HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٨٢

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ (يعني الحنفي). حدثنا عبد الحميد ابن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص89
ج ٣ ص ١٥٧٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٥٧٠
وقوله: (إِلَى مِهْرَاسٍ لنَا) - بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره سين مهملة -: إناء يُتّخَذ من صَخْر، ويُنقَر، وقد يكون كبيرًا، كالحوض، وقد يكون صغيرًا، بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لَمْ يَحْضُره ما يَكسر به غيره، أو كسر بآلة الْمِهْراس التي يُدَقّ بها فيه، كالهاوَنِ، فأطلق اسمه عليها مجازًا، قاله في «الفتح» . وقوله: (حَتَّى تَكَسَّرَتْ) قال في «الفتح»: وهذا لا ينافي الروايات الأخرى - يعني: التي فيها الإراقة دون الكسر - بل يُجمع بأنه أراقها، وكسر أوانيها، أو أراق بعضًا، وكسر بعضًا، وقد ذكر ابن عبد البرّ أن إسحاق بن أبي طلحة تفرّد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتًا، وعبد العزيز بن صهيب، وحُميدًا، وعَدّ جماعة من الثقات، رووا الحديث بتمامه عن أنس، منهم من طوَّله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلَّا إراقتها. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وهذا الكسر محمول على أنَّهم ظَنّوا أنه يجب كسرها، وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لَمْ يكن في نفسِ الأمر هذا واجبًا، فلما ظنّوه كسروها، ولهذا لَمْ يُنكر عليهم النبيّ - ﷺ -، وعَذرهم؛ لعدم معرفتهم الحكم، وهو غَسْلها من غير كسر. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥١٣١] (١٩٨٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي: الْحَنَفِيَّ - حَدَّثَنَا عبدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ الآيةَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد الله البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٩/ ١١٣٦. ٢ - (عبدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ) بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤/ ١١٩٥. ٣ - (أَبُوهُ) جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ، أبو عبد الحميد، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٧. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (لَقَدْ أنزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا الْخَمْرَ)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. [خاتمة]: في شرح الآية الكريمة، وما يتعلّق بها: قَالَ اللهُ ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر، والميسر، وهو القمار (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذ كانت شهوات وعادات، تَلَبَّسوا بها في الجاهلية، وغلبت على النفوس، فكان نَفِيٌّ منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه، مما يصنعه الناس اليوم، وأما الخمر فكانت لَمْ تحرَّم بعدُ، إنما نزل تحريمها في سنة ثلاث، بعد وقعة أُحد، وكانت وقعة أُحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ تقدم اشتقاقها، ومعناها، في أول الباب. ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ هو قِمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس - ﵄ -: كان الرجل في الجاهلية، يُخاطر الرجل على أهله وماله، فأيهما قَمَر صاحبه ذهب بماله وأهله، فنزلت الآية. وقال مجاهد، ومحمد بن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وعطاء، وقتادة، ومعاوية بن صالح، وطاوس، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس أيضًا: كلّ شيء فيه قمار من نَرْد، وشطرنج فهو الميسر، حتى لَعِبُ الصبيان بالْجَوْز والكِعَاب ، إلَّا ما أبيح من الرِّهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق، وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللَّهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللَّهو: النردُ، والشطرنج، والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه. قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: الشطرنج ميسر المعجم، وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء، و«الميسر»: مأخوذ من اليَسَر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، يقال: يَسَر لي كذا: إذا وجب فهو يَيْسِرَ يَسَرًا ومَيْسِرًا، والياسر: اللاعب بالقِداح، وقد يَسَر يَيْسِر، قال الشاعر [من الكامل]: فَأَعِنْهُمُ وَايْسِرْ بِمَا يَسَرُون بِهِ … وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ وقال الأزهريّ: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سُمِّي ميسرًا؛ لأنه يُجَزّأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر؛ لأنه يُجَزِّيء لحم الجزور، قال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح، والمتقامرين على الجزور: ياسرون؛ لأنهم جازرون، إذْ كانوا