HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٢٧

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو (يَعْنِي ابْنَ دينار)، عن عمرو بنأوس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ. وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ قَالَ: قال رسول الله ﷺ (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ، عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ. عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿. وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وما ولوا).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص7
ج ٣ ص ١٤٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٧١٣
«مسنده» (٥/ ١٨٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ١٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٧٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٤٣٥)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ٢٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٨٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِل، وَعُقُوبَةِ الْجَائِر، وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّة، وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧١٣] (١٨٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَن، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في السند الماضي. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٦ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ تابعيّ كبير، ثقةٌ [٢]، ووهِمَ من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٦/ ١٦٩٤. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم السهميّ، أبو محمد الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّلهم، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو عن عمرو، وهو من رواية الأقران؛ لأنَّ كليهما من الطبقة الرابعة، وصحابيّه أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - (قَالَ) محمد (بْنُ نُمَيْرٍ) شيخه الثالث، (وَأَبُو بَكْرٍ) ابن أبي شيبة الأول، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) تقدّم قريبًا شرح هذا الكلام. (وَفي حَدِيثِ زُهَيْرِ) بن حرب شيخه الثاني (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) غرضُ المصنّف - ﵀ - بهذا بيان اختلاف شيوخه في كيفيَّة رفع الحديث، فرواه محمد بن نُمير، وأبو بكر بن أبي شيبة بلفظ: «يبلغ به النبيّ - ﷺ -»، وتقدّم أن هذه الصيغة من صيغ الرفع حكمًا، ورواه زهير بن حرب بلفظ: «قال: قال رسول الله - ﷺ -»، وهو صريح في الرفع. («إِنَّ الْمُقْسِطِينَ) جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط رباعيًّا: إذا عَدَلَ، قال النوويّ - ﵀ -: هم العادلون، وقد فسّره في آخر الحديث، بقوله:»الذين يَعدلون في حكمهم، وأهلهم، وما وَلُوا«، والإِقساط، والقِسط بكسر القاف: العدل، يقال: أقسط إقساطا، فهو مُقسط: إذا عَدَلَ، قال الله تعالى:» ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ويقال: قَسَطَ يَقْسِط، بفتح الياء، وكسر السين، قُسُوطًا، وقَسْطًا، بفتح القاف، فهو قاسط، وهم قاسطون: إذا جاروا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قَسَطَ قَسْطًا، من باب ضَرَبَ، وقُسُوطًا: جار، وعَدَلَ أيضًا، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَل، والاسم: القسط - بالكسر. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: القِسْط بالكسر: العدل، من المصادر الموصوف بها؛ كالْعَدْل، يستوي فيه الواحد والجمع، وفِعْله يَقْسِطُ، وَيقْسُطُ ؛ كالإقساط، قال: قسط يَقْسِط قَسْطًا بالفتح، وقُسُوطًا: جار، وعدَلَ عن الحقِّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أقسط رباعيًّا بمعنى عَدَلَ، وأما قسط ثلاثيًّا، من بابي ضرب، ونصر، فيُستَعمَل بمعنى عدل، وبمعنى جار، فهو من الأضداد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ) «المنابر»: جمع مِنْبَر بكسر الميم، وإنما كُسِرت؛ تشبيهًا له بالآلة، وسُمّي بذلك لارتفاعه، يقال: نَبَر الجرح، وانتبر؛ أي: ارتفع، وانتفخ، والمعنى: أنهم مقرّبون إلى الله، ومُكَرَّمون لديه، ومرتفعون على منابر مخلوقة من نور. وقال القرطبيّ: ويعني به مجلسًا رفيعًا، يتلالأ نورًا، ويَحْتَمِل أن يكون عبّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال: «عن يمين الرَّحمن». انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا داعي للاحتمال الذي