HadithLab
RU

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٦٨٦
قريبًا، فلمّا اشتَهَر التحريم أُبيح لهم الانتباذ في كلّ وعاء، بشرط تَرْك شُرب المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لَمْ يبلغه الناسخ. وقال الحازميّ - ﵀ -: لِمَن نَصَر قول مالك أن يقول: وَرَد النهي عن الظروف كلها، ثم نُسخ منها ظروف الأَدَم، والجرار غير المزفتة، واستمرّ ما عداها على المنع، ثم تَعَقّب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم، ولفظه: «نهيتكم عن الأشربة إلَّا في ظروف الأدم، فاشربوا في كلّ وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا». قال: وطريق الجمع أن يقال: لمّا وقع النهي عامًّا شَكَوا إليه الحاجة، فرخّص لهم في ظروف الأدم، ثم شَكَوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخّص لهم في الظروف كلها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحازميّ مِنْ وجه الجمع بين الروايات تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه المصنّف - ﵀ - هنا [٦/ ٥١٩٩] (٢٠٠٠)، و(البخاري) في «صحيحه» (٥٢٧١)، و(الشافعي) في «مسنده» (١/ ٢٨٢)، و(البيهقي) في «الكبرى» (٨/ ٣١٠)، و(الطحاوي) في «معاني الآثار» (٤/ ٢٢١)، و(الحميدي) في «مسنده» (١/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَبَيَانِ عُقُوبَةِ مَنْ لَمْ يَتُبْ عَنْ شُرْبِهَا بِمَنْعِهِ إِيَّاهَا فِي الآخِرَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥٢٠٠] (٢٠٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِتْع، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنَّها (قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِتْعِ) بكسر الموحّدة، وسكون المثناة، وقد تُفتح، وهي لغة يمانية. قاله في «الفتح»، وقال النوويّ: هو بباء موحّدة مكسورة، ثم مثناة فوقُ ساكنة، ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل، وهو شراب أهل اليمن، قال الجوهريّ: ويقال أيضًا: بفتح التاء المثنّاة، كقِمْعٍ، وقَمَعٍ. انتهى. زاد في روائة البخاري: «وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه»، قال في «الفتح»: وظاهره أن التفسير من كلام عائشة - ﵂ -، ويَحْتَمِل أن يكون من كلام مَنْ دونها، ووقع في رواية معمر، عن الزهري، عند أحمد مثل رواية مالك، لكن قال في آخره: «والبتع نبيذ العسل»، وهو أظهر في احتمال الإدراج؛ لأنه أكثر ما يقع في آخر الحديث، وقد أخرجه مسلم من طريق معمر، لكن لَمْ يَسُقْ لفظه. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: ولم أقف على اسم السائل، في حديث عائشة - ﵂ - صريحًا، لكنني أظنه أبا موسى الأشعريّ - ﵁ -، ففي رواية مسلم الآتية عن أبي بردة، عن أبيه قال: فقلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين، كنا نصنعهما باليمن: الْبتْع من العسل، يُنبَذ حتى يَشتدّ، والمزر من الشعير والذرة يُنبذ حتى يشتدّ؟ قالَ: وكان النبيّ - ﷺ -، أُعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: «أنهى عن كلّ مسكر أسكر عن الصلاة». انتهى. قال: وفي رواية أبي داود، التصريح بأن تفسير البتع مرفوع، ولفظه: سألت رسول الله - ﷺ - عن شراب من العسل؟ فقال: «ذاك البتع»، قلت: ومن الشعير، والذرة؛ قال: «ذاك الْمِزْر»، ثم قال: «أَخبِرْ قومك أن كلّ مسكر حرام»، وقد سأل أبو وهب الجيشانيّ، عن شيء مما سأله أبو موسى، فعند الشافعيّ، وأبي داود، من حديثه، أنه سأل النبيّ - ﷺ - عن المزر؟ فأجاب بقوله: «كلّ مسكر حرام». (فَقَالَ) - ﷺ - («كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)؛ أي: كلّ شراب صالح لأنَّ يكون مسكرًا فإنه محرّم، فليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حَرُم تناوله، ولو لَمْ يَسْكَر المتناوِل بالقَدْر الذي تناوله منه، كما فسّرته الروايات الأخرى:»كلُّ مسكر حرام«، ويؤخذ من لفظ السؤال، أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكر منه؛ لأنه لو أراد السائل ذلك، لقال: أخبرني عما يحل منه وما يحرم، وهذا هو المعهود من لسان العرب، إذا سألوا عن الجنس، قالوا: هل هذا نافع أو ضار؟ مثلًا، وإذا سألوا عن القدر، قالوا: كم يؤخذ منه؟. أفاده في»الفتح«، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٢٠٠ و٥٢٠١ و٥٢٠٢] (٢٠٠١)، و(البخاريّ) في«الوضوء»(٢٤٢) و«الأشربة»(٥٥٨٥ و٥٥٨٦ و٥٥٩٥)، و(أبو داود) في«الأشربة»(٣٦٨٧ و٣٣٨٦ و٣٦٨٧)، و(الترمذيّ) في«الأشربة»(١٨٦٣ و١٨٦٦)، و(النسائيّ) في«الأشربة»(٨/ ٢٩٧ و٣٢٠) و«الكبرى»(٣/ ٢١٣ و٢١٤ و٢١٦ و٤/ ١٨٥ و١٨٦)، و(ابن ماجة) في«الأشربة»(٣٣٨٦)، و(مالك) في«الموطّأ»(١٥٩٥)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١٤٧٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنفه»(١٧٠٠٢)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(٢/ ٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٨/ ١٠٠ - ١٠١)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٣٦ و٩٦ و١٩٠ و٢٢٥)، وفي«الأشربة»(٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢٠٠٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٣٤٥)، و(الطحاويّ) في«معاني الآثار»(٤/ ٢١٦)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٨٥٥)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٥/ ٩٧ - ٩٨)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٨/ ٢٠)، و(إسحاق بن راهويه) في (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم كلّ شراب أسكر، قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: والبتع شراب العسل لا خلاف عَلِمْتُه في ذلك بين أهل الفقه، ولا بين أهل اللغة، وإذا خرج الخبر بتحريم المسكر على شراب العسل، فكل مسكر مثله في الحكم، وكذلك قال ابن عمر - ﵄ -:«كلّ مسكر خمر». انتهى . ٢ - (ومنها): هذا من جوامع كَلِمه - ﷺ -، كما أخبر بذلك أبو موسى الأشعريّ - ﵁ - في حديثه الآتي. ٣ - (ومنها): أنه يستحبّ للمفتي إذا رأى بالسائل حاجة أن يضمّه إلى المسئول عنه، ونظير هذا الحديث حديث:«هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته». ٤ - (ومنها): أن فيه تحريم كلّ مسكر، سواء كان متَّخَذًا من عصير العنب، أو من غيره. ٥ - (ومنها): أنه استُدل بمطلق قوله:«كلّ مسكر حرام»على تحريم ما يُسكر، ولو لَمْ يكن شرابًا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النوويّ وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مُخَدّرة، وهو مكابرة؛ لأنَّها تُحدِث بالمشاهدة ما يُحدث الخمر من الطرب، والنشأة، والمداومة عليها، والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليِم أنَّها ليست بمسكرة، فقد ثبت في أبي داود: النهي عن كلّ مسكر، ومُفتِّر، وهو بالفاء، والله أعلم، قاله في«الفتح»، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شرب المسكر غير عصير العنب: قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: أجمعوا على أنَّ عصير العنب إذا غلا، واشتدّ، وقَذَف بالزَّبَد، وأسكر الكثير منه أو القليل، أنه الخمر المحرّمة بالكتاب والسُّنَّة المجتمع عليها، وأن مستحلها كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، هذا كله ما لا خلاف فيه بين أئمة الفتوي، وسائر العلماء، واختلفوا في شارب المسكر من غير خمر العنب إذا لَمْ يُسكر، فأهل الحجاز يرون المسكر حرامًا، ويرون في قليله الحدّ كما في كثيره على من شربه، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، وجماعة أهل الحجاز، وأهل الحديث من أهل العراق، وأما فقهاء العراق فجمهورهم لا يرون في المسكر على من شَرِبه حدًّا إذا لَمْ يُسكر، ولا يَدْعُون ما عدا خمر العنب خمرًا، ويدعونه نبيذًا. قال: وأما اختلاف العلماء في حدّ عصير العنب الذي إذا بلغه كان خمرًا فاختلاف متقارِب فنذكره هنا لتكمل فائدة الكتاب