HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٤٢

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فأكلناه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص66
ج ٣ ص ١٥٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٢٠٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠١٧] (١٩٤٢) - (وَحَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَحَفْصُ بْن غِيَاثٍ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَكَلْنَاهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٢ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام، زوج هشام بن عروة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٣/ ٦٨١. ٤ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، زوج الزبير بن العوّام، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين (ع) تقدمت في «الطهارة» ٣٣/ ٦٨١. والباقون تقدّموا في الباب السابق. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والباقون كلّهم كوفيّون، وفيه رواية الراوي عن زوجته، عن جدّتهما، فإن أسماء - ﵂ - جدّة لهشام وفاطمة أم أبويهما، وفيه أسماء - ﵂ - من الصحابيّات الفاضلات، ذات النطاقين. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ) بن عروة، قال في «الفتح»: قد اختُلِف في إسناد هذا الحديث على هشام، فقال أيوب من رواية عبد الوهاب الثقفيّ عنه، عن أبيه، عن أسماء، وكذا قال ابن ثوبان من رواية عُتبة بن حماد عنه، عن هشام بن عروة، وقال المغيرة بن مسلم: عن هشام، عن أبيه، عن الزبير بن العوّام، أخرجه البزار، وذكر الدارقطني الاختلاف، ثم رجّح رواية ابن عيينة، ومن وافقه. انتهى . (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير زوج هشام، وبنت عمّه (عَنْ) جدّتهما (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، أنها (قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا)؛ أي: طعنّا نحره، وذبحناه، يقال: نحره، كمنعه نَحْرًا، وتِنْحَارًا: أصاب نحره، ونحر البعيرَ: طعنه حيث يبدو الْحُلْقُومُ على الصدر، قاله المجد . (عَلَى عَهْدِ)؛ أي: في زمان (رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَكَلْنَاهُ) زاد عبدة بن سليمان، عن هشام: «ونحن بالمدينة»، وفي رواية للدارقطنيّ: «فأكلناه نحن، وأهل بيت رسول الله - ﷺ -»، ووقع عند البخاريّ من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بلفظ: «ذبحنا على عهد رسول الله - ﷺ - فرسًا. . .». [تنبيه]: وقع الاختلاف في لفظ: «نحرنا»، و«ذبحنا»، قال البخاريّ - ﵀ -: «باب النحر، والذبح»، ثم أورد حديث أسماء - ﵂ - هذا باللفظين المذكورين، فقال في «الفتح»: ذكر البخاريّ في الباب، حديث أسماء بنت أبي بكر، في أكل الفرس، أورده من رواية سفيان الثوريّ، ومن رواية جرير، كلاهما عن هشام بن عروة، موصولًا بلفظ: «نحرنا»، وقال في آخره: تابعه وكيع، وابن عيينة، عن هشام في النحر، وأورده أيضًا من رواية عبدة - وهو ابن سليمان - عن هشام، بلفظ: «ذبحنا»، ورواية ابن عيينة التي أشار إليها، ستأتي موصولة بعد بابين، من رواية الحميديّ، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به، وقال: «نحرنا»، ورواية وكيع، أخرجها أحمد عنه، بلفظ: «نحرنا»، وأخرجها مسلم، عن محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا أبي، وحفص بن غياث، ووكيع ثلاثتهم، عن هشام، بلفظ: «نحرنا»، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، والثوريِّ جميعًا، عن هشام بلفظ: «نحرنا»، وقال الإسماعيلي: قال همام، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر، عن هشام بلفظ: «نحرنا»، واختُلف على حماد بن زيد، وابن عيينة، فقال أكثر أصحابهما: «نحرنا»، وقال بعضهم: «ذبحنا»، وأخرجه الدارقطنيّ، من رواية مُؤَمَّل بن إسماعيل، عن الثوريّ، ووهيب بن خالد، ومن رواية ابن ثوبان - وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - ومن رواية يحيى القطان، كلهم عن هشام، بلفظ: «ذبحنا»، ومن رواية أبي معاوية، عن هشام: «انتحرنا»، وكذا أخرجه مسلم، من رواية أبي معاوية، وأبي أسامة، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة عنهما، بلفظ: «نحرنا». وهذا الاختلاف كله، عن هشام، وفيه إشعار بأنه كان تارة يرويه بلفظ «ذبحنا»، وتارة بلفظ «نحرنا»، وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، وأن النحر يُطلق عليه ذَبْح، والذبح يُطلق عليه نَحْر، ولا يتعيّن مع هذا الاختلاف، ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز، إلا إن رجح أحد الطريقين، وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف، جواز نحر المذبوح، وذبح المنحور، كما قاله بعض الشراح فبعيد؛ لأنه يستلزم أن يكون الأمر في ذلك، وقع مرتين، والأصل عدم التعدد، مع اتحاد المخرج، وقد جرى النوويّ على عادته، في الحمل على التعدد، فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة، في قولها: «نحرنا»، و«ذبحنا»: يُجمع بين الروايتين بأنهما قضيتان، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، ثم قال: ويجوز أن تكون قصة واحدة، وأحد اللفظين مجاز، والأول أصح، كذا قال، والله أعلم. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في قوله: «وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف. . . إلخ» نظر؛ بل الظاهر استفادته منه، وهو الذي يظهر من صنيع البخاريّ، حيث ترجم، بقوله: «باب النحر، والذبح»، ثم أورده مستدلًّا على جوازهما، وأصرح منه صنيع النسائيّ، حيث قال: «باب الرخصة في نحر ما يُذبح، وذبح ما يُنحر»، ووَجْه ذلك أن هشامًا أطلق النحر والذبح في هذا الحديث، فدلّ على أن ما أُطلق عليه النحر، كالبَدَنة يجوز ذبحه؛ وما أُطلق عليه الذبح، كالبقر يجوز نحره؛ لأن ذلك الإطلاق ليس إلا على غالب الاستعمال، فلا يستلزم ذلك عدم جواز غيره، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: «النحر» - بفتح، فسكون -: مصدر نَحَر البعيرَ ينحره، من باب فتح: إذا أصاب نحره، وهو أعلى الصدر، ونحره أيضًا: إذا طعنه في مَنْحَره، حيث يبدو الْحُلْقوم من أعلى الصدر. و«الذبح» - بفتح، فسكون -: مصدر ذبح الشاةَ يذبحها، من باب فتح: إذا قطع الحلقوم من الباطن عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق. و«النصيل» كأمير: مَفْصل ما بين العنق والرأس، تحت اللَّحْيين. أفاده في «اللسان». وقال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: لا خلاف بين أهل العلم، في أن المستحب نَحْر الإبل، وذَبْح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. قال مجاهد: أُمرنا بالنحر، وأُمر بنو إسرائيل بالذبح، فإن النبيّ - ﷺ - بُعثَ في قوم، ماشيتهم الإبل، فَسُنَّ النحرُ، وكانت بنو إسرائيل ماشيتهم البقر، فأُمروا بالذبح، وثبت: «أن رسول الله - ﷺ -، نحر بَدَنة، وضَحَّى بكبشين أقرنين، ذبحهما بيده». متفق عليه. ومعنى النحر: أن يضربها بحربة، أو نحوها في الْوَهْدَة التي بين أصل عنقها وصدرها. انتهى. وقال في «الفتح» ما حاصله: النحر في الإبل خاصة، وأما غير الإبل فيُذبح، وقد جاءت أحاديث في ذَبْح الإبل، وفي نَحْر غيرها. وقال ابن التين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء في القرآن ذِكر ذبحها، وفي السُّنَّة ذِكر نحرها، واختُلِفَ في ذبح ما يُنحَر، ونحر ما يُذبَح، فأجازه الجمهور، ومنع ابن القاسم. انتهى. وقال في «الفتح» في موضع آخر بعد ذكر الاختلاف السابق ما نصّه: واختلف الشارحون في توجيهه، فقيل: يُحْمَل النحر على الذبح مجازًا، وقيل: وقع ذلك مرتين، وإليه جنح النوويّ، وفيه نظر؛ لأن الأصل عدم التعدد، والمخرج متّحدٌ، والاختلاف فيه على هشام، فبعض الرواة قال عنه: «نحرنا» وبعضهم قال: «ذبحنا»، والمستفاد من ذلك جواز الأمرين عندهم، وقيام أحدهما في التذكية مقام الآخر، وإلا لَمَا ساغ لهم الإتيان بهذا موضع هذا، وأما الذي وقع بعينه فلا يتحرر؛ لوقوع التساوي بين الرواة المختلفين في ذلك. ويُستفاد من قولها: «ونحن بالمدينة» أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيَرُدّ على من استند إلى منع أكلها بعلّة أنها من آلات الجهاد. ومن قولها: «نحن وأهل بيت النبيّ - ﷺ -» الردّ على من زعم أنه ليس فيه أن النبيّ - ﷺ - اطَّلَع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يَرِد لم يُظَنّ بآل أبي بكر أنهم يُقدمون على فعل شيء في زمن النبيّ - ﷺ - إلا وعندهم العلم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم بالنبيّ - ﷺ -، وعدم مفارقتهم له. هذا مع توفر داعية الصحابة - ﵃ - إلى سؤاله - ﷺ - عن الأحكام، ومن ثَمّ كان الراجح أن الصحابيّ إذا قال: كنا نفعل كذا على عهد النبيّ - ﷺ - كان له حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبيّ - ﷺ - على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابيّ، فكيف بآل أبي بكر الصديق - ﵁ -. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٠١٧ و٥٠١٨] (١٩٤٢)، و(البخاريّ) في «الصيد» (٥٥١٩)، و(النسائيّ) في «الضحايا» (٧/ ٢٢٧ و٢٣١) و«الكبرى» (٣/ ٦٣ و٣٦٧ و٤١٥٢)، و(ابن ماجه) في «الذبائح» (٣١٩٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٧٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنفه» (٨٧٣١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٥٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٤٥ و٣٤٦ و٣٥٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٥/ ١١٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٨٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٧١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٨٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢١١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٢٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز أكل لحم الفرس، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء فيه في شرح حديث جابر - ﵁ - الماضي، ولله الحمد والمنّة. ٢ - (ومنها): بيان جواز نَحْر ما يُذبح، وذَبْح ما يُنحر. ٣ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: فعلنا كذا على عهد رسول الله - ﷺ - له حكم الرفع، وكذا لو لم يُضفه إلى عهده - ﷺ -، وكذا قوله: «من السنّة كذا»، و«أُمرنا بكذا»، و«نُهينا عن كذا»، على الأصحّ في كلّ ذلك، قال السيوطيّ - ﵀ - في «ألفية الحديث»: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ «مِنَ السُّنَّةِ» مِنْ صَحَابِي كَذَا «أُمِرْنَا» وَكَذَا «كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ» أَوْ عَن إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الذبح، والنحر: قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ - في «المغني»: وأما المحل فالحلق واللَّبة، وهي الوَهْدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع. وقد رُوي في حديث، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «الذكاة في الحلق واللبة» ، قال أحمد: الذكاة في الحلق واللبة. واحتج بحديث عمر - ﵁ -، وهو ما روى سعيد، والأثرم، بإسنادهما عن الفرافصة، قال: كنا عند عمر، فنادى أن النحر في اللبة والحلق، لمن