سببًا لذلك. وفي «الصحاح»: ويسر القوم الجزور؛ أي: اجتزروها، واقتسموا أعضاءها، قال سحيم بن وَثِيل اليربوعيُّ [من الطويل]: أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَنِي … أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ كان قد وقع عليه سِباء، فضرب عليه بالسهام، ويقال: يَسَر القوم: إذا قامروا، ورجل يَسَرٌ، وياسر: بمعني، والجمع أيسار، قال النابغة [من البسيط]: أَنِّي أُتَمِّمُ أَيْسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ مَثْنَى … الأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الأَدَمَا وقال طَرَفَةُ: وَهُمْ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا … أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُرْ وكان من تَطَوَّع بنحرها ممدوحًا عندهم، قال الشاعر؛ وَنَاجِيَةٍ نَحَرْتُ لِقَوْم صِدْقٍ … وَمَا نَادَيْتُ أَيْسَارَ الْجُزُرْ ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ بفتح الهمزةَ: جمع نُصُب بضمتين: وهو حجر نُصِبَ، وعُبد من دون الله، وقيل: النُّصُب جَمْع، واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها. قاله الفيّوميّ. وقال في «اللسان»: قال الجوهريّ: النَّصْب - أي: بفتح، فسكون -: ما نُصب، فعُبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصب بالضمّ، وقد يُحرّك، مثلُ عسُر، قال الأعشى [من الطويل]: وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ … لِعَافِيَةِ وَاللهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا ويُروى عجُزُه: وَلَا تَعبد الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا وقال القرطبيّ في «تفسيره» : قال ابن فارس: النُّصُب حجر كان يُنصب، فيعبد، وتُصَبّ عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْب - بالفتح - أيضًا، والنصائب حجارة تُنصب حوالي شفير البئر، فتُجعل عضائدَ، وغُبار منتصبٌ: مرتفع، وقيل: النُّصُب جمعٌ واحده نِصاب، كحمار وحُمُر، وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرًا، وقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها قال ابن جريجٍ: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبيّ - ﷺ -: نحن أحقّ أن نعظِّم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنه - ﷺ - لَمْ يكره ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧»، ونزلت: وَ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي: قِداح الميسر، واحدهما زَلَمٌ، وزُلَم، قال: بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزُّلَمْ وقال آخر، فجَمَع [من الكامل]: فَلَئِنْ جَذِيمَةُ قَتَّلَتْ سَرَوَاتِهَا … فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالأَزْلَامِ وذكر محمد بن جرير، أن ابن وكيع حدّثهم، عن أبيه، عن شَرِيك، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حَصًى بِيضٌ، كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشَّطْرنج، فأما قول لبيد: تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أَزْلَامُهَا فقال: أراد أظلاف البقرة الوحشية، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: [منها]: الثلاثة التي كان يتخذها كلّ إنسان لنفسه، على أحدها: افْعَلْ، وعلى الثاني: لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء، أدخل يده وهي متشابهة، فإذا خرج أحدها ائتمر، وانتهى بحسب ما يَخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سُراقة بن مالك بن جُعشُم، حين اتّبع النبيّ - ﷺ - وأبا بكر، وقت الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون، كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي، ونظير هذا الذي حرّمه الله تعالى قول المنجّم: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. [والنوع الثاني]: سبعة قِداح، كانت عند هُبَل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل، كلّ قدح منها فيه العقل، من أمر الديات، وفي آخر «منكم»، وفي آخر «من غيركم»، وفي آخر «مُلصَق»، وفي سائرها أحكام المياه، وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبد المطلب علي بنيه؛ إذ كان نذر نحر أحدهم، إذا كملوا عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضًا كانت عند كلّ كاهن، من كُهّان العرب، وحكامهم، على نحو ما كانت في الكعبة عند هُبَل. [والنوع الثالث]: هو قداح الميسر، وهي عشرة: سبعة منها فيها حُظُوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرة لهوًا ولعبًا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين، الْمُعدِم في زمن الشتاء، وكَلَب البرد، وتعذّر التحرف. وقال مجاهد: الأزلام هي كعاب فارس والروم، التي يتقامرون بها. وقال سفيان، ووكيع: هي الشطرنج، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْمِ والنصيب، كما بيّنا، وهو من أكَلْ المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحَمَام، أو بنرد، أو شطرنج، أو