HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٤٠

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابن المثنى). قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ؛ إن رسول الله ﷺ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا. فَأَوْقَدَ نَارًا. وقال: ادخلوها. فأراد الناس أَنْ يَدْخُلُوهَا. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ، لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا (لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا. وَقَالَ (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المعروف).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص15
ج ٣ ص ١٤٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٧٤
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَىَ الْقطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمام قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٥. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية يحيى القظان، عن عبيد الله ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٧٢٥) - حدّثنا مسدَّد، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، حدّثني نافع، عن عبد الله - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، ما لَمْ يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة». انتهى. وأما رواية عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، فساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٥١١٧) - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغانيّ، ثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٧٥٦] (١٨٤٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَاعَةُ في الْمَعْرُوفِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُبَيْدُ) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. ٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبيِّعة السُّلَميّ الكوفيّ المقريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في «الرضاع» ٣/ ٣٥٨١. ٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة الرابع، استُشْهِد - ﵁ - في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن راويه صحابيّ - ﵁ -، أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وصهر رسول الله - ﷺ -، وابن عمّه، وأول من آمن به من الصبيان، ومات شهيدًا في رمضان، وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بالإجماع - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيٍّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير، (عَلَيْهِمْ رَجُلًا) قال النوويّ - ﵀ -: هذا الذي فعله هذا الأمير قيل: أراد امتحانهم، وقيل؛ كان مازحًا، قيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حُذافة السهميّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قال في الرواية الأخرى: «إنه رجل من الأنصار»، فدلّ على أنَّه غيره. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «رجلًا من الأنصار» ظاهرٌ في أنه ليس عبد الله بن حذافة، فإنه مهاجريّ، وذلك أنصاريّ، فافترقا، وقضيّة عبد الله بن حُذافة هي التي ذَكر منها ابن عبّاس - ﵄ - طرفًا، كما تقدَّم، فلا معنى لقول من قال: إن هذا الذي حكى عنه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هو عبد الله بن حُذافة، وكذلك لا معنى لقول من قال: إن ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له، وقد قال في هذه الرواية: إنهم أغضبوه، وقال: وسكن غضبه عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك، وهذه نصوصٌ أنه إنما حَمَله على ذلك غضبه عليهم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . واستظهر الحافظ - ﵀ - في «الفتح» تعدَّد القصَّة، وقال ما حاصله: إن التعدّد هو الذي يظهر لي؛ لاختلاف سياقهما، واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، قال: ويَحْتَمِل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويُبعده وصف عبد الله بن حُذافة السهميّ القرشيء المهاجريّ بكونه أنصاريًّا، قال: ويَحْتَمِل الحمل على المعنى الأعمّ، أي: أنه نصر رسول الله - ﷺ - في الجملة. وإلى التعدّد جنح ابن القيِّم - ﵀ -، وأما ابن الجوزيّ - ﵀ -، فقال: قوله: «من الأنصار» وَهَمٌ من بعض الرواة، وإنما هو سهميّ. قال الحافظ: ويؤيِّده حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله في سريّة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتضح بما ذُكر كلّه أن الأرجح تعدد الواقعة، وأن الرجل المبهم في حديث عليّ - ﵁ - المذكور في الباب ليس هو عبد الله بن حُذافة، وإنما هو رجلٌ آخر من الأنصار - ﵃ - لَمْ يُعرف اسمه، والله تعالى أعلم. (فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَمالَ: ادْخُلُوهَا) وفي الرواية التالية: «بعث رسول الله - ﷺ - سَريّة، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يُطيعوه، فأغضبوه في شيء، فغضب عليهم، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، ثمّ قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثمّ قال: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - أن تسمعوا لي، وتُطيعوا؟ قالوا: بلي، قال: فادخلوها» الحديث، وفي رواية للبخاري: «فقال: عزمت عليكم لَمَا جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم». وهذا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، فإن فيه: «فأوقد القوم نارًا؛ ليصنعوا عليها صنيعًا لهم، أو يصطلون، فقال لهم: أليس عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: أعزم عليكم بحقّي، وطاعتي لَمَا تواثبتم في هذه النار»، ويُجمع بتعدّد القصّة، كما سبق ترجيحه، فتنبّه. (فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا) وفي رواية البخاريّ: «فهمّوا، وجعل بعضهم يُمسك بعضًا»، وفي رواية: «فلمّا همّوا بالدخول فيها، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض»، وفي رواية عند ابن جرير: «فقال لهم شابّ منهم: لا تعجلوا بدخولها»، (وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا) وفي بعض النسخ«:»إنما فررنا منها«؛ أي: من النار بالإيمان، فكيف ندخلها؟، وزاد في الرواية الآتية:»فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطُفئت النار«، وفي رواية البخاريّ:»فما زالوا حتى خَمَدت النار، فسكن غضبه«، وفي رواية:»فبينما هم كذلك إذ خمدت النار«. و»خَمَد«بفتح الميم ، وحَكَى المطرّزيّ كسرها؛ أي: طَفِيء لهبها. وقوله:«وسكن غضبه»هذا أيضًا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، فإن فيه:«أنه كانت به دُعَابة، وفيه أنهم تحجّزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم»، وهذا كلّه يؤيّد تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم. (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية التالية:«فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ - (فَقَالَ) - ﷺ - (لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: »لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ«) قال النوويّ - ﵀ -: هذا مما عَلِمه - ﷺ - بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبيّن للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها. وقال الحافظ - ﵀ -: يَعْنِي أَنَّ الدُّخُول فِيهَا مَعْصِيَة، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار، ويَحْتمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد: لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ، لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَة نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع، وَهُوَ الاسْتِخْدَام؛ لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله: «لَوْ دَخَلُوهَا» لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: «مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا» لِنَارِ الْآخِرَة؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْل أَنْفُسهمْ. وَيَحْتَمِل - وَهُوَ الظَّاهِر - أَنَّ الضمِير لِلنَّارِ التِي أُوقِدَتْ لَهُمْ؛ أَيْ: ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا بِسَبَبِ طَاعَة أَمِيرهمْ، لَا تَضُرّهُمْ، فَأخْبَرَ النَّبِيّ - ﷺ -، أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا، فَلَمْ يَخْرُجُوا. انتهى . وقال في «الفتح» أيضًا في «كتاب الأحكام»: قوله: «لو دخلوها ما خرجوا منها» قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُرِيد تِلْكَ النَّار؛ لِأَنَّهُمْ يَمُوتُون بِتَحْرِيقِهَا، فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاء، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار جَهَنَّم، وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: «يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان»، قَالَ: وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَة. = وأوقد القوم نارًا ليصنعوا عليها صنيعًا لهم، أو يصطلون، قال: فقال لهم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلي، قال: فما أنا بآمركم بشيء إن صنعتموه؟ قالوا: بلي، قال: أعزم عليكم بحقي وطاعتي لَما تواثبتم في هذه النار، فقام ناس، فتحجّزوا حتى إذا ظن أنهم واثبون قال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ - بعد أن قَدِموا، فقال النبيُّ - ﷺ -: «من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه». انتهى. يُرِيد أَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الزَّجْر وَالتَّخْويف، لِيَفْهَمَ السَّامِع أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّار، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا أرِيدَ بِهِ الزَّجْر وَالتَّخْوِيف. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقْصِد دُخُولهمْ النَّار حَقِيقَةً، وإِنَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَة الْأَمِير وَاجِبَة، وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِب دَخَلَ النَّار، فَإِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ دُخُول هَذِهِ النَّار، فَكَيْف بِالنَّارِ الْكُبْرَى؛ وَكَأَنَّ قَصْده أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ الْجِدّ فِي وُلُوجهَا لَمَنَعَهُمْ. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن التأويلات عندي ما استظهره الحافظ فيما سبق، من أنه - ﷺ - إنما أخبرهم بأنهم لو دخلوها ظانّين بأن طاعة أميرهم يُنجيهم منها، وأنها لا تضرّهم، لَمَا نفعهم ذلك، بل يحترقون، ويموتون، فلا يرجعون إلى الدنيا إلى يوم القيامة، فهذا الوجه أقرب الأوجه، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ) - ﷺ - (لِلآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا)؛ أي: أثنى - ﷺ - على الذين قالوا: إنما فررنا منها، حيث إنهم أصابوا الحقّ، (وَقَالَ) - ﷺ - مبيّنًا للقاعدة العامّة التي يجب معرفتها، والسير على ضوئها («لَا طَاعَةَ) لأيّ أحد (فِي مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ») وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: «مَنْ أَمَركم منهم بمعصية، فلا تطيعوه». قال أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -: «إنما» هذه للتحقيق والحصر، فكأنه قال: لا تكون الطاعة إلَّا في المعروف، ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكر، ولا معصية، فيدخل فيها الطاعة الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته واجبةً، ولَمَا حلّت مخالفته، فلو أَمَر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه، لا تحريم، فهذا مشكل، والأظهر جواز المخالفة؛ تمسّكًا بقوله: «إنما الطاعة في المعروف»، وهذا ليس بمعروف، إلَّا بأن يخاف على نفسه منه، فله أن يمتثل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الة تعالى عنه: قوله: «فهذا مشكل» فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ هو منكرٌ شرعًا؛ لأنَّ الشارع لا يزجر إلَّا عن منكر، فكيف يُشكل هذا؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٥٦ و٤٧٥٧ و٤٧٥٨] (١٨٤٠)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٣٤٠) و«الأحكام» (٧١٤٥) و«أخبار الآحاد» (٧٢٥٧)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٢٥)، و(النسائيّ) في «البيعة» (٧/ ١٠٩) و«الكبرى» (٤٣٤/ ٤ و٥/ ٢٢١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنفه» (٦/ ٥٤٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٥ و١٧)، و(ابن المبارك) في «مسنده» (١/ ١٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٢ و١٢٤)، و(البزار) في «مسنده» (٢/ ٢٠٦)، و(ابن حبّان في «صحيحه» (٤٥٦٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٣٠٩ و٤٥٤)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ١٤٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٥/ ٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله تعالى. ٢ - (ومنها): بيان أَنَّ حُكْم الأمير فِي حَال الْغَضَب يَنْفُذ مِنْهُ مَا لَا يُخَالِف الشَّرْع. ٣ - (ومنها): أَن الْغَضَب يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُول عقولهم. ٤ - (ومنها): أنَّ الْإيمَان بِاللهِ يُنَجِّي مِنَ النَّار لِقَوْلِهِمْ: «إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ النَّارِ». ٥ - (ومنها): أن الْفِرَار إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فِرَار إلَى الله، وَالْفِرَار إِلَى الله، يُطْلَق عَلَى الْإيمَان، قَالَ الله تَعَالَى: «﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٥٠]. ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ«ظاهر في أنه تحرم الطاعة في المعصية المأمور بها، وأن المطيع فيها يستحقّ العقاب. ٧ - (ومنها): ما قاله أيضًا: قوله:«وقال للآخرين قولًا حسنًا» يدلّ على مدح المصيب في المجتهدات، كما أنّ القول الأول يدلّ على ذمِّ المقصّر المخطئ وتعصيته، مع أنه ما كان تقدّم لهم في مثل تلك النازلة نصٌّ، لكنهم قصّروا حيث لَمْ ينظروا في قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها المعلومة الجليّة. انتهى . ٨ - (ومنها): أَنَّ الْأَمْر الْمُطْلَق لَا يَعُمّ الْأَحْوَال؛ لِأَنَّهُ - ﷺ -، أَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوا الْأَمِير، فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال، حَتَّى فِي حَال الْغَضَب، وَفِي حَال الْأَمْر بِالْمَعْصِيَة، فَبَيَّنَ لَهُمْ - ﷺ -، أَنَّ الْأَمْر بِطَاعَتِه، مَقْصُور عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْر مَعْصِيَة . ٩ - (ومنها): أنه اسْتَنْبَطَ مِنْ هذا الحديث الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة، أَنَّ الْجَمْع مِنْ هَذِهِ الْأَمَة، لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأ؛ لِانْقِسَامِ السَّرِيَّة قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ دُخُول النَّار، فَظَنَّهُ طَاعَة، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ حَقِيقَة الْأَمْر، وَأَنَّهُ مَقْصُور عَلَى مَا لَيْسَ بمَعْصِيَةٍ، فَكَانَ اخْتِلَافهمْ سَبَبًا لِرَحْمَةِ الْجَمِيع، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِق النِّيَّة، لَا يَقَع إِلَّا فِي خَيْر، وَلَوْ قَصَدَ الشَّرّ، فَإِنَّ الله يَصْرِفهُ عَنْهُ، وَلهَذَا قَالَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة: مَنْ صَدَقَ مَعَ الله، وَقَاهُ اللهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى الله، كَفَاهُ اللهُ ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث يرُدّ حكايةً، حُكيت عن بعض مشايخ الصوفيّة، وذلك أن مريدًا له قال له يومًا: قد حَمِي التنّور، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول، فقال له: ادخل فيه، فدخل المريد في التنّور، ثم إن الشيخ تذكّر، فقال: الحقوه، كان قد عَقَد على نفسه أن لا يُخالفني، فَلَحِقُوه، فوجدوه في التنّور لَمْ تضرّه النار. وهذه الحكاية أظنّها من الكذب الذي كُذب به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها الزنادقة، وأعداء الدين . قال: وبيان ما يُحقّق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول التنّور، أو لا، فإن كان قاصدًا كان قصده ذلك معصيةً، ولا طاعة فيها بنصّ النبيّ - ﷺ -، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً، وكيف تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟، فإن الكرامة تدلّ على حسن حال من ظهرت على يديه، وأنه مطيع لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمر آخر يكون في المستقبل. وإن كان ذلك الشيخ غير قاصد لذلك، ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحلّ للمريد أن يُلقي نفسه في النار بأمر غلَط، لا حقيقة له، ثم هذا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة في حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة، وشَرَبَة الخمر، والفَسَقَة أن يدّعوا الكرامات، وهم ملابسون لفسقهم، هذا ما لا يجوز إجماعًا، وإنما تُنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان. والأَولى في هذه الحكاية، وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء، والعلماء الطعن على الناقل، لا على المنقول عنه، والله تعالى أعلم. [فإن قيل]: إن الشيخ لَمْ يكن قاصدًا لإدخال المريد نفسه النار، وإنما صدر ذلك منه على جهة التأديب والتغليظ؛ لكونه أكثر عليه من السؤال، فكأنه قطعه عما كان أَولى به في ذلك الحال، والمريد لصحّة اعتقاده في شيخه، وللوفاء بما جعل له عليه من الطاعة، وتَرْك المخالفة، ولاعتقاده أنه لا يأمره إلَّا بما فيه مصلحةٌ دينيّة، ثم إنه قد صحّ توكّل هذا المريد على الله تعالى، وصدقه في حاله، فحصل له من مجموع ذلك أن الله تعالى ينجّيه من النار، ويجعل له في ذلك مخرجًا. [فالجواب]: أن يقول من يُجوّز الإقدام على تلك الحالة بتلك القيود المذكورة، يلزمه أن يُجوّز ما هو مُحرّم إجماعًا. بيان ذلك: أنه لو قال له على تلك الحال بتلك القيود: اقتل فلانًا المسلم، أو ازْنِ بفلانة، أو اشرب الخمر، لَمْ يجُز الإقدام على شيء من ذلك بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلّها، ولا فرق بين سورة الحكاية المذكورة، وبين هذه الصور التي ذكرناها، إذ الكلّ محرّمٌ قطعًا، وإن جُوّز انخراق العادة في أن النار لا تحرق، والسيف لا يحُزّ الرقبة، والْمُدْية لا تقطع الحلق، لكنّ هذه التجويزات لا يُلتفت إليها، ولا تُهَدّ القواعد الشرعيّة لأجلها، فلو أقدم على شيء من تلك الأمور لأجل أمر هذا الشيخ، لكان عاصيًا، فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فرق. ثم نقول: إن التوكّل على الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن التوكّل على الله تعالى هو الاعتماد عليه، والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام عليه، أو فيما يُخاف وقوعه، أو يُرتجى حصوله، وقد يُفضي التوكّل بصاحبه إلى أن لا يخاف شيئًا إلَّا الله، ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلَّا هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى، وبأحكامه، وملازمة الطاعة والتقوى، والتوفيق الخاصّ الإلهيّ، وعلى هذا فمن المحال حصول هذه الحالة مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله - ﷺ -: «لو دخلوها ما خرجوا منها»، وهذا هو الحقّ المُبين، ولو كَرِه أكثر الجاهلين. ومن نوع هذه الحكاية: حكاية أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثم جاء قومٌ، وغطّوا البئر، وهو في قعره ساكت، لَمْ يتكلّم، متوكّلًا على الله تعالى إلى أن غطّوا البئر، وانصرفوا، وللكلام في هذا موضع آخر. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ - ﵀ - كلام نفيسٌ جدًّا، فإن مثل هذه الحكايات كثيرة في هذه الطائفة، ومن يُطالع «طبقات الأولياء» للشعرانيّ يرى العجب العجاب، فتنبّه أيها العاقلي، ولا تغترّ بمثل هذا، وهذا هو الحقّ الأبلج، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَريَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، مِنَ الأَنْصَار، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ، وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ: أَوْقدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَسْمَعُوا لِي، وَتُطِيعُوا؛ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ النَّار، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧، وهو من مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم المذكورون في قولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ الْبَارِعِنَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنّه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (رَجُلًا، مِنَ الأَنْصَارِ) هذا دليل واضح على أنَّ الرجل المذكور ليس عبد الله بن حذيفة؛ لأنه قرشيّ مهاجريّ، لا أنصاريّ، فالقصّة غير القصّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في الحديث الماضي. وقوله: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)؛ أي: فيما رضيه الشارع، واستحسنه، وهذا صريح في أنه لا طاعة في محرّم، فهو مقيّد للأخبار المطلقة . وقال في «العون»: قوله: «في المعروف»؛ أي: لا في المنكر، والمراد بالمعروف: ما كان من الأمور المعروفة في الشرع، وهذا تقييد لِمَا أُطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم. انتهى ، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة - ﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (٣٣٧٠٦) - حدّثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً، واستَعْمَل عليهم رجلًا من الأنصار، فأمرهم أن يسمعوا له، ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له حطبًا، قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا نارًا، قال: ألم يأمركم أن تسمعوا لي، وتطيعوا؟ قالوا: بلي، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - ﷺ - من النار، قال: فبينما هم كذلك إذ سكن غضبه، وطَفِئت النار، قال: فلما قَدِمُوا على النبيِّ - ﷺ - ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف». انتهى . وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٢٢) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً، واستَعْمَل عليهم رجلًا من الأنصار، قال: فلما خرجوا قال: وَجَدَ عليهم في شيء، فقال: قال لهم: أليس قد أمركم رسول الله - ﷺ - أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبًا، ثم دعا بنار، فأضرمها فيه، ثم قال: عَزَمت عليكم لتدخلنّها، قال: فَهَمَّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شابّ منهم: إنما فررتم إلى رسول الله - ﷺ - من النار، فلا تعجلوا حتى تَلْقَوا النبيّ - ﷺ -، فإن أَمَركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبروه، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٩] (١٧٠٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى السَّمْع، وَالطَّاعَة، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْر، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَه، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت ٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، أبو الصامت، ويقال له: عبد الله أيضًا، ثقةٌ [٤]. رَوَى عنه أبيه، وجدّه، وأبي اليسر كعب، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدريّ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم. وروى عنه عبيد الله بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والوليد بن كثير، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كنيته أبو الوليد. