HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٥٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر. حدثنا شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: مَرَرْنَا فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ. فَسَعَوْا عَلَيْهِ فَلَغَبُوا. قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا. فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ. فَذَبَحَهَا. فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقبله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص71
ج ٣ ص ١٥٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٦٦
[٥٢٦] قوله: (فَاسْتَنفَجْنَا أَرنَبًا) ، يقال: نَفَجَتِ الأرنب: إذا وثبت، واستَنْفَجْتُها أنا وأنفجتها، قال صاحب المجمل : نفج اليّربوع ثار، وأنفجه صائده أثاره، وقوله: (لَغَبُوا)، أي: أَعْيَوا. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٢٧٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٤٠] (١٩٥٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَرْنَا، فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهِ، فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَبِلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. ٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن جدّه، فأنس جدّ هشام الراوي عنه، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: مَرَرْنَا)؛ أي: اجتزنا، يقال: مررتُ بزيد، وعليه مَرًّا، ومُرُورًا، ومَمَرًّا: اجتزتُ، ومرّ الدهرُ مَرًّا، ومُرُورًا أيضًا: ذهب، قاله الفيّوميّ ، والمعنى: اجتزنا في بعض أسفارنا مع رسول الله - ﷺ -، (فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا)؛ أي: أَثَرْنا، وفي رواية البخاريّ: «فأنفجنا أرنبًا»، والأول استفعال منه، يقال: نَفَجَ الأرنبُ، من باب نصر: إذا ثار، وَعَدا، وانتَفَج كذلك، وأنفجته: إذا أثرته من موضعه، ويقال: إن الانتفاج الاقشعرار، فكأن المعنى: جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضًا ارتفاع الشعر، وانتفاشه. ووقع في «شرح مسلم» للمازريّ: «بَعَجْنا» - بموحدة، وعين مفتوحة - وفسّره بالشقّ، مِنْ بَعَج بطنه: إذا شقّه. وتعقّبه عياض بأنه تصحيف، وبأنه لا يصح معناه من سياق الخبر؛ لأن فيه إنهم سَعَوا في طلبها بعد ذلك، فلو كانوا شقّوا بطنها كيف كانوا يحتاجون إلى السعي خلفها؟ انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول أنس: «اسْتَنْفَجْنا أرنبًا» هذا الحرف صحيح روايته، ومشهورها عند أهل التقييد واللغة بالنون والفاء، لا يَعرفون غيره، ومعناه: اسْتَثَرنا الأرنب، وأخرجناه من مكمنه، يقال: نفَجَتِ الأرنبُ: إذا وثبت، قال الهرويّ: أنفجتُ الأرنبَ من جُحره، فنَفَج؛ أي: أثرتُه، فثار، وقد وقع للمازريّ: «فبعجنا» بالباء بواحدة من تحتها، والعين المهملة، وفسَّره: بشققنا، من: بعج بطنه؛ إذا شقَّه، وهذا لا يصحُّ روايةً، ولا معنى، وإنما هو تصحيف، وكيف يَشُقُّون بطنها، ثم يسعون خلفها؟! انتهى . (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) - بفتح الميم، وتشديد الراء - والظهران - بفتح المعجمة - بلفظ تثنية الظهر: اسم موضع على مرحلة من مكة، وقد يُسَمَّى بإحدى الكلمتين تخفيفًا، وهو المكان الذي تسمّيه عوامّ المصريين: بَطْنَ مَرْو، والصواب: مَرَّ بتشديد الراء، قاله في «الفتح». وقال في موضع آخر: وَمَرّ الظَّهْرَانِ وَادٍ مَعْرُوفٌ، عَلَى خَمْسَة أَمْيَال مِنْ مَكَّة، إِلَى جِهَة الْمَدِينَة. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ، أَنَّهُ مِنْ مَكَّة عَلَى خَمْسَة أَمْيَال. وَزَعَمَ ابْن وَضَّاح أَنَّ بَيْنهمَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ مِيلًا. وَقِيلَ: سِتَّة عَشَر، وَبِهِ جَزَمَ الْبَكْرِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالأَوَّل غَلَط، وَإِنْكَار لِلْمَحْسُوسِ. و«مَرّ»: قَرْيَة ذَات نَخْل، وَزَرْع، وَمِيَاهُ، و«الظَّهْرَانِ»: اسْم الْوَادِي، وَتَقُول الْعَامَّة: بَطْن مَرْوٍ. وَقَوْل الْبَكْرِيّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالله أَعْلَم. انتهى . (فَسَعَوْا عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: «فسعى القوم»؛ أي: جَرَوا لِأَخْذه (فَلَغَبُوا) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح المعجمة في اللغة الفصيحة المشهورة، وفي لغة ضعيفة بكسرها، حكاها