بغير ذلك من هذه الألعاب، فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام، حرام كله، وهو ضرب من التكهن، والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز منداد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات، من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال إِلْكِيا الطبري: وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدًا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر، فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعيّ، في الإقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعيّ بُنِي على الأخبار الصحيحة، وليس مما يُعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعيّ، يجوز أن يَجعَل الشرع خروج القرعة عَلَمًا على إثبات حُكم العتق، قطعًا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا، أو قلت كذا، فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح عَلَمًا على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يُجعَل خروج القرعة عَلَمًا على العتق؛ قطعًا، فظهر افتراق البابين. [تنبيه]: وليس من هذا الباب طلب الفَأْل، وكان - ﷺ - يُعجبه أن يسمع يا راشد، يا نجيح، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث صحيح غريب، وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة، وبلوغ الأمل، فيحسن الظنّ بالله - ﷿ -، وقد قال: «أنا عند ظن عبدي بي»، وكان - ﷺ -: يَكرَه الطيرة؛ لأنَّها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله - ﷿ -، قال الخطابيّ: الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال الأصمعيّ: سألت ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن يكون مريضًا، فيسمع: يا سالم، أو يكون باغيًا، فيسمع: يا واجد، وهذا معنى حديث الترمذيّ، وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «لا طيرة، وخيرها الفأل»، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». ﴿رِجْسٌ﴾ قال ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية: «رجس»: سخط، وقد يقال للنَّتْن والعَذِرة والأقذار: رجس، والرجز بالزاي: العذاب لا غير، والركس: العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، ذكره القرطبيّ. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: بحمله عليه، وتزيينه، وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه، حتى اقتُدي به فيها. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ قال النسفيّ: الضمير يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إما تعاطي الخمر، والميسر، ولذا قال: ﴿رِجْسٌ﴾. وقال القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يريد: أَبْعِدوه، واجعلوه ناحيةً، فأَمَر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر، مع نصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، ولا خلاف بين علماء المسلمين، أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة، والدم، ولحم الخنزير في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ وغيرها من الآي خبرًا، وفي الخمر نهيًا وزجرًا، وهو أقوى التحريم، وأوكده، رَوَى ابن عباس - ﵄ - قال: لمّا نزل تحريم الخمر، مَشَى أصحاب رسول الله - ﷺ -، بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعلت عِدلًا للشرك - يعني: أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شرك - ثم علّق الفلاح بالأمر، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ دلالة على تأكيد الوجوب. قاله القرطبيّ. وقال النسفيّ: أكّد تحريم الخمر، والميسر من وجوه: حيث صدّر الجملة بـ «إنما»، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلَّا الشرّ البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خسارة. انتهى . ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [المائدة: ٩] قال القرطبيّ - ﵀ -: أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان، إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا، بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها. رُوي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيمًا ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية. ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ المائدة: ٩] يقول: إذا سكرتم لَمْ تذكروا الله، ولم تصلّوا، وإن صلّيتم خلط عليكم كما فعل بعلي - ﵁ -، ورُوي بعبد الرَّحمن، وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد، عن الشطرنج، أهي ميسر، وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو مَيْسر. قال أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾. وقال النسفيّ - ﵀ -: ذَكَر الله تعالى ما يتولّد منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر، والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذِكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة من بين الذِّكر لزيادة درجتها، كأنه قال: وعن الصلاة خصوصًا، وإنما جَمَع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أَوّلًا، ثم أفردهما آخِرًا؛ لأنَّ الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذَكَر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعًا من أعمال أهل الشرك، فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم، وشارب الخمر والمقامر، ثم أفردهما بالذِّكر ليُعلم أنهما المقصود بالذِّكر. انتهى . ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال النسفيّ: من أبلغ ما يُنهى به، كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف، والزواجر، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم على ما كنتم عليه، كان لَمْ توعظوا، ولم تزجروا؟ انتهى . وقال القرطبيُّ: لَمّا عَلِم عمر - ﵁ - أن هذا وعيد شديد زائد على معنى: «انتهوا»، قال: انتهينا، وأمر النبيّ - ﷺ - مناديه أن ينادي في سكك المدينة: «إلا إنّ الخمر قد حُرِّمت»، فكُسِرت الدِّنَانُ، وأريقت الخمر، حتى جرت في سكك المدينة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهاتين الآيتين الكريمتين: (المسألة الأولى): كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولَعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]؛ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتها، ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]: فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشَرِبها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فصارت حرامًا عليهم، حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئًا أشد من الخمر، وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبيِّ - ﷺ - عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها، وقال: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا. وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وفي «صحيح مسلم» عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن، وفيه قال: وأَتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال، نطعمك، ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أن تحرَّم الخمر، قال: فأتيتهم في حَشّ - والْحَشّ البستان -، فإذا رأس جَزُور مشويّ عندهم، وزِقّ من خمر، قال: فأكلت، وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لَحْي جمل فضربني به، فجرح أنفي، وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورًا، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فانزل الله تعالى فِيَّ - يعني: نفسه - شأن الخمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]. ذكره القرطبيّ - ﵀ -، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): هذه الأحاديث تدل على أنَّ شرب الخمر، كان إذ ذاك مباحًا، معمولًا به معروفًا عندهم، بحيث لا يُنكر، ولا يغيَّر، وأن النبي - ﷺ - أقرّهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، تدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، على ما تقدم، وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يُسكر؟، حديث حمزة - ﵁ - ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي - ﵄ -، وجَبّ أسنمتهما، فأخبر عليٌّ بذلك النبيّ - ﷺ -، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبيِّ - ﷺ - من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه من احترام النبيّ - ﷺ -، وتوقيره وتعزيره، ما يدلُّ على أنَّ حمزة كان قد ذهب عقله بما يُسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله - ﷺ - أنه ثَمِلٌ، ثم إن النبيّ - ﷺ - لَمْ يُنكر على حمزة، ولا عَنّفَه، لا في حال سُكره، ولا بعد ذلك، بل رجع لمّا قال حمزة: وهل أنتم إلَّا عبيد لأبي؟ على عقيبيه القهقرَى، وخرج عنه، كما هو في «الصحيحين»، وغيرهما. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كلّ شريعة؛ لأنَّ الشرائع مصالح العباد، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كلّ ما يُذهبه، أو يشوشه، إلَّا أنه يُحمَل حديث حمزة على أنَّه لَمْ يقصد بشربه السكر، لكنه أسرع فيه فغلبه، قاله أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأصوليّون من أن السكر حرام في كلّ شريعة يحتاج إلى دليل، فإن ظاهر قصّة حمزة - ﵁ - يدلّ على أنَّ السكر كان مباحًا، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - أيضًا: فَهِمَ الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة، والليث بن سعد، والمزنيّ صاحب الشافعيّ، وبعض المتأخرين من البغداديين، والقرويين، فرأوا أنَّها طاهرة، وأن المحرَّم إنما هو شربها، وقد استدلّ سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طريق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لَمَا فَعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولَنَهَى رسول الله - ﷺ - عنه، كما نَهَى عن التخلي في الطرق. [والجواب]: أن الصحابة فعلوا ذلك؛ لأنه لَمْ يكن لهم سُرُوب، ولا آبار يريقونها فيها؛ إذ الغالب من أحوالهم أنهم لَمْ يكن لهم كُنُف في بيوتهم، وقالت عائشة - ﵂ -: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونَقْلها إلى خارج المدينة فيه كُلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعمّ الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة، يمكن التحرز عنها، وهذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة؛ ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا يُنتفع بها، وتتابَع الناس، وتوافقوا على ذلك، والله أعلم. [فإن قيل]: التنجيس حكم شرعيّ، ولا نصّ فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا، فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس. [قلنا]: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ يدلُّ على نجاستها، فإن الرجس في اللسان: النجاسة، ثم لو التزمنا إلَّا نحكم بحكم إلَّا حتى نجد فيه نصًّا، لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأيّ نصّ يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدم والميتة، وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر، والعمومات والأقيسة. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ نظر لا يخفي، إذ استدلاله بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾ غير صحيح؛ لأنه يلزمه أن تكون الأنصاب، والأزلام أيضًا نجسًا، ولا قائل به، وأيضًا قوله: «لا يوجد نصّ على تنجيس البول … إلخ»، غير صحيح، فقد ثبتت نجاسة البول، والغائط، والميتة بنصوص كثيرة، كحديث: «استنزهوا من البول»، وحديث: «أيما إهاب دُبغ، فقد طهر»، وأمْره - ﷺ - المستحاضة بغسل الدم، وغير ذلك، مما لا يخفى على من يتتبع النصوص. والحاصل أن القول بنجاسة الخمر محلّ نظر، فإن حديث أنس - ﵁ - في صبّها في سكك المدينة ظاهر في طهارتها، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوُه﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتفَع معه بوجه من الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب، رَوَى مسلم، عن ابن عباس - ﵄ -: أن رجلًا أهدى لرسول الله - ﷺ - راوية خمر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «هل علمت أن الله حرمها؟» قال: لا، قال: فسارّ رجلًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: «بم ساررته؟» قال: أمرته ببيعها، فقال: «إن الذي حرَّم شربها، حرم بيعها»، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، فهذا حديث يدلُّ على ما ذكرناه، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة، لبيَّنه رسول الله - ﷺ -، كما قال في الشاة الميتة: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به …» الحديث. [تنبيه]: إنما أهدى هذا الرجل الراوية لأنه لَمْ يبلغه الناسخ، وكان متمسكًا بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلًا على أنَّ الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، كما يقوله بعض الأصوليين، بل ببلوغه، كما دلّ عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأنَّ النبيّ - ﷺ - لَمْ يوبخه، بل بيَّن له الحكم، ولأنه مخاطب بالعمل بالأول، بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء، إذ كانوا يصلّون إلى بيت المقدس، إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة، أفاده القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره» ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد، والشطرنج قمارًا، أو غير قمار؛ لأنَّ الله تعالى لمّا حرّم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، ثم قال: إِنَّمَا ﴿يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصَدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حرامًا مثله. [فإن قيل]: إن شرب الخمر يورث السكر، فلا يقدر معه على الصلاة، وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى. [قيل له]: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعًا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدّان عن ذكِر الله، وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت، فالميسر لا يسكر، ثم لَمْ يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم؛ لأجل ما اشتركا فيه من
مصادر المؤلف (١١)

١. «الفتح» ١٢/ ٦٠١.

٢. «الفتح» ١٢/ ٦٠١.

٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٥١.

٤. «الكعاب»: فصوص النرد.

٥. «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٥٧.

٦. «تفسير النسفيّ» ١/ ٣٠٠.

٧. «تفسير النسفيّ» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١.

٨. «تفسير النسفيّ» ١/ ٣٠١.

٩. «تفسير القرطبيّ» ٦/ ٢٩٢.

١٠. «تفسير القرطبيّ» ٦/ ٢٨٧.

١١. «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٢٨٩.