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٠٩)، وحديث (٣٠١٤): «من أنظر معسرًا، أو وضع عنه …» الحديث. ٣ - (أَبُوهُ) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ، أبو عبادة المدنيّ، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ -، ثقةٌ، من كبار [٢]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبادة، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعطاء بن السائب، وسليمان بن حبيب المحاربيّ، وعُمارة بن عُمير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. قال العجليّ: شاميّ، تابعيٌّ، ثقةٌ، وقال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال هو وابن سعد: وُلِد في آخر عهد النبيّ - ﷺ -. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٤ - (جَدُّهُ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء، بدريّ مشهور، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنةً، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. والباقون ذُكروا في الباب، و«عبيد الله بن عمر» هو الْعُمريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه تابعيّان رويا عن تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) الوليد بن عبادة (عَنْ جَدِّهِ)؛ أي جدّ عبادة بن الوليد، وهو عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه (قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: عاهدناه، وعاقدناه، وأعطيناه خالصة أنفسنا. [تنبيه]: «البيعة» - بفتح، فسكون -: في الأصلِ الصَّفقة على إيجاب البيع، وجمعها بَيْعَات - بالسكون - وتُحرّك في لغة هُذيل، وهو على خلاف القياس؛ لأنَّ القاعدة أن قياس فَعْلَة - بفتح الفاء، وسكون العين - على فَعْلات، ساكن العين أيضًا، إن كان معتلّ العين، نحو: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ [الشورى: ٢٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ [النور: ٥٨]، هذا لغة عامة العرب، وتفتحها هُذَيلٌ إتباعًا للفاء. ثم تُطلق البيعة على المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا. قال في «الفتح»: المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة الماليّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى. وقال في «النهاية» ما معناه: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة عليه، والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى. وقال القاضي عياض - ﵀ - ما حاصله: اختُلف في اشتقاق البيعة، فقيل: أصله من البيع؛ لأنَّ المتبايعين يمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولمّا كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك، فسُمّيت مبايعةً، وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم على بعض عند التبايع، ولهذا سمّيت صفقةً؛ لِصَفْق الأيدي عندها، فسُمّيت بها، وقيل: بل سُمّيت مبايعة؛ لِمَا فيها من المعاوضة، تشبيهًا بالبيع أيضًا؛ لِمَا وعدهم الله من الجزاء، والثواب على الإسلام، وطاعة الرسول - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ -. وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وعلى نحوٍ من هذا قال النبيّ - ﷺ - لصهيب: «ربِحَ البيع أبا يحيى» ، وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ - ﷺ - بيعًا، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة. [تنبيه آخر]: كانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله في «الفتح»، قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذه البيعة تُسمَّى بيعة الأمراء، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء، وقد كان عبادة - ﵁ - بايع رسول الله - ﷺ - بيعة النساء، وسمّيت بذلك؛ لأنه لَمْ يكن فيها ذِكْر حرب، ولا قتال، وقد بايع النبيّ - ﷺ - أصحابه بيعة الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. انتهى . (عَلَى السَّمْع، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ «بايعنا»، و«على» بمعنى اللام، أو بتضمين «بايعنا» معنى العهد؛ أي: عاهدناه على أنَّ نسمع كلامه، ونطيع أمره، وكذا من يقوم بعده مقامه من الخلفاء. (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: «وعلى النفقة في العسر واليسر»، (وَالْمَنْشَطِ) بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما؛ أي: في حالة نشاطنا. (وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله؛ أي: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج؛ ليطابق قوله: «في المنشط»، ويؤيِّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن عبادة، عند أحمد: «في النشاط والكسل»، قاله في «الفتح». وقال السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، من النشاط، والكراهة، وهما مصدران؛ أي: في حالة النشاط والكراهة؛ أي: حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك، أو اسما زمان، والمعنى واضح، أو اسما مكان؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، كذا قيل، ولا يخفى أن ما ذكره من المعنى على تقدير كونهما اسمَي مكان مجازيّ، وكذا قال بعضهم: كونهما اسمَيْ مكان بعيد. انتهى . (وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا) - بفتح الهمزة، والمثلّثة -؛ أي: تفضيل غيرنا علينا في الفيء، أو في غيره. والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف على إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم. (وَعَلَى أنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ)؛ أي: وبايعناه أيضًا على أنَّ لا ننازع الأمر؛ أي: الملك والإمارة، أو كلّ الأمور، (أَهْلَهُ) الضمير للأمر؛ أي: إذا وُكل الأمر إلى من هو أهلٌ له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير أهلًا، أم غير أهل، زاد في رواية أحمد: «وإن رأيت أن لك»؛ أي: وإن اعتقدتَ أن لك في الأمر حقًّا، فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد في رواية عند ابن حبّان وأحمد: «وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك». (وَأَنْ نَقُولَ) باللام في رواية مسلم، وفي رواية للبخاريّ: «وأن نقوم» بالميم، (بِالْحَقِّ)؛ أي: بإظهاره، وتبليغه للناس (أَيْنَمَا كُنَّا)؛ أي: في موضع وُجدنا، (لا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ)؛ أي: لا نترك قول الحقّ لأجل خوف ملامة اللائمين علينا. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كلّ زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحدًا، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى اللائمين. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٥٩ و٤٧٦٠ و٤٧٦١ و٤٧٦٢] (١٧٠٩) ، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧٠٥٦) و«الأحكام» (٧١٩٩)، و(النسائيّ) في «البيعة» (٧/ ١٣٩) و«الكبرى» (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢ و٥/ ٢١١ - ٢١٢)، و(ابن ماجة) في «الجهاد» (٢٨٦٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (٩٧٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣١٤ و٣١٦ و٣١٨ و٣٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٢٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٤٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم. ٢ - (منها): بيان مشروعيَّة بيعة الإمام على السمع والطاعة. ٣ - (ومنها): أن وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال من العسر واليسر، والنشاط والكُره، فيجب على المسلم طاعتهم في كلّ أحواله، قَدْر استطاعته. ٤ - (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ الأمر في شأن الولاية، ولا في غيرها، إلَّا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ٥ - (ومنها): وجوب قول الحقّ، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم المداهنة فيه للناس، ولا الالتفات إلى لوم لائمهم، بل يغيّر المنكر بكلّ ما يقدر عليه، من فعل، أو قول، ما لَمْ يخشَ إثارة فتنة، وتسبُّب منكر أشدّ منه. قال النوويّ - ﵀ -: وأجمع العلماء على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه، أو ماله، أو على غيره، سقط الإنكار بيده، ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، وحكى القاضي هنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقًا في هذه الحالة، وغيرها. انتهى . وقال الطبريّ - ﵀ -: اختَلَف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقًا، واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر»، وبعموم قوله - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. . .» الحديث، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاءٌ، لا قِبَلَ له به من قَتْل، ونحوه، وقال آخرون: يُنكِر بقلبه؛ لحديث أم سلمة - ﵂ - مرفوعًا: «يُسْتَعْمَل عليكم أمراء بعدي، فمن كَرِهَ فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلِم، ولكن من رَضِيَ وتابع. . .» الحديث. قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدلّ عليه حديث: «لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه»، ثم فسّره بأن يتعرض من البلاء لِمَا لا يُطيق. انتهى ملخصًا. وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قَدَر عليه، ولم يَخَف على نفسه منه ضررًا، ولو كان الآمر متلبسًا بالمعصية؛ لأنه في الجملة يُؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيما إن كان مطاعًا، وأما إثمه الخاصّ به فقد يغفره الله له، وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف، إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأَولى فجيّد، وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر، إذا لم يكن هناك غيره. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما سبق أن الحقّ هو ما عليه جمهور أهل العلم من وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لمن قَدَر عليه، وإلا فلا؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم. فقد رخّص الشارع في هذا النصّ في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فعلًا، أو قولًا عند عدم الاستطاعة، فالقول بالوجوب مطلقًا مخالف لهذا النصّ. لكن لو أخذ أحد بالعزيمة، فواجه من يخافه بذلك، لكان أفضل؛ لِمَا أخرجه النسائيّ (٤٢١١) بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب، أن رجلًا سأل النبيّ - ﷺ -، وقد وضع رجله في الْغَرْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حقّ، عند سلطان جائر»، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في حكم البيعة: قال القرطبيّ - ﵀ -: البيعة واجبة على كلّ مسلم؛ لقوله - ﷺ -: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة»، رواه مسلم، غير أنه من كان من أهل الحلّ والعقد، والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه، إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له، ولا يُعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام، ويَسمع، ويُطيع له في السرّ والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات مِيتَةً جاهليّة؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «واجبة على كلّ مسلم. . . إلخ» هذا إذا كان للمسلمين إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضَى، فلا وجوب؛ لحديث حذيفة المتّفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: «نعم»، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَنٌ»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يَهدُون بغير هديي، تَعرف منهم وتُنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم دُعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال: «هم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم» قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك». فهذا الحديث صريح في أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت الجماعة، وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفِرَق كلها، فرارًا بدينه، كما أمره به النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في حكم الخروج على الأئمة لِظُلْمهم: قال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: أجمع المسلمون على أن الخروج على الأئمّة وقتالهم حرام، وإن كانوا فَسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السُّنَّة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكِي عن المعتزلة أيضًا فَغَلَطٌ من قائله، مخالف للإجماع. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات، والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة، قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له، وتستدام له؛ لأنه متأوِّلٌ، قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر، وتغيير للشرع، أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه، وخلعه، ونَصْب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع، إلا إذا ظَنُّوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، ولْيُهاجِر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفِرّ بدينه، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداءً، فلو طرأ على الخليفة فسق، قال بعضهم: يجب خلعه إلا إن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السُّنَّة، من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق، والظلم، وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه، وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك. قال القاضي: وقد ادَّعَى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رَدَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسن، وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحَجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «أن لا ننازع الأمر أهله» في أئمة العدل. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحَجّاج ليس بمجرد الفسق، بل لِمَا غيّر من الشرع، وظاهَرَ من الكفر، كبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبيّ - ﷺ -، وقوله المشهور المنكَر في ذلك، قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أوّلًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء في أمراء الْجَوْر أنه إن قُدِر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداءً، فإن أَحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح: المنع، إلا أن يكفر، فيجب الخروج عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير المصحَّح عندي هو الحقّ، وحاصله أنه لا يجوز الخروج على الأئمة بأيّ نوع من أنواع الفسق، والظلم، إلا بصريح الكفر، وأما ما عداه، فإن أمكن إزالته بغير خروج عليه، فذاك، وإلا فلا يجوز الخروج عليه، وهذا هو الذي أوضحه النبيّ - ﷺ - بقوله: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان»، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة السادسة): في حكم نصب الإمام: قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره»: وقد استدلّ القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة؛ لِيَفْصِل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك، من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والإمامة تُنال بالنصّ كما يقوله طائفة من أهل السُّنَّة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصدِّيق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك، كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحلّ والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحَكَى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم. أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب؛ لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: لا يُشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائيّ: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر - ﵁ - الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له، وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم. وبجب أن يكون ذَكرًا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب، والآراء، قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشميّ، ولا المعصوم من الخطأ؛ خلافًا للغلاة الروافض، ولو فَسَق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل؛ لقوله - ﷺ -: «إلا أن تروا كُفرًا بَوَاحًا، عندكم من الله فيه برهان»، وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عَزَل الحسن بن عليّ - ﵄ -، وسلَّم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدِح على ذلك. فأما نَصْبُ إمامين في الأرض، أو أكثر، فلا يجوز؛ لقوله - ﷺ -: «من جاءكم، وأمْرُكم جميع، يريد أن يفرِّق بينكم، فاقتلوه، كائنًا من كان»، وهذا قول الجمهور، وقد حَكَى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنان فأكثر، كما كان عليّ ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحَكَى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوَّز نَصْب إمامين فأكثر، إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردَّد إمام الحرمين في ذلك. قال ابن كثير: وهذا يُشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الجمهور من عدم جواز تعدّد الأئمة هو الأرجح؛ للحديث المتقدّم، إلا للضرورة، بأن تغلّب أحدٌ، ولا يستطيعون دفعه؛ لقوّته فلا بأس، كما وقع ذلك في دولة بني العبّاس، حيث خرج عليهم الأمويّون بالمغرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مِثْلَهُ) سقط من بعض النسخ. [تنبيه]: رواية ابن عجلان، وعبيد الله، ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن عبادة بن الوليد ساقها ابن ماجه - ﵀ - في «سننه»، وضمّ إليهم ابن إسحاق، فقال: (٢٨٦٦) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وابن عجلان، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت، قال: بايعْنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحقّ حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن الهاد، عن عبادة بن الوليد ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٢٠٣٧٩) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا العباس بن الفضل الأسفاطيّ، ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله - يعني: ابن الهاد - عن عبادة - يعني: ابن الوليد بن عبادة بن الصامت - عن أبيه، قال: حدّثني أبي، قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأَثَرَة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، ونقول الحقّ حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقُلْنَا: حَدَّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ، يَنْفَعُ اللهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ) أبو عبيد الله المصريّ، لقبه بَحْشَل، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٧٧. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. ٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) الأزديّ، أبو عبد الله الشاميّ، ويقال: اسم أبيه: كبير، مختلف في صحبته، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمصريين غير بُسر، فمدنيّ، وجُنادة، فشاميّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم شاميّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن بسر، عن جنادة، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. شرح الحديث: (عَنْ بُسْرِ) بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ) بضمّ الجيم، وتخفيف النون، (ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) ووقع عند الإسماعيليّ، من طريق عثمان بن صالح: حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدّثه، أن بسر بن سعيد حدّثه، أن جُنادة حدّثه. (قَالَ) جُنادة (دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - ﵁ - (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة حاليّة، (فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ) وفي رواية البخاريّ: «فقلنا: أصلحك الله، حدّث بحديث»، قال في «الفتح»: وقولهم: «أصلحك الله» يَحْتَمِل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه؛ ليُعافَى من مرضه، أو أعمّ من ذلك، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب ، وقوله: (يَنْفَعُ اللهُ بِهِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ «حديثٍ»، وفي رواية البخاريّ: «ينفعك الله به»؛ أي: ينفعك الله بأجر تحديثك به. (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) عبادة - ﵁ - (دَعَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: ليلة العقبة، وهي عقبة منى، (فَبَايَعْنَاهُ) وفي بعض النسخ: «فبايعنا»، وتقدّم معنى المبايعة قريبًا. (فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا)؛ أي: فيما اشترطه علينا من الشروط، (أَنْ بَايَعَنَا) بفتح العين، والفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -، و«نا» مفعول به، (عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ)؛ أي: على أن نسمع قوله، ونطيع أمره. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع. . . إلخ» عدّاه بـ «على» لتضمّنه معنى عاهد، و«على» في قوله: «على أثرة» ليست بصلة المبايعة، بل هي متعلّقة بمقدّر؛ أي: بايعناه على أن نصبر على أثرة علينا، قال: وقال البيضاويّ: «بايعنا»؛ أي: عاهدنا بالتزام السمع والطاعة في حالَتَي الشدّة والرخاء، وتارَتَي الضرّاء والسرّاء، وإنما عبّر عنه بصيغة المفاعلة؛ للمبالغة، أو للإيذان بأنه التزم لهم أيضًا بالأجر والثواب، والشفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا. انتهى . (فِي مَنْشَطِنَا) بفتح الميم، والشين المعجمة، وسكون النون بينهما، (وَمَكْرَهِنَا) بوزن ما قبله؛ أي: في حالة نشاطنا، وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به. وقال الطيبيّ - ﵀ -: «المنشط»، و«المكره» مَفْعَلان من النشاط، والكراهة للمحلّ؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، أو الزمان؛ أي: في زماني انشراح صدورهم، وطيب قلوبهم، وما يُضادّ ذلك. انتهى . ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج؛ ليطابق قوله: منشطنا، قال الحافظ: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن عبادة عند أحمد: «في النشاط، والكسل» . (وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا) وفي رواية إسماعيل بن عبيد: «وعلى النفقة في العسر واليسر»، وزاد: «وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا) بفتح الهمزة، والمثلّثة، أو بضمّ، فسكون، أو بكسر، فسكون، والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم، بل عليهم الطاعة، ولو مَنَعهم حقهم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين، حيث آثر النبيّ - ﷺ - قريشًا بالفيء، ولم يُعْط الأنصار شيئًا، فجرى من الحديث ما تقدّم في «كتاب الزكاة»، وهناك قال لهم - ﷺ -: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»، فقالوا: سنصبر إن شاء الله، وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم، وقد صرّح بذلك في قوله: «وعلى ألا ننازع الأمر أهله»، وكذلك فعلوا لَمّا عَلِموا أهلية أبي بكر - ﵁ - للخلافة، أذعنوا، وسلّموا، وسمعوا، وأطاعوا. انتهى . (وَأَنْ لَا نُنَازِعَ) وفي بعض النسخ: «ولا ننازع» بحذف «أن». (الأَمْرَ)؛ أي: الملك والإمارة، (أَهْلَهُ) زاد في رواية أحمد: «وإن رأيت أن لك»؛ أي: وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقًّا فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع، وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد عند ابن حبان وأحمد أيضًا: «وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك». (قَالَ) - ﷺ - مستثنيًا الحالة التي تبيح الخروج على الأئمّة («إِلَّا أَنْ تَرَوْا)؛ أي: تعلموا منهم (كُفْرًا بَوَاحًا) بموحّدة، ومهملة، قال الخطابيّ - ﵀ -: يريد: كفرًا ظاهرًا باديًا، من قولهم: باح بالشيء يبوح به بَوْحًا، وبَوَاحًا: إذا أذاعه، وأظهره، وأنكر ثابت في»الدلائل«: بَوَاحًا، وقال: إنما يجوز بَوْحًا بسكون الواو، وبُؤاحًا بضم أوله، ثم همزة ممدودة، وقال الخطابيّ - ﵀ -: من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح: الأرض القفراء التي لا أنيس فيها، ولا بناء، وقيل: البراح: البيان، يقال: بَرَح الخفاءُ: إذا ظهر، وقال النوويّ: هو في معظم النسخ من مسلم بالواو، وفي بعضها بالراء. قال في«الفتح»: ووقع عند الطبرانيّ من رواية أحمد بن صالح، عن ابن وهب في هذا الحديث:«كفرًا صُرَاحًا»بصاد مهملة مضمومة، ثم راء، ووقع في رواية حبان أبي النضر:«إلا أن يكون معصية لله بَوَاحًا»، وعند أحمد من طريق عُمير بن هانئ، عن جُنادة:«ما لم يأمروك بإثم بواحًا»، وفي رواية إسماعيل بن عُبيد، عند أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، من روايته عن أبيه، عن عبادة:«سَيَلي أموركم من بعدي رجال، يُعَرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تَعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله»، وعند أبي بكر بن أبي شيبة، من طريق أزهر بن عبد الله، عن عبادة، رفعه:«سيكون عليكم أمراء، يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة». انتهى . (عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»)؛ أي: حجة بيّنة، وأَمْر لا شكّ فيه يحصل به اليقين أنه كفرٌ، فحينئذٍ يجب أن يُخلَع مَن عُقدت له البيعة. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «برهان» مبتدأ، و«عندكم» خبره، و«من الله» متعلّق بالظرف، أو حال من المستتر في الظرف؛ أي: بُرهان حاصلٌ عندكم، كائنًا من الله؛ أي: من دين الله. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»؛ أي: نصُّ آية، أو خبر صحيح، لا يَحتَمِل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يَحتمل التأويل، قال النوويّ: المراد بالكفر هنا: المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرًا محقّقًا، تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحقّ حيثما كنتم. انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا: المعصية والكفر، فلا يُعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر. قال الحافظ: والذي يظهر حَمْل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدَح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدَح في الولاية نازعه في المعصية، بأن يُنكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحقّ له بغير عُنف، ومحل ذلك إذا كان قادرًا، والله أعلم. ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قُدر على خلعه بغير فتنة، ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يَكْفُر، فيجب الخروج عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. [خاتمة] نختم بها هذا الباب: قد كتب صاحب «تكملة فتح الملهم» هنا فائدة مهمّة، أحببت إيرادها هنا؛ لأهمّيتها، قال: قوله: «إنما الطاعة في المعروف» قد ثبت بأحاديث الباب مبدءان عظيمان من مبادئ السياسة الإسلاميّة، استعملها الفقهاء في كثير من المسائل: الأول: مبدأ طاعة الأمير، وأن المسلم يجب عليه أن يطيع أميره في الأمور المباحة، فإن أَمَر بفعل مباح، وجبت مباشرته، وإن نهى عن أمر مباح حرُم ارتكابه؛ لأن الله - ﷾ - قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فلو كان المراد من طاعة أولي الأمر طاعتهم في الواجبات الشرعيّة فحسب، لَمَا كان هناك داع لاستقلالهم بالذِّكر في هذه الآية؛ لأن طاعتهم في الواجبات الشرعيّة ليست طاعة لأولي الأمر، وإنما هي طاعة لله تعالى، ورسوله - ﷺ -، فلمّا أفردهم الله تعالى بالذِّكر ظَهَر أن المراد طاعتهم في الأمور المباحة. ومن هنا صرّح الفقهاء بأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، قال ابن عابدين في «باب الاستسقاء» من «ردّ المحتار» (١/ ٧٩٢): إذا أمر الإمام بالصيام في غير الأيام المنهية وَجَب؛ لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، وحكى ابنه علاء الدين عن البيريّ أن الحاكم لو أمر أهل بلدة بصيام أيام بسبب الغلاء، أو الوباء وجب امتثال أمره، راجع: «قرّة عيون الأخيار» (٢/ ٥٤). ولكن هذه الطاعة كما أنها مشروطة بكون أَمْر الحاكم غير معصية، فإنها مشروطة أيضًا بكون الأمر صادرًا عن مصلحة، لا عن هوى، أو ظلم؛ لأن الحاكم لا يطاع لذاته، وإنما يطاع من حيث إنه مُتَوَلٍّ لمصالح العامّة، فإن أمر بشيء اتباعًا لهوى نفسه دون نَظَرٍ إلى مصالح المسلمين، فإنه أمْر صَدَر من ذاته وشخصه، لا من حيث كونه حاكمًا، فلا يقع بمثابة أوامره من حيث كونه حاكمًا، ولذلك قال الفقهاء: تصرّف الإمام على الرعيّة منوط بالمصلحة. فال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولكن هذه الطاعة. . . إلخ» لا يخفى ما فيه لمن تأمله، فإن قوله في الحديث: «في منشطنا، ومكرهنا، وفي أثرة علينا»، يخالفه تمامًا، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. قال: وتفريعًا على هذا المبدأ قرّر الفقهاء أن حكم الحاكم رافع للخلاف في الأمور المجتهَد فيها، فمتى صادف أمره فصلًا مجتهَدًا فيه نفذ، ووجب اتّباعه، ولو كان الرجل لا يرى رأيه في تلك المسألة، ولذا لمّا أَمَر هارون الرشيد أبا يوسف ومحمدًا أن يكبّرا في العيدين بتكبيرة جدّه امتثلا أمره، مع أنهما لا يريان التكبيرات الزوائد على الستّ . وأما المبدأ الثاني: فهو لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يُطاع أمير، ولا إمام إن أمر بما هو معصيةٌ، وإن هذا المبدأ لو عُمِل به في بلاد المسلمين اليوم لأغنى عن كثير من الإضرابات، والاضطرابات الجارية في كثير من البلدان، ولاضطرّت به الحكومات إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة في جميع نواحي الحياة، فلو امتنع القضاة عن إصدار حكم لا يوافق شرع الله، وامتنع الموظّفون من امتثال الأوامر المصادمة لأوامر الله، وامتنع أصحاب البنوك من التمويل على أساس الربا المحرّم شرعًا، وامتنع العامّة من إيداع أموالهم في البنوك الربويّة، وامتنع كل مسلم من الخضوع للأحكام المصادمة للشريعة الغراء، لاضطرّت الحكومات إلى إلغاء القوانين الوضعيّة التي لا توافق الشريعة الإسلاميّة. وهذا هو الطريق المشروع للضغط على الحكومات في سبيل إقامة
مصادر المؤلف (٥٠)

