HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٣٥

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أبو الزبير عن جَابِرٍ. ح وحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ. نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ. وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لم غَيْرَهُ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَالَ فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ. ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ. فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ. ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ. قَالَ وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ. فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ. قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ. ثُمَّ قَالَ: لَا. بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا. وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ، بِالْقِلَالِ، الدُّهْنَ. وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ (أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ) فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ. وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ. فَأَقَامَهَا. ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا. فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا. وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ (هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ. فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟) قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ منه. فأكله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص61
ج ٣ ص ١٥٣٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٦٤
[٥٢٠] ......... أنواعه فإن الطافي منه حلال ؛ و(الجَزَائِر) : جمع الجزور، و(سِيفِ الْبَحْرِ): شاطئه - بكسر السين -. ومن باب النهي عن لحوم الحمر الإنسية هذه الأحاديث: دلالة أن الحُمُر إنما حرمت لما خيف من فَنائها، وضِيقِ الأمر فيها على النّاس، والأمرُ يردُ عن النبي ﷺ لعلّة ولغير علّة، وعلى أي: وجهٍ كان؛ يجب قبولُه والعملُ به. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص١٣٣
(٤) - (بَابُ إِبَاحَةِ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٠] (١٩٣٥) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ، فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا، قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟»، قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْهُ، فَأَكَلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ، نُسب لجدّه، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن حرب، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٦ - (جَابِرُ) بن عبد الله - ﵄ -، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٥٣) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر - ﵁ - أحد مشاهير الصحابة - ﵃ -، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ -، وقد صرّح أبو الزبير بالسماع في رواية عند الإمام أحمد . (قَالَ: بَعَثَنَا)؛ أي: أرسلنا (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)، وقوله: (وَأَمَّرَ عَلَيْنَا) جملة حاليةٌ؛ أي: والحال أنه - ﷺ - جعل الأمير في تلك السريّة (أَبَا عُبَيْدَةَ) بصيغة التصغير، هو عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر القرشيّ، أبو عبيدة ابن الجرّاح الفهريّ، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أدركت أمُّه أمينة بنت غَنْم بن جابر الإسلامَ، وأسلمت، وأسلم هو قديمًا، وشَهِد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وقَتَل أباه يوم بدر كافرًا ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وروى عنه جابر بن عبد الله، وسَمُرة بن جندب، وأبو أمامة، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ، وغيرهم. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن معاذ، ودعا أبو بكر يوم تُوُفِّي رسول الله - ﷺ - في سَقِيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر، أو لأبي عُبيدة، وولّاه عمر الشام، وفتح الله عليه اليرموك، والجابية، وكان طويلًا، نحيفًا، وقال الْجُريريّ عن عبد الله بن شقيق: قلت لعائشة: أي أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: فمن بعده؟ قالت: عمر، قلت: فمن بعده؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجراح، ومناقبه كثيرة، ذكر ابن سعد وغيره أنه مات في طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وخمسين سنةً، وأرّخ ابن منده، وإسحاق القَرّاب وفاته سنة (١٧). وليس له عند الشيخين إلا ذِكر في هذا الحديث، وله عند أصحاب «السنن»، و«مسند أحمد» رواية، فتنبّه. قال في «الفتح»: وفي رواية أبي حمزة الْخَوْلاني، عن جابر، عند ابن أبي عاصم في «كتاب الأطعمة»: «تأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة، على عهد رسول الله - ﷺ -»، والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات «الصحيحين» أنه أبو عبيدة، وكأنّ أحَدَ رواته ظَنَّ من صَنيع قيس بن سعد، في تلك الغزوة، ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها، أنه كان أمير السرية، وليس كذلك. انتهى . (نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ) قد سبق أن العير هي الإبل التي تَحْمِل الطعام وغيره، ولفظ البخاريّ: «وهم يتلقَّون عيرًا لقريش»، وهو صريح ما في الرواية الثانية في الباب حيث قال فيها: «نَرصُد عيرًا لقريش»، وقد ذكر ابن سعد وغيره أن النبيّ - ﷺ - بعثهم إلى حيّ من جهينة بالقَبَليّة - بفتح القاف، والموحدة - مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا، وأن ذلك كان في رجب سنة ثمان. قال الحافظ: وهذا لا يغاير ظاهره ما في «الصحيح»؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش، ويَقصدون حيًّا من جهينة. قال: ويُقَوِّي هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر - ﵁ - قال: «بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا إلى أرض جهينة. . .»، فذكر هذه القصة، لكن تلقّي عِير قريش ما يُتصوّر أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ في الْهُدْنة، بل مقتضى ما في «الصحيح» أن تكون هذه السَّرية في سنة ست، أو قبلها قبل هدنة الحديبية. نَعْم يَحْتَمِل أن يكون تلقّيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لِحِفْظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر، أو أكثر في مكان واحد، فالله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «بل لحفظهم من جهينة. . . إلخ» فيه نظر لا يخفى؛ لأن سياق القصّة إذا نظرت في رواياتها لا يتّفق مع هذا التأويل، بل الظاهر أن مهمة تلك السريّة مصادرة تجارة قريش، وأخْذُها منهم، لا أنهم خرجوا لِحفظهم، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق. (وَزَوَّدَنَا)؛ أي: أعطانا النبيّ - ﷺ - زادًا (جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ) «جراب» بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أفصح، كذا قال النوويّ تبعًا لعياض، وقال الفيّوميّ: «الجراب»: معروف، وجمعها جُرُبٌ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، وسُمع أَجْربةٌ أيضًا، ولا يقال: جَرَابٌ بالفتح، قاله ابن السّكّيت، وغيره. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: الْجِراب - يعني: بالكسر - ولا يُفتح، أو لغيّة، فيما حكاه عياض وغيره: الْمِزْوَد، أو الوعاء، جَمْعه: جُرُبٌ، وجُرْبٌ، وأجربةٌ. انتهى . وقوله: (لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، فكأن سائلًا سأله، فقال: لماذا زوّدكم التمر؟ قال: لأنه لم يجد غيره. وفي رواية من هذا الحديث: «ونحن نَحْمِل أزوادنا على رقابنا»، وفي رواية: «ففنِيَ زادهم، فجَمَع أبو عبيدة زادهم في مزود، فكان يقوتنا، حتى كان يصيبنا كلَّ يوم تمرة»، وفي «الموطأ»: «ففني زادهم، وكان مزودي تمر، وكان يقوتنا، حتى كان يصيبنا كلَّ يوم تمرة»، وفي الرواية الأخرى لمسلم: «كان يعطينا قَبْضةً قبضةً، ثم أعطانا تمرةً تمرةً». قال القاضي عياض - ﵀ -: الجمع بين هذه الروايات أن يكون النبيّ - ﷺ - زَوَّدهم المْزِوْدَ زائدًا على ما كان معهم من الزاد، من أموالهم، وغيرها، مما واساهم به الصحابة - ﵃ -، ولهذا قال: «ونحن نَحْمِل أزوادنا»، قال: ويَحْتَمِل أنه لم يكن في زادهم تمر غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، وأما إعطاء أبي عبيدة إياهم تمرة تمرة، فإنما كان في الحال الثاني بعد أن فني زادهم، وطال لبثهم، كما فسّره في الرواية الأخيرة، فالرواية الأولى معناها الإخبار عن آخر الأمر، لا عن أوله، والظاهر أن قوله: «تمرةً تمرةً» إنما كان بعد أن قسم عليهم قَبْضةً قبضةً، فلما قَلّ تمرهم قسمه عليهم تمرةً تمرةً، ثم فَرَغ، وفقدوا التمرة، ووجدوا أَلَمًا لفقدها، وأكلوا الخبط إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر، ذكره النوويّ . وقال في «الفتح» عند قوله: «فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة» ما نصّه: ظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم، وأزواد بطريق الخصوص، فلما فني الذي بطريق العموم، اقتضى رأى أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص؛ لِقَصْد المساواة بينهم في ذلك، ففعل، فكان جميعه مِزْودًا واحدًا. قال: ووقع عند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر: «بعثنا رسول الله - ﷺ -، وأمّر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرًا لقريش، وزوَّدنا جرابًا من تمر، لم يجد لنا غيره وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة»، وظاهره مخالف لرواية الباب، ويمكن الجمع بأن الزاد العامّ كان قدر جراب، فلما نفِد، وجمع أبو عبيدة الزاد الخاصّ اتَّفق أنه أيضًا كان قدر جراب، ويكون كل من الراويين ذَكَر ما لم يذكره الآخر، وأما تفرقة ذلك تمرةً تمرةً، فكان في ثاني الحال. قال: وأما قول عياض: يَحْتَمِل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور، فمردود؛ لأن