HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٧٩

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ، يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شارفا أخرى. فأنختها يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ. وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ. وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ. مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ. فَقَالَتْ: أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ. فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي. فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ. فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ. فقال: هل أنتم إلا عبيد آبائي؟ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقهقر حتى خرج عنهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص85
ج ٣ ص ١٥٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٧٥
[٥٤٤] فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁: (أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) ؛ الشَّارف: الناقة المُسنة، و(الإذخِرُ): نبت، و(القَينَة): المُغَنّية، وقوله: (أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) ؛ الشُّرُف: جمع شارف، والنِّوَاء: جمع ناوية، وهي السّمينة،: (فَثَارَ إِلَيهِمَا)؛ أي: قام، (فَجَبَّ أَسْنِمَتَهَا)؛ أي: قطعها حتى سوّى موضعَها بالظّهر،: (وَبَقَرَ)؛ أي: شقّ، و(الخَوَاصِر): جمع خاصرةٍ؛ وهي الجَنْب، و(أَفطَعَنِي)؛ أي: ثَقُل عليّ واشتدّ، وقوله: (يُقَهقِرُ)؛ أي: يمشي القهقرى، وهو أن يمشيَ إلى ورائه، و(الصَّوَّاغُ): الصائغ، و(الأَقْتَابُ): جمع القَتَب، و(الغَرَائِرُ): جمع الغِرارة، و(الحِبَالُ): جمع الحبل، و(اجْتَبَّ): افتعل من الجَبِّ، و(الشَّرْبُ): جمع شارب، و(الثَّمِلُ): السّكران. وفي هذا الحديث دلالة أن الخمر كانت مباحةً، ثمّ حُرّمت لِمَا عظم من فسادها، وفيه من الفقه: أن خبر الواحد مقبولٌ، وأن الخمر تهراق ولا تُستبقى، وفيه: أن الخمر لا يجوز اتخاذها خَلّا، وروى بعضهم: (أَلَا يَا حَمْنُ ذِي الشَّرَفِ الثَّوِي) ؛ بفتح الشين والثاء المنقوطة بثلاث، والثَّوِي: المُقِيم في اللغة، يريد الشرف القديم. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٥٠٥
أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره» ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥١١٩] (١٩٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْطَاني رَسُولُ - ﷺ - شَارِفًا أُخْرَى، فَأَنخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَاب رَجُلٍ مِنَ الأنصَار، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا؛ لأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَليمَةِ فَاطِمَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عبد المُطَّلِبِ يَشْرَبُ في ذَلِكَ الْبَيْت، مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَّنِّيه، فَقَالَتْ: ألَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْف، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، ثُمِّ أَخَذَ مِنْ كبَادِهِمَا، قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، فَذهَبَ بِهَا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَليٌّ. فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أفظَعَني، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ، وَمَعَهُ زَيْدٌ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْه، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ، فَقَالَ: هَلْ أنتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي؟ فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَهْقِرُ، حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصّيصيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، تقدّم قبل بابين. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ) زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضل مشهورٌ [٣] (ت ٩٣) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨. ٦ - (أَبُوهُ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، حَفِظ عنه، استُشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة (٦١) وله (٥٦) سنة (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨. ٧ - (عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﷺ - ذُكر في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه عن أبيه، وأن رواية ابن شهاب بالإسناد المذكور، مما قيل فيه: إنه أصحّ الأسانيد. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا) الشارف: المسنّ من النُّوق، ولا يقال للذكر عند الأكثر، وحَكَى إبراهيم الحربيّ عن الأصمعيّ جوازه، جَمْعها شُرُفٌ بضمّ الراء، وإسكانها، قال عياض: جَمْع فاعل على فُعُل بضمتين قليل. وقال المجد: والشارف من النوق: المسنة الْهَرِمة، كالشارفة. انتهى . وقال المرتضى في «شرحه»: الشَّارِفُ مِن النُّوقِ: الْمُسِنَّةُ الْهَرِمَةُ، وقال ابنُ الأَعْرَابِيِ: هي النَاقَةُ الهِمَّةُ، وفي الأَسَاسِ: هي الْعَالِيَةُ السِّنّ، كَالشَّارِفَة، وقد شَرُفَتْ شُرُوفًا بالضَّمّ، كَكَرُمَ، ونَصَرَ، والمصدرُ الذي ذكَره مِن باب نَصَرَ قِياسًا، ومن بابِ كَرُمَ بخِلافِ ذلك، جمعه شَوَارِفُ، وشُرُفٌ، كَكُتُبٍ، ورُكَّعٍ، وقال الجَوْهَرِيُّ: بضَمِّ فسُكُونٍ، ومِثْلُه باَزِلٌ وبُزْلٌ، وعَائِذٌ وعُوذٌ، وشُرُوفٌ مِثْل عُدُولٍ، ولا يُقَالُ للجَمَلِ: شَارِفٌ، وأَنْشَدَ اللَّيْثُ [من الطويل]: نَجَاةٌ مِنَ الْهُوجِ الْمَرَاسِيلِ هِمَّة … كمَيْتٌ عَلَيْهَا كَبْرةٌ فَهْيَ شَارِفُ . (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَارِفًا أُخْرَى) وفي الرواية التالية: «قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخُمس يومئذ». قال ابن بطال - ﵀ -: ظاهره أن الخُمس شُرع يوم بدر، ولم يَخْتَلِف أهلُ السِّيَر أن الخُمس لم يكن يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة، قال: قيل: إنه أول يوم فُرض فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعد ذلك، قال: ولم يأت ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنما جاء صريحًا في غنائم حُنين، قال ابن بطال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول عليّ - ﵁ - إلى تأويل، قال: ويمكن أن يكون ما ذكر ابن إسحاق في سرية عبد الله بن جَحْش التي كانت في رجب قبل بدر بشهرين، وأن ابن إسحاق قال: ذَكَر لي بعضُ آل جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله - ﷺ - مما غَنِمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس، فعزل له الخمس، وقسم سائر الغنيمة بين أصحابه، قال: فوقع رضا الله بذلك، قال: فيُحْمَل قول عليّ: «وكان قد أعطاني شارفًا من الخمس»؛ أي: من الذي حَصَل من سرية عبد الله بن جحش. قال الحافظ: ويعكُر عليه أن في رواية البخاريّ في «المغازي»: «وكان النبيّ - ﷺ - أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ»، والعجب أن ابن بطال عزا هذه الرواية لأبي داود، وجعلها شاهدة لِمَا تأوّله، وغَفَل عن كونها في البخاريّ الذي شَرَحه، وعن كون ظاهرها شاهدًا عليه، لا له، قال: ولم أقف على ما نقله عن أهل السِّيَر صريحًا في أنه لم يكن في غنائم بدر خمسٌ، والعجب أنه يُثبت في غنيمة السرية التي قبل بدر الخمس، ويقول: إن الله رضي بذلك، وينفيه في يوم بدر، مع أن الأنفال التي فيها التصريح بفرض الخمس نزل غالبها في قصّة بدر. وقد جزم الداوديّ الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكيّ: نزلت الأنفال في بدر، وغنائمها. والذي يظهر أن آية قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم؛ لأن أهل السِّير نقلوا أنه - ﷺ - قَسَمها على السواء، وأعطاها لمن شهد الوقعة، أو غاب لعذر تكرُّمًا منه؛ لأن الغنيمة كانت أوّلًا بنص أول «سورة الأنفال» للنبيّ - ﷺ -، قال: ولكن يعكُر على ما قال أهل السِّيَر حديث عليّ - يعني: حديث الباب - حيث قال: «وأعطاني شارفًا من الخمس يومئذ»، فإنه ظاهر في أنه كان فيها خمس. