «تنبيه المعلم» ص ٣١٨.

٨٠. راجع: «القاموس المحيط» ص ٧٧١.

٨١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٧٩.

٨٢. «لسان العرب» ١٣/ ٣٣٤.

٨٣. هو صاحب «تكملة فتح الملهم»، وتبعه الشيخ الهرريّ.

٨٤. «القاموس» ص ٧٣٩.

٨٥. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٠.

٨٦. «المفهم» ٣/ ٦٧٥.

٨٧. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٥/ ٧٨٣.

٨٨. «القاموس المحيط» ص ٩٢١.

٨٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢١.

٩٠. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٧.

٩١. «المصباح المنير» ١/ ٣١٣.

٩٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٦.

٩٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٠.

٩٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٠.

٩٥. «المفهم» ٣/ ٦٧٥ - ٦٧٦.

٩٦. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٤٢١.

٩٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٥.

٩٨. «القاموس المحيط» ص ٧٤٧.

٩٩. راجع: «القاموس المحيط» (١٣٠٠)، و«المصباح المنير» ٢/ ٦١٥.

١٠٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨١.

١٠١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨١.

١٠٢. من هامش النسخة التركيّة ٥/ ١٩٣.

١٠٣. «المفهم» ٣/ ٦٧٧.

١٠٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٩٩.

١٠٥. «المفهم» ٣/ ٦٧٧.

١٠٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٢.

١٠٧. راجع: ما كُتب في هامش النسخة التركية ٥/ ١٩٣.

١٠٨. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

١٠٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

١١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٩١.

١١١. راجع: هامش التركيّة ٥/ ١٩٣.

١١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٣.

١١٣. راجع: «الفتح» ٤/ ١٧١، كتاب «الصوم» رقم (١٩٣٦).

١١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠١، و«القاموس» ص ١٠٥٣.

١١٥. «تنبيه المعلم» ص ٣١٨.

١١٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٢.

١١٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٢.

١١٨. «المفهم» ٣/ ٦٧٨.

١١٩. من هامش التركيّة ٥/ ١٩٤.

١٢٠. «تنبيه المعلم» ص ٣١٨.

١٢١. «الطعان»: الضرب بالرمح، و«الفرسان العادية»: كثيرو العدو، سريعوه، والتجشؤ: صوت يصدر عن امتلاء المعدة، والتنانير: جمع تنوّر، وهو الموقد الذي يُخبز فيه.

١٢٢. «المفهم» ٣/ ٦٧٨ - ٦٧٩.

١٢٣. قوله: «يرأب»؛ أي: يصلح، وقوله: «ما أثأت»؛ أي: ما أفسدت.

١٢٤. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ١٤٤ - ١٤٦.

١٢٥. «المفهم» ٣/ ٦٧٩.

١٢٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٣.

١٢٧. «المفهم» ٣/ ٦٨٠.

١٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٤.

١٢٩. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧.

١٣٠. «المفهم» ٣/ ٦٧٩.

١٣١. «المفهم» ٣/ ٦٧٩.

١٣٢. «المصباح» ٢/ ٥٤٧ بزيادة التفسير من «القاموس».

١٣٣. «المفهم» ٣/ ٦٨٠.

١٣٤. «الفتح» ٩/ ٢٨٩ - ٢٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٤).

١٣٥. راجع: «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٢٦٩.

١٣٦. شرح النوويّ«١٢/ ١٨٤، و»المصباح« ١/ ١٧٣.

١٣٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٧.

١٣٨. «القاموس المحيط» ص ٧١٨.

١٣٩. «المصباح المنير» ١/ ٥٢.

١٤٠. «المفهم» ٣/ ٦٨١.

١٤١. «القاموس المحيط» ص ١١٩٠.

١٤٢. «المفهم» ٣/ ٦٨١.

١٤٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٤.

١٤٤. «المصباح المنير» ١/ ٧٤.

١٤٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٤.

١٤٦. «القاموس المحيط» ص ١١١٧.

١٤٧. «المعجم الوسيط»١/ ٣٧٢.

١٤٨. «شرح النوويّ»١٢/ ١٨٥.

١٤٩. «المصباح المنير»١/ ٢٣٨.

١٥٠. «المصباح المنير»١/ ٢٤٦.