الجوهريّ، وغيره، وضعّفوها؛ أي: أَعْيَوْا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل النوويّ تضعيف الكسر، ولكن ظاهر عبارة الفيّوميّ، والمجد يدلّ على أن الكسر مثل الفتح، بل زاد الثاني أيضًا الضمّ، ونصّ الأول: لَغَبَ لَغْبًا، من باب قَتَلَ، ولُغُوبًا: تَعِبَ، وأعيا، وَلَغِبَ لَغَبًا، من باب تَعِبَ لغةٌ. انتهى . ونصّ الثاني: لَغَبَ لَغْبًا، ولَغُوبًا، ولُغُوبًا، كمنع، وسَمِعَ، وكَرُم: أعيا أشدّ الإعياء، وألغبه السَّيْرُ، وتلغّبه، ولَغّبه. انتهى . وقال الشارح المرتضى: لَغَبَ لغْبًا بفتح فسكون، ولَغُوبًا، كصَبُورٍ، ولُغُوبًا بالضَمّ، قالَ: وقال الجوهريّ: لَغَبَ يَلْغُبُ بالضَّمّ لُغُوبًا. ولَغِبَ بالكسر يَلْغَب لُغُوبًا، قال: وصرّحوا بأَن اللَّغْبَ بتسكين الغَيْن مصدرُ لَغَبَ، كنَصَرَ، كاللّغُوب بالضَّمّ والفتح، والمفتوح مصدرُ لَغِب، كفَرِح على القياس، واللُّغُوبُ الأَوَّلُ بالضمّ على قياس فَعَلَ المفتوح اللّازم، كالجُلُوس، والثّاني بالفَتح شاذٌ مُلْحَقٌ بالمصادر الّتي على فَعُول، كالوَضُوءِ والقَبُول، وقوله: كمنَعَ، وسَمِعَ، حكاهما الفَيّوميُّ، وابْنُ القَطَّاع، ويُرْوَى لَغُبَ مثل كَرُمَ. وقوله: أَعْيا أَشَدَّ الإِعياءِ، كذا في «المُحْكَم»، وفي «الصِّحاح»: اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإِعْياءُ، ومثلُه في «النِّهاية»، و«الغَرِيبَيْنِ»، وقال جماعةٌ: اللُّغُوبُ هو النَّصَبُ، أَو الفُتُورُ اللّاحِقُ بسَببه، أَو النَّصَبُ جُسْمانِيٌّ، واللُّغُوب نَفْسَانِيٌّ، وهي فروقٌ لبعض فُقَهاءِ اللّغَة، والأَكثرُ على ما ذكره المصنِّفُ، والجوْهَرِيُّ، وابْنُ الأَثِيرِ، والهَرَوِيُّ، وغيرُهم. وقوله: وأَلْغَبَه، وَتَلَغَّبَهُ مُشَدَّدًا: فَعَل به ذلك وأَتْعَبَهُ، قال كُثَيَّرُ عَزَّةَ [من الطويل]: تَلَغَّبَها دُونَ ابْنِ لَيْلَى وشَفَّها … سُهَادُ السُّرَى والسَّبْسَبُ المُتَمَاحِلُ وقال الفَرَزْدقُ [من البسيط]: بَلْ سوْفَ يَكْفِيكَ بازِيٌّ تَلَغَّبَها … إذا الْتَقَتْ بالسُّعُودِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمرادُ بالبازِيّ هُنَا: عَمْرُو بْنُ هُبَيْرَةَ، وتَغَلَّبَهَا: تَوَلّاهَا، فقامَ بها، ولمْ يَعْجِزْ عنها. انتهى كلام المرتضى باختصار . ووقع بلفظ: «تَعِبوا» عند البخاريّ في رواية الكشميهني. (قَالَ) أنس (فَسَعَيْتُ)؛ أي: جريت (حَتَّى أَدْرَكْتُهَا) وفي رواية للبخاريّ: «فأدركتها، فأخذتها»، ولأبي داود من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن زيد: «وكنت غلامًا حَزَوّرًا»، وهو بفتح المهملة، والزاي، والواو المشددة، بعدها راء، ويجوز سكون الزاي، وتخفيف الواو، وهو المراهق . (فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ) زيد بن سهل الصحابيّ المشهور، وهو زوج أم أنس - ﵃ -، تقدّمت ترجمته في «الحيض» ٧/ ٧٢٠. (فَذَبَحَهَا) زاد في رواية الطيالسيّ: «بمروة»، وزاد في رواية حماد المذكورة: «فشويتها»، (فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا) قال المجد: الْورك بالفتح، والكسر، وككَتِف: ما فوق الفخذ مؤنّثةٌ، جَمْعه أوراك. انتهى ، وقال الفيّوميّ: الْوَرِك أنثى بكسر الراء، ويجوز التخفيف بكسر الواو، وسكون الراء، وهما وَرِكان، فوق الفخذين، كالكتفين فوق الْعَضُدين. انتهى . (وَفَخِذَيْهَا) قال المجد: الْفَخِذ، ككَتِفٍ: ما بين الساق والْوَرِك، مؤنّث، كالْفَخْذ، ويُكسر. انتهى . ووقع في رواية للبخاريّ: «فبعث بوركيها، أو قال: بفخذيها» بالشك، ووقع في رواية حماد: «بعجزها». (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَبِلَهُ) ذكّر الضمير باعتبار أنه لحم؛ أي: قبِل اللحم الْمُهْدَى، وفي رواية البخاريّ: «فقبلها»؛ أي: الهدية، زاد في رواية للبخاريّ في «الهبة»: «قلتُ: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال: فقبله»، وللترمذيّ من طريق أبي داود الطيالسيّ فيه: «فأكله، قلت: أكله؟ قال: قبله»، وهذا الترديد لهشام بن زيد وَقَّفَ جدَّه أنسًا على قوله: «أكله»، فكأنه توقف في الجزم به، وجزم بالقبول. وقد أخرج الدارقطنيّ من حديث عائشة - ﵂ -: «أُهدي إلى رسول الله - ﷺ - أرنب، وأنا نائمةٌ، فخبّأ لي منها العَجُز، فلمّا قُمتُ أطعمني»، وهذا لو صحّ لَأَشعر بأنه أكل منها، لكن سنده ضعيف. ووقع في «الهداية» للحنفية أن النبيّ - ﷺ - أكل من الأرنب حين أُهدي إليه مشويًّا، وأمر أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين، فأوَّلُه من حديث الباب، وقد ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائيّ من طريق موسى بن طلحة، عن أبي هريرة: «جاء أعرابي إلى النبيّ - ﷺ - بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه، فأمسك، وأمر أصحابه أن يأكلوا»، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلِف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٥٠٤٠ و٥٠٤١] (١٩٥٣)، و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٥٧٢) و«الذبائح والصيد» (٥٤٨٩ و٥٥٣٥)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٧٩١)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٧٨٩)، و(النسائيّ) في «الصيد» (٧/ ١٩٧) و«الكبرى» (٣/ ١٥٥)، و(ابن ماجه) في «الصيد» (٣٢٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١١٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٢٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٤٣ و٤٤)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٤٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز أكل الأرنب، وعليه جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز استثارة الصيد، والْعَدْو في طلبه، وأما ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ من حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: «مَنِ اتَّبَع الصيد غَفَل»، فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها. ٣ - (ومنها): بيان أن آخذ الصيد يملكه بأخذه، ولا يشاركه مَن أثاره معه. ٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة هدية الصيد، وقبولها من الصائد. ٥ - (ومنها): جواز إهداء الشيء اليسير للكبير القدر إذا عُلم من حاله الرضا بذلك. ٦ - (ومنها): أن وليّ الصبيّ يتصرف فيما يملكه الصبيّ بالمصلحة. ٧ - (ومنها): استثبات الطالب شيخه عما يقع في حديثه، مما يَحْتَمِل أنه يضبطه، كما وقع لهشام بن زيد مع أنس - ﵁ -، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل الأرنب: قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: والأرنب مباحة، أكَلَها سعدُ بن أبي وقّاص، ورخّص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيّب، والليث، ومالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم قائلًا بتحريمها، إلا شيئًا رُوي عن عمرو بن العاص - ﵁ -. وقال في «الفتح» ما حاصله: ذهب الْعُلَمَاء كَافَّة إلى جَوَاز أَكْل الأَرْنَب، إِلا مَا جَاءَ فِي كَرَاهَتهَا عَن عَبْد الله بْن عُمَر، مِنَ الصَّحَابَة - ﵃ -، وَعَن عِكْرِمَة مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَن مُحَمَّد بْن أَبِي لَيْلَى مِنَ الْفُقَهَاء، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْن جَزْء: قُلْت: يَا رَسُول الله، مَا تَقُول فِي الأَرْنَب؟ قَالَ: «لا آكُلهُ، وَلا أُحَرِّمهُ»، قلت: فَإِنِّي آكُل مَا لا تُحَرِّمهُ، وَلمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «نُبِّئْت أَنَّهَا تَدْمَى»، وَسَنَده ضَعِيف، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَة عَلَى الْكَرَاهَة، كَمَا تقدّم تَقْرِيره فِي «باب إباحة الضبّ»، وَلَهُ شَاهِد، عَن عَبْد الله بْن عَمْرو، بِلَفْظِ: «جِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ - ﷺ -، فَلَمْ يَأْكُلهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنهَا، زَعَمَ أَنَّهَا تَحِيض»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَهُ شَاهِد عَن عُمَر، عِنْد إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ، فِي «مُسْنَده». وَحَكَى الرَّافِعِيّ عَن أَبِي حَنِيفَة، أَنَّهُ حَرَّمَهَا، وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيّ فِي النَّقْل عَن أَبِي حَنِيفَة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه كافّة أهل العلم من جواز أكل الأرنب هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أنس - ﵁ - المذكور في الباب، وهو متّفقٌ عليه، وحديث أبي ذرّ - ﵁ - عند النسائيّ ، وهو حديث صحيح، وحديث محمد بن صفوان الأنصاريّ، قال: أصبت أرنبين، فلم أجد ما أذكيهما به، فذكّيتهما بمروة، فسألت النبيّ - ﷺ -، فأمرني بأكلهما، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وهو حديث صحيح أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى: بِوَرِكِهَا، أَوْ فَخِذَيْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو القطّان.
مصادر المؤلف (١٦)