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن تكون قسمة غنائم بدر وقعت على السواء بعد أن أخرج الخمس للنبيّ - ﷺ - على ما تقدّم من قصة سرية عبد الله بن جحش، وأفادت آية الأنفال، وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ إلى آخرها [الأنفال: ٤١]، بيان مصرف الخمس، لا مشروعية أصل الخمس، والله أعلم. وأما ما نقله عن أهل السير، فأخرجه ابن إسحاق بإسناد حسن يُحتجّ بمثله، عن عُبادة بن الصامت، قال: «فلما اختلفنا في الغنيمة، وساءت أخلاقنا انتزعها الله منا، فجعلها لرسوله - ﷺ -، فقسمها على الناس عن سواء»؛ أي: على سواء، ساقه مطوّلًا، وأخرجه أحمد، والحاكم، من طريقه، وصححه ابن حبان من وجه آخر، ليس فيه ابن إسحاق . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أول فرض الخمس كان قبل بدر، وأن عبد الله بن جحش إنما عزل الخمس للنبيّ - ﷺ - لِمَا يعلمه من كونه من حقّه الذي شرعه الله تعالى له، وأما يوم بدر فنزلت الآية مقرّرة، وموضّحةً لِمَا سبق، فلا استشكال كما أبداه ابن بطّال، ولا داعي إلى التكلّفات الباردة في الأجوبة، فتأملّ بالإمعان، والله تعالى أعلم. (فَأَنَخْتُهُمَا)؛ أي: أبركتهما، يقال: أناخ الرجل الجمل إناخةً، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فناخ، بل يقال: فَبَرَكَ، وتنوّخ، وقد يقال: فاستناخ، والْمُنَاخُ بضمّ الميم: موضع الإناخة . (يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا) بكسر الهمزة والخاء، بينهما ذال معجمة ساكنة: نبتٌ معروفٌ، ذَكيّ الريح، وإذا جفّ ابيَضّ . (لأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ) اسم فاعل من صاغ الذهب يصوغه صوغًا: إذا جعله حَلْيًا، فهو صائغ، وصَوّاغ، والحرفة الصَّياغة، ولا يُعرف اسم ذلك الصائغ، كما قال في «الفتح». (مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ) - بضم النون، وكسرها، وفتحها - وَهُم طائفة من يهود المدينة، فيجوز صَرْفه على إرادة الحيّ، وتَرْك صَرْفه على إرادة القبيلة، أو الطائفة، وفيه اتخاذ الوليمة للعرس، سواء في ذلك من له مال كثير، ومن دونه، وقد سبقت المسألة في «كتاب النكاح»، وفيه جواز الاستعانة في الأعمال والاكتساب باليهوديّ، وفيه جواز الاحتشاش للتكسب، وبيعه، وأنه لا ينقص المروءة، وفيه جواز بيع الوَقُود للصواغين، ومعاملتهم، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: يؤخذ منه جواز معاملة الصائغ، ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها، ولو تعاطاها أراذل الناس مثلًا. انتهى. (فَأَسْتَعِينَ بِهِ)؛ أي: بثمن ذلك الإذخر المبيع، (عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ) وفي الرواية التالية: «فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله - ﷺ - واعدت رجلًا صوّاغًا من بني قينقاع»، وقوله: «أن أبتني بفاطمة»؛ أي: أدخل بها، والبناء: الدخول بالزوجة، وأصله أنهم كانوا من أراد ذلك بُنيت له قُبّة، فخلا فيها بأهله. واختُلف في وقت دخول عليّ بفاطمة - ﵄ -، وهذا الحديث يُشعر بأنه كان عقب وقعة بدر، ولعله كان في شوال سنة اثنتين، فإن وقعة بدر كانت في رمضان منها، وقيل: تزوجها في السنة الأولى، ولعل قائل ذلك أراد العقد، ونقل ابن الجوزيّ أنه كان في صفر سنة اثنتين، وقيل: في رجب، وقيل: في ذي الحجة، قال الحافظ: وهذا الأخير يشبه أن يُحْمَل على شهر الدخول بها، وقيل: تأخر دخوله بها إلى سنة ثلاث، فدخل بها بعد وقعة أُحُد، حكاه ابن عبد البرّ، وفيه بُعْدٌ. قوله: «واعدت رجلًا صواغًا» بفتح الصاد المهملة والتشديد، ولم أقف على اسمه. (وَحَمْزَةُ بْنُ عبد المُطَّلِبِ يَشْرَبُ)؛ أي: الخمر، وذلك قبل أن تُحَرَّم، (فِي ذَلِكَ الْبَيْت، مَعَهُ قَيْنَةٌ) - بفتح القاف، وسكون التحتانية، بعدها نون -: هي الجارية المغنية، والجملة حال من فاعل «يشرب»، وقوله: (تُغَنِّيهِ) جملة في محلّ رفع صفة لـ«قينة»، (فَقَالَتْ) تلك المغنّية: (أَلَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) و«الشُّرُف» جمع شارف، كما تقدّم، و«النِّوَاء» بكسر النون، والمدّ مخففًا: جمع ناوية، وهي الناقة السمينة. وحَكَى الخطابيّ أن ابن جرير الطبريّ رواه: «ذا الشَّرَف» بفتح الشين، وفسَّره بالرفعة، وجعله صفة لحمزة، وفتح نون النَّوَاء، وفسَّره بالبُعد؛ أي: الشرف البعيد؛ أي: مناله بعيدٌ، قال الخطابيّ: وهو خطأ، وتصحيفٌ. وحَكَى الإسماعيليّ أن أبا يعلى حدّثه به من طريق ابن جريج، فقال: «الثواء» بالثاء المثلثة، قال: فلم نضبطه. ووقع في رواية القابسيّ، والأصيليّ: النوى بالقصر، وهو خطأ أيضًا. وقال الداوديّ: النواء الخباء، وهذا أفحش في الغلط، وحَكَى المرزبانيّ في «معجم الشعراء» أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزوميّ، جدّ أبي السائب المخزوميّ المدنيّ، وبقيته: ................... … وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ ضعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا … وَضَرَّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبِهَا لِشَرْبٍ … قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَو شَوَاءِ و«الشَّرْب» بفتح المعجمة، وشكون الراء، بعدها موحدة: جمع شارب، كتاجر وتَجْرٍ، و«الفِنَاء» بكسر الفاء، والمدّ: الجانب؛ أي: جانب الدار التي كانوا فيها، و«القديد»: اللحم المطبوخ، والتضريج بمعجمة، وجيم: التلطيخ، فإن كان ثابتًا، فقد عُرِف بعض المبهم في قوله: «في شَرْبٍ من الأنصار» لكن المخزوميّ ليس من الأنصار، وكأن قائل ذلك أطلقه عليهم بالمعنى الأعمّ، وأراد الذي نَظَمَ هذا الشعر، وأمَرَ القينة أن تُغَنِّي به، أن يبعث هِمَّة حمزة؛ لِمَا عُرِف من كرمه على نحر الناقتين؛ ليأكلوا من لحمهما، وكأنه قال: انْهَضْ إلى الشّرُف، فانحرها، وقد تبيّن ذلك من بقية الشعر. وفي قولها: «للشُّرُف» بصيغة الجمع مع أنه لم يكن هناك إلا اثنتان دلالة على جواز إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»، وهذه المسألة قد تقدّم قريبًا الكلام فيها، وهي أن أقلّ الجمع اثنان؛ لأدلّة كثيرة وردت عن العرب في ذلك، وهذا البيت من جملة تلك الأدلّة، فتنبّه، وسنعود إليه كرّة بعد كرّة؛ لأني أرى كثيرًا من الشرّاح يتكلّفون التأويل المتعسّف، بل بعضهم يغلّط ما يقع في «صحيح مسلم» بسبب ذلك مع أنه الموافق لاستعمال العرب لذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: «يا حمزُ» ترخيم، وهو بفتح الزاي، ويسمّى لغة من ينتظر المحذوف للترخيم، ويجوز ضمها، ويُسمّى لغة من لا ينتظر، وإليه أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: وإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا … ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا (فَثَارَ)؛ أي: نَهَضَ، يقال: ثار الْغُبارُ يثور ثَوْرًا، وثُؤُورًا على