بذلك: روى ابن القاسم عن مالك أنه كان لا يعتبر الغليان في عصير العنب، ولا يلتفت إليه، ولا إلى ذهاب الثلثين في المطبوخ، وقال: أنا أحدّ كلّ من شرب شيئًا من عصير العنب، وإن قلّ إذا كان يسكر منه، وهو قول الشافعيّ، وقال الليث بن سعد: لا بأس بشرب عصير العنب ما لَمْ يَغل، ولا بأس بشرب مطبوخه إذا ذهب الثلثان، وبقي الثلث، وقال سفيان الثوريّ: اشرب عصير العنب حتى يَغْلِي، وغليانه أن يقذف بالزبد، فإذا غَلَى فهو خمر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، إلَّا أن أبا يوسف قال: إذا غَلَى فهو خمر، وقال أبو حنيفة: لا بأس به ما لَمْ يقذف بالزبد، وقالوا: إذا طُبخ حتى يذهب ثلثاه، ويبقى الثلث، ثم غَلَى بعد ذلك فلا بأس به؛ لأنه قد خرج من الحال المكروهة الحرام إلى حال الحلال، فسواء غَلَى بعد ذلك، أو لَمْ يَغْل، وقال أحمد بن حنبل: العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حَرُم، إلَّا أن يَغْلِيَ قبل ذلك فيحرم، قال: وكذلك النبيذ، وعن سعيد بن المسيِّب: أنه لا بأس بشرب العصير ما لَمْ يُزْبِد، وإذا أزبد فهو حرام، هذه رواية يزيد بن قُسيط عنه، وروى عنه قتادة: اشربه ما لَمْ يَغْل، فإذا غَلَى فهو خمر، وكذلك قال إبراهيم النخعيّ، وعامر الشعبيّ، وقال الحسن: اشربه ما لَمْ يتغيّر، وقال سعيد بن جبير: اشربه يومًا وليلةً، وروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن عليّ، وعن عطاء، وابن سيرين، والشعبيّ، وعن عطاء أيضًا: اشربه ثلاثًا ما لَمْ يَغْل، وقال ابن عباس: اشربه ما كان طريًّا، وقال ابن عمر: اشربه ما لَمْ يأخذه شيطانه، قيل له: ومتى يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . وقال المازريّ - ﵀ -: أجمعوا على أنَّ عصير العنب قبل أن يشتدّ حلال، وعلى أنَّه إذا اشتدّ، وغَلَي، وقذف بالزبد حَرُم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلُّل بنفسه، حلّ بالإجماع أيضًا، فوقع النظر في تبدّل هذه الإحكام عند هذه المتخذات، فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودلّ على أنَّ علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كلّ شراب وُجد فيه الإسكار، حرم تناول قليله وكثيره. انتهى . قال الحافظ - ﵀ -: وما ذكره استنباطًا ثبت التصريح به في بعض طرق الخبر، فعند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان من حديث جابر - ﵀ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام»، للنسائيّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مثله، وسنده إلى عمرو صحيح، ولأبي داود من حديث عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: «كلّ مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق، فملء الكف منه حرام»، ولابن حبان، والطحاويّ، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره». وقد اعتَرَف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يُسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلًا حتى يَقْتُل، قال: ويدلّ له حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: «حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كلّ شراب». انتهى. وهذا الحديث أخرجه النسائيّ، ورجاله ثقات، إلَّا أنه اختُلف في وصله وافي عمه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره، أن الرواية فيه بلفظ: «والمسكر» - بضم الميم، وسكون السين - لا «السكر» - بضم، ثم سكون، أو بفتحتين - وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فَرْد، ولفظه مُحْتَمِل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث، مع صحتها وكثرتها؟. وجاء عن عليّ عند الدارقطنيّ، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق، والطبرانيّ، وعن خَوّات بن جبير، عند الدارقطنيّ، والحاكم، والطبرانيّ، وعن زيد بن ثابت، عند الطبرانيّ، وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوّة وشهرةً. قال أبو المظفر ابن السمعانيّ: وكان حنفيًّا، فتحوّل شافعيًّا: ثبتت الأخبار عن النبيّ - ﷺ -، في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرًا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حُجج قواطع، قال: وقد زَلَّ الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخبارًا معلولةً، لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظنَّ أن رسول الله - ﷺ - شَرِب مسكرًا، فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شَرِبه كان حلوًا، ولم يكن مسكرًا. وقد رَوَى ثمامة بن حزن القشيريّ، أنه سأل عائشة - ﵂ - عن النبيذ؟ فدعت جارية حبشية، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله - ﷺ -، فقالت الحبشية: كنت أَنْبِذ له في سقاء من الليل، وأوكؤه، وأعلّقه، فإذا أصبح شرب منه، أخرجه مسلم، وروى الحسن البصريّ، عن أمه، عن عائشة - ﵂ - نحوه. ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلّة الإسكار، والاضطراب من أَجَلِّ الأقيسة، وأوضحِها، والمفاسدُ التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر؛ لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ؛ لأنَّ السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر؛ لأنَّ حصول الفرح والطرب موجود في كلّ منهما، وإن كان في النبيذ غِلَظ وكدرة، وفي الخمر رقّة وصفاء، لكن الطبع يَحْتَمِل ذلك في النبيذ؛ لحصول السكر كما تُحْتَمَل المرارة في الخمر؛ لِطَلَب السكر، قال: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كلّ مسكر، قلّ أو كثر، مُغْنِيَة عن القياس، والله تعالى أعلم. وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حلّ النبيذ الذي يُسكر كثيره عن الصحابة شيء، ولا عن التابعين، إلَّا عن إبراهيم النخعيّ، قال: وقد ثبت حديث عائشة - ﵂ -: «كلّ شراب أسكر فهو حرام». وأما ما أخرج ابن أبي شيبة، من طريق أبي وائل: «كنا ندخل على ابن مسعود، فيسقينا نبيذًا شديدًا»، ومن طريق علقمة: «أكلت مع ابن مسعود، فأُتينا بنبيذ شديد، نبذته سيرين، فشربوا منه». [فالجواب عنه]: من ثلاثة أوجه: [أحدها]: لو حُمل على ظاهره، لَمْ يكن معارِضًا للأحاديث في تحريم كلّ مسكر. [ثانيها]: أنه ثبت عن ابن مسعود - ﵁ - تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف النقل عنه، كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصحابة، مع موافقة الحديث المرفوع أَولى. [ثالثها]: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالشدّة شدّة الحلاوة، أو شدة الحموضة، فلا يكون فيه حجة أصلًا. وأسند أبو جعفر النحاس، عن يحيى بن معين، أن حديث عائشة - ﵂ -: «كلّ شراب أسكر، فهو حرام»، أصح شيء في الباب. وفي هذا تَعَقُّب على من نقل عن ابن معين أنه قال: لا أصل له، وقد ذكر الزيلعيّ في «تخريج أحاديث الهداية»، وهو من أكثرهم اطلاعًا: أنه لَمْ يثبت في شيء من كتب الحديث نَقْل هذا عن ابن معين. انتهى. وكيف يتأتى القول بتضعيفه، مع وجود مخارجه الصحيحة، ثم مع كثرة طرقه؟ حتى قال الإمام أحمد: إنها جاءت عن عشرين صحابيًّا، فأورد كثيرًا منها في «كتاب الأشربة» المفرد، فمنها ما تقدم، ومنها حديث ابن عمر الآتي عند مسلم آخر الباب، وحديث عمر بلفظ: «كلّ مسكر حرام»، عند أبي يعلى، وفيه الإفريقي، وحديث عليّ، بلفظ: «اجتنبوا ما أسكر»، عند أحمد، وهو حسن، وحديث ابن مسعود، عند ابن ماجة، من طريق ليّن بلفظ عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر ليّن أيضًا، بلفظ عليّ، وحديث أنس، أخرجه أحمد بسند صحيح، بلفظ: «ما أسكر فهو حرام»، وحديث أبي سعيد، أخرجه البزار بسند صحيح، بلفظ عمر، وحديث الأشج العَصَري، أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيّد، وصححه ابن حبان، وحديث دَيْلَم الحميريّ، أخرجه أبو داود بسند حسن، في حديث فيه قال: «هل يسكر؟» قال: نعم، قال: «فاجتنبوه»، وحديث ميمونة، أخرجه أحمد بسند حسن، بلفظ: «وكل شراب أسكر، فهو حرام»، وحديث ابن عباس، أخرجه أبو داود، من طريق جيّد، بلفظ عمر، والبزار من طريق ليّن، بلفظ: «واجتنبوا كلّ مسكر»، وحديث قيس بن سعد، أخرجه الطبرانيّ، بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر، بلفظ حديث عمر، وحديث النعمان بن بشير، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ: «وإني أنهاكم عن كلّ مسكر»، وحديث معاوية، أخرجه ابن ماجة بسند حسن، بلفظ عمر، وحديث وائل بن حجر أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزنيّ، أخرجه البزار، بلفظ عمر بسند ليِّن، وحديث عبد الله بن مُغَفَّل، أخرجه أحمد بلفظ: «اجتنبوا المسكر»، وحديث أم سلمة، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ: «نُهي عن كلّ مسكر ومُفَتِّر»، وحديث بريدة أخرجه مسلم في أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائيّ بسند حسن كذلك، ذَكَر أحاديث هؤلاء الترمذيّ في الباب، وفيه أيضًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جذه، عند النسائيّ، بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطاب، أخرجه الطبرانيّ بلفظ عليّ: «اجتنبوا كلّ مسكر»، وعن الرَّسيم أخرجه أحمد، بلفظ: «اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكرا»، وعن أبي بردة بن نيار، أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ، وعن طلق بن عليّ، رواه ابن أبي شيبة بلفظ: «يا أيها السائل عن المسكر، لا تشربه، ولا تُسْقِه أحدًا من المسلمين»، وعن صحار العبدي، أخرجه الطبرانيّ بنحو هذا، وعن أم حبيبة عند أحمد في «كتاب الأشربة»، وعن الضحاك بن النعمان، عند ابن أبي عاصم في «الأشربة»، وكذا عنده عن خَوّات بن جبير. فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر، وأبي موسى، وعائشة، زادت عن ثلاثين صحابيًّا، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أن المسكر لا يحلّ تناوله، بل يجب اجتنابه، والله أعلم. وقد رَدَّ أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاويّ، فقال أحمد: حدّثنا عبد الله بن إدريس، سمعت المختار بن فُلْفُل، يقول: سألت أنسًا؟، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزفت، وقال: «كلّ مسكر حرام»، قال: فقلت له: صدقت، المسكر حرام، فالشربة، والشربتان على الطعام، فقال: ما أسكر كثيره، فقليله حرام، وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابيّ أعرف بالمراد، ممن تأخر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ - ﵀ - في تتبّع أحاديث النبيّ - ﷺ - المرويّة في تحريم شرب المسكر، ولو لَمْ يَسْكَر، فمحاولة الطحاويّ، ومن تبعه في تأويل حديث: «كلّ شراب أسكر فهو حرام» بأن المراد السكر منه، لا تناول ما لا يُسكر؛ يعني: القليل منه محاولةٌ فاشلة، باطلة يُبطلها ما صحّ عن جماهير الصحابة، والتابعين في حَمْلهم الحديث على أنَّ المراد منه شرب المسكر، سواء أسكر؛ لكثرته، أم لَمْ يُسكر لقلّته. والحاصل أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام، فلا يحلّ شرب النبيذ إذا بلغ حدّ الإسكار، ولو لَمْ يَسكر منه؛ لنصّ رسول الله - ﷺ - على تحريمه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج النسائيّ - ﵀ - بسند حسن، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: عَلِمْتُ أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم، فتحيّنت فِطره بنبيذ صنعته له في دباء، فجئته به، فقال: «أَدْنِهِ»، فأدنيته منه، فإذا هو يَنِشّ، فقال: «اضْرِب بهذا الحائطَ، فإن هذا شراب من لا يؤمِن بالله واليوم الآخر». قال أبو عبد الرَّحمن - النسائيّ -: وفي هذا دليل على تحريم السكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها الذي يُشْرَب في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السُّكْرَ بكلّيته لا يَحْدُث على الشربة الآخرة، دون الأولى والثانية بعدها، وبالله التوفيق. انتهى . [فائدة]: رأيت للعلامة اللغويّ أحمد بن محمد بن عليّ المقرئ الفيّوميّ المتوفّى سنة (٧٧٠ هـ) الذي أعزو إليه غالب النقول اللغوية في هذا الشرح؛ لوجازته مع إتقانه، فائدةً تتعلق بهذا الموضوع، حيث قال في كتابه الممتع «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» ما نصّه: ويُرْوَى : «ما أسكر كثيره، فقليله حرام»، ونُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير على «كثيره»، فيبقى المعنى على قوله: «فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قَدَحين من النبيذ مثلًا، ولم يَسْكَر بهما، وكان يسكر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأَوَّلَين». وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدإ لِيُرْبَطَ به الخبرُ، فيصيرُ المعنى: الذي يُسكر كثيره، فقليل ذلك الذي يُسكر كثيره حرام، وقد صَرّح به في الحديث، فقال: «كلُّ مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكفّ منه حرام». ولأن الفاء جواب لِمَا في المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام، ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمله، وفيه فساد من جهة المعنى أيضًا؛ لأنه إذا أُريدَ: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر من الخمر، وهو مخالفٌ للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الفيّوميّ - ﵀ - تحقيق نفيسٌ جدًّا، يقطع دابر المفسدين الذين يقولون: إن المحرَّم هو الشربة الأخيرة، حيث تبيّن به أن ما تمسّكوا به من التمويهات الباطلة، لا يؤتده النقل اللغويّ، كما أن النصوص الصحيحة تنابذه. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِتْع، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصري، صدوق [١١] (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَصَالِحٍ: «سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ»، وَهُوَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة عشر: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ الخلّال، نزيل مكة، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ الحافظ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب والذي قبله. وقوله: (كُلّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)؛ يعني: أن شيوخه الخمسة رووا هذا الحديث عن سفيان بن عيينة. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة: ابن عيينة، وصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ بسنده الماضي؛ أي: عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها ابن ماجة - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٣٣٨٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، تَبْلُغ به النبيّ - ﷺ - قال: «كلّ شراب أسكر فهو حرام». انتهى . ورواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٩٤٠) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرَّحمن أخبره، أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، أنَّها سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «كلّ شراب مسكر حرام». انتهى . ورواية معمر بن راشد عن الزهريّ ساقها إسحاق بن راهويه في «مسنده»، فقال: (١٠٦٧) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الْبِتْع، فقال: «كلّ شراب أسكر فهو حرام»، قال: «والبتعُ نبيذ العسل». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٠٣] (١٧٣٣) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَن، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، مِنَ الشَّعِير، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ، مِنَ الْعَسَل، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في «الزكاة» ١٦/ ٢٣٣٣. ٢ - (أَبُوهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، الكوفيّ، وُلد بالبصرة، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات - ﵀ - سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شعبة، فواسطيّ، ثم بصريّ، وقتيبة فبغلانيّ، وإسحاق، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِيِ مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: بَعَثَنِي)؛ أي: أرسلني (النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلِ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة ثمان عشرة بالشام، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٧/ ١٣٥. (إِلَى الْيَمَنِ) البلد المعروف، قال في «الفتح»: كان بَعْثُ أبي موسى - ﵁ - إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد تبوك مع النبيِّ - ﷺ -، وقال في الكلام على بعث معاذ - ﵁ -: وروى أحمد من طريق عاصم بن حميد، عن معاذ: «لمّا بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب …» الحديث، ومن طريق يزيد بن قطيب، عن معاذ: «لمّا بعثني النبيّ - ﷺ - لي إلى اليمن قال: قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتِل بمن أطاعك من عصاك»، وعند أهل المغازي أنَّها كانت في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. انتهى . (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا)؛ أي: أرض اليمن، (يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ) بكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء، (مِنَ الشَّعِيرِ) متعلّق بـ «يُصنع»، ويُصنع أيضًا من الذّرَة، والحنطة. (وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ) بكسر الموحّدة، وسكون التاء، (مِنَ الْعَسَلِ)؛ أي: يُصنع منه، المراد من السؤال: معرفة حُكْم شُربه، ففي رواية زيد بن أبي أنيسة عن سعيد بن أبي بردة الآتية: «قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين نصنعهما باليمن: البتع، وهو من العسل، يُنبذ حتى يشتدّ، والْمِزْر، وهو من الذرة والشعير، يُنبذ حتى يشتدّ …». (فَقَالَ) - ﷺ - («كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ») وفي رواية زيد الآتية: وكان رسول الله - ﷺ - قد أُعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: «أنهى عن كلّ مسكر أسكر عن الصلاة»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٠٣ و٥٢٠٤ و٥٢٠٥] (١٧٣٣)، و(البخاريّ) في «الجهاد والسير» (٣٠٣٨) و«المغازي» (٤٣٤٣ و٤٣٤٥) و«الأدب» (٦١٢٤) و«الأحكام» (٧١٧٢)، و(أبو داود) في «الأشربة» (٣٦٨٤)، و(النسائيّ) في «الأشربة» (٨/ ٢٩٨) و«الكبرى» (٣/ ٢١٤)، و(ابن ماجة) في «الأشربة» (٣٢٩١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣/ ٣٥٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤١٠ و٤١٧) وفي «الأشربة» (٢٣٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٠٠٦)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٣٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٩٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَن، فَقَالَ لَهُمَا: «بَشِّرَا، وَيَسِّرَا، وَعَلِّمَا، وَلَا تُنَفِّرَا»، وَأُرَاهُ قَالَ: «وَتَطَاوَعَا»، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا مِنَ الْعَسَل، يُطْبَخُ حَتَّى يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِير، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، و«سفيان» هو: ابن عيينة. [تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ هذا الإسناد، وقال: لَمْ يتابع ابن عبّاد عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد، وقد روي عن سفيان، عن مسعر، عن سعيد، ولا يثبت، ولم يُخرجه البخاريّ من طريق سفيان. انتهى، ونقل النوويّ كلام الدارقطنيّ هذا، ولم يتعقّبه. وعبارة الدارقطنيّ في «العلل»: واختُلِف عن ابن عيينة، فرُوي عن محمد بن عباد المكيّ عنه، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن أبي موسى، وخالفه سهل صقير، فرواه عن ابن عيينة عن مسعر، وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، وكلاهما غير محفوظ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن ما قاله الدارقطنيُّ - ﵀ - وجيه، وذلك أن محمد بن عبّاد تفرّد عن سفيان، وخالفه غيره، وهو ليس بحافظ، إلَّا أن متن الحديث صحيح محفوظ من الطرق الأخرى، فلا حرج على مسلم، حيث أورده في معرض المتابعة، لا في معرض الاحتجاج، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار أنه (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع هذا الحديث (مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة عامر، وقيل غيره، (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَهُ)؛ أي: أبا موسى (وَمُعَاذًا)؛ أي: ابن جبل - ﵁ - (إِلَى الْيَمَن، فَقَالَ لَهُمَا: (بَشِّرَا، وَيَسِّرَا)؛ أي: خذا بما فيه اليُسر والسهولة، زاد في الرواية السابقة في «الجهاد والسِّير»: «ولا تعسّرا»؛ أي: لا تأخذا بما فيه الشدّة. (وَعَلِّمَا)؛ أي: علِّما الناس أمور دينهم، (ولَا تَنَفِّرَا«) وفي الرواية السابقة في»الجهاد والسِّير«[٣/ ٤٥١٦] (١٧٣٣):»يسّرا، ولا تعسّرا، وبشّرا، ولا تُنفّرا«، قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله:»يسّرا، ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا« هذا من باب المقابلة المعنوية، لأنَّ الحقيقية أن يقال: بشّرا، ولا تنذرا، وآنسا، ولا تنفّرا، فجَمَع بينهما، لتعمّ البشارة والنذارة، والتأنيس والتنفير. قال الحافظ - ﵀ - بعد نقل كلام الطيبيّ هذا: ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة، وهو الأصل، وبلفظ التنفير، وهو اللازم، وأتى بالذي بعده على العكس، للإشارة إلى أن الإنذار لا يُنفَى مطلقًا، بخلاف التنفير، فاكتفَى بما يلزم عنه الإنذار، وهو التنفير، فكأنه قيل: إن أنذرتم، فليكن بغير تنفير، كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ الآية [طه: ٤٤] انتهى ، وتقدّم في «الزكاة» بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَأُرَاهُ قَالَ) يَحْتَمل أن يكون الشكّ من أبي موسى - ﵁ -؛ أي: أظنّه - ﷺ - قال: («وَتَطَاوَعَا»)؛ أي: فيما بينهما، ليُطع أحدكما الآخر فيما يأمره به، وقد مرّ في «الزكاة» من غير شك، ولفظه: «وتطاوعا، ولا تختلفا». (قَالَ) أبو موسى (فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فلمّا وليتُ رجعتُ، ويَحْتَمِل أن يكون من كلام أبي بردة، والوجه الأول أظهر، لأنَّ هذا ظاهر أنه منقطع؛ لأنَّ أبا بردة لَمْ يشهد القصّة، وإن كان يمكن تأويله بأنه أخذه من أبيه، فتأملّ. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لَهُمْ)؛ أي: لأهل اليمن (شَرَابًا مِنَ الْعَسَلِ) هو المسمّى بالبتع كما بيّنه في الرواية التالية، (يُطْبَخُ) بالبناء للمفعول، (حَتَّى يَعْقِدَ) بفتح الياء، وكسر القاف، يقال: عَقَدت الْعَسَل، ونحوه، وأعقدته، هكذا ضبطه النوويّ، والذي في «القاموس» و«شرحه»: وعَقّدته تعقيدًا بالتشديد -: أغليته حتى غَلُظَ، كأعقدته فهو مُعْقَد، قال الكِسائيّ: ويقال للقَطِران والرُّبِّ ونحوِه: أَعقَدْتُه حتى تَعَقَّدَ، وفي «المحكم»: عَقَدَ العَسَلُ، والرُّبُّ، ونحوهما يَعْقِدُ، وانعَقَدَ، وأعقَدْتُه، فهو مُعْقَدٌ، وعَقِيدٌ: غَلُظَ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد مما ذَكَره في «القاموس»، و«شرحه» أن عَقَد بالتخفيف ثلاثيًّا لازم، وأما المتعدّي، فهو أعقدته بالألف، أو عقّدته بالتشديد، فيكون الصواب في عبارة النووي: «عَقَدَ العسلُ ونحوه»، فالعسل مرفوع على الفاعليّة، وليس منصوبًا، ويكون معنى «حتى يعقِد»؛ أي: حتى يَغْلُظ، فتأمل، والله تعالى أعلم. (وَ) لهم (الْمِزْرُ) بالكسر، (يُصْنَعُ) بالبناء للمفعول، (مِنَ الشَّعِير، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ مَا أَسكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ)؛ أي: صدّ عن إقامتها بسبب إسكاره، كما قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] (فَهُوَ حَرَامٌ»)؛ أي: فشُربه محرّم، والله تعالى أعلم. والحديث تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي خَلَفٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبيه، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَن، فَقَالَ: «ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْن، كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَل، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِير، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ أُعْطىَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِه، فَقَالَ: «أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ، أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظ فاضل، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٥) سنة (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦. ٤ - (زيدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسم أبيه زيد، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (فَقَالَ: «ادْعُوَا النَّاسَ) بألف التثنية خطابًا لأبي موسى ومعاذ - ﵄ -. وقوله: (وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا)«بشّرا»أمرّ من البشارة، وهي الإخبار بالخير، وهي نقيض النذارة، وهي الإخبار بالشرّ، والمعنى: وبشّرا الناسَ، أو المؤمنين بفضل الله تعالى، وثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وكذا المعنى في قوله:«ولا تنفّرا»، يعني: بذكر التخويف، وأنواع الوعيد، فيُتألّف من قرُب إسلامه بترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من المعاصي ونحوهم، أفاده العينيّ. وقال المناويّ - ﵀ -: قوله:«وبشّرا»بفضل الله تعالى، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وشمول عفوه، ومغفرته، من التبشير، وهو إدخال السرور، والبشارة: الإخبار بخبر سارّ، وقوله:«بشّرا»بعد قوله:«يسّرا»فيه جناس خطيّ، ولم يكتف به، بل أردفه بقوله:«ولا تنفرا»لِمَا مرّ؛ وهو من التنفير؛ أي: لا تذكرا شيئًا تهزمون منه، ولا تصدروا بما فيه الشدّة، وقابَل به«بشّرا»مع أن ضد البشارة النذارة؛ لأنَّ القصد من النذارة التنفير، فصرّح بالمقصود منها. قال: ومن جعل معنى«يسّرا»اصرفا وجوه الناس إلى الله في الرغبة فيما عنده، وردّاهم في طلب الحوائج إليه، ودلّاهم في كلّ أحوالهم، ومعنى:«لا تعسّرا» لا تردّاهم إلى الناس في طلب ما يحتاجونه، فقد صرف اللفظ عن ظاهره بلا ضرورة. وهذا الحديث كما قال الكرمانيّ وغيره من جوامع الكلم؛ لاشتماله على الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء، فأمَر النبيّ - ﷺ - فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالجميل، والإخبار بالسرور تحقيقًا لكونه رحمةً للعالمين في الدارين، وفيه الأمر بالتيسير بسعة الرحمة، والنهي عن التنفير بذكر التخويف؛ أي: من غير ضمّه إلى التبشير، وتأليف من قَرُب إسلامه، وتَرْك التشديد عليه، والأخذ بالأرفق، وتحسين الظن بالله، لكن لا يجعل وَعْظَه كله رجاءً، بل يشوبه بالخوف، فيجعلهما كأدنى حافر، والعلم والعمل كجناحي طائر. انتهى ببعض تصرّف . وقوله: (وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا») قال النوويّ - ﵀ -: إنما جمع في هذه الألفاظ، بين الشيء وضدّه؛ لأنَّ الأمر يصدق بمرّة، أو مرات، مع فِعل ضدّه في سائر الحالات، والنهي ينفي الفعل في جميع الأحوال، وهو المطلوب. انتهى. وقال المناويّ - ﵀ -: قوله:«يسّرا»بفتح، فتشديد؛ أي: خذا بما فيه التيسير على الناس بذِكْر ما يؤلِّفهم لقبول المواعظ في جميع الأيام؛ لئلا يثقل لجهم، فينفُروا، وذلك لأنَّ التيسير في التعليم يورث قبول الطاعة، ويرغِّب في العبادة، ويَسْهُل به العلم والعمل. وقوله:«ولا تعسّرا»: لا تشددا، أردفه بنفي التعسير مع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ تصريحًا بما لزم ضمنًا للتأكيد، ذكره الكرمانيّ، قال: وأَولى منه قول جَمْعٍ: عَقَّبه به؛ إيذانًا بأن مراده نفي التعسير رأسًا، ولو اقتصر على يَسِّرَا لَصَدَق على كلّ من يسَّر مرةً، وعَسَّر كثيرًا كذا قرره أئمة هذا الشأن، ومنهم النوويّ وغيره، وبه يُعرَف أن لا حاجة لِمَا تكلَّفه المولى ابن الكمال حيث قال: أراد بالتعسير التهيئة، كخبر:«كلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِق له»، فلا يكون قوله:«ولا تعسرا»تأكيدًا، بل تأسيسًا. وأنت خبير بأنه مع عدم دعاء الحاجة إليه لا يلائمه السياق، بل ينافره. انتهى . وقوله: (يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ) الأول بالبناء للمفعول، والثاني بالبناء للفاعل، وهذا لا ينافي ما في الرواية السابقة من قوله:«يُطبخ حتى يَعْقِد»؛ لإمكان أن يُصنع بالصناعتين، تارةً بالطبخ حتى يَعْقِد، وتارةً بالنبذ بلا طبخ، ويترك حتى يشتذ، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ)؛ أي: إيجاز اللفظ مع تناوله المعاني الكثيرة جدًّا، وقوله: (بِخَوَاتِمِهِ)؛ أي: كان يختم على المعاني الكثيرة التي تضمَّنها اللفظ اليسير، فلا يخرج منها شيء عن طالبه، ومستنبِطه؛ لعذوبة لفظه، وجزالته، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال في «المشارق»: وقوله: «أُعطي جوامع الكلم بخواتمه»، وعند العذريّ: «جوامع الكلم وخواتمه»، هما بمعنى جَمْعِ المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، والختم عليها بضمّها في تلك الكلمات، كما يُختم على ما في الكتاب. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «بجوامع الكلم» قال ابن التين: جوامع الكلم: القرآن؛ لأنه يقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك، وقال الخطابيّ: معناه إيجاز الكلام في إشباع المعاني، قال العينيّ: الإضافة في «جوامع الكلم» من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهي الكلمة الموجزة لفظًا المتَّسعة معنًى؛ يعني: يكون اللفظ قليلًا، والمعنى كثيرًا، وقالوا: فيه الحثّ على استخراج تلك المعاني، وتبيين تلك الدقائق المودَعة فيها، وقال ابن شهاب - فيما ذكره الإسماعيليّ -: بلغني أن جوامع الكلم أن الله تعالى يَجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، أو الأمرين، أو نحو ذلك. انتهى . وقال في «الفتح» ما حاصله: دخول القرآن في قوله: «بُعثت بجوامع الكلم» لا شك فيه، وإنما النزاع: هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟ وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢] إلى غير ذلك، ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة: «كلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ»، وحديث: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، متَّفقٌ عليهما، وحديث أبي هريرة: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، متّفقٌ عليه أيضًا، وحديث المقدام: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه …» الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم إلى غير ذلك، مما يكثر بالتتبع، وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لَمْ تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلَّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتفق ألفاظه؛ لِتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى؛ لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لَمْ يُوفّ بالمعنى. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في أول كتابه الممتع «جامع العلوم والحكم»: أما بعد: فإن الله - ﷾ - بعث محمدًا - ﷺ - بجوامع الكلم، وخصّه ببدائع الحِكَم، كما في «الصحيحين»، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «بُعِثت بجوامع الكلم»، قال الزهريّ: جوامع الكلم - فيما بلغنا - أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، ونحو ذلك. وأخرج الإمام أحمد - ﵀ - من حديث عمرو بن العاص - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا، كالمودِّع، فقال: «أنا محمد النبيّ الأُميّ» قال ذلك ثلاث مرات، «ولا نبيّ بعدي، أوتيت فواتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه»، وذكر الحديث . وأخرج أبو يعلى الموصليّ من حديث عمر بن الخطاب، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إني أوتيت جوامع الكلم، وخواتمه، واختُصِر لي الكلام اختصارًا». وأخرج الدارقطنيّ - ﵀ - من حديث ابن عباس - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قال: «أعطيت جوامع الكلم، واختُصِر لي الحديث اختصارًا» . قال: ورَوينا من حديث عبد الرَّحمن بن إسحاق القرشيّ، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله: «أعطيت فواتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه»، فقلنا: يا رسول الله علِّمنا مما علمك الله - ﷿ -، قال: فعلَّمنا التشهد. وفي «صحيح مسلم» عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ - ﷺ - سئل عن البتع والمزر، قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: «أنهى عن كلّ مسكر أسكر عن الصلاة». وروى هشام بن عمار في «كتاب البعث» بإسناده عن أبي سلّام الحبشيّ قال: حُدِّثت أن النبيّ - ﷺ - كان يقول: «فضِّلت على مَن قبلي بستّ، ولا فخر …»، فذكر منها جوامع الكلم، فقال: «وأُعطيت جوامع الكلم، وكان أهل الكتاب يجعلونها جزءًا بالليل إلى الصباح، فجمَعها لي ربي في آية واحدة: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١] . قال: فجوامع الكلم التي خُصَّ بها النبيّ - ﷺ - نوعان: أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، قال الحسن: لَمْ تترك هذه الآية خيرًا إلَّا أمرت به، ولا شرًّا إلَّا نهت عنه. والثاني: ما هو في كلامه - ﷺ -، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه - ﷺ -، وقد جَمَع العلماء - ﵃ - جموعًا من كلماته - ﷺ - الجامعة، فصنّف الحافظ أبو بكر بن السنيّ كتابًا سمّاه: «الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة»، وجَمَع القاضي أبو عبد الله القُضَاعيّ من جوامع الكلم الوجيزة كتابًا سمّاه: «الشهاب في الحِكَم والاداب»، وصنّف على منواله قوم آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابيّ في أول كتابه «غريب الحديث» إلى يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسًا سمّاه: «الأحاديث الكلية» جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إن مَدَار الدِّين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثًا، ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا يحيى النوويّ رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسَمّى كتابه بالأربعين، واشتهرت هذه الأربعون التي جَمَعها، وكَثُر حِفْظها، ونفع الله بها ببركة نيّة جامعها، وحُسْن قَصْده رحمه الله تعالى. انتهى كلام ابن رجب: - ﵀ - . وقوله: (فَقَالَ: «أنهَى عَنْ كُلّ مُسْكِرٍ، أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ»)؛ أي: صدّ عن إقامتها. [تنبيه]: كتب الحافظ ابن رجب على هذا الحديث بحثًا طويلًا مفيدًا جدًّا، ولكثرة فوائد، وغزارة عوائده أحببت إيراده هنا؛ لأنَّ كتابي هذا ليس موضوعًا على الاختصار، وإنما هو موضوع على التطويل، واستيفاء المسائل، وغَرَضي من كتابته جَمْع ما وصل إليّ من الفوائد النفيسة، المتعلّقة بأحاديث مسلم، فلا تسام أيها الطالب المنهوم بالعلم، والمشغوف بالفهم إن أطلت عليك البحث، وقد نبّهتك على هذا في أوائل الكتاب، والله تعالى يتولّى هُداي وهُداك. قال: - ﵀ - هذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أول ما حُرّمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لَمّا صلى بعض المهاجرين، وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: لا يقرب الصلاة سكران ، ثم إن الله حرّمها على الإطلاق بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فذَكَر علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار، وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء، فإن من سَكِرَ اختل عقله، فربما تسلّط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتل، وهي أم الخبائث، فمن شربها قتل النفس، وزنى، وربما كَفَر، وقد رُوي هذا المعنى عن عثمان وغيره، وروي مرفوعًا أيضًا . ومن قامر فربما قُهِر، وأُخذ ماله قهرًا، فلم يبق له شيء، فيشتد حقده على من أَخذ ماله، وكل ما أبي إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حرامًا، وأخبر أن الشيطان يصدُّكم بالخمر والميسر عن ذكر الله، وعن الصلاة، فإن السكران يزول عقله، أو يختلّ، فلا يستطيع أن يذكر الله، ولا أن يصلي، ولهذا قالت طائفة من السلف: إن شارب الخمر تمرّ عليه ساعة لا يَعرف فيها ربه، والله - ﷾ - إنما خلقهم ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته كان محرَّمًا، وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإن الله تعالى جبل العباد عليه، واضطرهم إليه، ولا قوام لأبدانهم إلَّا به؛ إذ هو راحة لهم من السعي والنصب، فهو من أعظم أَنْعُم الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومه عونًا له على الصلاة والذكر، ولهذا قال بعض الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وكذلك المَيْسر يصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته، حتى لا يكاد يذكرها؛ لاستغراقه فيه، ولهذا قال عليّ لمّا مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ، فشبّهم بالعاكفين على التماثيل، وجاء في الحديث: «إن مدمن الخمر كعابد الوثن» ، فإنه يتعلق قلبه به فلا يكاد يمكنه أن يَدَعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته، وهذا كله مضادّ لِمَا خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذِكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه، فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد إليه ضرورة، بل كان ضررًا محضًا عليه كان محرّمًا، وقد روي عن عليّ أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج: ما لهذا خُلقتم. ومن هنا يُعلم أن المَيْسر محرّم سواء كان بِعِوَض، أو بغير عوض، وأن الشطرنج كالنَّرد، أو شرّ منه؛ لأنَّها تشغل أصحابها عن ذكر الله، وعن الصلاة أكثر من النرد. والمقصود أن النبيّ - ﷺ - قال: «كلّ مسكر حرام، وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام». وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبيِّ - ﷺ -، فأخرجا في «الصحيحين» عن ابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «كلّ مسكر خمر، وكل خمر حرام»، ولفظ مسلم: «وكل مسكر حرام»، وأخرج أيضًا من حديث عائشة - ﵂ - أن النبيّ - ﷺ - سئل عن البتع، فقال: «كلّ شراب أسكر فهو حرام»، وقد صحح هذا الحديث أحمد، ويحيى بن معين، واحتجا به، ونقل ابن عبد البرّ إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يُرْوَى عن النبيّ - ﷺ - في تحريم المسكر. وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين مِنْ طَعْنه فيه، فلا يَثبت ذلك عنه. وأخرج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «كلّ مسكر حرام». وإلى هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين، ومَنْ بَعْدَهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وهو مما أَجمع على القول به أهل المدينة كلهم. وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر إنما هو خمر العنب خاصّةً، وما عداها فإنما يَحْرُم منه القَدْر الذي يُسكر، ولا يحرم ما دونه، وما زال علماء الأمصار يُنكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورًا لهم، وفيهم خَلْق من أئمة العلم