رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
وقوله: (قَدْ نُهِيَ. . . إلخ) بالبناء للمجهول، وله حُكم الرفع على الراجح من أقوال العلماء، قال السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث»:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ «مِنَ السُّنَّةِ» مِنْ صَحَابِي
كَذَا «أُمِرْنَا» وَكَذَا «كُنَّا نَرَى» … فِي عَهْدِهِ أَو عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
والحديث من أفراد (المصنّف)، لم يُخرجه من أصحاب الكتب الستّة غيره، وأخرجه (عبد الرزاق) في «مصنفه» (١٦٩٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١١٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: قَدْ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا أيضًا، و«رَوحٌ» هو ابن عبادة القيسيّ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ النَّهْيِ عَن الانْتِبَاذِ: فِي الْمُزَفَّت، وَالدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِير، وَبَيَانِ أنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأنَّهُ الْيَوْمَ حَلَالٌ، مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٧] (١٩٩٢) - (حَدَّثنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاء، وَالْمُزَفَّتِ، أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، غير ابن شهاب، فتقدّم قبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنف، كلاحقه، وهو (٣٧٤) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّهُ)؛ أي: أنسًا (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابنَ شهاب (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ)؛ أي: عن الانتباذ في الدّبّاء، بضمّ الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ، وجوّز فيه بعضهم القصر، وهو القرع اليابس؛ أي: الوعاء منه. (وَالْمُزَفَّتِ) هو المقيّر، كما فسّره به ابن عمر في كلامه الآتي، وهو المطليّ بالقار، وهو الزِّفْت، وقوله: (أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ) بالبناء للمفعول، وهو في تأويل المصدر بدل من «الدباء» و«المزفّت»، وأفرد الضمير باعتبار المذكور.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في أوائل «كتاب الإيمان» [٦/ ١٢٤] (١٧) شرح أحاديث هذا الباب، وبيان معاني هذه الألفاظ عند ذكر حديث وفد عبد القيس، فلا حاجة إلى الإطالة بإعادة ذلك، وإنما نذكر حَلّ بعض ما يُستشكَل، وما لم يتقدّم ذِكره هناك.
وخلاصة القول - كما قال النوويّ: - أن الانتباذ في هذه الأوعية مَنهيًّا عنه في أول الإسلام؛ خوفًا من أن يصير مُسكرًا فيها، ولا يُعلَم به؛ لكثافتها، فتتلف ماليّته، وربما شربه الإنسان ظانًّا أنه لم يصر مسكرًا، فيصير شاربًا للمسكر، وكان العهد قريبًا بإباحة المسكر، فلما طال الزمان، واشتهر تحريم المسكر، وتقرر ذلك في نفوسهم نُسِخ ذلك، وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء، بشرط أن لا يشربوا مسكرًا، وهذا صريحُ قوله - ﷺ - في حديث بُريدة المذكور في آخر هذه الأحاديث: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في كل وِعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥١٥٧ و٥١٥٨] (١٩٩٢)، و(البخاريّ) في «الأشربة» (٥٥٨٧)، و(النسائيّ) في «الأشربة» (٨/ ٣٠٥) و«الكبرى» (٥١٣٩ و٥١٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٠ و١٦٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٠١٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٣٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٢٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٣٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الانتباذ في الأوعية المذكورة وغيرها:
ذهب الجمهور إلى أن أحاديث النهي عن الانتباذ في الأوعية منسوخة بحديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - المذكورة في آخر الباب، وذهب بعضهم إلى أن النهي باق، قال الخطّابيّ ﵀: القول بالنسخ هو أصحّ الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باق، وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالكٌ، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عبّاس - ﵃ -، أفاده النوويّ ﵀ .
وقال الإمام البخاريُّ ﵀ في «صحيحه»: «باب ترخيص النبيّ - ﷺ - في الأوعية والظروف بعد النهي»، ثم ذكر فيه خمسة أحاديث.
[ثانيها]: حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وفيه استثناء المزفت.
قال في «الفتح»: وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص، بما ذُكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ عليه صنيع البخاريّ، وقال الشافعيّ، والثوريّ، وابن حبيب من المالكية: يُكره ذلك، ولا يَحْرُم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان.
وقد أسند الطبريّ عن عمر ما يؤيد قول مالك، وهو قوله: «لأن أشرب
من قُمقُم مُحْمًى فيُحرِق ما أحرق، ويُبقي ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر»، وعن ابن عباس: «لا يُشرَب نبيذ الجرّ، ولو كان أحلى من العسل»، وأسند النهي عن جماعة من الصحابة.
وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلمّا قالوا: لا نجد بُدًّا من الانتباذ في الأوعية، قال: «انتبذوا، وكلُّ مسكر حرام»، وهكذا الحكم في كل شيء نُهي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها، قال: «فأعطوا الطريق حقها».
وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلا أن النهي إنما كان أوّلًا، ثم نُسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، كذا أطلق، قال: والأول أصح، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبًا، فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ، في كل وعاء، بشرط ترك شرب المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي، لم يبلغه الناسخ.
وقال الحازميّ: لمن نصَر قول مالك أن يقول: وَرَدَ النهي عن الظروف كلها، ثم نُسخ منها ظروف الأَدَم، والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها على المنع.
ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم، ولفظه: «نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا»، قال: وطريق الجمع أن يقال: لمّا وقع النهي عامًّا، شَكَوا إليه الحاجة، فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخَّص لهم في الظروف كلها. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الحجج أن أرجح الأقوال هو القول بأن الانتباذ جائز في أيّ وعاء كان، وأنه يُعتذر للمانعين بأنه لم يبلغهم النَّسخ الواضح في حديث بُريدة - ﵁ - المذكور في الباب، فإنه نصّ