فُعُول، وثَوَرَانًا: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثارت، وأثارها العدوّ، وثار الغضبُ: احْتَدَّ، وثار إلى الشرّ: نَهَضَ، قاله الفيّوميّ - ﵀ -، وهذا الأخير هو المناسب هنا، ولهذا عدّاه بـ «إلى»، فقال: (إِلَيْهِمَا) إلى الشارفين، (حَمْزَةُ بِالسَّيْف، فَجَبَّ) من باب نصر، والْجَبّ: الاستئصال في القطع، (أَسْنِمَتَهُمَا) بفتح الهمزة: جمع سَنَامٍ، وهو للبعير كالأَلْيِةِ للغنم، وسُنِمَ البعيرُ وأُسْنِمَ بالبناء للمفعول: عَظُمَ سَنَامُهُ، ومنهم من يقول: أَسْنَمَ بالبناء للفاعل، وسَنِمَ سَنَمًا، فهو سَنِمٌ، من باب تَعِبَ كذلك، قاله الفيّوميّ . (وَبَقَرَ) من باب نصر أيضًا؛ أي: شقّ (خَوَاصِرَهُمَا) قال المجد - ﵀ -: الخاصِرَةُ: الشَّاكِلَةُ، وما بَيْنَ الحَرْقَفَة والقُصَيْرَى ، وقال المرتضى في «شرحه»: وهما خَاصِرَتَان، قيل: الخَصْرَان، والخاصِرَتانِ: ما بَيْنَ الحَرْقَفَة والقُصيْرَى، وهو ما قَلَص عنه القَصَرَتَان، وتقدَّم من الحَجَبَتَيْن ، وما فَوْق الخَصْر من الجِلْدَةِ الرَّقيقَةِ الطَّفْطِفَة. انتهى . (ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا) بفتح الهمزة: جمع كَبِد، وهي من الأمعاء معروفة، وهي أنثى، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنّث، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الباء، ويُجمع قليلًا على كُبُود . قال ابن جُريج: (قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟)؛ أي: وأخذ أيضًا من سنامهما؟، وهو ما على ظهر البعير، (قَالَ) ابن شهاب (قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا)؛ أي: قَطَعهما (فَذَهَبَ بِهَا)؛ أي: أخذ أسنمتهما مع الأكباد. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) بالإسناد السابق (قَالَ عَلِيٌّ) - ﵁ - (فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي) - بفاء وظاءً معجمة؛ أي: نزل بي أمر مُفظِعٌ؛ أي: مُخيف، مَهُول، وذلك لتصوّره تأخر الابتناء بزوجته، بسبب فوات ما يُستعان به عليه، أو لخشية أن يُنسَب في حقها إلى تقصير، لا لمجرد فوات الناقتين، قاله في «الفتح» . (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) جملة حاليّة من «نبيّ الله - ﷺ -»، وهو زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ، أبو أسامة، مولى رسول الله - ﷺ - الصحابيّ الجليل من أول الناس إسلامًا، استُشهِد يوم مؤتة في حياة النبيّ - ﷺ - سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن خمس وخمسين سنةً، تقدّمت ترجمته في «الجنائز» ١٠/ ٢١٦١. (فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ)؛ أي: ما وقع له من اعتداء حمزة - ﵁ - على شارفيه (فَخَرَجَ) - ﷺ - (وَمَعَهُ زَيْدٌ) جملة حاليّة، (وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) - ﷺ - (فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ)؛ أي: غضب عليه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الغَيْظُ: الغضب المحيط بالكبد، وهو أشدّ الْحَنَق، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو مصدر من غَاظَهُ الأمرُ، من باب سار، قال ابن الأعرابيّ - كما حكاه الأزهريّ -: غَاظَهُ يَغِيظُهُ، وأَغَاظَهُ بالألف، واسم المفعول من الثلاثيّ مَغِيظٌ قال [من الكامل]: مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحَنَقُ = المشرفان على مَرَاقّ البطن من يمين وشمال. اهـ. «ق». واغْتَاظَ فلان من كذا، ولا يكون الغَيْظُ إلا بوصول مكروه إلى المُغْتَاظ، وقد يقام الغَيْظُ مقام الغضب في حقّ الإنسان، فيقال: اغْتَاظَ من لا شيء، كما يقال: غَضِبَ من لا شيء، وكذا عكسه. انتهى . (فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ) وفي الرواية التالية: «فطفق رسول الله - ﷺ - يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة مُحْمَرّة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله - ﷺ -، ثم صَعَّد النظر إلى ركبتيه، ثم صَعّد النظر، فنظر إلى سرّته، ثم صَعّد النظر، فنظر إلى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟»، (فَقَالَ) حمزة (هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي؟) وفي رواية: «إلا عبيد لأبي»، قيل: أراد أن أباه عبد المطلب جدّ للنبيّ - ﷺ -، ولِعَلِيّ أيضًا، والجدّ يُدْعَى سيّدًا، وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم. (فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَهْقِرُ)؛ أي: يمشي القَهْقرى، وهو المشي إلى خلف، وكأنه - ﷺ - فَعَلَ ذلك خشيةَ أن يزداد عبث حمزة في حال سُكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع من حمزة بمرأى منه؛ ليدفعه إن وقع منه شيء. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «فرجع رسول الله - ﷺ - يقهقر»، وفي الرواية الأخرى: «فنكص على عقبيه القهقرى»، قال جمهور أهل اللغة وغيرهم: القهقرى: الرجوع إلى وراء، ووَجْهه إليك، إذا ذهب عنك، وقال أبو عمر: وهو الإخصار في الرجوع؛ أي: الإسراع، فعلى هذا معناه: خرج مسرعًا، والأول هو المشهور المعروف، وإنما رجع القهقرى خوفًا من أن يبدو من حمزة - ﵁ - أمر يكرهه لو وَلّاه ظهره؛ لكونه مغلوبًا بالسكر. انتهى . (حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ) وفي الرواية التالية: «فنكص رسول الله - ﷺ - على عقبيه القهقرى، وخرج وخرجنا معه»، قال في «الفتح»: زاد ابن جريج: «وذلك قبل تحريم الخمر»؛ أي: ولذلك لم يؤاخذ النبيّ - ﷺ - حمزة بقوله، وفي هذه الزيادة رَدّ على من احتجّ بهذه القصة على أن طلاق السكران لا يقع، فإنه إذا عُرف أن ذلك كان قبل تحريم الخمر كان ترك المؤاخذة؛ لكونه لم يُدْخِل على نفسه الضررَ، والذي يقول: يقع طلاق السكران يحتجّ بأنه أدخل على نفسه السُّكْر، وهو مُحَرَّم عليه، فعوقب بإمضاء الطلاق عليه، فليس في هذا الحديث حجةٌ لإثبات ذلك، ولا نفيه. قال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: في هذا الحديث أربع وعشرون سُنَّةً. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ستأتي فوائد الحديث في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١/ ٥١١٩ و٥١٢٠ و٥١٢١ و٥١٢٢] (١٩٧٩)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٨٩) و«الشُرْب والمساقاة» (٢٣٧٥) و«فرض الخمس» (٣٠٩١) و«المغازي» (٤٠٠٣) و«اللباس» (٥٧٩٣)، و(أبو داود) في «الخراج والإمارة» (٢٩٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٩٠ و٩١)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ١٤١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٤١٦)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (١/ ١٥٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٥٣ و٣٤١ و٣٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الخمر كانت من الأشربة المباحة في أول الإسلام، ثم نُسخت إباحتها، فصارت محرّمة إلى يوم القيامة. ٢ - (ومنها): ما يفعله السكران في حال سُكره لا يؤاخذ به، إذا كان السُّكْر بسبب مباح، قال النوويّ ﵀: وهذا الفعل الذي جرى من حمزة - ﵁ - من شُرْبه الخمر، وقَطْع أسنمة الناقتين، وبَقْر خواصرهما، وأكْل لحمهما، وغير ذلك، لا إثم عليه في شيء منه، أما أصل الشُّرْب والسُّكْر، فكان مباحًا؛ لأنه قبل تحريم الخمر. وأما ما قد يقوله بعض مَن لا تحصيل له: إن السكر لم يزل محرمًا، فباطل، لا أصل له، ولا يُعرف أصلًا، وأما باقي الأمور فجرت منه في حال عدم التكليف، فلا إثم عليه فيها، كمن شَرِب دواءً لحاجة، فزال به عقله، أو شرب شيئًا يظنه