حديث الباب صريح في أن الذي اجتمع من أزوادهم كان مزود تمر، ورواية أبي الزبير صريحة في أن النبيّ - ﷺ - زوَّدهم جرابًا من تمر، فصحَّ أن التمر كان معهم من غير الجراب. وأما قول غيره: يَحْتَمِل أن يكون تفرقته عليهم تمرةً تمرةً كان من الجراب النبوي قَصدًا لبركته، وكان يفرّق عليهم من الأزواد التي جُمعت أكثر من ذلك، فبعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة، عند ابن عبد البرّ: «فقَلّت أزوادنا حتى ما كان يصيب الرجل منا إلا تمرةٌ». انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وزَوَّدنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره» اختلفت ألفاظ الرواة في هذا المعنى؛ فمنها: ما ذكرناه. وفي رواية: «فكنا نحمل أزوادنا على رقابنا»، وفي أخرى: «ففني زادهم»، وفي «الموطأ»: «فكان مزودي تمر»، وفي أخرى: «فكان يعطينا قبضةً قبضةً، ثم أعطانا تمرة تمرة»، وتلتئم شتات هذه الروايات بأن يقال: إن النبيّ - ﷺ - زادهم ذلك المزود، أو المِزْودين إلى ما كان عندهم من زادِ أنفسهم الذي كانوا يَحملونه على رقابهم، ثم إنهم لمّا اشتدّت بهم الحال جَمَع أبو عبيدة ما كان عندهم إلى المزود الذي زادهم النبيّ - ﷺ -، فكان يُفرِّقُه عليهم قبضةً قبضةً، إلى أن أشرف على النَّفاد، فكان يعطيهم إيَّاه تمرة تمرة إلى أن فني ذلك. قال: وَجَمْعُ أبي عبيدة الأزواد، وقِسمتها بالسَّويَّة، إما أن يكون حُكمًا حَكَم به لِمَا شاهد من ضرورة الحال، ولِمَا خاف مِن تَلَف مَن لم يكن معه زاد، فظهر له أنه قد وجب على من معه زادٌ أن يُحيي من ليس له شيء، أو يكون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب، وفيما قاله النبيّ - ﷺ - في الأشعريين من أنهم إذا قَلّ زادُهم جمعوه، فاقتسموه بينهم بالسَّويَّة، قال رسول الله - ﷺ -: «فَهُم مني، وأنا منهم»، وقد فعل ذلك النبيّ - ﷺ - غير مرَّة، ولذلك قال بعض العلماء: إنه سُنَّة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ) - ﵁ - (يُعْطِينَا) بضمّ حرف المضارعة، (تَمْرَةً تَمْرَةً)؛ أي: يُعطي كلّ واحد من الجيش تمرة واحدةً. (قَالَ) القائل هو أبو الزبير، وفي رواية البخاريّ من طريق وهب بن كيسان، عن جابر، قال: «فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟»، قال في «الفتح»: هو صريح في أن السائل عن ذلك وهب بن كيسان، فيفسَّر به المبهم في رواية هشام بن عروة التي مَضَت في «الجهاد»، فإن فيها: «فقال رجل: يا أبا عبد الله - وهي كنية جابر - أين كانت تقع التمرة من الرجل؟»، وعند مسلم من رواية أبي الزبير أنه أيضًا سئل عن ذلك، فقال: «لقد وجدنا فَقْدها حين فنيت»؛ أي: مؤثّرًا. (فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟)؛ أي: بتلك التمرة، (قَالَ) جابر - ﵁ - (نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيّ) قال النوويّ: بفتح الميم، وضمّها، والفتح أفصح، وأشهر . وقال الفيّوميّ: مَصّه مَصًّا، من باب قَتَلَ، ومن باب تَعِبَ لغةٌ، ومنهم من يقتصر عليها، وامتصّه بمعناه. انتهى . وقال المجد: مَصِصْته بالكسر أَمَصُّهُ، ومَصَصَته أَمُصُّهُ، كخَصَصته أَخُصّه: شَرِبْته شُرْبًا رفيقًا، كامتصصته. انتهى . (ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ) في هذا بيانُ ما كان الصحابة - ﵃ - عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال . (وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا) بكسر العين: جمع عصًا، وأصله فُعُولٌ، مثلُ أسد وأُسود، ويُجمع أيضًا على أَعْصٍ، والقياس أَعْصاءٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، لكنه لم يُنقل، قاله ابن السّكِّيت، كذا قال الفيّوميّ . وقال المجد: الْعَصا: الْعُود، أُنثى، وجَمْعها: أَعْصٍ، مثلُ زَمَن وأَزْمُن، وأَعْصاءٌ، مثلُ سبَبٍ وأسباب، وعُصيّ - أي: بالضمّ كعُتيّ - وعِصِيّ - أي: بالكسر -. انتهى. وقال الجوهريّ: عِصيّ فُعُول، وإنما كُسرت العين إتباعًا لِمَا بعدها من الكسرة، وقال سيبويه: جعلوا أَعْصِيًا بدل أعصاءٍ، وأنكر أَعصاء. وقال المرتضى في «شرحه»: والعَصَا: أصلها من الواو؛ لأن أصلها عَصَوٌ، وعلى هذا تثنيته: عَصَوان، قيل: سُمّيت بها؛ لأن الأصابع واليد تجتمع عليها، من قولهم: عَصَوت القومَ أعصوهم: إذا جمعتهم، رواه الأصمعيّ عن بعض البصريين، قال: ولا يجوز مدُّ العصا، ولا إدخال التاء معها، وقال الفراء: أول لحن سُمع بالعراق: هذه عصاتي . قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد أن عين عصيّ يُضمّ، ويُكسر، وأن جمعه على أعصاء ثابتٌ أيضًا، وإن أنكره سيبويه، فتنبّه. وقوله: (الْخَبَطَ) منصوب على المفعوليّة لـ «نضرب»، وهو بفتح الخاء المعجمة، والموحّدة، آخره طاء مهملة، هو ورَقُ السَّلْم، وقال المجد - ﵀ -: الْخَبَطُ محرَّكةً: ورَقٌ يُنفض بالمخابط، ويُجفّف، ويُطحن بدقيق، أو غيره، ويُخفف بالماء، فتوجره الإبل، وكلّ ورق مخبوطٍ. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«الْخَبَط» بفتح الباء: اسم لِمَا يُخبط، فيتساقط من ورق الشجر، وبسكون الباء: المصدر، وتبليلهم الْخَبَط بالماء لِيَلِين للمضغ، وإنَّما صاروا لأكل الخبط عند فقد التمرة الموزّعة عليهم، وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجِدِّ، والاجتهاد، والصبر على الشدائد العظام، والمشقات الفادحة، إظهارًا للدِّين، واطفاءً لكلمة المبطلين - ﵃ - أجمعين . (ثُمَّ نَبُلُّهُ) - بفتح أوله، وتشديد اللام -؛ أي: نخلطه (بِالْمَاءِ، فَنَأْكُلُهُ) وفي رواية: «حتى إن كنّا نخبِط الْخَبَط بقِسِيّنا، ونَسُفّهُ، ثم نشرب عليه من الماء»، قال في «الفتح»: وهذا يدلّ على أنه كان يابسًا، بخلاف ما جزم به الداوديّ أنه كان أخضر رَطْبًا. انتهى. (قَالَ) جابر - ﵁ - (وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ)؛ أي: شاطئه، وجَمْعه سَواحل، وقال القرطبيّ: ساحل البحر، وسِيْفَه - بالكسر - وشطّه، كلُّ ذلك بمعنى واحد. انتهى. (فَرُفِعَ لَنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ظهر لنا، واطّلعنا عليه، (عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ) الكاف اسم بمعنى «مثل»، ولذا وقع نائب فاعل لـ «رُفع»، و«الهيئة»: الحالة الظاهرة، و«الكثيب» بفتح الكاف، وكسر الثاء المثلّثة: الرمل المستطيل الْمُحْدَوْدِبُ، وقال القرطبيّ: الكثيب، والضرب: الجبل الصغير، والكوم أصغر منه. (الضَّخْمِ) بفتح الضاد، وسكون الخاء المعجمتين؛ أي: المرتفع الغليظ، قاله القرطبيّ، وهو صفة للكثيب، يقال: ضَخُم الشيء بالضمّ ضِخَمًا، وزانُ عِنَبٍ، وضَخَامةً: عَظُمَ، فهو ضَخْمٌ، والجمع ضِخَامٌ، مثلُ سَهْم وسِهَامٍ . (فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ) «إذا» هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا حضور دابّة (تُدْعَى) بالبناء للمفعول، والنائب ضمير الدابّة، وهو المفعول الأول، والثاني قوله: (الْعَنْبَرَ) وفي الرواية التالية: «فألقى لنا البحر دابّةً، يقال لها: العنبر»، وفي رواية البخاريّ: «فإذا حُوتٌ مثل الظَّرِب»، قال في «الفتح»: أما الحوت فهو اسم جنس لجميع السمك، وقيل: هو مخصوص بما عَظُم منها، و«الظَّرِب» بفتح المعجمة المُشالة، ووقع في بعض النسخ بالمعجمة الساقطة، حكاها ابن التين، والأول أصوب، وبكسر الراء، بعدها مُوحّدة: الجبل الصغير، وقال القزاز: هو بسكون الراء، إذا كان منبسطًا ليس بالعالي. وأما العنبر فقال أهل اللغة: هي سمكة بحرية كبيرة، يُتخذ من جلدها التُّرْسة، ويقال: إن العنبر المشموم جميع هذه الدابة. وقال ابن سيناء: بل المشموم يخرج من البحر، وإنما يؤخذ من أجواف السمك الذي يبتلعه. ونقل الماورديّ عن الشافعيّ، قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتًا في البحر، مُلتويًا مثل عُنُق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سُمّ لها، فيقتلها، فيقذفها، فيخرج العنبر من بطنها. وقال الأزهريّ: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعًا، يقال لها: بالة، وليست بعربية، قال الفرزدق: فَبِتْنَا كَأَنَّ الْعَنْبَرَ الْوَرْدَ بَيْنَنَا … وَبَالَةُ بَحْرٍ فَاؤُهَا قَدْ تَخَرَّمَا أي: قد تشقق . وقال القرطبيّ: قوله: «تُدْعى العَنْبَر»؛ أي: تُسَمَّى بالعنبر، ولعلها سمِّيت بذلك؛ لأنها الدابَّة التي تُلقي العنبر، وكثيرًا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وُجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة، كالكويم، حصل لواجديه منه أموال عظيمة. انتهى . ووقع عند البخاريّ من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار بلفظ: «فألقى لنا البحر حُوتًا مَيّتًا»، واستُدِلّ به على جواز أكل ميتة السمك ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) جابر - ﵁ - (قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ) - ﵁ - (مَيْتَةٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه الدابّة ميتة، والميتة يحرم أكلها بنصّ الكتاب العامّ، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فلا تقربوها. (ثُمَّ) إنه أضرب عمّا وقع له من ذلك لَمّا تحقّق من الضرورة المبيحة له، ولذلك (قَالَ: لَا)؛ أي: لا يكون حرامًا علينا، (بَلْ نَحْنُ رُسُلُ) بضمّتين: جمع رسول، وهو مضاف إلى (رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَفِي سَبِيلِ اللهِ) وقد خرجنا لنجاهد لإعلاء كلمة الله، لا لغرض أنفسنا، من الحظوظ الدنيوية، (وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ)؛ أي: وقد وقعتم في الضرورة التي استثنى الله صاحبها من تحريم أكل الميتة، حيث قال في آخر الآية المذكورة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (فَكُلُوا) قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات، فإن أبا عبيدة - ﵁ - حَكَم بتحريم ميتة البحر تمسُّكًا بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار، مع أن عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» ، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص، ولا عند أحد من أصحابه. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قول أبي عبيدة: «ميتة. . . إلخ» وذكر في آخر الحديث أنهم تزودوا منه، وأن النبيّ - ﷺ - قال لهم حين رجعوا: «هل معكم من لحمه شيء، فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - منه، فأكله. معنى الحديث: أن أبا عبيدة - ﵁ - قال أوّلًا باجتهاده: إن هذا ميتة، والميتة حرامٌ، فلا يحلّ لكم أكلها، ثم تغيَّر اجتهاده، فقال: بل هو حلال لكم، وإن كان ميتةً؛ لأنكم في سبيل الله، وقد اضطررتم، وقد أباح الله تعالى الميتة لمن كان مضطرًّا، غير باغ، ولا عادٍ، فكلوا، فأكلوا منه، وأما طلب النبيّ - ﷺ - من لحمه وأكْله ذلك، فإنما أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حِلّه، وأن لا شك في إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو أنه قَصَد التبرك به؛ لكونه طُعْمةً من الله تعالى خارقةً للعادة، أكرمهم الله بها. انتهى . (قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا) وفي الرواية التالية:«فأكلنا منها نصف شهر»، وفي رواية أخرى:«فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة»، وكلّها في مسلم، قال الحافظ - ﵀ -: ويُجْمَع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال:«ثمان عشرة»ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن من قال:«نصف شهر»ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة أيام، ومن قال: شهرًا جَبَر الكسر، أو ضمَّ بقية المدّة التي كانت قبل وُجدانهم الحوت إليها، ورَجّح النوويّ رواية أبي الزبير لِمَا فيها من الزيادة، وقال ابن التين: إحدى الروايتين وَهَمٌ. انتهى. ووقع في رواية الحاكم:«اثني عشر يومًا»، وهي شاذّة، وأشدّ منها شذوذًا رواية الخولانيّ:«فأقمنا قبلها ثلاثة»، ولعل الجمع الذي ذكرته أَولى. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو جمع جيّد، والله تعالى أعلم. وعبارة النوويّ - ﵀ -: قوله في الرواية الأولى:«فأقمنا عليه شهرًا»، وفي الرواية الثانية:«فأكلنا منها نصف شهر»، وفي الثالثة:«فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة» طريق الجمع بين الروايات أن مَن روى شهرًا هو الأصل، ومعه زيادة عِلم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قُدِّم المُثْبت، وقد قدّمنا مرات أن المشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم منه نفي الزيادة، لو لم يعارضه إثبات الزيادة، كيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة. وجَمَع القاضي عياض بينهما بأن من قال: نصف شهر أراد: أكلوا منه تلك المدة طريًّا، ومن قال: شهرًا أراد: قدّدوه، فأكلوا منه بقية الشهر قديدًا، والله أعلم. انتهى . (وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّا) يفتح، فكسر، ثم نون، قال القرطبيّ: يعني تقوّينا، وزال ضَعفنا، كما قال في الرواية الأخرى: «حتى ثابت إلينا أجسامنا»؛ أي: رجعت إلينا قُوّتنا، وإلا فما كانوا سِمانًا قطّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لتأويل السِّمَن بما ذكره؛ لأن المراد بالسِّمن سِمَن نسبيّ بالنسبة لِمَا حصل لهم من الْهُزال بشدّة، لا السِّمن الذي يكون من كثرة الأكل، فإنه المذموم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله أيضًا: «حَتى سَمِنَّا» قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا دليل لمالك، ولمن يقول بقوله: على أن المضطرَّ يأكل من الميتة شِبَعه، ويتبسَّط في أكلها، فإنَّها قد أبيحت له، وارتفع تحريمها في تلك الحال، فاشبهت الذَّكيَّة، وخالفه في ذلك جماعة، منهم: الحسن، والنخعيّ، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكل منها حتى يضطرَّ إليها ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم رَمَقَه، وقال عبد الملك: إن تغدَّى حَرُمَت عليه يومه، وإن تعشى حرمت عليه ليلته، وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة المقرَّرة، وهي: أن كل ما أبيح لضرورة فيتقدَّر بقَدَرها، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة أبي عبيدة، وأكْلِهم من تلك الميتة شهرًا حتى سَمِنوا: إن ذلك القَدْر كان قَدْر ضرورتهم، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، والضعف، وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفرًا، وعَدُوًّا، فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوّهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال النبيّ - ﷺ - لأصحابه عند الفتح: «تقوَّوا لعدوّكم، والفطر أقوى لكم» . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك من إطلاق الإباحة للمضطرّ حتى يجد المذكّى هو الأرجح؛ لظاهر هذه القصّة، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جابر - ﵁ - (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) جواب قَسَم مقدّر؛ أي: والله لقد رأيت أنفسنا (نَغْتَرِفُ)؛ أي: نأخذ منه، يقال: غَرَف الماء، من بابي ضرب، ونصر: أخذه بيده، كاغترفه . (مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ) الوقب - بفتح الواو، وسكون القاف، بعدها موحّدة -: هي النُّقرة التي تكون فيها الحَدَقة. (بِالْقِلَالِ) - بكسر القاف -: جمع قُلّة بضمّها، قال الفيّوميّ: هو إناء للعرب، كالجرّة الكبيرة، شِبْه الْحُبّ، والجمع قِلال، مثلُ بُرْمة وبِرَام، وربّما قيل: قُلَلٌ، مثلُ غُرفة وغُرَف. انتهى . وقال المجد: القُلّة: الْحُبّ العظيم، أو الْجَرّة العظيمة، أو عامّةً، أو من الفَخَار، والكُوز الصغير ضدٌّ، جَمْعه: كصُرَد، وجبال. انتهى . وقوله: (الدُّهْنَ) منصوب على المفعوليّة لـ «نغترف»؛ أي: السَّمْن، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا فيه دليل على أنهم كانوا يُجيزون الانتفاع بشحوم الميتة، وبالزيت النجس، كما يقوله ابن القاسم، ويجنَّب المساجد، وخالفه عبد الملك وغيره، فقالوا: لا ينتفع بشيء من ذلك؛ لقوله - ﷺ - في سَمْن الفأرة: «إن كان مائعًا فلا تقربوه» . (وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ) بكسر الفاء، وفتح الدال: جمع فِدْرة، وهي القطعة من اللحم، والعجين، وشِبْههما. (كَالثَّوْرِ - أَوْ) للشكّ من الراوي (كَقَدْرِ الثَّوْرِ) قال النوويّ - ﵀ -: أما الْوَقْب: فبفتح الواو، وإسكان القاف، والباء الموحّدة، وهو داخل عينه، ونُقْرتها، والقِلال بكسر القاف: جمع قُلّة بضمّها، وهي الْجَرّة الكبيرة التي يُقِلّها الرجل بين يديه؛ أي: يَحملها، والْفِدَر بكسر الفاء، وفتح الدال: هي الْقِطَع. وقوله: «كقدر الثور» رويناه بوجهين مشهورين في نُسخ بلادنا، أحدهما: بقاف مفتوحة، ثم دال ساكنة؛ أي: مثل الثور، والثاني: كفِدَر، بفاء مكسورة، ثم دال مفتوحة: جمع فِدْرة، والأول أصحّ، وادَّعَى القاضي أنه تصحيف، وأن الثاني هو الصواب، وليس كما قال. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«حجاج العين»، يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو الوَقْب أيضًا، وهو غار العين الذي فيه حبَّتها، وأصل الوقب: الحفرة في الحجر. و«الفِدَرُ»: جمع فِدْرَة، وهي: القطعة من اللحم، والعجين، وشِبْههما، وهي: الثَّور« أيضًا، وجَمْعه: أثوار، والمراد بها هنا: قِطَع العجين، أو السويق، ولذلك شبَّه قِطَع اللحم بها؛ إذ قال: كفِدْر الثور. قال الجامع عفا الله عنه: تفسير القرطبيّ للثور بالقطعة يخالف تفسير غيره بأنه الثور المعروف، وهذا هو الأقرب، والأشبه بمعنى الحديث، والمعنى أنهم يقطعون من تلك الدابّة قطعةً كبيرة، بقدر ما تكون مثل الثور، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ: فإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر، ومعلوم أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة، بل أقل منها، أنه يُنتِن، ويشتدُّ نَتَنُه، فلا يحل الإقدام عليه، كما تقدم في الصيد؛ إذ قال - ﷺ -: «كُلْه ما لم يُنْتِن»؟. فالجواب: أن يقال: لعل ذلك لم يَنْتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر لبرودة الموضع، أو يقال: إنهم أكلوه طريًّا، ثم مَلَّحُوه، وجعلوه وشائِق؛ أي: قدَّدوه قدائد، كما يُفعل باللحم، ويقال فيه: وشقت اللحم، فاتَّشق، والوَشيقَة: القديدة، وعلى هذا يدلّ قوله: «ونقتطع منه الفِدَر»؛ أي: القِطع الكبار. انتهى . (فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ)؛ أي: في الحفرة التي فيها حبّة عينه، (وَأَخَذَ)؛ أي: أمر بالأخذ، ففي رواية البخاريّ: «ثم أمر أبو عبيدة»، (ضِلَعًا من أضلاعه) «الضّلع» - بكسر الضاد المعجمة، وفتح اللام، وقد تسكّن، واحدة الأضلاع. وفي رواية البخاريّ: «ثم أمر أبو عبيدة بضِلَعين من أضلاعه، فنُصبا». قال في «الفتح»: كذا فيه، واستُشكِل؛ لأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأن تأنيثه غير حقيقي، فيجوز فيه التذكير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن منه تأويل النوويّ، حيث قال: ووجه التذكير أنه أراد به العضو. انتهى. (فَأَقَامَهَا)؛ أي: الضلع، (ثُمَّ رَحَلَ)؛ أي: شَدّ عليه الرحل، يقال: رحلتُ البعير رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددتُ عليه رَحْله، كارتحله، و«الرَّحْل» بفتح، فسكون: مَرْكبٌ للبعير، كالراحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، ومسكنك، وما تستصحبه من الأثاث، قاله المجد ، وقال الفيّوميّ: الرَّحْل كلّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، مثلُ أسهُم وسِهام. انتهى . (أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا)؛ أي: مع الجيش، (فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا)؛ أي: تحت الضلع المنصوب، وفي رواية البخاريّ: «ثم أمر براحلة، فرُحلت، ثم مرّت تحتهما، فلم تصبهما»، وفي رواية النسائيّ: «فنظر إلى أطول جمل، وأطول رجل في الجيش فمرَّ تحته»، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند ابن إسحاق: «ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحُمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتهما، وما مسَّت رأسه». قال الحافظ: وهذا الرجل، لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة، فإن له ذِكرًا في هذه الغزوة، كما ستراه بعدُ، وكان مشهورًا بالطول، وقصته في ذلك مع معاوية، لَمّا أرسل إليه ملك الروم بالسراويل، معروفة، فذكرها المعافى الحريريّ في «الجليس»، وأبو الفرج الأصبهانيّ، وغيرهما، ومحصّلها: أن أطول رجل من الروم، نَزَع له قيس بن سعد سراويله، فكان طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه، وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نَزْع سراويله في المجلس، فأنشد [من الطويل] أَرَدتُّ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا … سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ … سَرَاوِيلُ عَادِيٌّ نَمَتْهُ ثَمُودُ ووقع في آخر «صحيح مسلم»، من طريق عبادة بن الوليد، أن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي، نطلب العلم، فذكر حديثًا طويلًا، وفي آخره: «وشكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - الجوع، فقال:»عسى الله أن يطعمكم«، فأتينا سِيف البحر، فزخر البحر زخرةً، فألقى دابة، فأورينا على شِقّها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عَيْنها، وما يرانا أحد، حتى خرجنا، وأخذنا ضلعًا من أضلاعها، فقوّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كَفَل في الركب، فدخل تحته، ما يطأطأ رأسه»، وظاهر سياقه أن ذلك وقع لهم في غزوة، مع النبيّ - ﷺ -، لكن يمكن حمل قوله: «فأتينا سيف البحر» على أنه معطوف على شيء محذوف، تقديره: فبعثنا النبيّ - ﷺ - في سفر، فأتينا. . . إلخ، فيتحد مع القصة التي في حديث الباب، قاله في «الفتح» . (وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ)؛ أي: من لحم ذلك الحوت (وَشَائِقَ) جمع وَشِيق، أو وَشِيقة، بمعنى القديد، قال المجد - ﵀ -: الْوَشِيقُ، والْوَشيقةُ: لحمٌ يُقدّد حتى يَيْبَسَ، أو يُغلى إغلاءةً، ثم يُقدّد، ويُحمل في الأسفار، وهو أبقى قديد، ووشقه يَشِقُه - أي: من باب وَعَدَ - قَدَّده. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «وَشَائقَ» هو بالشين المعجمة والقاف، قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ، فيُغلى إعلاءً، ولا يُنضَج، ويُحْمَل في الأسفار، يقال: وَشَقت اللحمَ، فاتَّشق، والوشيقة الواحدة منه، والجمع وشائق، ووُشُق، وقيل: الوَشِيق: القَدِيد. انتهى . قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا اللفظ يدلّ أيضًا على أنه يَتزوَّد من الميتة إذا خاف ألا يجد غيرها، فإن وجد غيرها، أو ارتجى وجوده لم يستصحبها، وهو قول مالك، وغيره من العلماء. انتهى . (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (الْمَدِينَةَ) النبويّة (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: ما وقع لهم من قصّة العنبر، وما قاله أبو عبيدة - ﵁ - فيه، (فَقَالَ) - ﷺ - («هُوَ رِزْق أَخْرَجَهُ اللهُ) من البحر (لَكُمْ)؛ أي: فهو حلال أكله، وهذا تذكير لهم بنعمة الله تعالى؛ ليشكروه عليها، (فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ، فَتُطْعِمُونَا؟»، قَالَ) جابر (فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْهُ)؛ أي: بعضه، فـ «من» بمعنى بعض، وفي رواية البخاريّ: «أطعِمونا إن كان معكم منه، فآتاه - بالمد أي: أعطاه - بعضهم، فأكله»، ووقع في رواية ابن السكن: «فأتاه بعضهم بعضو منه، فأكله»، قال عياض: وهو الوجه، وفي رواية أحمد من طريق ابن جريج التي أخرجها منه البخاريّ: «وكان معنا منه شيء، فأرسل به إليه بعض القوم، فأكل منه»، ووقع في رواية أبي حمزة، عن جابر، عند ابن أبي عاصم في «كتاب الأطعمة»: «فلمّا قَدِموا ذَكَروا لرسول الله - ﷺ -، فقال:»لو نعلم أنا نُدركه لم يُرْوِح لأحببنا، لو كان عندنا منه«، قال الحافظ: وهذا لا يخالف رواية أبي الزبير؛ لأنه يُحْمَل على أنه قال ذلك ازديادًا منه بعد أن أحضروا له منه ما ذُكر، أو قال ذلك قبل أن يُحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم يُرْوِح، فأكل منه، والله أعلم. انتهى . (فَأَكَلَهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: وأكْله - ﷺ - منه ليبيِّن لهم بالفعل جواز أكل ميتة البحر في غير الضرورة، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرَّمة في القرآن، كما قد بيَّن ذلك بقوله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وفي هذا للجمهور ردٌّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء، وهو: طاوس، وابن سيرين، وحماد بن زيد، وأصحاب الرأي - أبو حنيفة وأصحابه -. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: يُؤكل ما وُجد في حافتي البحر، وما جَزَرَ عنه، ولا يُؤكل ما طفا. ومثله رُوي عن ابن عباس، وكأنهما قصرا الإباحة على حديث أبي عبيدة المذكور. والصحيح: الإباحة في الجميع؛ لقوله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤٩٩٠ و٤٩٩١ و٤٩٩٢ و٤٩٩٣ و٤٩٩٤ و٤٩٩٥ و٤٩٩٦] (١٩٣٥)، و(البخاريّ) في «الشركة» (٢٤٨٣) و«الجهاد» (٢٩٨٣) و«المغازي» (٤٣٦٠ و٤٣٦١) و«الذبائح» (٥٤٩٤)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٨٤٠)، و(الترمذيّ) في «صفة القيامة» (٢٤٧٥)، و(النسائيّ) في «الصيد» (٧/ ٢٠٨ - ٢٠٩) و«الكبرى» (٤٨٦٤)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤١٥٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٤٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٦٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٣ و٣١١ و٣٧٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٦٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٩٢٠ و١٩٥٤)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٨٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم ميتة البحر، وهو الحلّ، وذلك لتصريحه في الحديث بكون البحر ألقى حوتًا ميتًا، فأكلوا منه، ثم أكَل النبيّ - ﷺ - منه بعدهم، وبهذا تتم الدلالة، وإلا فمجرد أكْل الصحابة منه، وهم في حالة المجاعة، قد يقال إنه للاضطرار، ولا سيما وفيه قول أبي عبيدة: «ميتة»، ثم قال: «لا تأكلوه، ثم قال: جيش رسول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله - ﷿ -، ونحن مضطرّون، كلوا باسم الله»، وحاصل قول أبي عبيدة: أنه بناه أوّلًا على عموم تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكْلها، إذا كان غير باغ ولا عادٍ، وَهُم بهذه الصفة؛ لأنهم في سبيل الله، وفي طاعة رسوله - ﷺ -، وقد تبيَّن من آخر الحديث، أن جهة كونها حلالًا، ليست سبب الاضطرار، بل كونها من صيد البحر، ففي آخر الحديث أنهم لمّا قدموا على رسول الله - ﷺ - المدينة ذكروا له ذلك، فقال: «ذلك رزقٌ رزقكموه الله - ﷿ -، أمعكم منه شيء؟، فأتاه بعضهم بعضو، فأكله»، فتبيّن لهم أنه حلال مطلقًا، وبالغ في البيان بأكله منها؛ لأنه لم يكن مضطرًا، قاله في «الفتح» . ٢ - (ومنها): أن الجيوش لا بدّ لها من أمير، يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، وأنه يستحبّ للرفقة من الناس، وإن قلّوا أن يؤمّروا أحدهم عليهم، ويُطيعوه، وينقادوا له، فقد أخرج البيهقيّ في «السنن الكبرى» من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا كان ثلاثةٌ في سفر، فليؤمّروا أحدهم»، وهو حديث صحيح. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الزهد في الدنيا، والتقلّل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال. ٤ - (ومنها): مشروعية المواساة بين الجيش، عند وقوع المجاعة. ٥ - (ومنها): أن الاجتماع على الطعام، يستدعي البركة فيه. ٦ - (ومنها): أنه يستحبّ للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم؛ ليكون أبرك، وأحسن في العِشرة، وأن لا يختصّ بعضهم بأكل دون بعض، كما كان النبيّ - ﷺ - يفعله في مواطن، وكما كان الأشعريّون يفعلونه، وأثنى عليهم بذلك رسول الله - ﷺ -، كما ثبت ذلك في «الصحيح». ٧ - (ومنها): أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه؛ إدلالًا عليه، وليس هو من السؤال المنهيّ عنه، إنما ذلك في حق الأجانب للتموّل، ونحوه، وأما هذه فللمؤانسة، والملاطفة، والإدلال. ٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ الاجتهاد في الأحكام، في زمن النبيّ - ﷺ -، كما يجوز بعده، وذلك لقول أبي عُبيدة - ﵁ - بعد أَنْ نهاهم عن أكله، وقال: «ميتة، لا تأكلوه، قال: جيش رسول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله - ﷿ -، ونحن مضطرّون، كلُوا باسم الله». ٩ - (ومنها): أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات، التي يشك فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طُمأنينة للمستفتي. ١٠ - (ومنها): أن فيه إباحةَ ميتات البحر كلها، سواء في ذلك، ما مات بنفسه، أو باصطياد، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١١ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: «أكلنا منه نصف شهر»، جواز أكل اللحم، ولو أنتن؛ لأن النبيّ - ﷺ - قد أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالبًا، بلا نتن في هذه المدة، لا سيما في الحجاز، مع شدة الحرّ، لكن يَحْتَمِل أن يكونوا مَلَّحوه، وقَدَّدُوهُ، فلم يدخله نتن، وقد تقدم قريبًا قول النووي أن النهي عن أكل اللحم، إذا أنتن للتنزيه، إلا إن خيف منه الضرر فيحرم، وهذا الجواب على مذهبه، ولكن المالكية حملوه على التحريم مطلقًا، وهو الظاهر، ويأتي في الطافي نظير ما قاله في النتن، إذا خُشي منه الضرر، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استظهره في «الفتح» من حَمْل النهي على التحريم، كما قال المالكيّة، هو الحقّ عندي، كما تقدّم بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صيد البحر: قال النوويّ - ﵀ -: قد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال بعض أصحابنا: يحرم الضفدع؛ للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه: [أصحها]: يحلّ جميعه؛ لهذا الحديث. [والثاني]: لا يحل. [والثالث]: يحل ما له نظير مأكول في البر، دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا تؤكل خيل البحر، وغنمه، وظباؤه، دون كلبه، وخنزيره، وحماره، قال: قال أصحابنا: والحمار، وإن كان في البر مأكول وغيره، ولكن الغالب غير المأكول، هذا تفصيل مذهبنا. وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر، إلا الضفدع: أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وابن عباس - ﵃ -، وأباح مالك الضفدع، والجميع، وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك، وأما السمك الطافئ، وهو الذي يموت في البحر، بلا سبب، فمذهبنا إباحته، وبه قال جماهير العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء، ومكحول، والنخعيّ، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وغيرهم، وقال جابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وأبو حنيفة: لا يحل. دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس، والجمهور: «صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه»، وبحديث جابر هذا، وبحديث: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وهو حديث صحيح، وبأشياء مشهورة، غيرِ ما ذكرنا. وأما الحديث المرويّ عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -: «ما ألقاه البحر، وجَزَر عنه، فكلوه، وما مات فيه، فطفا فلا تأكلوه»، فحديث ضعيفٌ باتّفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج به، لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارَضٌ بما ذكرناه. [فإن قيل]: لا حجة في حديث العنبر؛ لأنهم كانوا مضطرّين. [قلنا]: الاحتجاج بأكل النبيّ - ﷺ - منه في المدينة، من غير ضرورة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح» ما حاصله: يستفاد من الحديث إباحة ميتة البحر، سواء مات بنفسه، أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور، وعن الحنفية: يكره، وفرّقوا بين ما لَفَظَه، فمات، وبين ما مات فيه، من غير آفة، وتمسّكوا بحديث أبي الزبير، عن جابر: «ما ألقاه البحر، أو جَزَر عنه، فكلوه، وما مات فيه فطفا، فلا تأكلوه»، أخرجه أبو داود، مرفوعًا، من رواية يحيى بن سُليم الطائفيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، ثم قال: روى الثوريّ، وأيوب، وغيرهما عن أبي الزبير، هذا الحديث موقوفًا، وقد أسند من وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا، وقال الترمذيّ: سألت البخاري عنه؟