١. «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ١٢٧.

٢. وفي نسخة: «إنما».

٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٢٧.

٤. «المفهم»٤/ ٣٩ - ٤٠.

٥. «الفتح»٩/ ٤٧٣ - ٤٧٤، كتاب«المغازي»رقم (٤٣٤٠).

٦. قال في «القاموس»: خَمِدت النار، كنصَرَ، وسَمِعَ خَمْدًا، وخُمُودًا: سكَن لَهَبُها، ولم يُطفأ جَمرها. انتهى.

٧. حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: هو ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ٣/ ٦٧ وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم من طريق عُمَر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله - ﷺ - علقمة بن مُحَرِّز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق أَذِنَ لطائفة من الجيش، وأمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة بن قيس السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعابة - يعني: مِزاحًا - وكنت ممن رجع معه، فنزلنا ببعض الطريق، قال: =

٨. «الفتح» ٩/ ٤٧٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٤٠).

٩. «الفتح» ١٦/ ٦٢٧ - ٦٢٨، كتاب «الأحكام» رقم (٧١٤٥).

١٠. «المفهم» ٤/ ٤١.

١١. «المفهم» ٤/ ٤٠.

١٢. «الفتح» ٩/ ٤٧٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٤٠).

١٣. راجع: «بهجة النفوس» ٤/ ٧٢ - ٧٣.

١٤. قال الجامع عفا الله عنه: في دعوى القرطبيّ الكذب عليهم نظر لا يخفي، فإن هذه القصّة وأشباهها موجود في كتب هذه الطائفة، ومسطّر عندهم، يتبجّحون به، ويجعلونه من جملة كرامات مشايخهم، فمن شكّ في هذا، فليُطالع «طبقات الشعرانيّ» الكبرى، و«رسالة القشيريّ»، و«جامع كرامات الأولياء» للنبهانيّ، وغير ذلك من الكتب المعتمدة عندهم التي يجعلونها أساسًا لطريقتهم، ويذكرون لمريديهم فضلها، ويحثّونهم على سلوك ما وجّهت إليه، ومن خالفها فقد هلك وعطب، ولا ينال مما عندهم من المدد شيئًا، بل يكون محرومًا مطرودًا، فكيف يقال: إن هذا مما كَذَب عليها الزنادقة؟ هيهات هيهات، فإن أردت أن تعلم أنّ ما قلته حقًّا، فراجع على سبيل المثال: «طبقات الشعرانيّ» ٢/ ٩٧ و١٢٢ و١٦٦ و١٦٧ ترى العجب العجاب، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك وليّ ذلك، والقادر عليه، آمين.

١٥. «المفهم» ٤/ ٤١ - ٤٣.

١٦. وفي نسخة: «فجمعوا، ثم قال».

١٧. وفي نسخة: «لو دخلوا فيها».

١٨. «فيض القدير» ٦/ ٤٣٢.

١٩. «عون المعبود» ٧/ ٢٠٨.

٢٠. «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٥٤٣.

٢١. هو: ولد الإمام أحمد، راوي «المسند» عنه، فتنبّه.

٢٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٨٢.

٢٣. هذا مكرر، تقدّم.

٢٤. رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٩٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذهبيّ.

٢٥. «المفهم» ٤/ ٤٤ - ٤٥.

٢٦. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٧/ ١٣٨.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٣٠.

٢٨. هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد - ﵀ -، وهو إشارة إلى أن حديث عبادة - ﵁ - هذا تقدّم بالرقم المذكور، لكن سياق الذي تقدّم غير هذا السياق، وقد تقدّم في كتاب «الحدود» برقم [١١/ ٤٤٥٣] (١٧٠٩) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٣٠.

٣٠. حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.

٣١. «الفتح» ١٦/ ٥١٣، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٩٨).

٣٢. «المفهم»٤/ ٤/ ٤٤.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٢٩ بزيادة من «إكمال المعلم» ٦/ ٢٤٧.

٣٤. «فتح الباري» ١٣/ ٨.

٣٥. يعني آية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.

٣٦. «تفسير ابن كثير» ١/ ٧٣.

٣٧. سقط لفظ «مثله» من بعض النسخ.

٣٨. «سنن ابن ماجه» ٢/ ٩٥٧.

٣٩. وفي نسخة: «عن أبيه، قال: حدّثني».

٤٠. «سنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ١٥٨.

٤١. وفي نسخة: «فبايعنا، فكان».

٤٢. وفي نسخة: «ولا ننازع».

٤٣. «الفتح» ١٦/ ٤٣٩، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٥٥).

٤٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٨/ ٢٥٥٩.

٤٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٨/ ٢٥٥٩ - ٢٥٦٠.

٤٦. «الفتح»١٦/ ٤٣٩، كتاب«الفتن»رقم (٧٠٥٥).

٤٧. «المفهم»٤/ ٤٥.

٤٨. «الفتح» ١٦/ ٤٣٩، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٥٥).

٤٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٦٠.

٥٠. راجع: «ردّ المحتار» ١/ ٧٨.