HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٨٦

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص89
ج ٣ ص ١٥٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٧٧
[٥٤٦] : ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين ؛ وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مُسكرا، وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشِّدة فيه؛ فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشِّدة؛ فهو آثم من جهتين: إحداهما: شرب الخليطين، والأخرى: شرب المُسكر، ورخَّص فيه سفيان الثوري ؛ وأصحاب الرأي ؛ وقال الليث بن سعدٍ : إنما جاءت الكراهة أن يُنبذا جميعًا؛ لأن أحدهما يشدُّ صاحبَه. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٥٩٩
روى عن أبي كثير السَّحَيميّ، وعنه وكيعٌ. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: لا يُعرف. تفرّد به المصنّف، مقرونًا بالأوزاعيّ، وعكرمة بن عمار، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (الْكَرْمَة، وَالنَّخْلَةِ«، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ:»الْكَرْم، وَالنَّخْلِ«) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يُشكل مع قوله - ﷺ -:»لا تقولوا للعنب: الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن«، رواه مسلم. ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم بعد ذلك وَرَد النهي، أو يقال: إنه - ﷺ - لَمْ يدخل في هذا الخطاب، فإنه قال فيه:»ولا تقولوا»، فواجَهَنا به، والمخاطِبُ غير المخاطَب، كما تقرّر في الأصول. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن هذا الاستعمال كان قبل النهي، ويَحْتَمِل أنه استعمله بيانًا للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم، بل لكراهة التنزيه، ويَحتمل أنهم خوطبوا به للتعريف؛ لأنه المعروف في لسانهم الغالب في استعمالهم. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ كَرَاهَةِ انْتِبَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥١٣٧] (١٩٨٦) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيُّ، أَنَّ النَّبِي - ﷺ - نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٥) وله بضع و(٩٠) سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ إلَّا في قتادة، فضعيف [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٣ - (عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم، تقدّم قريبًا. ٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيُّ) - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كلاحقه، وهو (٣٧١) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث، والسماع. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيِّ) - ﵄ - (أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ) بالبناء للمفعول، (الزَّبِيبُ) اسم جَمْع يُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، والواحدة زبيبة، قاله الفيّوميّ . (وَالتَّمْرُ) تقدّم معناه قريبًا. (وَالْبُسْرُ) بضمّ، فسكون: من ثمر النخل معروفٌ، قال ابن فارس: الْبُسر من كلّ شيء: الْغَضّ، ونباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طَرِيّ، قاله الفيّوميّ ، وقال المجد: الْبُسْر: التمر قبل إرطابه، والْبُسْرة واحدتها، وتُضمّ السين. انتهى . [فائدة]: ذكر المجد اللغويّ - ﵀ - المَراتب التي عَدَّها أَهلُ النَّخْلِ في تَدْرِيجِ ثَمَرِ التَّمْرِ حتى يصلَ إلى مَرتَبةِ التَّمْر فقال: أوَّلُه طَلْعٌ، فإذا انْعَقَدَ فسَيَابٌ - كَسَحَابٍ - فإذا اخْضَرَّ، واستَدَارَ فجَدَالٌ، وَسَرَادٌ، وخَلَالٌ - كَسحَابٍ في الكُلِّ - فإذا كَبِرَ شيئًا فبَغْوٌ - بفتح الموحَّدة، وسكونِ الغَيْن - فإذا عَظُمَ فبُسْرٌ - بالضَّمِّ - ثم مُخَطَّمٌ - كمُعَظَّمٍ - ثم مُوَكِّت - على صيغةِ اسمِ الفاعل - ثم تُذْنُوبٌ - بالضّمّ - ثم جُمْسَة - بضمِّ الجيم، وسكونِ الميم، وسينٍ مهملةٍ مفتوحة - ثم ثَعْدَةٌ - بفتحِ المُثَلَّثة، وسكونِ العينِ المُهْمَلَة، ثمَّ دال - وخالِعٌ، وخالِعَةٌ، فإذا انتهى نُضْجُه فرُطَبٌ، ومَعْوٌ، فإن لَمْ يَنْضَج كلُّه فمُنَاصِف، ثمّ تَمْرٌ، وهو آخِرُ المَراتِبِ. وقال الأصمعيّ: إذا اخْضَرَّ حَبُّه، واستدارَ فهو خَلَالٌ، فإذا عَظُمَ فهو البُسْرُ، فإذا احْمَرَّتْ فهي شِقْحَةٌ، وبَسَطْتُ ذلك في الرَّوْض المَسْلُوف فيما له اسْمَانِ إلى أُلُوف. انتهى من «القاموس، وشرحه» . وقد نظمت ذلك بقولي: لِثَمَرِ النَّخْلِ مَرَاتِبُ وَرَدْ … أَوَلُهَا طَلْعٌ فَإِنْ هُوَ انْعَقَدْ فَقُلْ سَيَابٌ كَسَحَابٍ فَإِذَا … اخْضَرَّ وَاسْتَدَارَ فَاسْمَهُ خُذَا جَدَالٌ اوْ سَرَادٌ اوْ خَلَالُ … وَزْنَ سَحَابٍ كُلُّهَا تُقَالُ بَغْوٌ إِذَا كَبِرَ شَيْئًا وَإِذَا … عَظُمَ بُسْرٌ ثُمَّ بَعْدُ أُخِذَا مُخَطَّمٌ مِثْلُ مُعَظَّمٍ يَلِي … مُوَكِّت مِثْلُ مُعَلِّمٍ جَلِي ثُمَّ يَلِي التُّذْنُوبُ ثُمَّ جُمْسَةُ … فَثَعْدَةٌ فَخَالِعٌ خَالِعَةُ إِذَا انْتَهَى النُّضْجُ يُسَمَّى رُطَبَا … كَذَاكَ مَعْوًا مِثْلَ فَلْسٍ صَحِبَا مُنَاصِفُ إِنْ كُلُّهُ لَمْ يَنْضِجِ … وَبَعْدَهُ تَمْرٌ مُتَمِّمًا يَجِي وَذَكَرَ الأَصْمَعِيّ أَنَّهُ إِذَا … اخْضَرَّ وَاسْتَدَارَ حَبُّهُ حَذَا بِكَوْنِهِ الْخَلَالَ ثُمَّ إِنْ عَظُمْ … بُسْرٌ إِنِ احْمَرَّتْ بِشِقْحَةٍ تُسَمّْ وَهَكَذَا ذَكَرَ في «الْقَامُوسِ» … و«شَرْحِهِ» الْحِلْيَةِ لِلْعَرُوسِ (وَالتَّمْرُ«)؛ يعني: أنه - ﷺ - نهى عن الجمع بين النوعين في الانتباذ؛ لمسارعة الإسكار، والاشتداد عند الخلط. فقوله:»أن النبيّ - ﷺ - نَهَى أن يُخْلَط التمر والزبيب، والبُسر والتمر«، وفي رواية:»نَهَى أن يُنبذ التمر والزبيب جميعًا، ونَهَى أن يُنبذ الرُّطَب والبُسر جميعًا«، وفي رواية:»لا تجمعوا بين الرُّطَب والبسر، وبين الزبيب والتمر نَبِيذًا«، وفي رواية:»مَن شَرِب النبيذ منكم فليشربه زبيبًا فَرْدًا، أو تمرًا فردًا، أو بُسرًا فردًا«، وفي رواية:»لا تَنْتَبِذوا الزَّهْو والرُّطَب جميعًا«. فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن انتباذ الخليطين وشربهما، وهما تمر وزبيب، أو تمر ورُطَب، أو تمر وبُسر، أو رطب وبسر، أو زهو وواحد من هذه المذكورات، ونحو ذلك، ثم إن هذا النهي للتحريم، كما قال به بعض المالكية، وهو الحقّ؛ لظواهر النصوص، فإنها وردت بصيغة النهي، والنهي للتحريم عند جمهور العلماء إلَّا لصارف، ولا صارف له هنا، فتأمل بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق. وأما قول أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية عنه: لا كراهة فيه، ولا بأس به؛ لأنَّ ما حلّ مفردًا حلّ مخلوطًا، فقوله منابذةٌ لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، والقياس في مقابلة النصّ باطل، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥١٣٧ و٥١٣٨ و٥١٣٩ و٥١٤٠] (١٩٨٦)، و(البخاريّ) في «الأشربة» (٥٦٠١)، و(أبو داود) في «الأشربة» (٣٧٠٣)، و(الترمذيّ) في «الأشربة» (١٨٧٦)، و(النسائيّ) في «الأشربة» (٨/ ٢٩٠) و«الكبرى» (٣/ ٢٠٦ و٢٠٧ و٤/ ١٨٤)، و(ابن ماجة) في «الأشربة» (٣٣٩٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٠٥)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٦٩٦٧ و١٦٩٦٨ و١٦٩٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٤ و٣٠٠ و٣٠٢ و٣١٧ و٣٦٣ و٣٦٩ و٣٨٩) وفي «الأشربة» (١٤٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٣٧٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٧٦٨ و١٨٧٢ و٢٢٣٨ و٢٣٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١١٠ و١١٨ و١١٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٣٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم شرب الخليطين: قال النووي - ﵀ -: مذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه، وإنما يمتنع إذا صار مسكرًا، ولا تخفى علامته، وقال بعض المالكية: هو للتحريم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله بعض المالكيّة هو الظاهر؛ لأنَّ النصّ ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، ما لَمْ يصرفه صارف، ولم يذكروا هنا صارفًا، وأيضًا ما قاله النوويّ يخالف نصّ الشافعيّ - ﵀ - الآتي بالتحريم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: واختُلف في خلط نبيذ البسر الذي لَمْ يشتدّ، مع نبيذ التمر الذي لَمْ يشتدّ عند الشرب، هل يمتنع، أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب. ونقل ابن التين عن الداوديّ: أن سبب النهي أن النبيذ يكون حُلْوًا، فإذا أُضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدّة، وهذه سورة أخرى، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر، لا ما إذا نُبذا معًا. واختُلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كَرِه أن يخلط للمريض شرابين، وردّه بأنهما لا يُسرع إليهما الإسكار اجتماعًا وانفرادًا. وتُعُقّب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم، لكن يقيّد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيًا في دواء ذلك المرض، وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب. وقال ابن العربي: ثبت تحريم الخمر؛ لِمَا يَحْدُث عنها من السكر، وجواز النبيذ الحلو الذي لا يَحدُث عنه سكر، وثبت النهي عن الانتباذ في الأوعية، ثم نُسخ، وعن الخليطين، فاختلف العلماء، فقال أحمد، وإسحاق، وأكثر الشافعية بالتحريم، ولو لَمْ يُسكر، وقال الكوفيون: بالحِل، قال: واتفق علماؤنا على الكراهة، لكن اختلفوا هل هو للتحريم، أو للتنزيه؟ واختُلِف في علة المنع، فقيل: لأنَّ أحدهما يشدّ الآخر، وقيل: لأنَّ الإسكار يُسرع إليهما، قال: ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأنَّ اللبن لا يُنبذ، لكن قال ابن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابَيْ سكر، كالورد والجلاب، وهو ضعيف. قال: واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل، ثم قال: ويتحصل لنا أربع صور: أن يكون الخليطان منصوصين، فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه، فإن كان كلّ منهما لو انفرد أسكر فهو حرام، قياسًا على المنصوص، أو مسكوت عنهما، وكل منهما لو انفرد لَمْ يسكر جاز، قال: وهنا مرتبة رابعة، وهي ما لو خلط شيئين، وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار، فيجوز في المسكوت عنه، ويُكره في المنصوص، وما نقله عن أكثر الشافعية، وُجد نصّ الشافعي بما يوافقه، فقال: ثبت نهيُ النبيّ - ﷺ - عن الخليطين، فلا يجوز بحال، وعن مالك قال: أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا. وقال الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين، وإن لَمْ يكن الشراب منهما مُسكِرًا جماعة، عملًا بظاهر الحديث، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعي، وقالوا: من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدّة أثم من جهتين، وخَصَّ الليث النهي بما إذا نُبذا معًا. انتهى. وجرى ابن حزم على عادته في الجمود، فخصّ النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء، وهي التمر، والرطب، والزهو، والبسر، والزبيب، في أحدها، أو في غيرها، فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها، لَمْ يمتنع كاللبن والعسل مثلًا، ويَرِدُ عليه ما أخرجه أحمد في «الأشربة» من طريق المختار بن فُلفُل، عن أنس - ﵁ -، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُجمع بين شيئين نبيذًا، مما يبغي أحدهما على صاحبه». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن حزم - ﵀ - هو الظاهر، والحديث الذي ذكره عن أحمد، لا ينافيه؛ لأنه ظاهر في النبيذ، فيُحْمَل على الأشياء المنصوص عليها، وأما خلط نحو اللبن والعسل، فلا يشمله، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبي - ﵀ -: النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك: يُكره فقط، وشذَّ من قال: لا بأس به؛ لأنَّ كلًّا منهما يَحِلّ منفردًا فلا يُكره مجتمعًا، قال: وهذه مخالفة للنص، وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد من وجهين، ثم هو منتقض بجواز كلّ واحدة من الأختين منفردة، وتحريمهما مجتمعين، قال: وأعجب من ذلك تأويل من قال منهم: إن النهي إنما هو من باب السَّرَف بجمع إدامين، قال: وهذا تبديل، لا تأويل، ويشهد ببطلانه الأحاديث الصحيحة، قال: وتسمية الشراب إدامًا قول من ذَهِلَ عن الشرع واللغة والعادة، وتعامي، وكيف ينهى عن الجمع بين إدامين، وقد جُمعا على مائدة رسول الله - ﷺ -؟ قال: واختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه، فالذي يليق بمذهب أهل الظاهر النهي عن الخلط على كلّ شيئين يؤثّر كلّ واحد منهما في الآخر إسراع الشدّة إذا خُلطا، وهذا هو الذي يُفهم من الأحاديث الواردة في هذا الباب، فإنها مصرّحة بالنهي عن الخلط للانتباذ والشرب، وقد أبعد بعض أصحابنا، فمنع الخلط، وإن لَمْ يكن كذلك، حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا إنما يليق بمن لَمْ يُعلّل النهي عن الخليطين بعلّة، ويلزم منه أن يجري النهي على خلط العسل واللبن، وشراب الورد والبنفسج، والعسل والخلّ، وغير ذلك، والصواب ما ذهب إليه مالك، والجمهور، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم لك أن ابن العربي حكى القول بتعميم منع الخلط عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال: إنه حَمَل النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه، وضعّفه، وهو أحقّ بالتضعيف. والحاصل أن الخلط الوارد في الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها محرّم، وأن شرب الخليطين حرام، وأما ما عدا ذلك من الأصناف فيجوز خلطه؛ كاللبن والعسل، ونحو ذلك؛ لعدم النهي عنه، ولفقدان العلّة التي من أجلها نهى الشارع عن الخليطين، فتأمل بالإمعان، والله الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قد اعترض العينيّ على عادته المستمزة في نصر مذهبه بأحاديث ضعيفة في مقابلة الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها المخالفة لمذهبه، وذلك لمّا قال النوويّ - ﵀ -: إن قول أبي حنيفة: لا بأس بالخليطين؛ لأنَّ ما حلّ مفردًا حلّ مخلوطًا: أكد عليه الجمهور، وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه. انتهى كلام النوويّ. فقال العينيّ ردًّا على هذا: هذه جرأة على إمام أجلّ من ذلك، وأبو حنيفة لَمْ يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث، ثم ذكر ثلاثة أحاديث كلها ضعيفة: (الأول): ما أخرجه أبو داود من طريق أبي بحر، ثنا عتّاب بن عبد العزيز الْحِمّانيّ، حدّثتني صفية بنت عطية، قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة، فسألناها عن التمر والزبيب، فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء، فأمرسه، ثم أسقيه النبيّ - ﷺ - . ولمّا اعترض عليه ابن حزم بأن في إسناده أبا بحر لا يُدرى من هو؟ أجاب العينيّ بأن ابن عديّ قال: أبو بحر مشهور معروف، وله أحاديث غرائب عن شعبة وغيره من البصريين، وهو ممن يُكتب حديثه، وذكر عن كتاب السامي قول يحيى بن سعيد: هو صدوقٌ صاحب حديث، وهو عبد الرَّحمن بن عثمان بن أميّة بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة البكراويّ، وذكره ابن شاهين، وابن حبّان في «كتاب الثقات»، وقال البخاريّ: لَمْ يستبن لي طرحه، وقال أبو عمر، وأحمد بن صالح العجليّ: هو ثقةٌ بصريّ. انتهى كلام العينيّ. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ردّ العينيّ على ابن حزم بكلام بعضهم مما يدلّ على تقويته، وليس الأمر كما زعم، فإن الأكثرين على تضعيفه، قال أحمد: طرح الناس حديثه، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن المدينيّ: ذهب حديثه، وقال أبو داود: تركوا حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم، وقال ابن حبّان: يروي المقلوبات عن الأثبات، فلا يجوز الاحتجاج به، هذا كله من «تهذيب التهذيب»، وقال في «التقريب»: ضعيف من التاسعة، فتبيّن بهذا أن الرجل لا يجوز الاحتجاج به لو لَمْ يعارِض ما رواه حديثًا صحيحًا، فكيف بأحاديث اتفق عليها الشيخان، فهيهات هيهات. وأما عتّاب بن عبد العزيز، فقال العينيّ: روى عنه يزيد بن هارون، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وآخرون، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، هذا ما قاله العينيّ. وإذا رجعت إلى ترجمته لَمْ تجد من وثّقه إلَّا أن ابن حبّان ذكره في «الثقات»، ولذا قال عنه في «التقريب»: مقبول من السابعة. وأما صفيّة بنت عطيَّة، فهي مجهولة؛ لَمْ يرو عنها إلَّا عتّاب بن عبد العزيز، وهي جدّته، وقال عنها في «التقريب»: لا تُعرف. فتبيّن بهذا أن الحديث ضعيف، فكيف يعارِض العينيّ به ما اتّفق عليه الشيخان، هيهات هيهات. ثم ذكر حديثًا آخر أخرجه أبو داود بسنده عن امرأة من بني أسد، عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - كان يُنبذ له زبيب، فيلقي فيه تمرًا، وتمرٌ فيلقي فيه الزبيب. انتهى. وهذا كما ترى حديث ضعيف أيضًا؛ لأنه من رواية امرأة مجهولة، لا تقوم بها الحجة، فكيف يعارض العينيّ بها ما في «الصحيحين» نصرًا، وتعصّبًا لمذهبه؟ والله المستعان. وأيضًا قال: أخرج محمد في «كتاب الآثار» (ص ١٢٠) عن أبي حنيفة، عن سليمان الشيبانيّ، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه شرابًا له، فكأنه أخذ فيه، فلما أصبح، قال: ما هذا الشراب؟ ما كنت أهتدي إلى منزلي، فقال عبد الله: ما زدناك على عجوة وزبيب. انتهى. وهذا الإسناد يحتاج إلى بحث، فمن هو ابن زياد؟ وعلى تقدير صحّته، فهو فِعل ابن عمر - ﵄ - موقوفًا عليه، فلا يُعارَض به ما صحَّ عن النبيّ - ﷺ -. وذكر صاحب «التكملة» حديثًا آخر أيضًا، فقال: أخرج محمد أيضًا عن أبي حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يُنبذ له نبيذ الزبيب، فلم يكن يستمرئه، فقال للجارية: اطرحي فيه تمرات. انتهى. وهذا أيضًا لو صحّ فإنه فِعل ابن عمر، لا يعارَض به المرفوع، كما أسلفناه، فتبيّن بهذا أن ما شغّب به العينيّ على من ردّ على مذهبه مجرّد تعصّب، لا وزن له في التحقيق، فلا تغترّ بسكوت صاحب «التكملة»، وغيره على ما قاله العينيّ، ورِضاهم به، فإنه مجرّد نَصْر مذهب، قاتل الله التعصّب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥١٣٨] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنبذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم قريبًا. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدَّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، وهو (٣٧٢) من رباعيّات الكتاب. والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥١٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْر، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدَّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
مصادر المؤلف (٩)

١. «المفهم» ٥/ ٢٥٨.

٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٥٤.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٠.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٤٨.

٥. «القاموس المحيط» ص ١٠٦.

٦. »تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٢٥١١.

٧. «المفهم» ٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩.

٨. «سنن أبي داود» ٣/ ٣٣٣.

٩. تكملة «فتح الملهم» ٣/ ٦١٧ - ٦١٨.