HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا. فَكَانَ مَعَهَا. فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟) قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ. إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ كفى وأحسن).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص196
ج ٣ ص ١٤٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٢٤
[٤٣٨] قولها: (إِن دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرتُ بَطْنَهُ) ، أي: شققت، وفي غير هذه الرواية: (بَعَجْتُ) ، وقولها: (اقْتُل مَن بَعدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ) يعني: أهل مكة الذين أسلموا يوم الفتح؛ سماهم النبي ﷺ طلقاءَ احترامًا أن يقال لهم: عتقاء، وفي ذلك بعض الغضاضة. وفي الحديث من الفقه: غزو النساء للحاجة إليهن، والنساء لا غزو عليهن، إلا أن تقع ضرورةٌ، لأن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الله قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ). * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٥٤٠
(٤٤) - (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢٤]). وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٧١] (١٨٠٨) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيم، مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِه، فَأَخَذَهُمْ سَلَمًا، فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. والباقون تقدّموا قبل باب، وكذا الكلام في لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، هَبَطُوا) - بفتحتين -؛ أي: نزلوا، يقال: هبط الماء وغيره هَبْطًا، من باب ضرب: نزل، وفي لغة قليلة: يَهْبُطُ هُبُوطًا، من باب قَعَدَ، وهَبَطتُهُ: أنزلته، يتعدّى، ولا يتعدّى، وهبطتُ من موضع إلى موضع آخر: انتقلت . (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وكان ذلك عام الحديبية، (مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ) بصيغة مصدر نَعَّمَ، يقال: نعّم الله تنعيمًا: جعله ذا رفاهية، والمراد هنا: الموضع المعروف، وهو أقرب الحِلّ إلى مكة، ويقال: بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة - ﵂ - ، وهو بالتقدير الحديث سبعة كيلو مترات تفريبًا، حال كونهم (مُتَسَلِّحِينَ)؛ أي: لابسين السلاح، وهو آلة الحرب. (يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ -) - بكسر الغين المعجمة -؛ أي: خِدْعته في حال غفلته، يقال: غَرّه غَرًّا، وغُرُورًا، وغِرّةً، بالكسر: إذا خدعه، فهو مغرور، وغَرِير، كأمير . (وَ) غِرّة (أَصْحَابِهِ) - ﵃ -، والمعنى: أنهم أرادوا أن يصادفوا النبيّ - ﷺ -، وأصحابه في غفلة من التأهّب لهم؛ ليتمكّنوا من الغدر والفتك بهم. (فَأَخَذَهُمْ) النبيُّ - ﷺ - حيث أرسل إليهم من يأسرهم، فأُخذوا دون أن يقاتلوا، وفي رواية عبد بن حميد: «أن ثمانين رجلًا هبطوا على رسول الله - ﷺ - وأصحابه من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، وهم يريدون أن يقتلوه، فأُخذوا أَخْذًا، فأعتقهم رسول الله - ﷺ -». وقوله: (سَلَمًا) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أحدهما: بفتح السين، واللام، والثاني: بإسكان اللام، مع كسر السين، وفتحها، قال الحميديّ: ومعناه الصلح، قال القاضي عياض في «المشارق»: هكذا ضبطه الأكثرون، قال فيه، وفي «الشرح»: الرواية الأُولى أظهر؛ ومعناها: أسرهم، والسَّلَمُ: الأَسْرُ، وجزم الخطابيّ بفتح اللام، والسين، قال: والمراد به الاستسلام، والإذعان، كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]؛ أي: الانقياد، وهو مصدرٌ يَقَعُ على الواحد، والاثنين، والجمع، قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصّة، فإنهم لم يُؤخذوا صُلْحًا، وإنما أُخذوا قَهْرًا، وأسلموا أنفسهم عَجْزًا، قال: وللقول الآخر وجه، وهو أنه لَمّا لم يَجر معهم قتال، بل عَجَزوا عن دفعهم، والنجاة منهم، فَرَضُوا بالأسر، فكأنهم قد صُولحوا على ذلك. انتهى . (فَاسْتَحْيَاهُمْ)؛ أي: أبقاهم النبيّ - ﷺ - أحياءً، وتركهم، ولم يُعاقبهم