، فقال: ليس بمحفوظ، ويُرْوَى عن جابر خلافه. انتهى، ويحيى بن سليم صدوق، وصفوه بسوء الحفظ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال يعقوب بن سفيان: إذا حدّث من كتابه، فحديثه حسن، وإذا حدّث حفظًا، يُعرَف ويُنكَر. وقال أبو حازم: لم يكن بالحافظ، وقال ابن حبان في «الثقات»، كان يخطئ، وقد توبع على رفعه، وأخرجه الدارقطنيّ، من رواية أبي أحمد الزبيريّ، عن الثوريّ، مرفوعًا، لكن قال: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه عن الثوريّ، وهو الصواب، وروي عن ابن أبي ذئب، وإسماعيل بن أمية، مرفوعًا، ولا يصح، والصحيح موقوف، وإذا لم يصح إلا موقوفًا، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك لو مات في البر، لأُكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات، لأُكل، فكذلك إذا مات، وهو في البحر . وقال في «الفتح» أيضًا ما حاصله: وفي الحديث جوازُ أكل حيوان البحر مطلقًا؛ لأنه لم يكن عند الصحابة نصّ يخص العنبر، وقد أكلوا منه، كذا قال بعضهم، ويخدُش فيه أنهم أوّلًا إنما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويجاب بأنهم أقدموا عليه مطلقًا، من حيث كونه صيد البحر، ثم توقفوا من حيث كونه ميتة، فدل على إباحة الإقدام على أكل ما صِيد من البحر، وبَيّن لهم الشارع آخِرًا أن ميتته أيضًا حلال، ولم يفرّق بين طافٍ ولا غيره. واحتج بعض المالكية بأنهم أقاموا يأكلون منها أيامًا، فلو كانوا أكلوا منه على أنه ميتة، بطريق الاضطرار ما داوموا عليه؛ لأن المضطر، إذا أكل الميتة، يأكل منها بحسب الحاجة، ثم ينتقل لطلب المباح غيرها. وجمع بعض العلماء بين مختلف الأخبار في ذلك، بحمل النهي على كراهة التنزيه، وما عدا ذلك على الجواز، ولا خلاف بين العلماء، في حِلّ السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختُلف فيما كان على صورة حيوان البر، كالآدمي، والكلب، والخنزير، والثعبان، فعند الحنفية، وهو قول الشافعية، يحرم ما عدا السمك، واحتجوا عليه بهذا الحديث، فإن الحوت المذكور، لا يسمى سَمَكًا، وفيه نَظَر، فإن الخبر وَرَدَ في الحوت نصًا. وعن الشافعية الحلّ مطلقًا، على الأصح المنصوص، وهو مذهب المالكية، إلا الخنزير في رواية، وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وحديث: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، أخرجه مالك، وأصحاب «السنن»، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم. وعن الشافعية: ما يؤكل نظيره في البر حلال، وما لا فلا، واستثنوا على الأصح، ما يعيش في البحر والبر، وهو نوعان: [النوع الأول]: ما ورد في مَنْع أَكْله شيء يخصه، كالضفدع، وكذا استثناه أحمد؛ للنهي عن قتله، وردَ ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه، والحاكم، وله شاهد من حديث ابن عمر، عند ابن أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الطبراني، في «الأوسط»، وزاد: «فإن نقيقها تسبيح»، وذكر الأطباء أن الضفدع نوعان: بري، وبحري، فالبري يَقتُل آكله، والبحريّ يضره. ومن المستثنى أيضًا: التمساح؛ لكونه يَعْدُو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله القِرْش في البحر الملح، خلافًا لِمَا أفتى به المحب الطبري، والثعبان، والعقرب، والسرطان، والسلحفاة؛ للاستخباث، والضرر اللاحق، من السم، ودنيلس، قيل: إن أصله السرطان، فإن ثَبَت حَرُم. [النوع الثاني]: ما لم يَرِدْ فيه مانع، فيحل، لكن بشرط التذكية، كالبط، وطير الماء، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو القول بتعميم حل أكل حيوان البحر، إلا ما ورد نصّ صحيح بمنع أكله، وإلا ما ثبت عن ثقات الأطبّاء، أو التجربة ضرره، فيحرم، وقد كنت رجحت في «شرح النسائيّ» في «الطهارة» قول من خصّ الحلّ بالسمك، فقط؛ لحديث: «أُحلّت لنا ميتتان. . .»، فقد بيّن الميتة بأنهما السمك والجراد، ولكن الآن ترجّح عندي ما ذكرته؛ لقوة حديث قصة جيش أبي عبيدة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال في «الفتح»: وقع في أواخر «صحيح مسلم» في الحديث الطويل، من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت: أنهم دخلوا على جابر، فرأوه يصلي في ثوب. . . الحديث، وفيه قصة النخامة في المسجد، وفيه أنهم خرجوا في غزاة ببطن بُوَاط، وفيه قصة الحوض، وفيه قيام المأمومين خلف الإمام، كل ذلك مُطوَّل، وفيه قال: سرنا مع رسول الله - ﷺ -، وكان قوت كل رجل منا تمرة، كل يوم، فكان يمصها، وكنا نختبط بقِسِيّنا، ونأكل، وسرنا مع رسول الله - ﷺ -، حتى نزلنا واديًا أفيح، فذكر قصة الشجرتين اللتين التفّتا بأمر النبيّ - ﷺ -، حتى تستّر بهما عند قضاء الحاجة، وفيه قصة القبرين اللذين غَرَس في كل منهما غصنًا، وفيه فأتينا العسكر، فقال: «يا جابر ناد الوضوء. . .»، فذكر القصة بطولها، في نبع الماء من بين أصابعه، وفيه: وشكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - الجوع، فقال: «عسى الله أن يطعمكم»، فأتينا سِيف البحر، فزجر البحر زَجْرة، فألقى دابة، فأَوْرينا على شِقِّها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، وذكر أنه دخل هو وجماعة في عينها، وذكر قصة الذي دخل تحت ضلعها، ما يُطأطئ رأسه، وهو أعظم رجل في الركب، على أعظم جمل، وظاهر سياق هذه القصة، يقتضي مغايرة القصة المذكورة في هذا الباب، وهي من رواية جابر أيضًا، حتى قال عبد الحق، في «الجمع بين الصحيحين»: هذه واقعة أخرى غير تلك، فإن هذه كانت بحضرة النبيّ - ﷺ -، وما ذكره ليس بنص في ذلك؛ لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر، فأتينا سِيف البحر هي الفصيحة، وهي معقبة لمحذوف تقديره: فأرسَلَنا النبيّ - ﷺ - مع أبي عبيدة، فأتينا سِيف البحر، فتتحد القصتان، قال الحافظ: وهذا هو الراجح عندي، والأصل عدم التعدد. ومما ننبّه عليه هنا أيضًا، أن الواقديّ زعم أن قصة بعث أبي عبيدة، كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ؛ لأن في نفس الخبر الصحيح، أنهم خرجوا يترصدون عِير قريش، وقريش في سنة ثمان، كانوا مع النبيّ - ﷺ - في هدنة، قال: وقد نبهت على ذلك في «المغازي»، وجوّزت أن يكون ذلك قبل الهدنة في سنة ست، أو قبلها، ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، بقول جابر، في رواية مسلم هذه: إنهم خرجوا في غَزاة بُواط، وغزاة بُواط كانت في السنة الثانية من الهجرة، قبل وقعة بدر، وكان النبيّ - ﷺ - خرج في مائتين من أصحابه، يعترض عيرًا لقريش، فيها أمية بن خلف، فبلغ بُواطًا، وهي بضم الموحدة، جبال لجهينة، مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة بُرُد، فلم يلق أحدًا، فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة، فيمن معه يرصُدون العير المذكورة، ويؤيد تقدمَ أمرها، ما ذُكر فيها من القِلّة والجهد، والواقع إنهم في سنة ثمان، كان حالهم اتسع، بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة، يناسب ابتداء الأمر، فيرجح ما ذكرته، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في دعوى اتّحاد قصّتي جابر - ﵁ - هاتين نظرٌ؛ بل الذي يظهر لي هو ما قاله عبد الحقّ - ﵀ - من تغاير الواقعتين كما يدلّ عليه سياقهما، والجمع الذي ذكره الحافظ لا يخفى ما فيه من التكلّف، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيّ جَيْشَ الْخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً، يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا، حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا، قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ، وَأَطْوَلِ جَمَلٍ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ: وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ، قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةَ وَدَكٍ، قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَلَمَّا فَنِيَ وَجَدْنَا فَقْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] (ت ٢٤٨) (م ت س) تقدم في «البيوع» ٢٥/ ٣٩٧٣. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. و«جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤٥٣) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةِ رَاكِبٍ) وفي رواية: «ونحن ثلاثمائة وبضعة عشر»، ويُجمع بينهما بأن من قال: «ثلاثمائة» ألغى الكسر، أو أن الثلاثمائة هو الجيش، والزائد غيرهم من الْخَدَم ونحوهم، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ) بضم الصاد، يقال: رصدته رَصْدًا، من باب قتل: قعدت له على الطريق، والفاعل راصد، وربّما جُمِع على رَصَد، مثلُ خادم وخَدَم، قاله في «المصباح». و«الْعِيرُ» - بالكسر -: الإبل تحمل الْمِيرة، ثم غلب على كلّ قافلة. وقوله: (فَأَقَمْنَا بالسَّاحِلِ)؛ أي: ساحل البحر. وقوله: (حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ) - بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مهملة -، هو وَرَقُ السَّلَم. وقوله: (وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا) - بفتح الواو، والمهملة -؛ أي: شحمه. وقوله: (حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا) - بالثاء المثلّثة -؛ أي: رجعت إلى القوّة، وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم هُزالٌ من الجوع السابق. وقوله: (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ)؛ أي: أمر بالأخذ. وقوله: (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ) قال النوويّ - ﵀ -: كذا هو في النسخ: «فنصبه»، وفي الرواية الأولى: «فأقامها»، فأنثها، وهو المعروف، ووجه التذكير أنه أراد به العضو. انتهى . وقوله: (وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ) وفي رواية: «أربعة نفر»، والْحِجَاج بكسر الحاء المهملة، وتُفتح: العظم المستدير حولَها، وهو مذكّرٌ، وجمعه أَحِجّة، وقال ابن الأنباريّ: الحِجَاج: العَظْم المُشْرِف على غار العين. ذكره الفيّوميّ. وقال النوويّ - ﵀ -: الْحِجاج بحاء، ثم جيم مخففة، والحاء مكسورة، ومفتوحة، لغتان مشهورتان، وهو بمعنى: «وَقْب عينه» المذكور في الرواية السابقة، وقد شرحناه. انتهى . وقوله: (قَبْضَةً قَبْضَةً) بفتح القاف، وضمّها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عبد الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ: إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثًا، ثُمَّ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ). قوله: (إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ. . . إلخ) الرجل: هو قيس بن سعد بن عبادة الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة ستين تقريبًا، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في «الجنائز» ٢٣/ ٢٢٢٥. وكان اشترى الْجُزُرَ من أعرابي جُهَنيّ، كلَّ جَزُور بوسق من تمر، يوفيه إياه بالمدينة. (ثلاث جزائر) قال في «الفتح»: المراد بقوله: «جزائر»: جمع جَزُور، وفيه نظر، فإن جزائر جمع جزيرة، والجزور إنما يُجمع على جُزُر بضمتين، فلعله جَمْع الجمع. انتهى . وقال الفيّوميّ: الْجَزُور من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرَات، ثم على جزائر، ولفظ الجزُور أُنثى، يقال: رعت الجزور، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجزور الناقة التي تُنْحَر. انتهى . وقوله: (ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ) وذلك لمّا رأى عمر - ﵁ - ذلك، وكان في ذلك الجيش، سأل أبا عبيدة، أن ينهى قيسًا عن النحر، فعَزَمَ عليه أبو عبيدة، أن ينتهي عن ذلك، فأطاعه. انتهى. قال في «الفتح»: وقد اختلفوا في سبب نهي أبي عبيدة قيسًا أن يستمرّ على إطعام الجيش، فقيل: لخشية أن تَفْنَى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر. وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأراد الرفق به، وهذا أظهر، قاله في «الفتح». والله أعلم. وفي رواية البخاريّ: «وكان عمرو - يعني: ابن دينار - يقول: أخبرنا أبو صالح، أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنتُ في الجيش، فجاعوا، قال: انحر، قال: نحرتُ، ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرتُ، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نُهِيتُ». قال في «الفتح» ما نصّه: وهذا صورته مرسل؛ لأن عمرو بن دينار لم يُدرك زمان تحديث قيس لأبيه، لكنه في مسند الحميديّ موصول، أخرجه أبو نعيم في «المستخرج» من طريقه، ولفظه: عن أبي صالح، عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: قلت لأبي: وكنت في ذلك الجيش، جيشِ الخبط، فأصاب الناس جوع، قال لي: انحر، قلت: نحرت، فذكره، وفي آخره، قلت: نهيتُ. وذكر الواقديّ بإسناد له، أن قيس بن سعد، لَمّا رأى ما بالناس، قال: من يشتري مني تمرًا بالمدينة بجزور هنا، فقال له رجل من جهينة: من أنت؟، فانتسب له، فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر، بخمسة أوسق، وأشهد له نفرًا من الصحابة، فامتنع عمر، لكون قيس لا مال له، فقال الأعرابيّ: ما كان سعد لِيَجْنِيَ بابنه في أوسق تمر، فبلغ ذلك سعدًا، فغضب، ووهب لقيس أربع حوائط، أقلها يُجَذّ خمسين وسقًا، وزاد ابن خزيمة من طريق عمرو بن الحارث، عن عمرو بن دينار، وقال في حديثه: لَمّا قدِموا ذكروا شأن قيس، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن الْجُود من شيمة أهل ذلك البيت»، وفي حديث الواقديّ، أن أهل المدينة بلغهم الجهد الذي قد أصاب القوم، فقال سعد بن عبادة: إن يك قيس كما أعرف، فسينحر للقوم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوَّل الكتاب قال: [٤٩٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القرشيّ مولاهم، أبو نعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٣/ ٧٩٧. و«جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -» ذُكر قبله. [تنبيه]: اختصر المصنّف رواية وهب بن كيسان، عن جابر - ﵁ - هنا، وقد ساقها ابن ماجه في «سننه» بسند المصنّف، أتمّ مما هنا، فقال: (٤١٥٩) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ -، ونحن ثلاثمائة، نَحْمِل أزوادنا على رقابنا، ففني أزوادنا، حتى كان يكون للرجل منا تمرة، فقيل: يا أبا عبد الله، وأين تقع التمرة من الرجل؟ فقال: لقد وجدنا فَقْدها حين فقدناها، وأتينا البحر، فإذا نحن بحوت قد قذفه البحر، فأكلنا منه ثمانية عشر يومًا». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً ثَلَاثَمِائَةٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَفَنِيَ زَادُهُمْ، فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَهُمْ فِي مِزْوَدٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا، حَتَّى كَانَ يُصِيبُنَا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: اختصر المصنّف أيضًا رواية مالك، عن وهب، وقد طوّلها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٢٣٥١) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه قال: بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا قِبَل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجُمع ذلك كله، فكان مزودَي تمر، فكان يقوتنا كلَّ يوم قليلًا، حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فَقْدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثلُ الظَّرِب ، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلةً، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه، فنُصبا، ثم أمر براحلة فرُحلت، ثم مرَّت تحتهما، فلم تُصِبْهما. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً أَنَا فِيهِمْ، إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ، وَسَاقُوا جَمِيعًا بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، كنَحْوِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: فَأَكَلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقُوا جَمِيعًا بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ) هكذا في النسخ التي بين أيدينا، والظاهر أنها غلط؛ والصواب: «وساق بقيّة الحديث. . . إلخ» بإفراد الضمير الراجع إلى وهب بن كيسان، فواو الجماعة، ولفظ «جميعًا» لا وجه لهما هنا، فيما يظهر، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: رواية الوليد بن كثير، عن وهب بن كيسان هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٦٢٦) - حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا الوليد بن كثير، قال: سمعت وهب بن كيسان، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: بعث رسول الله - ﷺ - سريةً أنا فيهم إلى سيف البحر، فأرملنا الزاد، حتى جمعنا ما مع كل إنسان، فجعلناه واحدًا، حتى كان يُعْطَى كلُّ إنسان قدر ملء نصيبه، حتى ما كان نصيب كل إنسان إلا تمرةٌ كلَّ يوم، قال رجل لجابر: يا أبا عبد الله، وما يغني عن رجل تمرةٌ؟ قال: يا ابن أخي قد وجدنا فَقْدها حين فنيت، قال جابر: فبينا نحن على ذلك، إذ رأينا سَوَادًا، فلمّا غَشِيناه إذا دابة من البحر، قد خرجت من البحر، فأناخ عليها العسكر ثمانَ عشرة ليلةً، يأكلون منها ما شاؤوا، حتى أَرْبَعُوا . انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (ح) وَحدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ، كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْثًا إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس الْعَبْديّ البصريّ، أصله من بُخارى، ثقةٌ، [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ) إسماعيل بن عمر الواسطيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] مات بعد المائتين (عخ م د س) تقدم في «الإمارة» ١٠/ ٤٧٦٩. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «أبو المنذر القزاز» هكذا هو في نسخ بلادنا: «الْقَزّاز» بالقاف، وفي أكثرها «البزاز» بالباء، وذكر القاضي أيضًا اختلاف الرواة فيه، والأشهر بالقاف، وهو الذي ذكره السمعانيّ في «الأنساب»، وآخرون، وذكره خَلَفٌ الواسطيّ في «الأطراف» بالباء عن رواية مسلم، لكن عليه تضبيب، فلعله يقال بالوجهين، فالقزاز بزاز، وأبو المنذر هذا اسمه إسماعيل بن حسين بن المثنى، كذا سماه أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، واقتصر الجمهور على أنه إسماعيل بن عمر، قال أبو حاتم: هو صدوق، وأمر أحمد بن حنبل بالكتابة عنه، وهو من أفراد مسلم. انتهى . ٥ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٤. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ) المدنيّ، ثقةٌ مشهورٌ [٤] (خ م د س ق) تقدم في «الجنائز» ٢٣/ ٢٢٢٢. و«جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ) ضمير التثنية لعثمان بن عمر، وأبي المنذر القزّاز. وقوله: (إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ) تقدّم أنه لا تعارض بين هذا وبين ما تقدّم أنه بعثهم ليتلقّوا عيرًا لقريش؛ لإمكان الجمع بأن يكون النبيّ - ﷺ - بعثهم للأمرين جميعًا؛ أي: كونهم يتلقّون عيرًا لقريش، ويقصدون حيًّا من جهينة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا) هو أبو عبيدة بن الجرّاح - ﵁ -. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) فاعل «ساق» ضمير عبيد الله بن مِقسم، وضمير «حديثهم» لأبي الزبير، وعمرو بن دينار، ووهب بن كيسان، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٧] (١٤٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْن أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو هاشم ابن الحنفيّة، ثقةٌ [٤] (ت ٩٩) بالشام (ع) تقدم في «النكاح» ٣/ ٣٤٣٢. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يقال: إنه أول من تكلّم في الإرجاء [٣] (ت ١٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٩. ٣ - (أَبُوهُمَا) محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم ابن الحنفيّة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٢] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في «الحيض» ٤/ ٧٠١. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، رابع الخلفاء الراشدين، استُشهد - ﵁ - في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، عن أبيهما، عن جدّهما، وفيه أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ النبيّ - ﷺ -، وزوج ابنته فاطمة - ﵄ -، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، بل هو أول من آمن من الصبيان، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومات شهيدًا، وهو أفضل أهل الأحياء من بني آدم بالإجماع، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ) «الْمُتْعَةُ» - بضمّ الميم، وسكون المثناة الفوقانيّة -: هو النكاح إلى أجل معيّن، وهو من التمتّع بالشيء، وهو الانتفاع به، يقال: تمتّعتُ به أَتَمَتَّعُ تمتّعًا، والاسم: الْمُتْعة، كأنه يَنتَفِع بها إلى أمد معلوم. وقد كان مباحًا في أول الإسلام، ثم حُرّم، ولا يراه الآن جائزًا إلا الشيعة، ولا اعتداد بهم؛ أفاده ابن الأثير - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: نكاح المتعة: هو المؤقّت في العقد، وقال في العُبَاب: كان الرجل يُشارط المرأة شرطًا على شيء إلى أجل معلوم، ويُعطيها ذلك، فيستحلّ بذلك فرجها، ثم يُخلي سبيلها من غير تزويج، ولا طلاق. انتهى . وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في «كتاب النكاح»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: «خيبر» بالمعجمة أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: «حُنَين» - بمهملة أوّله، ونونين - أخرجه النسائيّ، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌ، تفرّد به عبد الوهّاب، وقد تقدّم تمام البحث في «كتاب النكاح»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) قال ابن الأثير - ﵀ -: «الحمر الإنسيّة»: هي التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيٌّ، وفي كتاب أبي موسى ما يدلّ على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت، والأُنسُ ضدّ الوحشة، والمشهور في ضدّ الوحشة الأُنسُ بالضمّ، وقد جاء فيه الكسر قليلًا، قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء، قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدرُ أَنِستُ به آنَسُ أَنَسًا، وأَنَسَةً. انتهى كلام ابن الأثير - ﵀ - . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في «كتاب النكاح» (٣/ ٣٤٢٣)، ولم يبق إلا أن نتكلّم في الجزء الثاني، وهو ما بوّب له المصنّف، وهو حكم الحمر الإنسيّة، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل الحمر الأهليّة: قال ابن قُدامة - ﵀ -: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهليّة، قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبيّ - ﷺ - كرهوها. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها. وحُكي عن ابن عبّاس، وعائشة - ﵄ - أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وتلا هذه ابن عبّاس، وقال: ما خلا هذا، فهو حلالٌ. وسُئلت عائشة - ﵂ - عن الفأرة؟ فقالت: ما هي بحرام، وتلت هذه الآية. ولم يرَ أبو وائل بأكل الحمر بأسًا. وقد رُوي عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سَنَة، فلم يكن في مالي شيء، أطعم أهلي، إلا شيء من حُمر، وقد كان رسول الله - ﷺ - حرّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي، إلا سِمَان الحمر، وإنك حَرّمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أطعم أهلك من سمين حُمُرك، فإنما حرّمتها من أجل جَوَّال القرية». واحتجّ الأولون بالحديث المذكور في الباب، وهو متّفقٌ عليه. قال ابن عبد البرّ: ورَوَى عن النبيّ - ﷺ - تحريم الحمُر الأهليّة: عليّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلميّ بأسانيد صحاح حسان، وحديث غالب بن أبجر لا يُعرَّج على مثله، مع ما عارضه، ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - رخصّ لهم في مَجاعتهم، وبيّن علّة تحريمها المطلق؛ لكونها تأكل العذرات، قال عبد الله بن أبي أوفى: حرّمها رسول الله - ﷺ - البتّة من أجل أنها تأكل العذرة. متّفقٌ عليه. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . وقال في «الفتح» عند شرح قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ما نصّه: في رواية ابن مردويه، وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذُّرًا، فبعث الله نبيّه - ﷺ -، وأنزل كتابه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرّم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ، وتلا هذه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ إلى آخرها. والاستدلال بهذا للحلّ إنما يتمّ فيما لم يأت فيه نصّ عن النبيّ - ﷺ - بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدَّم على عموم التحليل، وعلى القياس. وقد ثبت عن ابن عباس أنه توقّف في النهي عن الحمر: هل كان لمعنى خاصّ، أو للتأبيد؟ فعن الشعبيّ عنه أنه قال: لا أدري أنهى عنه رسول الله - ﷺ - من أجل أنه كان حَمُولة الناس، فكَرِه أن تذهب حمولتهم، أو حرّمها البتة يوم خيبر؟ وهذا التردد أصحّ من الخبر الذي جاء عنه بالجزم بالعلة المذكورة. وكذا فيما أخرجه الطبرانيّ، وابن ماجه من طريق شقيق بن سلمة، عن ابن عباس قال: إنما حَرَّم رسول الله - ﷺ - الحمر الأهلية مخافةَ قلة الظهر، وسنده ضعيف. وفي حديث ابن أبي أوفى - ﵁ -: فتحدّثنا أنه إنما نهى عنها؛ لأنها لم تُخْمَس، وقال بعضهم: نَهَى عنها؛ لأنها كانت تأكل العَذِرة. وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس، أو كانت جلّالةً، أو كانت انتُهِبَت حديثُ أنس - ﵁ - الآتي عند مسلم بعد أربعة عشر حديثًا، حيث جاء فيه: «فإنها رجس»، وكذا الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - الآتي. قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فإنها رجس» ظاهر في عَوْد الضمير على الحمر؛ لأنها المتحدَّث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دالّ على تحريمها لعينها، لا لمعنى خارج. وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الأمر بإكفاء القدور ظاهرٌ أنه سبب تحريم لحم الحمر، وقد وردت علل أخرى إن صح رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يعلَّل الحكم بأكثر من علة، وحديث أبي ثعلبة صريح في التحريم، فلا مَعْدِل عنه. وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاويّ بالمعارضة بالخيل، فإن في حديث جابر النهي عن الحمر، والإذن في الخيل مقرونًا، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلّتها عندهم، وعزّتها، وشدة حاجتهم إليها. والجواب عن آية الأنعام أنها مكية، وخبر التحريم متأخر جدًّا، فهو مقدّم، وأيضًا فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذُكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذُكر فيها، كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضًا تحريم ما أُهِلّ لغير الله به، والمنخنقة إلى آخره، وكتحريم السباع، والحشرات. قال النوويّ: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء، من الصحابة، فمَن بعدَهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا لهم، إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها الكراهة. وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود، عن غالب بن أبجر قال: «أصابتنا سَنَة، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي، إلا سِمَان حمر، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: إنك حرَّمت لحوم الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سَنَةٌ، قال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جَوّال القرية - يعني: الجلالة -»، وإسناده ضعيف، والمتن شاذّ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها. وأما الحديث الذي أخرجه الطبرانيّ عن أم نصر المحاربية: «أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الحمر الأهلية، فقال: أليس ترعى الكلأ، وتأكل الشجر؟ قال: نعم، قال: فأصب من لحومها». وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مُرّة، قال: سألت. . . فذكر نحوه، ففي السندين مقالٌ، ولو ثبتا احْتَمَل أن يكون قبل التحريم. قال الطحاويّ: لو تواتر الحديث عن رسول الله - ﷺ - بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حِلَّها؛ لأن كل ما حُرِّم من الأهليّ أُجمع على تحريمه، إذا كان وحشيًّا، كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حِل الحمار الوحشيّ، فكان النظر يقتضي حِل الحمار الأهليّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: ما ادّعاه من الإجماع مردود، فإن كثيرًا من الحيوان الأهليّ مختلف في نظيره من الحيوان الوحشيّ، كالهرّ. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه جمهور العلماء من تحريم الحمُر الأهليّة هو الحقّ؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ: «وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة عشر: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ الكوفيّ. ٢ - (عبدُ اللهِ بنُ نُمَيْرٍ الْهَمدانيّ الكوفيّ)، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. . . إلخ)؛ يعني: كلّ هؤلاء الأربعة: سفيان بن عيينة، وعبيد الله العمريّ، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن عليّ، عن أبيهما، عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ -. [تنبيه]: روايات هؤلاء الأربعة سوى معمر عن الزهريّ قد تقدّم أن المصنّف ساقها في «كتاب النكاح» برقم [٣٤٣٤ و٣٤٣٥ و٣٤٣٦] (١٤٠٧)، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (٦٦)