والدّين، قال ابن المبارك: ما وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحَّ إلَّا عن إبراهيم؛ يعني: النخعيّ، ولذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصحّ، وقد صنّف «كتاب الأشربة»، ولم يذكر فيه شيئًا من الرخصة، وصنّف كتابًا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لَمْ تجعل في «كتاب الأشربة» الرخصة كما جعلت في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. ومما يدلّ على أنَّ كلّ مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لَمْ تكن آية تحريم الخمر شاملة لِمَا عندهم لَمَا كان فيها بيان لِمَا سألوا عنه، ولكان محمل السبب خارجًا من عموم الكلام، وهو ممتنع، ولمّا نزل تحريم الخمر أنّ أقوامًا أهرقوا ما عندهم من الأشربة، فدلّ على أنَّهم فَهِموا أنه من الخمر المأمور باجتنابه. وفي «صحيح البخاري» عن أنس قال: حُرِّمت علينا الخمر حين حُرِّمت وما نجد خمر الأعناب إلَّا قليلًا، وعامة خمرنا البسر والتمر، وعنه أنه قال: إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسهيل ابن بيضاء، خليط بسر وتمر، إذ حرمت الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم، وأصغرهم، وإنا لنعدّها حينئذ الخمر. وفي «الصحيحين» عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمّونه الفضيخ. وفي «صحيح مسلم» عنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حَرَّم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب يُشرب إلَّا من تمر. وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةَ أشربة، ما منها شراب العنب. وفي «الصحيحين» عن الشعبيّ عن ابن عمر قال: قام عمر - ﵁ - على المنبر، فقال: أما بعدُ: نزل تحريم الخمر، وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وخرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، من حديث الشعبيّ عن النعمان بن بشير، عن النبيِّ - ﷺ -، وذكر الترمذيّ أن قول من قال عن الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر أصحّ، وكذا قال ابن المدينيّ، وروى أبو إسحاق عن أبي هريرة، قال: قال عمر: ما خَمّرته فعَتَّقته فهو خمر، وأَنّا كانت لنا الخمر خمر العنب. وفي مسند الإمام أحمد، عن المختار بن فُلْفُل قال: سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المزفت، فقال: «كلّ مسكر حرام»، قلت له: صدقت، فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليله وكثيره حرام، وقال: الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة، فما خَمّرت من ذلك، فهو الخمر، أخرجه أحمد، عن عبد الله بن إدريس، سمعت المختار يقول، فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة»، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر. وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما خرّجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، من حديث عائشة - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفَرَقُ فملء الكفّ منه حرام»، وفي رواية: «الْحَسْوَة منه حرام»، وقد احتجّ به أحمد، وذهب إليه، وسئل عمن قال: إنه لا يصحّ، فقال: هذا رجل مُغْلٍ؛ يعني: أنه قد غلا في مقالته. وقد أخرج النسائيّ هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، عن النبيّ - ﷺ -، وقد رُوي عن النبيّ - ﷺ - من وجوه كثيرة يطول ذكرها. ورَوَى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، حدّثني أبو وهيب الجيشانيّ، عن وَفْد أهل اليمن، أنهم قَدِمُوا على النبيّ - ﷺ -، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، فسَمَّوا له الْبِتْع من العسل، والْمِزْر من الشعير، قال النبيّ - ﷺ -: «هل تَسكرون منها؟»، قالوا: إن أكثرنا منها أسكرنا، قال: «فحرام قليله ما أسكر كثيره»، أخرجه القاضي إسماعيل . وقد كانت الصحابة - ﵃ - تحتجّ بقول النبيّ - ﷺ -: «كل مسكر حرام» على تحريم جميع أنواع المُسكِرات، ما كان موجودًا منها على عهد النبيّ - ﷺ -، وما حَدَث بعده، كما سئل ابن عباس عن الباذِق ، فقال: «سَبَق محمد - ﷺ - الباذِق، فما أسكر فهو حرام»، أخرجه البخاريّ، يشير إلى أنه إن كان مسكرًا فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة. (واعلم): أن المسكر المزيل للعقل نوعان: [أحدهما]: ما كان فيه لذّة وطرب، فهذا هو الخمر المحرّم شُربه، وفي «المسند» عن طلق الحنفيّ أنه كان جالسًا عند النبيّ - ﷺ -، فقال رجل: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه بأرضنا، من ثمارنا، فقال - ﷺ -: «مَن سائلٌ عن المسكر؟ فلا تشربه، ولا تُسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده، أو بالذي يُحلف به لا يشربه رجل ابتغاء لذة مسكرة، فيسقيه الله الخمر يوم القيامة». قالت طائفة من العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدًا، أو مائعًا، وسواء كان مطعومًا، أو مشروبًا، وسواء كان من حَبّ، أو تمر، أو لبن، أو غير ذلك، وأدخَلوا في ذلك الحشيشة التي تُعمل من ورق العنب وغيرها، مما يؤكل لأجل لذته، وسكره. وفي «سنن أبي داود» من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كل مسكر، ومُفَتِّر» ، والمفتر هو المخدِّر للجسد، وإن لم يَنته إلى حدّ الإسكار. [والثاني]: ما يزيل العقل، ويسكره، ولا لذّة فيه، ولا طَرَب، كالبنج ونحوه، فقال أصحابنا - يعني: الحنبليّة - إنْ تناوله لحاجة التداوي، وكان الغالب منه السلامة جاز. وقد رُوي عن عروة بن الزبير لَمّا وقعت الأَكَلة في رجله، وأرادوا قطعها، قال له الأطباء: نسقيك دواءًا حتى يغيب عقلك، ولا تُحسّ بألم القطع، فأبى، وقال: ما ظننت أن خَلْقًا يشرب شرابًا يزول منه عقله، حتى لا يَعرف ربه، ورُوي عنه أنه قال: لا أشرب شيئًا يحول بيني وبين ذِكر ﷿، وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثر أصحابنا، كالقاضي، وابن عَقيل، وصاحب «المغني»: إنه محرّم؛ لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحَرُم كشرب المسكر، وروى حَنَش الرحبيّ، وفيه ضعف، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا: «من شَرِب شرابًا يَذهب بعقله، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر» . وقالت طائفة منهم ابن عقيل في «فنونه»: لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذّة فيه، والخمر إنما حُرّمت لِمَا فيها من الشدّة المطربة، ولا إطراب في البنج ونحوه، ولا شدّة، فعلى قول الأكثرين أَبُو تناول ذلك لغير حاجة، وسكر به، فطلّق، فحُكم طلاقه حُكم طلاق السكران، قاله أكثر أصحابنا، كابن حامد، والقاضي، وأصحاب الشافعيّ، وقالت الحنفية: لا يقع طلاقه، وعلّلوا بأنه ليس فيه لذة، وهذا يدلّ على أنهم لم يحرّموه. وقالت الشافعية: هو محرَّم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهر كلام أحمد أنه لا يقع طلاقه، بخلاف السكران، وتأوله القاضي، وقال: إنما قال ذلك إلزامًا للحنفية، لا اعتقادًا له، وسياق كلامه مُحْتَمِل لذلك. وأما الحدّ فإنما يجب بتناول ما فيه شدّة وطرب من المسكرات؛ لأنه هو الذي تدعو النفوس إليه، فجعل الحدّ زاجرًا عنه، فأما ما فيه سكر بغير طرب، ولا لذّة فليس فيه سوى التعزير؛ لأنه ليس في النفوس داع إليه، حتى يحتاج إلى حدّ مقدَّر زاجر عنه، فهو كأكل الميتة، ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حدّ من شرب ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حلّه متأولًا، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، خلافًا لأبي ثور، فإنه قال: لا يُحَدّ؛ لتأوله، فهو كالناكح بلا وليّ، وفي حدّ الناكح بلا وليّ خلاف أيضًا، ولكن الصحيح أنه لا يحدّ، وقد فُرِّق بينه وبين شرب النبيذ متأولًا بأن شرب النبيذ المختلف فيه داعٍ إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه، بخلاف النكاح بغير وليّ، فإنه مُغْنٍ عن الزنا المجمع على تحريمه،
مصادر المؤلف (٣٧)