خَلًّا، فكان خمرًا، أو أُكره على شرب الخمر، فشربها، وسَكِر فهو في حال السكر غير مكلَّف، ولا إثم عليه فيما يقع منه في تلك الحال، بلا خلاف. وأما غرامة ما أتلفه فيجب في ماله، فلعل عليًّا - ﵁ - أبرأه من ذلك بعد معرفته بقيمة ما أتلفه، أو أنه أدّاه إليه حمزة بعد ذلك، أو أن النبيّ - ﷺ - أدّاه عنه لِحُرْمته عنده، وكمال حقّه ومحبته إياه، وقرابته، وقد جاء في كتاب عُمَر بن شَبّة، من رواية أبي بكر بن عياش: أن النبيّ - ﷺ غَرَّم حمزة الناقتين، وقد أجمع العلماء أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه ضمانه، كالمجنون، فإن الضمان لا يُشترط فيه التكليف، ولهذا أوجب الله تعالى في كتابه في قتل الخطأ الدية، والكفارة. وأما هذا السنام المقطوع فإن لم يكن تقدَّم نَحْرُهما فهو حرام بإجماع المسلمين؛ لأن ما أُبين من الحيّ فهو ميت، وفيه حديث مشهور في كتب «السنن». ويَحْتَمِل أنه ذكّاهما، ويدل عليه الشِّعر الذي قدّمناه، فإن كان ذكّاهما فلحمهما حلال باتفاق العلماء، إلا ما حُكِي عن عكرمة، وإسحاق، وداود أنه لا يحلّ ما ذبحه سارق، أو غاصب، أو متعدّ، والصواب الذي عليه الجمهور حِلّه، وإن لم يكن ذكّاهما، وثبت أنه أكل منهما، فهو أكل في حالة السكر المباح، ولا إثم فيه، كما سبق، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو بحث حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان أن الغانم يُعطى من الغنيمة من جهتين، من الأربعة الأخماس بحقّ الغنيمة، ومن الخمس إذا كان ممن له فيه حقّ. ٤ - (ومنها): بيان أن لمالك الناقة الانتفاع بها في الحَمْل عليها. ٥ - (ومنها): إباحة الإناخة على باب الناس إذا عُرِف رضاهم بذلك، وعدم تضررهم به. ٦ - (ومنها): أن البكاء الذي يجلُبه الحزن غير مذموم. ٧ - (ومنها): أن المرء قد لا يملك دمعه إذا غلب عليه الغيظ. ٨ - (ومنها): بيان ما رُكّب في الإنسان، من الأسف على فوت ما فيه نفعه، وما يحتاج إليه. ٩ - (ومنها): أن استعداء المظلوم على من ظلمه، وإخباره بما ظَلَم به خارج عن الغيبة والنميمة. ١٠ - (ومنها): أن فيه قبولَ خبر الواحد. ١١ - (ومنها): جواز الاجتماع في الشُّرب المباح. ١٢ - (ومنها): جواز تناول ما يوضع بين أيدي القوم. ١٣ - (ومنها): جواز الغناء بالمباح من القول، وإنشاد الشعر، والاستماع من الأَمَة. ١٤ - (ومنها): جواز التخيّر فيما يأكله، وأكل الكبد، وإن كانت دمًا. ١٥ - (ومنها): أن السُّكر كان مباحًا في صدر الإسلام، وهو رَدّ على من زعم أن السكر لم يُبَحْ قطّ، ويمكن حَمْل ذلك على السكر الذي يفقد معه التمييز من أصله. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»، وفيه نَظَر؛ لأن سكر حمزة - ﵁ - قد تجاوز الحدّ حتى وقع منه ما وقع في شارفيّ عليّ - ﵁ -، ثم ما نظره إلى النبيّ - ﷺ - نظرًا مزريًا، ثم كلامه الأخير، فكل هذا ظاهر في كونه فقد وعيه، وتمييزه، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ١٦ - (ومنها): مشروعية وليمة العرس، وقد مضى شرحها في «كتاب النكاح» مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١٧ - (ومنها): مشروعية الصياغة، والتكسب بها. ١٨ - (ومنها): جواز جمع الإذخر وغيره من المباحات، والتكسب بذلك. ١٩ - (ومنها): مشروعيّة الاستعانة في كل صناعة بالعارف بها. ٢٠ - (ومنها): ما قاله المهلَّب: وفيه أن العادة جرت بأن جناية ذوي الرحم مغتفرة. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة رَوَى عن أبي بكر بن عياش، أن النبيّ - ﷺ - أغرم حمزة ثمن الناقتين. ٢١ - (ومنها): أن فيه علةَ تحريم الخمر. ٢٢ - (ومنها): أن للإمام أن يَمْضي إلى بيت من بلغه أنهم على مُنكر؛ ليغيّره. ٢٣ - (ومنها): أن فيه حِلَّ تذكية الغاصب؛ لأن الظاهر أنه ما بَقَرَ خواصرهما، وجَبّ أسنمتهما إلا بعد التذكية المعتبرة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم. ٢٤ - (ومنها): أن فيه سُنَّةَ الاستئذان في الدخول. ٢٥ - (ومنها): أن الإذن للرئيس يَشْمَل أتباعه؛ لأن زيد بن حارثة وعليًّا دخلا مع النبيّ - ﷺ -، وهو الذي كان استأذن، فأَذِنُوا له. ٢٦ - (ومنها): أن السكران يلام إذا كان يعقل اللوم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ، فحال حمزة - ﵁ - بعيد عن هذا، وإنما لامه النبيّ - ﷺ -؛ لظنّه أنه لم يبلغ إلى هذا الحدّ، والله تعالى أعلم. ٢٧ - (ومنها): أن للكبير في بيته أن يُلْقِي رداءه تخفيفًا عنه. ٢٨ - (ومنها): أنه إذا أراد لقاء أتباعه يكون على أكمل هيئة؛ لأنه - ﷺ - لمّا أراد أن يخرج إلى حمزة أخذ رداءه. ٢٩ - (ومنها): أن الصاحي لا ينبغي له أن يخاطب السكران. ٣٠ - (ومنها): أن الذاهب من بين يدي زائل العقل لا يولّيه ظهره، كما فعل - ﷺ - هنا. ٣١ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى عِظَم قَدْر عبد المطلب. ٣٢ - (ومنها): جواز المبالغة في المدح؛ لقول حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ ومراده كالعبيد، ونكتة التشبيه أنهم كانوا عنده في الخضوع له، وجواز تصرّفه في مالهم في حكم العبيد. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «جواز المبالغة في المدح» فيه نظر؛ كيف يُستدلّ بفعل حمزة، وهو سكران؛ وإنما سكت عنه - ﷺ -؛ لكونه رآه لا يَقبل التوجيه حتى يردّ عليه، وقد ورد النهي عن المبالغة في المدح، فينبغي التعويل عليه، وقد عقد أبو داود ﵀ في «سننه»: «باب في كراهية التمادح»، وأخرج في ذلك الباب عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رجلًا أثنى على رجل عند النبيّ - ﷺ -، فقال له: «قطعت عنق صاحبك» ثلاث مرات، ثم قال: «إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة، فليقل: إني أحسبه كما يريد أن يقول، ولا أزكيه على الله». انتهى . ٣٣ - (ومنها): ما قاله صاحب «التكملة»: إنما أورد مسلم ﵀ حديث عليّ - ﵁ - هذا في أول «كتاب الأشربة» ليتبيّن به حكمة تحريم الخمر، فإن الإنسان بعد شربها لا يملك نفسه، فيتعدّى على مال الغير، ويرتكب ما فيه غضاضة له، فإن حمزة - ﵁ - مع كونه عمًّا لرسول الله - ﷺ - كان من أكثر الناس إجلالًا له - ﷺ -، وما كان يُتصوّر منه أن يخاطب رسول الله - ﷺ - بما خاطبه به في حالة السكر. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين. [تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٢٠٠) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، حدّثني ابن شهاب، عن عليّ بن حسين بن عليّ، عن أبيه حسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال عليٌّ: أصبت شارفًا مع رسول الله - ﷺ - في المغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله - ﷺ - شارفًا أخرى، فأنختهما يومًا عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أَحْمِل عليهما إذخرًا؛ لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع؛ لأستعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت، فثار إليهما حمزة بالسيف، فجبّ أسنمتهما، وبَقَرَ خواصرهما، ثم أخذ من أكبادهما، قلت لابن شهاب: ومن السنام؟ قال: جَبّ أسنمتهما، فذهب بها، قال: فنظرت إلى منظر أفظعني، فأتيت نبيّ الله - ﷺ -، وعنده زيد بن حارثة، فأخبرته الخبر، فخرج، ومعه زيد، فانطلق معه، فدخل على حمزة، فتغيّظ عليه، فرجع حمزة بصره، فقال: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فرجع رسول الله - ﷺ - يُقَهْقِرُ حتى خرج عنهم، وذلك قبل تحريم الخمر. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢١] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ كثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَبُو عُثْمَانَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عليًّا قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَعْطَاني شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، يَرْتَحِلُ مَعِي، فَنَأتِي بِإِذْخِرٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَليمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا، مِنَ الأقتَابِ، وَالْغَرَائِرِ، وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنصَار، وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا، قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عبد المُطَّلِب، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأنْصَار، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا: أَلا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْف، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِنْ أكبَادِهِمَا، قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي وَجْهِيَ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَاْجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ، مَعَهُ شَرْبٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله - ﷺ - بِرِدَائِه، فَارْتَدَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبُعْتُهُ أَنَا وَزيدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتَّى جَاءَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأَذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - ثُمَّ صَعَّدَ الَّنظَرَ اِلَى رُكْبَتَيْه، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِه، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِه، فَقَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أْنتُمْ إِلا عَبِيدٌ لأَبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ثَمِل، فَنَكَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، وَخَرَجَ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن جعفر الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَبُو عُثْمَانَ الْمِصْرِيُّ) هو: سعيد بن كثير بن عُفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاريّ مولاهم، أبو عثمان المصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، صدوقٌ عالم بالأنساب وغيرها [١٠]. رَوَى عن الليث، ومالك، وسليمان بن بلال، وكهمس بن المنهال، وخاله المغيرة بن الحسن الهاشميّ، ويحيى بن أيوب الغافقيّ، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى له هو في «الأدب»، ومسلم، وأبو داود في «القدر»، والنسائيّ بواسطة أحمد بن عاصم البلخيّ، ومحمد بن إسحاق الصنعانيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق، وقال ابن عديّ: سمعت ابن حماد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لون من الْبِدَع، وكان مخلطًا غير ثقةٌ، قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولا أسمع أحدًا، ولا بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوقٌ ثقةٌ، ولا أعرف سعيد بن عفير غير المصريّ ولم يُنسب المصريّ إلى بدع، ولا إلى كَذِب، وروى له حديثين من رواية ابنه عبيد الله عنه، ثم قال: ولعل البلاء من عبيد الله؛ لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث، وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، مآثرها، ووقائعها، والمناقب، والمثالب، كان في ذلك كله شيئًا عجيبًا، وكان أديبًا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُمَلّ مجالسته، ولا ينزف علمه، وله أخبار مشهورة، تركتها لشهرتها، وكان غير ظِنّين في جميع ذلك، وُلد سنة (١٤٦) وتُوُفّي سنة ست وعشرين ومائتين، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقةٌ، لا بأس به، وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحبّ إلي منه، وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تُخرج أجمع للعلوم منه. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «القدر»، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٧٩)، وحديث (٢٤٠٣): «ائذن له، وبشّره بالجنّة …» الحديث. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: عن عليّ - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ)؛ أي: ناقة مسنّة (مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ) فيه أن الخمس كان مشروعًا حينئذ. (فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) من الابتناء، وهو الدخول بالزوجة، وكذلك البناء، وقد ذكرنا أن أصل ذلك أن الرجل كان إذا أراد تزوُّج امرأة بنى عليها قبة؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله. (وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَني قَيْنُقَاعَ) - بفتح القافين، وضمّ النون، وفتحها، وكسرها، منصرفًا، وغير منصرف، قال الكرمانيّ -: هم قبيلة من اليهود، وقال الصاغانيّ: هم حيّ من اليهود، وقال العينيّ: هو مركّب من قَيْن الذي هو الحدّاد، وقاع اسم أُطُم من آطام المدينة. انتهى . (يَرْتَحِلُ مَعِي، فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ) - بكسر الهمزة -: حشيشةٌ طيبة الرائحة، يُسَقَّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزته زائدة، وقد مر في «كتاب الحجّ» . (أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ) جمع صوّاغ، وهو الذي يصوغ الذهب والفضّة، وهو للمبالغة. وقال النوويّ ﵀: قوله: «أن أبيعه من الصوّاغين» هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، وفي بعض الأبواب من البخاريّ: «من الصواغين»، ففيه دليل لصحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعت منه ثوبًا، وزوجت منه، ووهبت منه جارية، وشِبه ذلك، والفصيح حَذْف «مِنْ»، فإن الفعل متعدّ بنفسه، ولكن استعمال «من» في هذا صحيح، وقد كثُر ذلك في كلام العرب، وقد جمعت من ذلك نظائر كثيرة في «تهذيب اللغات»، في حرف الميم مع النون، وتكون «مِنْ» زائدة، على مذهب الأخفش، ومَنْ وافقه في زيادتها في الواجب. انتهى كلام النوويّ ﵀ في «شرحه» . (فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي) هو: طعام الزِّفَاف، وقيل: اسم لكل طعام، والعِرس بالكسر امرأة الرجل، وبالضم طعام الوليمة، ويجوز هنا أن يكون بضمّ العين، فتكون الإضافة للبيان؛ أي: وليمة هي الْعُرْس، ويجوز أن يكون بالكسر، فتكون الإضافة بمعنى اللام؛ أي: وليمة لعِرْسي؛ أي: لزوجتي، والله تعالى أعلم. (فَبَيْنَا أنا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا) بالفتح في اللغة: كلّ ما يُنتفع به، كالطعام، والبزّ، وأثاث البيت، وأصل المتاع: ما يُتبلّغ به من الزاد، وهو اسم مِنْ مَتَّعته بالتثقيل: إذا أعطيته ذلك، والجمع أمتعة، قاله الفيّوميّ . والمراد هنا ما بيّنه بقوله: (مِنَ الأقتَابِ) بالفتح: جمع قَتَب بفتحتين، وهو الإكاف، أو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير ، وقال القرطبيّ: الأقتاب: جمع قَتَب، وهو أداة الرَّحْل . (وَالْغَرَائِرِ) بالغين المعجمة، وبالراء المكرّرة: ظرف التِّبْن ونحوه، وهو جمع غِرَارة، قال الجوهريّ: أظنه مُعَرَّبًا. انتهى . (وَالْحِبَالِ) بالكسر: جمع حَبْل، وهو معروف، وقوله: (وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ) مبتدأ وخبره، والجملة في محلّ نصب على الحال، وقوله: «مناخان»؛ أي: مبروكان. وقال النوويّ ﵀: قوله: «وشارفاي مناخان» هكذا في معظم النسخ: «مناخان»، وفي بعضها: «مناختان» بزيادة التاء، وكذلك اختُلِف فيه نسخ البخاريّ، وهما صحيحان، فأَنّث باعتبار المعنى، وذَكَّر باعتبار اللفظ. انتهى . ويُروَى: «مناختان» فالتذكير باعتبار لفظ شارف، والتأنيث باعتبار معنا . (إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَار، وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ)؛ أي: من الأقتاب، والغرائر، والحبال. وقال النوويّ: قوله: «وجمعت حين جمعت ما جمعت … إلخ» هكذا في بعض نُسخ بلادنا، ونقله القاضي عن أكثر نُسخهم، وسقطت لفظة: «وجمعت» التي عقب قوله: «رجل من الأنصار» من أكثر نسخ بلادنا، ووقع في بعض النسخ: «حتى جمعت» مكان: «حين جمعت». انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وجمعتُ حتَّى جمعتُ ما جمعت» هكذا رواه الطبريّ، والعذريّ، وابن ماهان بـ «حتى» التي هي للغاية، وقد رواه السِّجْزيّ، والسَّمرقندي: «حين» مكان «حتى» والأول أوضح، وقد سقط «وجمعت» الأوَّل في بعض النسخ، وبسقوطه وثبوت «حتى» يَحسُن الكلام، وقد ذكره الحميديّ في «مختصره» بلفظٍ أحسن من هذا، فقال: «وأقبلت حين جمعت ما جمعت». قال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلُّ على أن شُرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا، معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا يُنكر، ولا يُغيّر، وأن النبيّ - ﷺ - أقرَّ عليه، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسْكِر؟ ظاهر هذا الحديث يدلّ عليه، فإنَّ ما صدر عن حمزة - ﵁ - للنبيّ - ﷺ - من القول الجافي المخالف لِمَا يجب من احترام النبيّ - ﷺ -، وتوقيره، وتعزيره، يدلُّ: على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله - ﷺ - أنه ثَمِلَ، ثم إن النبي - ﷺ - لم يُنكر على حمزة، ولا عنَّفه لا في حال سكره، ولا بعد ذلك. فكان ذلك دليلًا على إباحة ما يُسكر عندهم، وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنَّهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة قطعًا؛ لأن الشرائع مصالح العباد قطعًا، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه ويشوشه، وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبيّ - ﷺ - ترك الإنكار على حمزة في حال سكره؛ لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر، وأن حمزة لم يقصد بشربه السُّكر، لكنه أسرع فيه فغلبه، والله تعالى أعلم. ولم يقع في شيء من الصحيح أن النبيّ - ﷺ - ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبَّة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فَغَرِمهما النبيّ - ﷺ - عن حمزة، وهذه الرواية جارية على الأصول؛ إذ لا خلاف في أنَّ ما يُتْلِف السكران من الأموال لزمه غرمه، وعلى تقدير ألَّا تثبت هذه الزيادة؛ فعدم النقل لا يدلّ على عدم المنقول، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يقال: إنما لم يحكم عليه النبيّ - ﷺ - بالغرامة؛ لأن عليًّا - ﵁ - لم يطلبها منه، أو لأن النبيّ - ﷺ - تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس، والله تعالى أعلم. وقد احتجّ بهذا الحديث من لا يلزم طلاق السكران؛ من جهة أن النبيّ - ﷺ - لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله له، وإليه ذهب الْمُزنيّ، والليث، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وتوقف فيها: أحمد بن حنبل، والجمهور من السَّلف وكافة الفقهاء على أن ذلك يلزمه؛ لأنَّ السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختارًا لِمَا يكون منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شُرْبُه مباحًا كما قدَّمناه، فصار ذلك بمثابة من سَكِر من شُرب اللَّبن، أو غيره من المباحات، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون كالْمُغمى عليه، والله أعلم. انتهى . وقوله: (فَإِذَا شَارِفَايَ) بصيغة التثنية، ووقع عند النوويّ بلفظ: «فإذا شارفي»، فقال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ: «فإذا شارفي»، وفي بعضها: «فإذا شارفاي»، وهذا هو الصواب، أو يقول: «فإذا شارفي»، إلا أن يُقرأ: «فإذا شارفِي» بتخفيف الياء، على لفظ الإفراد، ويكون المراد جنس الشارف، فيدخل فيه الشارفان، والله أعلم. انتهى . و«إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني شارفاي (قَدِ اجْتبَّتْ) بالبناء للمفعول، افتُعِل من الْجَبّ، بفتح الجيم، وتشديد الباء الموحّدة، وهو القطع؛ أي: شُقّ عنها الجلد، وأخرج الشحم الذي فيها. (أَسْنِمَتُهُمَا) جمع سنام، وتقدّم معناه. (وَبُقِرَتْ) بالبناء للمفعول، من الْبَقْر، بالباء الموحدة، والقاف، وهو الشقّ. (خَوَاصِرُهُمَا) تقدّم معناه، (وَأخِذَ) بالبناء للمفعول أيضًا، (مِنْ أَكبَادِهِمَا) قال القرطبيّ ﵀: وهذا إنما فَعَل ذلك بعد أن نحرهما على عادتهم، وعلى هذا يدلُّ الشِّعر المذكور بعد هذا، ويَحْتَمِل أن يكون فَعَل ذلك بها من غير نحر استعجالًا لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية، لا سيما، وقد كانت الخمر أخذت منه. انتهى . (فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ)؛ أي: بكيت مغلوبًا من شدّة ما شاهدته، كما قال: (حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا) قال النوويّ ﵀: هذا البكاء، والحزن الذي أصابه سببه ما خافه من تقصيره في حق فاطمة - ﵂ -، وجهازها، والاهتمام بأمرها، وتقصيره أيضًا بذلك في حقّ النبيّ - ﷺ -، ولم يكن لمجرد الشارفين من حيث هما، من متاع الدنيا، بل لِمَا قدمناه، والله أعلم. انتهى . (قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عبد المُطلِب، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ) بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء: جمع شارب، وهم الجماعة الشاربون. (مِنَ الأنصَار، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا: أَلا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) قال القرطبيّ ﵀: قولها: «ألَّا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النِّواءِ»؛ الرواية الصحيحة المشهورة في هذا اللفظ: «للشُّرُف» باللام، وضم الراء، و«النواء» بكسر النون، فالشُّرُف بضم الراء: جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث؛ لأنَّه اسم للناقة الْمُسِّنة، وهو في أصله صفة لها، فكان حَقَّه أن يجمع على «فواعل»، أو «فُعَّل»؛ لأنَّهما مثالا جمع فاعل، إذا كان للمؤنث، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي: ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على «بازل» الذي هو صفة للجمل المسنِّ، فجمعوه جَمْعَهُ، فقالوا: شُرُف، كما قالوا: بُزُل، واللام في «للشُّرُف» لام الجرّ، وهي متعلقة بفعل محذوف دلَّ عليه الحال؛ أي: انْهَضْ للشُّرُف، أو: قُم لها، تُحرِّضُه على نحرها، ولذلك قام حمزة فنحرها. و«النواء»: السمان، يقال: نَوَتِ الناقةُ، تنوي: إذا سَمِنت، فهي ناوية، وجمعها: نِوَاء، وهو أيضًا على غير قياس، كما تقدَّم، قال الخطابيّ: وقد رَوَى هذا اللفظ أبو جعفر الطبريّ: «ذا الشَرَف النواء» بـ «ذا» التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين، قال: وفسَّره بالبُعْد. قال القرطبيّ: وفي هذه الرواية ومعناها بُعْدٌ، والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه آنفًا. انتهى . (فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْف، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ)؛ أي: ذهبت حتى دخلت عليه - ﷺ - ويجوز فيه الرفع، والنصب، ورجّح ابن مالك النصب، وعبّر بصيغة المضارعة