١٥١. «الفتح»٧/ ٢٣٢، كتاب«الجهاد»رقم (٢٩٧٥).«فبصق» بالصاد المهملة، وهما بمعنى واحد، قال الفيّوميّ ﵀: بَسَقَ بُساقًا بمعنى بَصَقَ، وهو إبدال منه، ومنعه بعضهم، وقال: لا يقال: بسَقَ بالسين إلا في زيادة الطول، كالنخلة وغيرها، وعزاه إلى الخليل. انتهى (^١). (فِي عَيْنَيْهِ)؛ أي: عيني عليّ - ﵁ -، (فَبَرَأَ) بتثليث الراء، قال الفيّوميّ ﵀: بَرَأَ من المرض يَبْرَأُ، من بابي نَفَعَ، وَتَعِبَ، وبَرُؤَ بُرْءًا، من باب قَرُب لغةٌ: شُفِي، وتخلّص مما فيه (^٢). (وَأَعْطَاهُ)؛ أي: أعطى النبيّ - ﷺ - عليًّا (الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ)؛ أي: إلى المعركة طالبًا من يبارزه، (فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ) تقدّم شرح الرجز. (فَقَالَ عَلِيٌّ) - ﵁ - (أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي) هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشميَّة، والدة عليّ، وإخوته، قيل: إنها تُوُفّيت قبل الهجرة، والصحيح أنها هاجرت، وماتت بالمدينة، وبه جزم الشعبيّ، قال: أسلمت، وهاجرت، وتوفيت بالمدينة (^٣)، ليس لها رواية، ولكن لها ذكرٌ فقط. (حَيْدَرَهْ)؛ أي: أسدًا، و«الحيدر، والحيدرة، والحادر من أسماء الأسد، سُمّي بذلك؛ لغِلَظه، وقوّته»، وقال النوويّ ﵀: حَيْدَرَةُ: اسم للأسد، وكان عليّ - ﵁ - قد سُمِّي أسدًا في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكّره عليّ - ﵁ - ذلك؛ لِيُخِيفه، ويُضْعِف نفسه، قالوا: وكانت أم عليّ سمّته أوّلَ ولادته أسدًا باسم جدّه لأمه أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكان أبو طالب غائبًا، فلما قَدِمَ سماه عليًّا، وسُمِّي الأسدُ حَيْدَرة؛ لِغِلَظه، والحادر: الغليظ القويّ، ومراده: أنا الأسد على جُرْأته، وإقدامه، وقوّته. انتهى (^٤). (كَلَيْثِ غَابَاتٍ)؛ أي: أنا مثلُ الأسد الذي يعيش في الغابات، و«الليث» اسم للأسد، وجمعه لُيُوثٌ، والأنثى ليثة، وجمعها لَيْثَات، و«الغابات»: جمع غابة، وهي الشجر الْمُلْتَفّ، سُمّيت بذلك؛ لأنها تغيّب فيها من دخلها، وتُطلق أيضًا على عَرِين الأسد؛ أي: مأواه،

١٥٢. «المصباح المنير» ١/ ٤٩.

١٥٣. «المصباح المنير» ١/ ٤٧، و«المعجم الوسيط» ١/ ٤٦.

١٥٤. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٨/ ٦٠.

١٥٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٥.

١٥٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٥.

١٥٧. «المفهم» ٣/ ٦٨٣.

١٥٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٦، و«المفهم» ٣/ ٦٨٣.

١٥٩. «مغازي الواقديّ» ١/ ٦٥٦.

١٦٠. هو الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه لهذا الكتاب ١٩/ ٤٠٠.

١٦١. «المفهم» ٣/ ٦٨٣.

١٦٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٦.

١٦٣. «قثنا» في المواضع الثلاثة مختصر من «قال: حدّثنا»، فتنبّه.

١٦٤. هو ما حول البئر.

١٦٥. هكذا النسخة «شرقًا» بالقاف، ولعله مصحّف من «شَرَفًا»، وقد تقدّم من رواية مسلم بلفظ: «ثم قمت على أَكَمة»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٦٦. هكذا النسخة «بعض»، والظاهر أنه مصحّفٌ من «نُغْض»، كما سبق في رواية مسلم، فليُحرّر.

١٦٧. كذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من «احذر»، كما سبق في مسلم، فليُحرّر.

١٦٨. كذا النسخة، وتقدّم في مسلم بلفظ: أَكْوَعه»، وفي لفظ:«أَكْوَعنا».

١٦٩. كذا النسخة، وتقدّم في مسلم:«وأردوا فرسين»، وفي رواية:«وأرذوا فرسين»بالذال المعجمة.

١٧٠. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٣٠١ - ٣١٠.