١. «الفتح»١٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، كتاب«الأشربة»رقم (٥٥٨٥).«مسنده»(٢/ ٢٩١ و٢٨٥ و٤٨٦)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(٤/ ٢٥١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ٢٩١)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٣٠٠٨)، والله تعالى أعلم.

٢. «التمهيد»لابن عبد البرّ ٧/ ١٢٥.

٣. «الفتح»١٢/ ٦١١، كتاب«الأشربة» رقم (٥٥٨٥).

٤. «الاستذكار» ٨/ ١٢.

٥. «المعلم بفوائد صحيح مسلم» للمازريّ - ﵀ - ٣/ ٦٢.

٦. «الفتح» ١٢/ ٦٠٨ - ٦١١، كتاب «الأشربة» رقم (٥٥٨٥).

٧. «سنن النسائيّ - المجتبى» ٨/ ٣٠١.

٨. كان الأَولى في مثل هذا الحديث الصحيح التعبير بثبت، أو بصحّ، ونحو ذلك، لا «يروى» بصيغة التمريض، إلَّا أن العذر للفيّوميّ أنه لغويّ، وليس محدّثًا، حتى يَعرف هذه الدقائق الحديثية، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٣.

١٠. «سنن ابن ماجة» ٢/ ١١٢٣.

١١. «مسند أبي عوانة» ٥/ ٩٨.

١٢. «مسند إسحاق بن راهويه» ٢/ ٤٨٦.

١٣. هذا رقم مكرّر.

١٤. راجع: «الفتح» ٩/ ٤٧٧ - ٤٧٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٤١).

١٥. «علل الدارقطنيّ» ٧/ ٢١٥.

١٦. «الفتح»٩/ ٤٧٨، كتاب«المغازي»رقم (٤٣٤١).

١٧. «تاج العروس»١/ ٢١٢٩.

١٨. والتصرّف أنه وقع في روايته بلفظ: «يسّروا ولا تعسّروا … إلخ» بواو الجمع، فأوردته هنا بألف التثنية؛ ليوافق رواية مسلم، وقال أبو البقاء: وإنما قال: «يسروا» بالجمع مع أن المخاطب اثنان؛ لأنَّ الاثنين جَمْع في الحقيقة؛ إذ الجمع ضمّ شيء إلى شيء، أو يقال: إن الاثنين أميران، والأمير إذا قال شيئًا توقّع قبول الأمر إلى الجمع، أو أراد: أمَرَهما وأمَرَ من يولّيانه. انتهى.

١٩. «فيض القدير» ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.

٢٠. «فيض القدير» ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.

٢١. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٧٠.

٢٢. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٣٠.

٢٣. «عمدة القاري» ١٤/ ٢٣٥.

٢٤. «الفتح» ١٣/ ٢٤٨.

٢٥. في سنده ابن لهيعة، وهو متكلّم فيه.

٢٦. «سنن الدارقطنيّ» ٤/ ١٤٤ - ١٤٥، وفي سنده ضعف.

٢٧. هذا خبر مرسل.

٢٨. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٤ - ٥.

٢٩. رواه أحمد ١/ ٥٣، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذيّ (٣٠٤٩)، والنسائيّ ٨/ ٢٨٦ - ٢٨٧، وصححه ابن المدينيّ والترمذيّ.

٣٠. رواه النسائيّ ٨/ ٣١٥ موقوفًا على عثمان، ورواه ابن حبّان في «صحيحه» (٥٣٢٤) عنه مرفوعًا.

٣١. رواه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٣٨، والبيهقيّ ١٠/ ٢١٢، وفي إسناده انقطاع.

٣٢. رواه أحمد، وابن ماجة، وصححه ابن حبّان.

٣٣. في سنده ضعف. فيه أبو وهب الجيشانيّ، قال ابن القطان: مجهول الحال.

٣٤. «الباذق»بكسر الذال، وفتحها: ما طُبخ من عصير العنب أدنى طبخة، فصار شديدًا. انتهى.«القاموس»ص ٨٨ - ٨٩.

٣٥. قال الهيثميّ: رجاله ثقات.

٣٦. ضعفّه بعضهم بضعف شهر بن حوشب، والصحيح من أقوال العلماء أن شهرًا ليس ضعيفًا، بل ثقةٌ، وأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، وقد حقّقت هذا الموضع في «شرح المقدّمة» عند ذكر ترجمة شَهْر، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٣٧. رواه أبو يعلى، والبزار، والطبرانيّ، وإسناده ضعيف؛ لِضَعْف حنش الرحبيّ.