بالقتل، ولا بغيره، يقال: استحييته بياءين: إذا تركته حيًّا، فلم تقتله، ليس فيه إلا هذه اللغة، وحَيِيَ منه حَيَاءً بالفتح والمدّ، فهو حَيِيّ، على فَعِيل، واستحيا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان، إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم، بياء واحدة، قاله الفيّوميّ . (فَأنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (٢٤)﴾ الآية [الفتح: ٢٤]. قال الإمام ابن جرير الطبريّ - ﵀ - في «تفسيره»: يقول تعالى ذِكْرُهُ لرسوله - ﷺ -، والذين بايعوا بيعة الرضوان: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾، يعني: أن الله كَفّ أيدي المشركين الذين كانوا خَرَجوا على عسكر رسول الله - ﷺ - بالحديبية، يلتمسون غِرَّتهم؛ ليصيبوا منهم، فبَعَث رسول الله - ﷺ -، فأُتِي بهم أَسْرى، فَخَلَّى عنهم رسول الله - ﷺ -، ومَنَّ عليهم، ولم يقتلهم، فقال الله تعالى للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: قوله - سبحانه الله وتعالى - ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كَفّ أيدي المشركين عنهم، فلم يَصِل إليهم منهم سوء، وكَفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا، فيه خير للمؤمنين، وعاقبةٌ لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - حين جاؤوا بأولئك السبعين الأُسارى، فأوثقوهم بين يدي رسول الله - ﷺ -، فنظر إليهم، فقال: «أرسلوهم، يكن لهم بَدْءُ الفجور، وثنَاؤه»، قال: وفي ذلك أنزل الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٤٦٧١] (١٨٠٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (١٨٠٨)، و(الترمذي) في «التفسير» (٣٢٦٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠٢ و٦/ ٤٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٤٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٢ و٢٩٠) و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٩١)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٣٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف الأخبار في سبب نزول الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية: حديث أنس - ﵁ - هذا صريح في أن الآية نزلت في قصّة هبوط هؤلاء الثمانين من جبل التنعيم، وقد تقدّم من حديث سلمة بن الأكوع في الباب الماضي أنها نزلت لَمّا قُتل ابن زُنيم، فجاء سلمة بأربعة من المشركين، يسوقهم، وجاء عمه عامر - ﵁ - برجل من العَبَلات، يقال له: مِكرز، في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله - ﷺ -، فقال: «دعوهم يكن لهم بَدْء الفجور وثناه»، فعفا عنهم، فنزلت الآية. وذكر في «صحيح البخاريّ» أنها نزلت في قصّة أبي بصير - ﵁ -، قال في «الفتح» عند قوله: «فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ ما نصّه: كذا هنا، وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم، من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك أيضًا - يعني: حديث الباب، والباب الماضي - وأخرجه أحمد، والنسائيّ، من حديث عبد الله بن مغفل، بإسناد صحيح، أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غِرَّةً، فظَفِروا بهم، فعفا عنهم النبيّ - ﷺ -، فنزلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك. انتهى . وأخرج أحمد بسند صحيح، عن عبد الله بن مُغَفَّل المزنيّ - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله - ﷺ -، الحديث، وفيه: فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ -، فأخذ الله تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟» فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ «الآية . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يقال له: زُنَيم اطّلع الثنية زمان الحديبية، فرماه المشركون، فقتلوه، فبعث رسول الله - ﷺ - خيلًا، فأتوا باثني عشر فارسًا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -:»هل لكم عهد، أو ذمّة؟ «، قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذه الأخبار لا تتعارض؛ لإمكان الجمع بكون الآية نزلت فيها كلّها؛ لأنها وقائع متقاربة، فلا يُستبعد نزولها شاملةً لها كلّها، فتاملها بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (٤٥) - (بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٢]، (١٨٠٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَن أمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هذِهِ أمُّ سُلَيْم، مَعَهَا خَنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟»، قَالَت: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاء، انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللهَ قَدْ كفَى، وَأَحْسَنَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، سوى شيخه، فتقدّم قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ أمَّ سُلَيْمٍ) بنت مِلْحَان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنس المذكور، اشتهرت بكنيتها، واختُلف في اسمها، فقيل: سهلة، أو رُميلةُ، أو رُميثة، أو مُليكة، وقيل غير ذلك، تزوّجت مالك بن النضر في الجاهليّة، فولدت له أنسًا، وأسلمت هي مع السابقين من الأنصار، فغضب زوجها مالك، وخرج إلى الشام، ومات بها مشركًا، فخطبها أبو طلحة، وهو مشرك، فأبت عليه، إلا أن يُسلم، فأسلم، فتزوّجها، ولم تطلب منه صداقًا، سوى الإسلام، وقصّتها في ذلك مشهورةٌ، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، وهي التي قدّمت أنسًا - ﵁ - لخدمة النبيّ - ﷺ -، ماتت - ﵄ - في خلافة عثمان - ﵁ - تقدّمت ترجمتها في «الحيض» ٧/ ٧١٦. (اتَّخَذَتْ) بالبناء للفاعل، (يَوْمَ حُنَيْنٍ) ظرفٌ لِمَا قبله؛ أي: يوم غزوة حُنين، وقال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ المعتمدة: «يومَ حُنَين» بضم الحاء المهملة، وبالنونين، وفي بعضها: «يوم خيبر» بفتح الخاء المعجمة، والأول هو الصواب. انتهى . ومما يردّ النسخة الثانية سياق القصّة، مِنْ ذِكْر الطلقاء، فإن غزوة خيبر وقعت قبل فتح مكة، وما ورد من ذكِر انهزامهم، إنما وقع في غزوة حنين، لا في خيبر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (خِنْجَرًا) بكسر الخاء، وفتحها، ولم يذكر القاضي عياض في «الشرح» إلا الفتح، وذكرهما معًا في «المشارق»، ورَجَّح الفتح، ولم يذكر الجوهريّ غير الكسر، فهما لغتان، وهي سِكِّين كبيرة، ذات حَدَّين . (فَكَانَ) ذلك الخنجر (مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها، مات سنة (٣٤ هـ) تقدّم في «الحيض» ٧/ ٧٢٠. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْم، مَعَهَا خَنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟»، قَالَت) أم سليم (اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ)؛ أي: شققت (بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا)؛ أي: الذين أسلموا بعد إسلامنا بمدّة طويلة، وهو يوم الفتح، (مِنَ الطُّلَقَاءِ) - بضم الطاء، وفتح اللام - وهم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سُمُّوا بذلك؛ لأن النبيّ - ﷺ - مَنَّ عليهم، وأطلقهم، وقال لهم: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء»، وكان في إسلامهم ضَعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقّوا القتل بانهزامهم، وغيره. (انْهَزَمُوا بِكَ) الباء بمعنى «عن»؛ أي: انهزموا عنك على حدّ قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان]؛ أي: عنه، وقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]؛ أي: عن أيمانهم، ومنه قول ابن دُريد: وَسَائِلِي بِمُزْعِجِي عَنْ وَطَنِي … مَا ضَاقَ بِي جَنَابُهُ وَلَا نَبَا ويَحْتَمِل أن تكون للسببيّة؛ أي: انهزموا بسببك؛ لنفاقهم، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﷺ -: قولها: «انهزموا بك»؛ أي: انهزموا حتى اتَّصَلت هزيمتُهم بك، أو انهزموا عنك، بمعنى فرُّوا، مُنْكِرة ذلك عليهم، ومُقَبِّحةً لما فعلوا، ظانَّةً أنهم يستحقون القتل على ذلك، وبأنهم لم يتحققوا في الإسلام. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يا أُمَّ سُلَيْم، إِنَّ اللهَ قَدْ كفَى)؛ أي: كفانا الله - ﷿ - شرّ المشركين، والمنافقين، وشرّ كلّ من يكيد للإسلام، والمسلمين، (وَأَحْسَنَ») إلينا حيث فتح الله علينا فتحًا مبينًا، ونصرنا على أعدائنا نصرًا عزيزًا، وأراد - ﷺ - بذلك أنه لم يُصب المسلمين بانهزامهم ضرر، بل كانت العاقبة لنا، كما وعد الله - ﷿ - بذلك، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﷺ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٤٦٧٢ و٤٦٧٣] (١٨٠٩)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧١٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٥٢٤ و٥٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٢ و١١٤ و١٩٠ و١٩٨ و٢٧٩ و٢٨٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٦١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٣١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ١٣٦ و٢٢٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٢٧)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٣/ ٣٥٣)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٨/ ٤٢٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة غزو النساء مع الرجال، قال النوويّ - ﵀ -: وهو مُجْمَعٌ عليه . ٢ - (ومنها): بيان فضل أم سُليم، وشجاعتها، وأنها أخذت آلة الحرب؛ لتشارك الرجال في قتل المشركين، ففرح بذلك رسول الله - ﷺ -، وضحك تعجّبًا من شجاعتها - ﵄ -. ٣ - (ومنها): بيان أن الله - سبحانه الله وتعالى - أنجز ما وعده رسوله - ﷺ - من النصر، والإعزاز، وقَهْر العدوّ، وجَعْل ذريتهم، وأموالهم غنيمة للمسلمين، ولذا قال - ﷺ -: «إن الله قد كفى، وأحسن». ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الحلم والصبر، امتثالًا لأمر الله تعالى له بذلك، حيث قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فإن معظم الذين انهزموا يوم حنين هم الطلقاء؛ لعدم رسوخ إيمانهم، ومع ذلك، فقد عفا عنهم، مع استحقاقهم المعاقبة، كما قالت أم سُليم - ﵄ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٧٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ، عَنِ النَّبِي - ﷺ - مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. والباقون تقدّموا قبل بابين، و«محمد بن حاتم» هو: ابن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، و«بهز» هو ابن أسد الْعَمّيّ البصريّ. وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ)؛ أي: حديث أنس الماضي. [تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك - ﵁ - هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٤٠٠٧) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء، والصبيان، والإبل، والغنم، فجعلوها صفوفًا، يُكْثِرُون على رسول الله - ﷺ -، فلما التقوا وَلَّى المسلمون مدبرين، كما قال الله - ﷿ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا عباد الله، أنا عبد الله، ورسوله»، ثم قال: «يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله»، قال: فهَزَم الله المشركين، ولم يُضرَبوا بسيف، ولم يُطعَنوا برمح، قال: وقال رسول الله - ﷺ - يومئذٍ: «من قتل كافرًا، فله سلبه»، قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلًا على حبل
مصادر المؤلف (١٦)

١. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٣.

٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦١٤.

٣. راجع: «القاموس المحيط» ص ٩٤٢.

٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٧.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٦٠.

٦. «تفسير الطبريّ» ٢٦/ ٩٣.

٧. «تفسير ابن كثير» ٤/ ١٩٣.

٨. «الفتح» ٦/ ٦٥٥، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٩. «تفسير ابن كثير» ٤/ ١٩٢ - ١٩٣.

١٠. تقدّم أنه ابن زُنيم، ولعله ممن اختُلف في اسمه، والله تعالى أعلم.

١١. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٤٤١ - ٤٤٢.

١٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٧ - ١٨٨.

١٣. «شرح النووي» ١٢/ ١٨٨.

١٤. «المفهم» ٣/ ٦٨٤.

١٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٨٨.

١٦. هو ولد الإمام أحمد، راوي «المسند» عنه.