HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٧٨

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن أبي هريرة. قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿؟ قال (لا تستطيعوه) قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ (لَا تَسْتَطِيعُونَهُ). وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ. لَا يَفْتُرُ مِنْ صيام وصلاة. حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص35
ج ٣ ص ١٤٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٣٨٧
وقوله: (فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى) الفاء فيه للتعليل؛ لأنه يتمنّى أَنْ يَرْجِعَ إلى الدنيا. وقوله: (لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)؛ أي: لِمَا يُشاهد من إكرام الله - ﷾ - الشهداء. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٦١] (١٨٧٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدّم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ) أبو الهيثم المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. والباقون ذُكروا قبل حديثين. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -)، وفي رواية البخاريّ: «قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: دُلّني على عمل يَعْدل الجهاد»، قال الحافظ: لم أقف على الرجل. (مَا) استفهاميّة، (يَعْدِلُ) بكسر الدال المهملة؛ أي: يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَدْلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مِثله، قائمًا مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وعِدل الشيء بالكسر: مِثْله من جنسه، أو مقدارِهِ، قال ابن فارس: الْعِدل: الذي يعادل في الوزن والقدر، وعَدْله بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو في الأصل مصدر، أفاده الفيّوميّ . (الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -؟ قَالَ) - ﷺ - («لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»)؛ أي: لا تستطيعون القيام بما يعادل الجهاد؛ لأنه أشقّ، ووقع في بعض النسخ: «لا تستطيعوه» بحذف النون، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النسخ: «لا تستطيعوه»، وفي بعضها: «لا تستطيعونه» بالنون، وهذا جارٍ على اللغة المشهورة، والأول صحيح أيضًا، وهي لغة فصيحة حَذْف النون من غير ناصب، ولا جازم، وقد سبق بيانها، ونظائرها مرات. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حَذْف نون الرفع بلا ناصب، وجازم لغة، ذكرها ابن مالك - ﵀ - في «الكافية الشافية»، فقال: وَدُونَ «نِي» فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا «أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي» (قَالَ) الراوي، وهو أنس - ﵁ -، (فَأَعَادُوا) السؤال (عَلَيْهِ) - ﷺ - (مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ)؛ أي: كلّ السؤال المعاد (يَقُولُ) فيه النبيّ - ﷺ - («لَا تَسْتَطِيعُونَهُ») وفي رواية البخاريّ قال - ﷺ - في الجواب: «لا أجده»، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم، ولا تفتُر، وتصوم، ولا تُفطر؟»، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستنّ في طِوَله، فيُكتب له حسنات. وأخرج الطبرانيّ نحو هذا الحديث من حديث سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، وقال في آخره: «لم يبلغ العُشر من عمله». (وَقَالَ) وفي بعض النسخ: «قال» بحذف الواو، (فِي الثَّالِثَةِ)؛ أي: في المرّة الثالثة من مرّات السؤال («مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ)؛ أي: المطيع، (بِآيَاتِ اللهِ)؛ أي: بتلاوة القرآن الكريم. وقال ابن الأثير - ﵀ - في«النهاية»: القنوت في الحديث يَرِدُ بمعانٍ متعدّدة؛ كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والصوم، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت. قال الطيبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يراد بالقانت هنا القائم، فيكون تعلّق الباء به كتعلّقه في قولك: قام بالأمر: إذا جدّ فيه، وتجلّد له، فالمعنى: القائم بما يجب عليه من استفراغ الجهد في معرفة كتاب الله، والامتثال بما أمر الله، والانتهاء عما نهى الله، وأن يُراد بطول القيام، فيكون تابعًا للقائم؛ أي: المصلّي الذي يطوّل قيامه في الصلاة، وتكثُر قراءته فيها، ويؤيّد الوجه الثاني قوله: «لا يفتر من صيام، ولا صلاة». انتهى . (لَا يَفْتُرُ) بضمّ التاء، يقال: فَتَرَ عن العمل فُتُورًا، من قَعَدَ: انكسرت حِدّته، وَلَانَ بعد شِدّته . (مِنْ صِيَامٍ) متعلّق بـ «يفتُر»، (وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى»)؛ أي: سَلِم من القتل، أو يُستشهد. وفي رواية البخاريّ:«مَثَل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمَثَل الصائم، القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالِمًا مع أجر، أو غنيمة». وفي رواية النسائي:«مَثَل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد»، وفي«الموطأ»، وابن حبان:«كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع»، ولأحمد، والبزار، من حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا:«مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم نهاره، القائم ليله». [فإن قلت]: فبم شُبّه حال المجاهد في سبيل الله بحال الصائم؟. [أجيب]: بأن ذلك في نيل الثواب في كل حركة وسكون، في كلّ حين وأوان؛ لأن المراد من الصائم القائم: من لا يفتر ساعةً من ساعاته آناء الليل وأطراف النهار من صومه وصلاته، شُبّه حال المجاهد الذي لا تخلو ساعةٌ من ساعاته من أجر وثواب، سواء كان قائمًا، أو نائمًا، يقاتل العدوّ، أم لا، كما قال في الحديث:«إن المجاهد لتستنّ فرسه، فيكتب له حسنات»، بالصائم القائم الذي لا يفتر عما هو فيه، فهو من التشبيه الذي المشبّه به مفروض، غير محقّق؛ وهذا ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١]. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - بتصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٤٨٦١ و٤٨٦٢] (١٨٧٨)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٧٨٧)، و(الترمذيّ) في «الجهاد» (٤/ ١٦٤)، و(النسائيّ) في «الجهاد» (٦/ ١٨) و«الكبرى» (٣/ ١٢ - ١٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٤٤٣)، و(ابن المبارك) في «الجهاد» (١/ ٣٣ و٣٤ و٤٢ و٤٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٢٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٢٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٥٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٣٣٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٢٢٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٦٢١ و٤٦٢٢ و٤٦٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٥٦ و٤٥٧ و٤٦٤ و٤٥٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٥٨) و«شعب الإيمان» (٤/ ٦ و١٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٦١٣)، و(ابن أبي عاصم) في «الجهاد» (١/ ١٨٢ و١٨٣ و١٨٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله - ﷾ -، قال النوويّ - ﵀ -: في هذا الحديث عظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة، والصيام، والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جُعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال - ﷺ -: «لا تستطيعونه». وقال القاضي عياض - ﵀ -: اشتَمَل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد؛ لأن الصيام وغيره مما ذُكر من أفاضل الأعمال قد عدلها كلّها الجهادُ حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال - ﷺ -: «لا تستطيعون ذلك». انتهى . وقال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: هذا الحديث من أجلّ حديثٍ رُوي في فضل الجهاد؛ لأنه مثَّله بالصلاة، والصيام، وهما أفضل الأعمال، وجَعَل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعةً، فأيّ شيء أفضل من شيء، يكون صاحبه راكبًا، وماشيًا، وراقدًا، ومتلذّذًا بكثير ما أبيح له، من حديث رفيقه، وأكله، وشربه، وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم المجتهد؟ ولذلك قلنا إن الفضائل لا تُدرك بقياس، وإنما هو تفضّل من الله - ﷿ -، قال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه استعمالَ القياس، والتشبيه، والتمثيل في الأحكام؛ لأنه شَبَّه المجاهد بالصائم القائم. ٣ - (ومنها): أن الفضائل لا تُدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا؛ لِمَا تقدم تقريره، وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين، ونشره، وإخماد الكفر، ودَحْضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي أن لا يعدل الجهادَ شيء من الأعمال، وأما ما جاء في حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: «ما العمل في أيام أفضل منه في هذه» - يعني: أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد»، فَيَحْتَمِل أن يكون عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عباس، ويَحْتَمِل أن يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصًا بمن خرج قاصدًا المخاطرة بنفسه وماله، فأصيب، كما في بقية حديث ابن عباس - ﵄ -: «خَرَج يخاطر بنفسه، وماله، فلم يرجع بشيء»، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة. قال: وأشدّ مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ وابن ماجه وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء، مرفوعًا: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذِكْر الله»، فإنه ظاهر في أن الذِّكر بمجرّده أفضل من أبلغِ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد، والنفقة من النفع المتعدي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا استشكل في «الفتح»، ولم يذكر جوابه، ويجاب بأن هذا أيضًا مخصوص من عموم حديث الباب، فيكون الذكر أفضل، وذلك فضل من الله - ﷿ -، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: أبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية رووا هذا الحديث عن سُهيل بن أبي صالح بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن سهيل، ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»، فقال: (١٦١٩) - حدّثنا قُتيبة بن سعيد، حدّثنا أبو عوانة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله ما يَعْدِل الجهاد؟ قال: «إنكم لا تستطيعونه»، فردّوا عليه مرّتين، أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا تستطيعونه»، فقال في الثالثة: «مثلُ المجاهد في سبيل الله مثل القائم الصائم الذي لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». انتهى . ورواية جرير بن عبد الحميد، عن سُهيل، ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (١٨٢٧٠) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد بن سفيان الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق إملاءً، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قالوا: يا رسول الله أخبرنا ما يَعْدِل الجهادَ في سبيل الله؟ قال: «إنكم لا تستطيعون»، قلنا: بلى، قال: «إنكم لا تستطيعونه»، قال: فلا أدري في الثالثة، أم في الرابعة: «مَثَل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد إلى أهله». انتهى . ورواية أبي معاوية، عن سُهيل، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة - ﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (١٩٣١٤) - حدّثنا أبو معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
مصادر المؤلف (١٠)

١. وفي نسخة: «قال».

٢. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٦.

٣. «شرح النوويّ»١٣/ ٢٤.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٨/ ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٤٦١.

٦. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤.

٧. «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٧.

٨. «الاستذكار» ٥/ ٤.

٩. «جامع الترمذيّ» ٤/ ١٦٤.

١٠. «سنن البيهقي الكبرى» ٩/ ١٥٨.