HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٥١

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ. فَمَا تَأْمُرُنَا؟ أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: (ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ) فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ لينفع فيه غَيْرَ وَاحِدٍ. وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ. وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ. إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ الله ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص70
ج ٣ ص ١٥٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٢٥٦
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٠٣٤] (١٩٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٢٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٣٥] (١٩٥١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟، أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: «ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ»، فَلَمْ يَأْمُرْ، وَلَمْ يَنْهَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ - ﷿ - لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور في الباب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطعة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، استُصغر يوم أُحد، ثم شَهِد ما بعدها، ومات بالمدينة سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ فمدنيّ، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية: «أن أعرابيًّا أتى رسول الله - ﷺ -. . .»، ولا يُعرف اسمه، لكن قال الحافظ: وهذا يمكن أن يفسر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود، والنسائيّ من حديثه، قال: أصبت ضِبابًا، فشويت منها ضبًّا، فأتيت به رسول الله - ﷺ -، فأخذ عُودًا، فَعدّ به أصابعه، ثم قال: «إن أمة من بني إسرائيل مُسخت دوابّ في الأرض، وإني لا أدري أيّ الدواب هي؟»، فلم يأكل، ولم يَنْهَ، وسنده صحيح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الرجل المبهم في حديث أبي سعيد هنا بثابت بن وديعة، مع اختلاف طريقي الحديثين محلّ نظر؛ إذ لا دليل عليه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ) قال النوويّ: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما: فتح الميم والضاد، والثانية ضم الميم، وكسر الضاد، والأول أشهر، وأفصح؛ أي: ذات ضِباب كثيرة. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: هكذا جاء في الرِّواية بضم الميم، وكسر الضاد، والمعْرُوف بفتحِهما، يقال: أضبَّت أرضُ فُلان: إذا كثر ضِبَابُها، وهي أرضٌ مَضَبَّة؛ أي: ذات ضِبَاب، مثْل مَأْسَدَة، ومَذْأَبَة، ومَرْبَعة؛ أي: ذات أُسُود، وذئَاب، ويَرَابيع، وجمع المَضَبّة: مَضَابُّ، فأمَّا مُضبّة: فهي اسمُ فاعل، من أضَبَّت، كأغدَّت، فهي مُغِدَّة، فإن صحَّت الرواية فهي بمعناها، ونَحْوٌ من هذا البِنَاء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: بناء الْمَفْعَلة والْمُفْعِلَة، وصفًا للمكان للدلالة على الكثرة من اسم ما كثُر فيه. ذَكَره ابن مالك - ﵀ - في «لاميّته»، فقال: مِنِ اسْمِ مَا كَثُرَ اسْمُ الأَرْضِ مَفْعَلَةٌ … كَمِثْلِ مَسْبَعَةٍ وَالزَّائِدُ اخْتُزِلَا مِنَ الْمَزِيدِ كَمَفْعَاةٍ وَمُفْعِلَةٌ … وَأَفْعَلَتْ عَنْهُمُ فِي ذَلِكَ احْتُمِلَا غَيْرُ الثَّلَاثِيِّ مِنْ ذَا الْوَضْعِ مُمْتَنِعٌ … وَرُبَّمَا جَاءَ مِنْهُ نَادِرٌ قُبِلَا وأشار بقوله: «غير الثلاثيّ. . . إلخ» أن شرط البناء المذكور أن يكون من الثلاثيّ، وأما غيره فلا يُبنى منه إلا نادرًا، كمُعَقرِبةٍ، ومُثَعْلِبَةٍ؛ أي: كثيرة العقرب، والثعلب. (فَمَا تَأْمُرُنَا؟، أَوْ) للشكّ من الراوي، (فَمَا تُفْتِينَا؟)؛ أي: تُخبرنا بحكمه، (قَالَ) - ﷺ - («ذُكِرَ لِي) بالبناء للمفعول، والظاهر أن الذاكر له جبريل - ﵇ -، فهو وحي، ولكنه لم يُبيّن له أيّ الدوابّ هي؟ (أَنَّ أُمَّةً)؛ أي: جماعة (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ أي: أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة والسلام - (مُسِخَتْ») بالبناء للمفعول؛ أي: حُوّلت من صورتها الآدميّة إلى صورة حيوان آخر، يقال: مسَخَ الله مَسْخًا: حَوّل صورته التي كان عليها إلى غيرها، ومَسَخَ الكاتب: إذا صحّف، فأحال المعنى في كتابه . (فَلَمْ يَأْمُرْ) - ﷺ - بأكلها (وَلَمْ يَنْهَ) عنه. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) اسم «كان» محذوف؛ أي: فلما كان الزمن بعد ذلك اليوم الذي قال فيه النبيّ - ﷺ - ما ذُكر، (قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (إِنَّ اللهَ - ﷿ - لَيَنْفَعُ بِهِ)؛ أي: بالضبّ؛ أي: بأكل لحمه (غَيْرَ وَاحِدٍ)؛ يعني: كثيرًا من الناس، (وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ يعني: أنه - ﷺ - إنما ترك أكله لا لكونه حرامًا، وإنما لكراهته له تقذّرًا، حيث لم يكن بأرض قومه، ولا من طعامهم، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٠٣٥ و٥٠٣٦] (١٩٥١)، و(ابن ماجه) (٢/ ١٠٧٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٥ و١٩ و٦٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٤٠٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٤٢ و٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٢٥ و٤٢٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ اللهَ لَعَنَ، أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ) بشير بن عُقبة الناجيّ الساميّ، أو الأزديّ البصريّ، أبو عَقِيل - بفتح العين - ثقةٌ [٧] (خ م مد تم) تقدم في «البيوع» ٤٢/ ٤٠٩٧. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«محمد بن حاتم» هو: ابن ميمون. وقوله: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا. . . إلخ) تقدّم ما قيل في اسمه في الحديث الماضي. وقوله: (إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ) الغائط: الأرض المطمئنّة، قال الفيّوميّ: الغَائِطُ: المطمئن الواسع من الأرض، والجمع: غِيطَانٌ، وأَغْوَاطٌ، وغُوْطٌ، ثم أطلق الغَائِطُ على الخارج المستقذَر من الإنسان؛ كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه، وقالوا: تَغَوَّطَ الإنسان، وقال ابن الْقُوطية: غَاطَ في الماء غَوْطًا: دخل فيه، ومنه الغَائِطُ. انتهى . وقوله: (فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ)؛ أي: راجع النبيّ - ﷺ - مرّة أخرى. وقوله: (إِن اللهَ لَعَنَ، أَوْ غَضِبَ. . . إلخ) «أو» للشك من الراوي. وقوله: (عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) «السبط» بكسر، فسكون: وَلَد الولد، والجمع أسباطٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، والسبط أيضًا الفريق من اليهود، يقال للعرب: قبائل، ولليهود: أسباط، قاله الفيّوميّ . وقال ابن الأثير - ﵀ -: الأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، واحدهم سِبْطٌ، فهو واقع على الأمة، والأمة واقعة عليه. انتهى . وقوله: (فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ) الدوابّ: جمع دابّة، قال النوويّ: كذا وقع في بعض النسخ، ووقع في أكثرها «دوابًّا» بالألف، والأول هو الجاري على المعروف المشهور في العربيّة. انتهى . وقوله: (يَدِبُّونَ فِي الأَرْضِ) بكسر الدال، يقال: دبّ الصغير يدِبّ، من باب ضرب دَبِيبًا، ودبّ الجيش دبيبًا أيضًا: سار سيرًا ليّنًا . وقوله: (فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا) تقدّم أن هذا قبل أن يعلم - ﷺ -، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: «إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانت القِرَدة والخنازير قبل ذلك»، قال الشوكانيّ - ﵀ -: وقد صح عنه - ﷺ - أن الممسوخ لا نسل له، والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي، وأن تردّده في الضبّ كان قبل الوحي بذلك. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا منه - ﷺ - تَوقُّعٌ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من نسل ما مُسخ من الأمم، ومثله ما ذكره في الفأرة لمّا قال: «فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل، لا أدري ما فَعَلت، ولا أراها إلا الفأر» كان هذا منه - ﷺ - ظنًّا، وحَدْسًا قبل أن يوحى إليه: «إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا» ، فلما أُوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف، وعلم أن الضَّبَّ، والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ، وعند ذلك أخبرنا بقوله: «إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا». وقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ، وأما الفأر فلا يؤكل، لا لأنه مسخ، بل لأن رسول الله - ﷺ - قد استخبثه، كما قد استخبث الوزغ، وأمر بقتله، وسَمَّاه: فويسقًا، وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فيكون أكْلها حرامًا. وأما الْهِرُّ: فقد تناوله عموم تحريم كل ذي ناب، فإنَّه من ذوات الأنياب على ما تقدم. وقد جاء فيه حديث صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن أكْل الْهِرِّ، وأكْل ثمنه» ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ) قال في «لسان العرب»: «الجراد» معروفٌ، الواحدة جرادة، تقع على الذكر والأنثى، قال الجوهريّ: وليس الجراد بذَكَر للجرادة، وإنما هو اسم للجنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك، فحقّ مذكّره أن لا يكون مؤنّثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكّر بالجمع. قال أبو عبيد: قيل: هو سِرْوَةٌ، ثم دَبَى، ثم غَوْغَاءُ، ثم خَيْفَانُ، ثم كُتْفان، ثم جَرَادٌ. وقيل: الجراد الذَّكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم: رأيت جرادًا على جرادة، كقولهم: رأيت نَعامةً على نعامة. قال الفارسيّ: وذلك موضوعٌ على ما يُحافظون عليه، ويتركون غيره بالغالب إليه، من إلزام المؤنّث العلامةَ المشعِرة بالتأنيث، وإن كان أيضًا غير ذلك من كلامهم واسعًا كثيرًا؛ يعني: المؤنّث الذي لا علامة فيه، كالعين، والقِدْر، والعَنَاق، والمذكّر الذي فيه علامة التأنيث، كالحمامة، والحيّة. قال أبو حنيفة: قال الأصمعيّ: إذا اصفَرَّتِ الذكور، واسودّت الإناث، ذهبت عنه الأسماء، إلا الجراد؛ يعني: أنه اسمٌ، لا يُفارقها. وذهب أبو عبيد في الجراد إلى أنه آخر أسمائه، كما تقدّم. وقال أعرابيّ: تركت جرادًا، كأنه نعامة جاثمة. انتهى . وقال في «الفتح»: «الجراد» - بفتح الجيم، وتخفيف الراء -: معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة، ويقال: إنه مشتقّ من الجرد؛ لأنه لا يَنْزِل على شيء، إلا جَرَده، وخِلْقَةُ الجراد عجيبة، فيها عشرة من الحيوان، ذكر بعضها ابن الشَّهْرَزُوريّ، في قوله [من الطويل]: لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُؤُ ضَيْغَمِ حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ قيل: وفاتَهُ عين الفيل، وعُنُق الثور، وقَرن الأَيِّل، وذَنَب الحية، وهو صنفان: طَيّارٌ، ووَثّابٌ، ويبيض في الصخر، فيتركه حتى يَيْبَسَ، وينتشر، فلا يمرّ بزرع، إلا اجتاحه. واختُلف في أصله، فقيل: إنه نَثْرَةُ حوت، فلذلك كان أكْله بغير ذكاة، وهذا وَرَد في حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، عن أنس - ﵁ - رفعه: «إن الجراد نثرةُ حوت من البحر»، ومن حديث أبي هريرة - ﵁ -: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، في حجّ، أو عمرة، فاستقبلنا رِجْلٌ، من جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا، وأسواطنا، فقال: كلوه، فإنه من صيد البحر»، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وسنده ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة، لمن قال: لا جزاء فيه، إذا قتله المُحْرِم، وجمهور العلماء على خلافه. قال ابن المنذر - ﵀ -: لم يقل لا جزاء فيه غيرُ أبي سعيد الخدريّ، وعروة بن الزبير، واختُلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء، دلّ على أنه بَرّيّ. وقد أجمع العلماء على جواز أكله، بغير تذكية، إلا أن المشهور عند
مصادر المؤلف (١٣)

١. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠٢ - ١٠٣.

٢. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ١٥٠.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٢.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٧.

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٤.

٦. «النهاية في غريب الأثر» ص ٤١٤.

٧. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠٣.

٨. «المصباح المنير» ١/ ١٨٨.

٩. «صحيح مسلم» رقم (٢٦٦٣).

١٠. «نيل الأوطار» ٨/ ٢٨٧.

١١. رواه أحمد في «المسند» (١/ ٤٣٣)، ومسلم (٢٦٦٣).

١٢. حديث ضعيف في سنده عمر بن زيد الصنعانيّ، ضعيف، كما في «التقريب».

١٣. ٣/ ١١٧ - ١١٨.