١. وفي نسخة: «قالا: حدّثنا شعبة».

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٨.

٣. «إكمال المعلم» ٦/ ٣٩٢، و«الفتح» ١٢/ ٥٢٠.

٤. «المفهم» ٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

٥. «الفتح» ٥/ ٤٢٣، كتاب «الهبة» رقم (٢٥٧٢).

٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠٤.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥.

٨. «القاموس المحيط» ص ١١٨٠.

٩. »تاج العروس من جواهر القاموس«١/ ٩٤٤.

١٠. »الفتح«١٢/ ٥٢٠ رقم (٥٥٣٥).

١١. »القاموس المحيط«ص ١٣٩٤ - ١٣٩٤.

١٢. »المصباح المنير«٢/ ٦٥٦.

١٣. »القاموس المحيط«ص ٩٧٩.

١٤. «الفتح» ١٢/ ٥٢٠ - ٥٢١، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٣٥).

١٥. «الفتح» ١٢/ ٥٢١، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٣٥).

١٦. هو ما أخرجه النسائيّ عن موسى بن طلحة، عن ابن الْحَوْتَكية قال: قال عمر - ﵁ -: من حاضرنا يوم القاحة؟ قال: قال أبو ذر: أنا، أُتِيَ النبيّ - ﷺ - بأرنب، فقال الرجل الذي جاء بها: إني رأيتها تَدْمَى، فكان النبيّ - ﷺ - لم يأكل، ثم إنه قال: «كلوا»، فقال رجل: إني صائم. . . الحديث، وهو حديث صحيح.