HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٦٦

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزبير؛ أن عائشة زوج النبي ﷺ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ، إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ الله ﷿: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعتك عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ [٦٠ /الممتحنة] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (انْطَلِقْنَ. فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ) وَلَا. وَاللَّهِ! مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ. غَيْرَ أَنَّهُ يبايعهن بالكلام. قالت عاشة: وَاللَّهِ! مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ، إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ. وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ (قد بايعتكن)، كلاما.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص29
ج ٣ ص ١٤٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٤٣
[٤٧٩] قوله: (يُمْتَحَنَّ) ؛ بضم الياء وتشديد النون، وهو مستقبل: (امتُحِنَّ)؛ بضم التاء وتشديد النون، والمعنى: يُخْتَبَرن بظاهر ما يُمَكِّن مِن تَعَرُّف أحوالهن، وذلك الظاهر من الإسلام، وقوله: (مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ)، فيه دلالة على توقِّي أمر النساء خوف الافتتان بهن. ومن باب البيعة على السمع والطاعة
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٢٨٣
وأما قول بعض الشرّاح: إنه ترك قوله: «فاعمل من وراء البحار»، ففيه نظر، ويردّه ما يأتي في التنبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَهَلْ تَحْلُبُهَا) بضمّ اللام، من باب نصر، وفي بعض النسخ: «تحتلبها». وقوله: (يَوْمَ وِرْدِهَا؟) بكسر الواو، وسكون الراء، قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند وُرُود المياه حلبوا مواشيهم، فسَقَوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه. انتهى . [تنبيه]: رواية محمد بن يوسف الفريابي عن الأوزاعيّ هذه ساقها ابن الجارود في «المنتقى»، فقال: (١٠٢٩) - حدّثنا محمد بن يحيى، قال: «ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا الأوزاعيّ، قال: ثني الزهريّ، قال: ثنا عطاء بن يزيد الليثيّ، قال: ثني أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله عن الهجرة، فقال:»ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، هل لك من إبل؟ «قال: نعم، قال:»فتعطي صدقتها؟ «قال: نعم، قال:»تمنح منها؟ «قال: نعم، قال:»فتحلبها يوم وردها؟ «قال: نعم، قال:»فاعْمَل من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا«. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٢٦] (١٨٦٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ ، إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الممتحنة: ١٢] قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ»، وَلَا، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ - قَالَتْ عَائِشَةُ -: وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلَامًا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، ومسلسلٌ أيضًا بالإخبار والقول، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ)، وفي بعض النسخ: «كان المؤمنات» بحذف تاء التأنيث، وهو جائز، وإن كان الأَولى ذِكْرها، قال في «الخلاصة»: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ وفي التنزيل قال الله - ﷿ -: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، وإن قيل: إن ذلك للفصل. (إِذَا هَاجَرْنَ)؛ أي: من مكة إلى المدينة قبل عام الفتح (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُمْتَحَنَّ) بالبناء للمجهول؛ أي: يُختبرن، والامتحان الاختبار، وفي رواية للبخاريّ: «يَمْتحنُهُنّ»، قال في «الفتح»، أي: يختبرهنّ النبيّ - ﷺ - فيما يتعلّق بالإيمان، فيما يرجع إلى ظاهر الحال دون الاطّلاع على ما في القلوب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. (بِقَوْلِ اللهِ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾) رواية مسلم هذه صريحة في أن هذه الآية وحدها هي التي نزلت في هذا، والذي في رواية البخاريّ أنها الآية قبلها، ولفظه: «كان المؤمنات إذا هاجرن إلى النبيّ - ﷺ - يمتحنهنّ بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية»، ويُمكن أن يُجمع بأنهما نزلتا معًا، وإليه مال في «الفتح»، حيث قال عند قوله: (إلى آخر الآية) ما نصّه: يَحْتَمِل الآية بعينها، وآخرها ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ويَحْتَمِل أن يريد بالآية القصّة، وآخرها ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وهذا