مبالغة في استحضار صورة الحال، وإلا فكان الأصل أن يقول: حتى دخلت على النبيّ - ﷺ - . (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ) عليّ - ﵁ - (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ) قال القرطبيّ ﵀: هذا كلام كثُر عندهم، حتى صار كالمثل، والكاف فيه نعت لـ«يوم» محذوف، تقديره: ما رأيت يومًا مثل اليوم، يُهَوِّله لِمَا لقي فيه، ويَحْتَمِل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: ما رأيت كرْبًا مثل كرْب اليوم، أو ما شاكل ذلك، ويدلُّ على الأول ما أنشده ابن شبَّة من الزيادة في شعر القَيْنة، فقال: ألا يا حمز للشُّرفِ النِّواءِ … وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِنَاء ضع السكين في اللَّبَّات مِنها … وضَرِّجْهُنَّ حَمْزةُ بالدِّماءِ وعَجِّل من أَطايِبها لِشَرْبٍ … قَدِيرًا من طَبِيخٍ أو شِواءِ قال القرطبيّ: وعلى هذا فيكون فيه حجةٌ على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًّا، كالغاصب، والسارق، وهو قول جمهور العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وخالف في ذلك: إسحاق، وداود، وعكرمة، فقالوا: لا يؤكل، وهو قول شاذٌّ، وحجَّة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها، وقيمة الذبيحة قد تعلَّقت بذمة المتعدِّي، فلا موجب للمنع، وقد وقع التفويت، وقد روى ابن وهب حديثًا يدلُّ على جواز الأكل، فليُبحث عنه، ويُكتب هنا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: أشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأيت رسول الله - ﷺ -، وهو على القبر يوصي الحافر: «أَوْسِعْ من قِبَل رجليه، أَوْسِعْ من قبل رأسه»، فلما رجع استقبله داعي امرأةٍ، فجاء، وجيء بالطعام، فوَضَع يده، ثم وَضَع القوم، فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله - ﷺ - يلوك لقمة في فمه، ثم قال: «أجد لحم شاة أُخذت بغير إذن أهلها»، فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع تُشتَرَى لي شاة، فلم أجد، فأَرسلت إلى جار لي قد اشترى شاةً، أن أرسل إليّ بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إليّ بها، فقال رسول الله - ﷺ -: «أطعميه الأسارى». انتهى . والحديث صحيح، وهو نصّ في الموضوع، وهو أن ما ذُبح بغير إذن صاحبه يجوز أكله، فإنه - ﷺ - أمر بإطعامه الأسارى، وإنما تَرَكه هو تورّعًا، لا تحريمًا، ولذلك أورده أبو داود محتجًّا به في «باب في اجتناب الشبهات»، فتأمل، والله تعالى أعلم. (عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَاْجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ، مَعَهُ شَرْبٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِرِدَائِه، فَارْتَدَاهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النُّسخ كلِّها: «فارتداه»، وفيه جواز لباس الرداء، وترجم له البخاريّ بابًا، وفيه أن الكبير إذا خرج من منزله تجمَّل بثيابه، ولا يقتصر على ما يكون عليه في خلوته في بيته، وهذا من المروءات، والآداب المحبوبة. انتهى . (ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزيدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتى جَاءَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ)؛ أي: جعل يلومه، يقال: «طَفِقَ» بكسر الفاء، وفتحها، حكاه القاضي وغيره، والمشهور الكسر، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. (فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ) بفتح الصاد المهملة، وتشديد العين المهملة المفتوحة؛ أي: جَرّ النظر (إِلَى رُكبَتَيْهِ) - ﷺ - (ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ) - ﷺ - (ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ) - ﷺ - (فَقَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أنتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟)؛ أي: كعبيد، وغرضه أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته، وأنه أقرب إليه منهما. (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ ثَمِلُ) بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الميم؛ أي: سكران، (فَنكَصَ)؛ أي: رجع (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى) قال الأخفش: يعني رجع وراءه، ووَجْهه إليه، والنكوص: الرجوع إلى وراء، يقال: نَكَصَ يَنكُصُ، من باب نصر، فهو ناكص، قال ابن الأثير: القهقرى مصدر، ومنه قولهم: رجع القهقرى؛ أي: رجع الرجوعَ الذي يُعْرَف بهذا الاسم، وقال في «العمدة»: فيكون القهقرى منصوبًا على المصدرية من غير لفظه، كما في قعدت جلوسًا، وقال الأزهريّ: القهقرى: الارتداد عما كان عليه، وقد قَهْقَر، وتقهقر، وقيل: إنه مشتق من القهر. انتهى . (وَخَرَجَ) - ﷺ - عن مكان حمزة - ﵁ - (وَخَرَجْنَا مَعَهُ). قال في «العمدة»: وقال الطبريّ: وفي حديث عليّ - ﵁ - أن المسلمين كانوا يشربون الخمر، ويسمعون الغناء في أول الإسلام، حتى نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وإنما حُرِّمت الخمر بعد غزوة أُحد، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَك، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) المروزيّ، ثقةٌ [١١] (٢٦٢) (م) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقّب بعبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٢١) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام الشهير، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيليّ هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، بسند مسلم، فقال: (٢٩٢٥) - حدّثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهريّ قال: أخبرني عليّ بن الحسين، أن حسين بن عليّ ﵇ أخبره أن عليًّا قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبيّ - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخمس، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله - ﷺ - واعدت رجلًا صوّاغًا من بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر، أردت أن أبيعه الصوّاغين، وأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعًا من الأقتاب، والغرائر، والحبال، وشارفاي مُناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، رجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتُبَّ أسنمتُهُما، وبُقِرت خواصرهما، وأُخذ من أكبادهما، فلم أملك عينيّ حين رأيت ذلك المنظر منهما، فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعل حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْب من الأنصار، فانطلقت حتى أدخلَ على النبيّ - ﷺ -، وعنده زيد بن حارثة، فعَرَف النبيّ - ﷺ - في وجهي الذي لقيت، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما لك؟» فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قطّ، عدا حمزة على ناقتيّ، فأجبّ أسنمتهما، وبَقَر خواصرهما، وها هو ذا في بيت، معه شَرْب، فدعا النبيّ - ﷺ - بردائه، فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن، فأذنوا لهم، فإذا هم شَرْب، فطَفِق رسول الله - ﷺ - يلوم حمزة فيما فَعَل، فإذا حمزة قد ثَمِلَ، محمرّة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله - ﷺ -، ثم صَعّد النظر، فنظر إلى ركبته، ثم صعّد النظر، فنظر إلى سرّته، ثم صعّد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعَرَف رسول الله - ﷺ - أنه قد ثَمِلَ، فنَكَص رسول الله - ﷺ - على عقبيه القهقرَى، وخرجنا معه. انتهى .
مصادر المؤلف (٤٣)