١. راجع: «المسند» ٣/ ٣١١.

٢. قال في «تهذيب التهذيب»: أنكر الواقديّ أن يكون أبو عبيدة قتل أباه، وقال: مات أبوه قبل الإسلام. انتهى.

٣. «الفتح» ٩/ ٥٠٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٦٠).

٤. «الفتح» ٩/ ٥٠٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٦٠).

٥. «المصباح المنير» ١/ ٩٥.

٦. «القاموس المحيط» ص ٢٠٤.

٧. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٥.

٨. «الفتح» ٩/ ٥٠٥ - ٥٠٦، كتاب «الجهاد» رقم (٤٣٦٠).

٩. «المفهم» ٥/ ٢١٨ - ٢١٩.

١٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٤.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

١٢. «القاموس المحيط» ص ١٢٢٦.

١٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٤.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٤.

١٥. «تاج العروس» ١/ ٨٤٩٩.

١٦. «المفهم» ٥/ ٢١٩.

١٧. «المصباح المنير» ٢/ ٣٥٩.

١٨. «الفتح» ٩/ ٥٠٧.

١٩. «المفهم» ٥/ ٢٢٠.

٢٠. «الفتح»٩/ ٥٠٧.

٢١. حديث صحيح، أخرجه: أحمد ٢/ ٢٣٧، وأبو داود (٨١)، والترمذيّ (٦٩)، والنسائيّ ١/ ١٧٦، وابن ماجه (٣٨٦).

٢٢. «المفهم»٥/ ٢٢٠.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٦.

٢٤. «الفتح» ٩/ ٥٠٧ - ٥٠٨، كتاب «المغازي» رقم (٣٦٠).

٢٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٨ - ٨٩.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٢٢١.

٢٧. رواه مسلم بلفظ: «إنكم مصبحوا عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطِرُوا».

٢٨. «المفهم» ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١.

٢٩. «القاموس» ص ٩٤٤.

٣٠. «المصباح» ٢/ ٥١٤.

٣١. «القاموس» ص ١٠٨٦.

٣٢. حديث صحيح، رواه أحمد ٢/ ٢٣٣ و٢٦٥، وأبو داود (٣٨٤١)، وقد ضعَّفوا هذه الزيادة، وهي: «إن كان مائعًا فلا تقربوه»، قالوا: والصحيح عدم التفصيل بين الجامد والمائع، فقد رواه البخاريّ عن ميمونة - ﵂ -، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن فأرة سقطت في سَمْن، فقال: «ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكُلوا سَمْنكم»، والله تعالى أعلم.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٧.

٣٤. «المفهم» ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.

٣٥. «القاموس المحيط» ص ٤٩٧.

٣٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٣٧. «الفتح» ٩/ ٥٠٨ - ٥٠٩.

٣٨. «القاموس المحيط» ص ١٤٠٠.

٣٩. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٧ - ٨٨.

٤٠. «المفهم» ٥/ ٢٢٢.

٤١. «الفتح» ٩/ ٥١٠.

٤٢. «المفهم» ٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣.

٤٣. «الفتح» ١٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠، كتاب «الذبائح» رقم (٥٤٩٣).

٤٤. «الفتح» ١٢/ ٤٥٠.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٦.

٤٦. «الفتح» ١٢/ ٤٥٠.

٤٧. «الفتح» ١٢/ ٤٥٠ - ٤٥١.

٤٨. «الفتح» ١٢/ ٤٥١ - ٤٥٢.

٤٩. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٨.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٨.

٥١. «الفتح» ١٢/ ٤٤٩.

٥٢. «المصباح المنير» ١/ ٩٨.

٥٣. كذا في «الفتح»، والظاهر أن صوابه: لأن أبا صالح لم يدرك. . . إلخ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٥٤. «الفتح»(٥٠٩)، كتاب«المغازي»(٤٣٦٠).

٥٥. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٣٩٢.

٥٦. «الظرب» بفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء: الجبل الصغير.

٥٧. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٨٧٩.

٥٨. والظاهر أن معناه: استغنوا، ومنه حديث: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مُربعًا»؛ أي: عامًّا يُغني عن الارتياد، والنُّجعة، أفاده في «النهاية» ص ٣٤٢.

٥٩. «مسند أبي عوانة» ٥/ ٢٣.

٦٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ٨٩.

٦١. هذا الرقم مكرّر.

٦٢. «النهاية» ٢/ ٤٧٠

٦٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٢.

٦٤. «النهاية» ١/ ٧٤ - ٧٥.

٦٥. «المغني» لابن قُدامة - ﵀ - ١٣/ ٣١٧ - ٣١٩.

٦٦. «الفتح» ١٢/ ٥١٠ - ٥١٢، كتاب «الذبائح والصيد» رقم (٥٥٣٠).