هو المعتمَد، فقد تقدّم في أوائل «الشروط» من طريق عُقيل وحده، عن ابن شهاب، عَقِب حديثه عن عروة، عن المسور، ومروان: «قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وكذا وقع في رواية ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، في»تفسير الممتحنة«. انتهى. والحاصل أن الآيتين نزلتا معًا، والله تعالى أعلم. (﴿يُبَايِعْنَكَ﴾)؛ أي: من جاءك منهنّ تبايع على هذا الشرط، فبايعها (﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾)؛ أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصِّرًا في نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ، فهل عليَّ جُناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بَنِيك»، متّفقٌ عليه. (﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَة [الممتحنة: ١٢])؛ أي: إلى آخر القصّة، وهو آخر الآية الثانية، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فالمراد الآيتان، كما أسلفت تحقيقه آنفًا، فتنبّه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين: بالوأْد، والإزلاق. قلت : واللفط أعم مما ذكره؛ إذ يتناوله وغيره. وقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾؛ أي: يفترينه، قيل في البهتان هذا: إنه السِّحْرُ، وقيل: النميمة، وقيل: الولد من غير الزوج بالالتقاط، أو الزنى، فتنسبه إلى الزوج، وقيل: النياحة، وخَمْش الوجه، وشَقّ الجيب، والدعاء بالويل، قال الكلبي: هو عامّ في كل أمرٍ. قال القرطبيّ: وهو الصحيح؛ لعموم لفظ البهتان فإنَّه نكرة في سياق النهي، ونِسْبَته إلى ما بين الأيدي والأرجل كناية عما يُفْعَل بجميع الأعضاء والجوارح من البهتان بين الأيدي والأرجل؛ لأنهما الأصل في أعمال الجوارح. وقوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: من قِبَل أنفسهنّ فكنى بالأيدي والأرجل عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما، أو أن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثم يُبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتن الناس بالمعايب كِفاحًا مواجهةً . وحَكَى أهل التفسير: أنّ النبيّ - ﷺ - لمّا فتح مكة جلس على الصَّفا، وبايع النساء، فتلا عليهنَّ الآية، فجاءت هند - امرأة أبي سفيان - متنكرةً، فلمَّا سمعت: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: قد سرقت من مال هذا الشيخ، قال أبو سفيان: ما أصبتِ فهو لك، ولَمَّا سمعت: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرَّة؟ فقال عمر: لو كانت قلوب نساء العرب على قلب هند ما زنت امرأة منهنَّ، ولَمَّا سمعت: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، قالت: ربّيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا، ولَمَّا سمعت: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، قالت: والله إن البهتان لأمرٍ قبيح، ما تأمر إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق، ولمّا سمعت: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: ما جلسنا هنا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. و«المعروف» هنا: الواجبات الشرعية التي يُعَصَّى من تركها، وقال الزرقانيّ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ كما أمر الله به، والتقييد به تطييبًا لقلوبهنّ؛ إذ لا يأمر إلا به، أو تنبيهًا على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وقيل: «المعروف» هنا: أن لا يَنُحْنَ على موتاهنّ، ولا يخلُوْنَ بالرجال في البيوت، قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما، أسنده أبو عمر. انتهى . وقوله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾؛ أي: بالكلام، كما فعل - ﷺ - ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: سل الله لهنّ المغفرة، فإنه غفور بتمحيق ما سلف، رحيم بتوفيق ما ائتُنِفَ. انتهى . (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا)؛ أي: بالشرط الذي ذُكر في الآية، وقوله: (مِنَ الْمُؤْمِنَات) بيان لـ «منْ»، (فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة: اسم من الامتحان، قال الفيّوميّ - ﵀ -: مَحَنْتُهُ مَحْنًا، من باب نَفَعَ: اختبرتُهُ، وامتحنته كذلك، والاسم: الْمِحْنةُ، والجمع: مِحَنٌ، مثلُ سِدْرَة وسِدَرِ. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة» يشير إلى شرط الإيمان، وأوضحُ من هذا ما أخرجه الطبريّ من طريق العوفيّ، عن ابن عباس قال: «كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله». وأما ما أخرجه الطبريّ أيضًا، والبزار، من طريق أبي نصر، عن ابن عباس: «كان يمتحنهنّ: والله ما خرجتُ من بُغْض زوج، والله ما خرجت رغبةً عن أرض إلى أرض، والله ما خرجت التماس دنيا، والله ما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله». ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، نحو هذا، ولفظه: «فاسألوهنّ عما جاء بهنّ، فإن كان من غضب على أزواجهنّ، أو سُخْطه، أو غيره، ولم يؤمنّ، فأرجعوهنّ إلى أزواجهن». ومن طريق قتادة: «كانت محنتهنّ أن يُستحلفنَ بالله: ما أخرجكنّ نُشوزٌ، وما أخرجكنّ إلا حبّ الإسلام، وأهله، فإذا قلن ذلك قُبِل منهنّ»، فكل ذلك لا ينافي رواية العوفيّ؛ لاشتمالها على زيادة لم يذكرها. انتهى ما في «الفتح» . وقال في موضع آخر: وفي هذا الحديث أن المحنة المذكورة في قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ هي أن يبايعهن بما تضمنته الآية المذكورة. وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: أنه - ﷺ -: «كان يمتحنُ من هاجر من النساء: بالله ما خرجتُ إلا رغبةً في الإسلام، وحبًّا لله ورسوله»، وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نَجيح، عن مجاهد نحوه، وزاد: «ولا خرج بك عِشْق رجل منا، ولا فرار من زوجك»، وعند ابن مردويه، وابن أبي حاتم، والطبرانيّ، من حديث ابن عباس نحوه، وسنده ضعيف. ويمكن الجمع بين التحليف والمبايعة، والله أعلم. وذكر الطبريّ، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، أن المرأة من المشركين كانت إذا غَضِبت على زوجها، قالت: والله لأهاجرنّ إلى محمد، فنزلت: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ . (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أقرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ)؛ أي: بقولهنّ لفظًا صريحًا، فـ «من» بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] . (قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْطَلِقْنَ)؛ أي: اذهبن إلى محلّكنّ (فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ»)؛ أي: تمّ البيع بيني وبينكنّ. وقال في «الفتح»: قوله: «انطلقن فقد بايعتكنّ» بيّنته بعد ذلك بقولها في آخر الحديث: «فقد بايعتكنّ كلامًا»؛ أي: كلامًا يقوله، ووقع في رواية عُقيل: «كلامًا يكلّمها به، ولا يبايع بضرب اليد على اليد، كما كان يبايع الرجال»، وقد أَوْضَحَتْ ذلك بقولها: «ما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة قطّ»، زاد في رواية عقيل في المبايعة: «غير أنه بايعهن بالكلام». ووقع في حديث ابن عباس: «حتى أتى النساء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتنّ على ذلكِ؟ فقالت امرأة منهنّ: نعم». قال: واختُلِف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات، فقيل: منسوخ، بل ادَّعَى بعضهم الإجماع على نسخه، والله أعلم. انتهى . (وَلَا، وَاللهِ) فيه القسم لتأكيد الخبر، وكأن عائشة - ﵂ - أشارت بذلك إلى الردّ على ما جاء عن أم عطيّة، فعند ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، والطبريّ، وابن مردويه، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن جدّته أم عطيّة في قصة المبايعة، قالت: «فمدّ يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشْهَد»، وكذا حديثها: «بايعنا رسول الله - ﷺ، فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبيّ - ﷺ - شيئًا، فانطلقت، ورجعت فبايعها». فقولها: «فقبضت منا امرأة يدها» فإنه يشعر بأنهنّ كنّ يبايعنه بأيديهنّ. ويمكن الجواب عن الأول بأن مدّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة، وإن لم تقع مصافحة، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في «المراسيل» عن الشعبيّ: «أن النبيّ - ﷺ - حين بايع النساء، أُتِي ببرد قِطْريّ، فوضعه على يده، وقال: لا أصافح النساء»، وعند عبد الرزاق، من طريق إبراهيم النخعيّ مرسلًا نحوه، وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك. وأخرج ابن إسحاق في «المغازي» من رواية يونس بن بكير، عنه، عن أبان بن صالح: «أنه - ﷺ - كان يغمس يده في إناء، وتغمس المرأة يدها فيه»، ويَحْتَمِل التعدد. وقد أخرج الطبرانيّ أنه بايعهنّ بواسطة عمر، وروى النسائيّ، والطبريّ من طريق محمد بن المنكدر: «أن أُميمة بنت رُقيقة - بقافين مصغرًا - أخبرته أنها دخلت في نسوة تبايع، فقلن: يا رسول الله ابسط يدك نصافحك، قال: إني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكنّ، فأخذ علينا، حتى بلغ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقال: فيما أطقتنّ، واستطعتنّ، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا». وفي رواية الطبريّ: «ما قَوْلي لمائة امرأة، إلا كقولي لامرأة واحدة». وقد جاء في أخبار أخرى أنهنّ كنّ يأخذن بيده عند المبايعة، من فوق ثوب، أخرجه يحيى بن سلام في «تفسيره»، عن الشعبيّ، وفي «المغازي» لابن إسحاق، عن أبان بن صالح: «أنه كان يغمس يده في إناء، فيغمسن أيديهنّ فيه». انتهى . (مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ) قال النوويّ - ﵀ -: وفي «قط» خمس لغات: فتح القاف، وتشديد الطاء، مضمومةً، ومكسورةً، وبضمّهما، والطاء مشدّدةُ، وفتح القاف، مع تخفيف الطاء، ساكنةً، ومكسورةً، وهي لنفي الماضي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات «قط» المذكورة بقولي: «قَطُّ» بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ قَدْ وَرَدَا … لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ خَمْسٌ تُقْتَدَى بِالْفَتْحِ فَالضَّمِ وَضَمَّتَيْنِ … خَفِّفْ وَشُدَّ الطَّاءَ دُومَيْنِ خَامِسُهَا «قَطِّ» بِكَسْرٍ شُدِّدَا … أَمَّا بِمَعْنَى «حَسْبُ» سَاكِنَا بَدَا فَقُلْ «فَقَطْ» فَإِنْ أَضَفْتَ «قَطْكَ» قُلْ … «قَطِي»، و«قَطْنِي» عَنْهُمُ أَيْضًا نَبُلْ (غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ - قَالَتْ عَائِشَةُ -: وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى)؛ تعني به: آية المبايعة المذكورة، يتلوها عليهنّ، ولا يزيد شيئًا آخر من قِبَله . (وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلَامًا)؛ أي: يقول ذلك كلامًا فقط، لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة. وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الاستثناء منقطع، وتقدير الكلام: ما مس امرأةً قط، لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام، فإذا أخذها بالكلام، قال: اذهبي، فقد بايعتك، وهذا التقدير مُصَرَّحٌ به في الرواية الأولى، ولا بُدّ منه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٤٨٢٦ و٤٨٢٧] (١٨٦٦)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤١٨٠ و٤١٨١ و٤٨٩١) و«الطلاق» (٥٢٨٨) و«الأحكام» (٧٢١٤)، و(أبو داود) في «الخراج والإمارة» (٢٩٤١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٠٦)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٩٠٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢١٨ و٦/ ٤٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١١٤ و١٥٣ و١٦٣ و٢٧٠)، و(ابن جرير) في «تفسيره» (٢٨/ ٦٨ و٨٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفيّة بيعة النساء، وهي أن تكون بالكلام من غير أخذ كفّ. ٢ - (ومنها): بيان أن بيعة الرجال تخالف بيعة النساء، وهي أن تكون بأخذ الكفّ مع الكلام. ٣ - (ومنها): أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة. ٤ - (ومنها): أنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة؛ كتطبب، وفصد، وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين، ونحوها، مما لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبيّ فعله؛ للضرورة . ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: ما قالته عائشة - ﵂ - من أن النبيّ - ﷺ -: «ما مَسَّت يده يد امرأة إلَّا امرأة يملكها»، وإنّما يبايع النساء بالكلام، هو الحقّ، والصدق، وإذا كان النبيّ - ﷺ - يَمتنع من ذلك كان غيره أحرى، وأولى بالامتناع منه، فيبطل قول من قال: إن عمر - ﵁ - كان يأخذ بأيدي النساء عند هذه المبايعة، وليس بصحيح، لا نقلًا، ولا عقلًا. انتهى . ٦ - (ومنها): ما قاله أيضًا: إن فيه التباعدَ من النساء ما أمكن، وإن كلام المرأة فيما يُحتاج إليه من غير تزيُّن، ولا تصنُّع، ولا رفع صوت ليس بحرام، ولا مكروه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ، قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطُّ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ، قَالَ: «اذْهَبِي، فَقَدْ بَايَعْتُكِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدّم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الثقة الثبت الحجة المجتهد، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «المفهم» ٤/ ٧٢.

٢. «المنتقى لابن الجارود» ١/ ٢٥٧.

٣. وفي نسخة: «كان المؤمنات».

٤. القائل هو القرطبيّ.

٥. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٥١٢.

٦. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٥١٢.

٧. «المفهم» ٤/ ٧٣ - ٧٤ بزيادة من غيره.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٥.

٩. «الفتح» ١٢/ ١٣٢، كتاب «الطلاق» رقم (٥٢٨٨).

١٠. «الفتح» ١٠/ ٦٨٨ - ٦٨٩، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٩١).

١١. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٦١٤.

١٢. «الفتح»١٢/ ١٣٢، كتاب«الطلاق»رقم (٥٢٨٨).

١٣. «الفتح» ١٠/ ٦٨٧ - ٦٨٨، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٩١).

١٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠ - ١١.

١٥. «المفهم» ٤/ ٧٥.

١٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ١١.

١٧. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠.

١٨. «المفهم» ١٣/ ٧٤ - ٧٥.

١٩. «المفهم» ١٣/ ٧٤ - ٧٥.