قَدَر . وإنما نَرَى أن الذكاة اختصت بهذا المحل؛ لأنه مجمع العروق، فتنفسخ بالذبح فيه الدماء السيالة، ويُسرع زُهُوق النفس، فيكون أطيب للحم، وأخفّ على الحيوان، قال أحمد: لو كان حديث أبي العُشَراء حديثًا؛ يعني: ما روى أبو العشراء، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، أنه سئل أَمَا تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو طَعَنْت في فخذها لأجزأ عنك»، قال أحمد: أبو العشراء، هذا ليس بمعروف. وأما الفعل: فيُعتبر قطع الحلقوم والمريء، وبهذا قال الشافعيّ، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يُعتبر مع هذا قَطْع الودجين، وبه قال مالك، وأبو يوسف؛ لِمَا روى أبو هريرة - ﵁ -، قال: «نهى رسول الله - ﷺ -، عن شَرِيطة الشيطان، وهي التي تُذبح، فيُقطع الجلد، ولا تُفرَى الأوداج، ثم تُترك حتى تموت»، رواه أبو داود . وقال أبو حنيفة: يُعتبر قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين، ولا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين، فالحلقومُ: مَجْرَى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛ لأنه أسرع لخروج روح الحيوان، فيَخِفّ عليه، ويَخرُج من الخلاف، فيكون أَولى، والأول يجزئ؛ لأنه قَطَعَ في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه، فأشبه ما لو قطع الأربعة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال الإمام البخاريّ - ﵀ -: «باب النحر، والذبح»، وقال ابن جريج، عن عطاء: لا ذبح، ولا نحر إلا في الْمَذْبَح، والْمَنْحَر، قلت: أيُجزي ما يُذبح، أن أنحره؟ قال: نعم ذَكر الله ذبح البقرة، فإن ذَبحتَ شيئًا يُنحر جاز، والنحر أحبّ إلي، والذبح قطع الأوداج، قلت: فَيُخَلِّفُ الأوداجَ حتى يَقطع النُّخاع؟ قال: لا إِخال، وأخبرني نافع، أن ابن عمر نهى عن النَّخْع، يقول: يقطع ما دون العظم، ثم يَدَع حتى تموت. وقولُ الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآية [البقرة: ٦٧]، وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال سعيد، عن ابن عباس - ﵄ -: الذكاة في الحلق واللبة. وقال ابن عمر، وابن عباس، وأنس: إذا قطع الرأس فلا بأس. انتهى كلام البخاريّ - ﵀ -. قال في «الفتح»: قوله: وقال ابن جريج، عن عطاء. . . إلخ، وصله عبد الرزاق، عن ابن جريج مقطعًا. وقوله: والذبح قطع الأوداج: جمع وَدَج - بفتح الدال المهملة، والجيم - وهو العِرْق الذي في الأَخدع، وهما عرقان، متقابلان، قيل: ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط، وهما محيطان بالحلقوم، ففي الإتيان بصيغة الجمع نظر، ويمكن أن يكون أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها، هكذا اقتصر عليه بعض الشراح، وبقي وجه آخر، وهو أنه أطلق على ما يُقطع في العادة وَدَجًا؛ تغليبًا، فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم: إذا قطع من الأوداج الأربعةِ ثلاثةً، حصلت التذكية، وهما: الحلقوم، والمريء، وعرقان من كل جانب. وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قَطع الحلقوم والمريء، وأكثر من نصف الأوداج أجزأ، فإنْ قَطَع أقل، فلا خير فيها. وقال الشافعيّ: يكفي، ولو لم يقطع من الودجين شيئًا؛ لأنهما قد يُسَلّان من الإنسان وغيره، فيعيش. وعن الثوريّ: إن قَطَع الودجين أجزأ، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء. وعن مالك، والليث: يُشترط قطع الودجين، والحلقوم فقط، واحتُج له بما في حديث رافع: «ما أنهر الدم»، وإنهاره إجراؤه، وذلك يكون بقطع الأوداج؛ لأنها مجرى الدم، وأما المريء، فهو مجرى الطعام، وليس به من الدم ما يحصل به إنهار، كذا قال. انتهى المقصود من «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعتبر في الذبح هو إخراج الدم، فما كان قطعه طريقًا إلى إخراجه هو المطلوب، وليس في النصّ تحديده، سوى كونه في الحلق واللبّة، فإنه - ﷺ - نحر، وذبح، ومعلوم أن النحر والذبح في الحلق واللبّة، فالأَولى قطع الأربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين، ليحصل المطلوب بأتمّ وَجْه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا في الباب، والباب الماضي، و«أبو كُريب» هو: محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن هشام ساقها الطحاويّ - ﵀ - في «شرح معاني الآثار»، فقال: حدّثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: «نحرنا فرسًا على عهد رسول الله - ﷺ -، فأكلناه». انتهى . ورواية أبي أسامة، عن هشام، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٦٤٠) - حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: أكلنا لحم فرس على عهد النبيّ - ﷺ -. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ) «الضّبّ» بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحدة: دُوَيِّبَة تشبه الْجِرْذون، لكنه أكبر من الجرذون، ويُكنى أبا حِسْل - بمهملتين، مكسورة ثم ساكنة - ويقال للأنثى: ضبة، وبه سمّيت القبيلة، وبالخيف من منى جبل يقال له: ضبّ، والضبّ: داء في خُفّ البعير، ويقال أن لأصل ذَكَر الضب فرعين، ولهذا يقال له: ذَكَران، وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يومًا قطرةً، ولا يسقط له سنّ، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة، وحَكَى غيره أن أكْل لحمه يُذهب العطش، ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يَرِد الضب، يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء؛ لأن الضب لا يَرِد، بل يكتفي بالنسيم، وبرد الهواء، ولا يخرج من جُحْره في الشتاء، قاله في «الفتح» .
مصادر المؤلف (١٣)