ذكره، بل الظاهر من معنى الحديث معنى صحيح، لا يحتاج إلى العدول عنه، فإن الله - ﷾ - يُكرمهم يوم القيامة بالجلوس على المنابر من نور؛ ليراهم الخلق، ويُعتَرَفَ بفضلهم، وعلوّ شأنهم عند ربّهم، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. (عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ) قال القرطبيّ: قال ابن عرفة يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة، وقال المفسّرون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]؛ أي: أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا في الآية، وقد شَهِد العقل والنقل أن الله تعالى منزّه عن مماثلة الأجسام، وعن الجوارح المركّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مما يوهم شيئًا من ذلك، فهو توسّعٌ، واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك، إلى آخر ما ذكره القرطبيّ في تأويل معنى اليمين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي طَوَّل به القرطبيّ كلامه في تأويل معنى اليمين غير صحيح، فإن اليمين بمعنى الجارحة لا يتوهّم عاقل أنَّها المقصودة في إطلاق اليمين لله - ﷾ -، فإن من اعتقد أن لله - ﷾ - ذاتًا، لا تُشبه الذوات، فكذلك يعتقد أن له صفات لا تشبه الصفات، فكما لا يعتقد أن ذاته مركبة من لحم، وعظم، ونحو ذلك، كذلك لا يعتقد أن يمينه - ﷾ - جارحة مركبة من لحم، وعظم، وعصب، ونحوه، بلا فرق، وقد تقدّم لنا غير مرّة أن مذهب سلف الأمة، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأهل الحديث قاطبة إثبات جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، على ظاهرها، منزّهين الله تعالى عن مشابهة خلقه له، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، والله - ﷾ - الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) جملة من مبتدأ وخبر مستأنَفة، بيّن بها كون كلتا اليدين يمينًا، لئلا يُتوهّم نقص وضعفٍ فيما أضافه إلى الحقِّ - ﷾ -، وذلك أنه لمّا كانت اليمين تقابلها الشمال، وهي في المتعارف أنقص رتبة، وأضعف حركة، وأثقل لفظًا، فأزال توهّم مثل هذا في حقّ الله تعالى، فقال: «وكلتا يديه يمين»؛ أي: كلّ ما نُسب إليه - ﷾ - ميمون مبارك، لا يُتوهّم فيه نقص، ولا قصور، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «وكلتا يديه يمين» هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نُطلقها على ما جاءت، ولا نُكيّفها، وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب، والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السُّنَّة، والجماعة. قال: وقوله: «عند الله» خبر «إن»؛ أي: إن المقسطين مقرّبون عند الله تعالى، و«على منابر» يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، أو حالًا من الضمير المستقرّ في الظرف، و«من نور» صفة «منابر»، مخصّصة لبيان الحقيقة، و«عن يمين الرَّحمن» صفة أخرى لـ «منابر» مبيّنة للرتبة والمنزلة، ويجوز أن يكون حالًا بعد حال على التداخل، وقوله: «يمين الرَّحمن» بعد قوله: «عند الله» تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم؛ لوضع «الرَّحمن» موضع «الله»، وقد سبق أن اسم الله جامع لجميع صفات الجلال والإكرام، و«الرحمن» من صفة الإكرام، فدلّ اليمين على أنَّ الله تعالى يفيض عليهم حينئذ من جلائل نعمه، وفضائل إحسانه ما لا يُحصر، فيكون قوله: «وكلتا يديه يمين» تذييلًا للكلام السابق، فعلى هذا فاللام في «المقسطين» للتعريف، كما في الرجل، والفرس، ويجوز أن تكون موصولةً، وتكون الظروف كلّها متّصلات بالصلة، وخبرُ «إنّ» قوله: «الذين يعدلون»، وقوله: «وكلتا يديه يمين» معترضة بين اسم «إنّ»، وخبرها صيانةً لجلال الله وعظمته عما لا يليق به، قال أبو الطيّب [من الطويل]: وَنَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ … نَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَشَاكَ فَانِيَا وقوله: (الَّذِينَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم الذين (يَعْدِلُونَ) بكسر الدال، من العدل: وهو القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلًا، من باب ضرب، وعَدَل على القوم عَدْلًا أيضًا . (فِي حُكْمِهِمْ)؛ أي: في الحكم الذي يحكمون به للناس، أو عليهم. (وَأَهْلِيهِمْ) بالجرّ عطفًا على ما قبله؛ أي: يعدِلون في أهليهم، بمعنى أنهم يقومون تجاههم بما أوجب الله تعالى عليهم فيهم، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦]، فيعلّمونهم دينهم، ويقومون بالإنفاق عليهم، وقوله: (وَمَا وَلُوا») بفتح الواو، وضمّ اللام المخفّفة، أصله: وَليُوا بكسر اللام، وضمّ الياء، بوزن علِموا، فنُقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سَلْب حركتها؛ للاستثقال، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكِنَين، فصار وَلُوا، ومعنى:«وَلُوا»؛ أي: كانت لهم عليه ولاية، وعطْفه على ما قبله مِن عَطْف العامّ على الخاصّ. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -:«الذين يَعْدِلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا»: معناه: أن هذا الفضل إنما هو لمن عَدَل فيما تقلّده من خلافة، أو إمارة، أو قضاء، أو حسبة، أو نَظَر على يتيم، أو صدقة، أو وقْف، وفيما يلزمه من حقوق أهله، وعياله، ونحو ذلك. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«الذين يعدلون»يَحْتَمل وجوهًا من الإعراب: أن يكون خبرًا لـ«إن»كما سبق، وأن يكون صفة لـ«المقسطين»على تأويل: ذوات لها الإقساط، كما يقال: شجاع باسلٌ، وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتيّ؛ إذ قال: وقد فَسَّر«المقسطين»في الحديث بما وصفهم به - ﷺ -، من قوله:«الذين يعدلون»إلى آخر الحديث. وأن يكون بدلًا، أو نصبًا على المدح، أو رفعًا عليه، وأن يكون استئنافًا؛ كأنه قيل: من هؤلاء السادة المقرّبون، وقد فازوا بالقدح المعلّي، والمنحة الكبرى؛ فقيل: هم الذين يعدلون … إلى آخره، فإذا جُعل صفةً، فالتعريف في«المقسطين»يَحْتَمل العهد المتعارف بين الناس من الحكام، وأن يكون للجنس، فبيّن بقوله:«الذين يعدلون»أن المراد به الثاني. ولَمّا كان المراد به استغراق الجنس مشتملًا على التعدّد قال أَوّلًا:«في حكمهم»؛ ليدخل فيه من بيده أزمّة حكم الشرع، من الخلفاء، والأمراء، والقضاة، وغيرهم، وثانيًا:«وأهليهم»؛ ليدخل فيه كلّ من تحت يد أحد من أهله، وعياله، ونحو ذلك، وثالثًا:«وما وَلُوا»؛ ليستوعب جميع من يتولّى أمرًا من الأمور، فيدخل فيه نفسه أيضًا. قال الأشرف: فالرجل يَعدل مع نفسه، بأن لا يضيّع وقته في غير ما أمر الله تعالى به، بل يمتثل أوامر الله تعالى، وينزجر عن نواهيه على الدوام، كما دَأْب الأولياء المقرّبين، أو غالبًا، كما هو دين المؤمنين الصالحين. قال الطيبيّ: قَسَم الله تعالى عباده المصطفين من أمّة محمد - ﷺ - ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، فالمقتصد من عَدَل، ولم يتجاوز إلى حدّ الظلم على نفسه، ولم يترقّ إلى مرتبة السابق الذي جمع بين العدل والإحسان. قال: فإن قلت: إذا بيّن «المقسطين» بالذين جمعوا بين هذه الخصال، فكيف حال من انفرد بخصلة من هذه الخصال؟ هل يترتّب عليه تلك المراتب العليّة، والمنازل السنيّة؟. قلت: إذا سُلِك بالتعريف في «الذين يعدلون» الجنس من حيث هي هي لا، وإذا سُلك به الاستغراق، كما ذهبنا إليه، نعم، ونحوه قوله: الرجل خير من المرأة، إذا أريد بالتعريف الحقيقة من حيث هي هي، فلا تدخل أفراد الجنس في هذا الحكم، وإن أريد به الاستغراق لزم أن يكون أدنى رجل خيرًا من أشرف النساء، والله أعلم. انتهى كلام الطيبيّ . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٧١٣] (١٨٢٧)، و(النسائيّ) في «آداب القضاة» (٨/ ٢٢١) و«الكبرى» (٣/ ٤٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٩ و٤٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٥٩ و١٦٠ و٢٠٣)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٩/ ١١٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤٨٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٨٨)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ٣٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٨٧ - ٨٨) و«الأسماء والصفات» (ص ٣٢٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٤٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الحاكم العادل في حكمه. ٢ - (ومنها): فضل العدل في الأهل والأولاد، وذلك بالقيام بما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وزجرهم عما يضرّ بهم دينًا، ودنيا. ٣ - (ومنها): إثبات صفة اليمين لله - ﵀ - على ما يليق بجلاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٧)

١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢١١.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٣.

٣. من بابي ضَرَبَ، ونَصَرَ، والأكثر كسر القاف في المضارع، وأما ضمها فلغة قليلة، كما تفيده عبارة «تاج العروس» ٥/ ٣٠٥.

٤. «القاموس المحيط» ص ١٠٥٧.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٨/ ٢٥٧١.

٦. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٦.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٧٢ - ٢٥٧٣.