١. «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٥١ - ٥٢.

٢. «القاموس المحيط» ص ٦٨٠.

٣. «تاج العروس» ١/ ٥٩٣٧.

٤. «الفتح» ٧/ ٣٤٦ - ٣٤٧، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩١).

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٩.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٩.

٧. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٣.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٩١.

٩. الحَرْقَفة: عَظْم الْحَجَبة؛ أي: رأس الوَرِك. اهـ. «ق».

١٠. «القصيرى» مقصورة: أسفل الأضلاع، أو آخر ضِلَعٍ في الجنب، وأصلُ العُنُق. اهـ. «ق».

١١. «الْحَجَبتان» محرّكة: حَرْفا الوَرِك المشرفان على الخاصرة، أو العظمان فوق العانة =

١٢. «تاج العروس» ١/ ٢٧٦٣.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

١٤. «الفتح» ٧/ ٣٤٩، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٩.

١٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٥ - ١٤٦.

١٧. «الفتح» ٧/ ٣٤٩ و٣٥٠، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

١٨. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٤ - ١٤٥.

١٩. «سنن أبي داود» ٤/ ٢٥٤.

٢٠. «تكملة فتح الملهم» ٣/ ٥٩٦.

٢١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ١٤٢.

٢٢. وفي نسخة: «وإذا حمزة».

٢٣. «عمدة القاري» ١٥/ ١٨.

٢٤. «عمدة القاري» ١٥/ ١٨.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٦.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٢.

٢٧. «القاموس المحيط» ص ١٠٢٧.

٢٨. «المفهم» ٥/ ٢٤٧.

٢٩. «عمدة القاري» ١٥/ ١٨.

٣٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٦.

٣١. «عمدة القاري» ١٥/ ١٨.

٣٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٦.

٣٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٦/ ١٤٤ - ٢٥٠.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٦.

٣٥. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٦/ ١٤٣.

٣٦. «شرح النووي» ١٣/ ١٤٦.

٣٧. «المفهم» ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧.

٣٨. «الكوكب الوهّاج» ٢١/ ١٧.

٣٩. «سنن أبي داود» ٣/ ٢٤٤.

٤٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٦.

٤١. وفي نسخة: «وإذا حمزة».

٤٢. «عمدة القاري» ١٥/ ١٨.

٤٣. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١١٢٥.