١. «الفتح» ١٢/ ٤٩٩ رقم (٥٥١٩).

٢. «القاموس المحيط» ص ١٢٦٧.

٣. «الفتح» ١٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨ رقم (٥٥١٠).

٤. «الفتح» ١٢/ ٤٩٩ رقم (٥٥١٩).

٥. حديث ضعيف جدًّا، رواه الدارقطنيّ في «سننه» (٤/ ٢٨٣)، وفي إسناده سعيد بن سلام العطّار كذّبه ابن نُمير، وأحمد، وقال البخاريّ: يُذكر بوضع الحديث، وقال الدارقطنيّ: يُحدّث بالبواطيل، متروك، أفاده في «التعليق المغني» ٤/ ٢٨٣.

٦. رواه البيهقيّ في «الكبرى» ٩/ ٢٧٨، وضعّف رفعه.

٧. حديث ضعيف؛ لأن في سنده عمرو بن عبد الله بن الأسوار اليمانيّ، قال ابن معين: ليس بالقويّ.

٨. «المغني» لابن قُدامة - ﵀ - ١٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤.

٩. «الفتح» ١٢/ ٤٨٦ رقم (٥٥١٠).

١٠. «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢١١.

١١. مختصر من «قال: حدّثنا».

١٢. «مسند أبي عوانة» ٥/ ٢٧.

١٣. «الفتح» ١٢/ ٥٢٢، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٣٦).