HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠١٧

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا، حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَضَعَ يَدَهُ. وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ، مَرَّةً، طَعَامًا. فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ. فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا. ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ. فَأَخَذَ بِيَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا. فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا. فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ. فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يدها).
ج ٣ ص ١٥٩٧

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٨١
[٥٥٥] حديث حذيفة ﵁: (كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ) ؛ وذكر الحديث، في الحديث: فضل ذكر اسم الله على الطعام، وقوله: (كَأَنَّهَا تُدْفَعُ)؛ أي: تساق إلى ذلك المكان، وقوله: (لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ) : لَيَستبيحُ وينتهبُ، وفي رواية: (كَأَنَّمَا تُطرَدُ). * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٩٥
«مسنده» (٢/ ٧ و٤٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٤٥ - ١٤٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٣٢١ و٣٦٩ و٣٩٨)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٣/ ٤١)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٤٧] (٢٠١٦) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَأْنِهِمْ، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن برّاد بن يوسف بن أبي بُردة الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٥ - (بُرَيْدُ) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٧ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحادهم في كيفيّة التحمّل والأداء، فكلهم سمعوا من لفظ أبي أسامة، ولذا قالوا: حدّثنا، وفيه رواية الراوي عن جده عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ -﵁- أنه (قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تسميتهم. (بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض، (فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) ببناء الفعل للمفعول، ولم يُعرف من حدّثه (بِشَأْنِهِمْ)؛ أي: بحالهم، وما وقع لهم من احتراق بيتهم، (قَالَ) -ﷺ-: («إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ)»العدوّ«يستوي فيه المذكّر والمؤنث، والمثنى والجمع، قاله في»العمدة«. وقال الفيّوميّ -﵀-: العَدُوُّ: خلاف الصَّدِيق الْمُوَالِي، والجمع: أَعْدَاءٌ، وعِدًى، بالكسر، والقصر، قالوا: ولا نظير له في النعوت؛ لأن باب فِعَلٍ، وزانَ عِنَبٍ مختصّ بالأسماء، ولم يأت منه في الصفات إلا قومٌ عِدًى، وضمّ العين لغةً، ومثله سِوًى وسُوًى، وطِوًى وطُوًى، وتثبت الهاء مع الضم، فيقال: عُدَاةٌ، ويُجمع الأَعْدَاءُ على الأَعَادِي، وقال في«مختصر العين»: يقع العَدُوُّ بلفظ واحد على الواحد المذكر، والمؤنث، والمجموع، قال أبو زيد: سمعت بعض بني عُقَيل يقولون: هُنّ وَليّات اللَّه، وعَدُوَّاتُ اللَّه، وأولياؤه، وأَعْدَاؤُهُ، قال الأزهريّ: إذا أُريد الصفة قيل: عدوَّةٌ، وقال في«البارع»: إذا كان فَعُولٌ بمعنى فاعل استَوَى فيه المذكّر والمؤنث، فلا يؤنث بالهاء سوى عَدُوٍّ، فيقال فيه: عَدُوَّةٌ. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«إن هذه النار إنما هي عدوّ لكم»هكذا أورده بصيغة الحصر مبالغةً في تأكيد ذلك، قال ابن العربيّ -﵀-: معنى كون النار عدوًّا لنا أنها تنافي أبداننا، وأموالنا منافاةَ العدوّ، وإن كانت لنا بها منفعة، لكن لا يحصل لنا منها إلا بواسطة، فأطلق أنها عدوّ لنا؛ لوجود معنى العداوة فيها، واللَّه أعلم. انتهى . (فَإِذَا نِمْتُمْ) بكسر النون، من باب خاف يخاف، (فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ») بقطع الهمزة، من الإطفاء رباعيًّا؛ أي: أَخْمِدوها. قال ابن دقيق العيد -﵀-: يؤخذ من حديث أبي موسى -﵁- سبب الأمر في حديث جابر بإطفاء المصابيح، وهو فنّ حسن غريب، ولو تُتُبّع لحصل منه فوائد، قال الحافظ: قد أفرده أبو حفص العكبريّ من شيوخ أبي يعلى بن الفرّاء بالتصنيف، وهو في المائة الخامسة، ووقفت على مختصر منه، وكأن الشيخ ما وقف عليه، فلذلك تمنى أن لو تتبع. انتهى، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٥٢٤٧] (٢٠١٦)، و(البخاريّ) في «الاستئذان» (٦٢٩٤)، و(ابن ماجه) في «الأدب» (٣٧٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٢٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٤٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٧٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٨/ ١٤٨)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٥/ ١٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، وللَّه الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٣٦ - (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ، والسنوسيّ، وصاحب «التكملة»، ووقع في غيرها «باب آداب الطعام. . . إلخ» بدون تقديم لفظ «كتاب الأطعمة»، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. و«الأطعمة» بفتح الهمزة: جمع طعام، قال المجد -﵀-: الطَّعَام: البُرّ، وما يؤكل، جمعه أَطْعِمةٌ، وجَمْع جَمْعه أطعمات، وطَعِمه، كسَمِعه طَعْمًا، وطَعَامًا. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: طَعِمْتُهُ أَطْعَمُهُ، من باب تَعِبَ طَعْمًا بفتح الطاء، ويقع على كل ما يُساغ، حتى الماءُ، وذَوْقُ الشيء، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال -ﷺ- في زمزم: «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، بالضمّ؛ أي: يَشْبَع منه الإنسان، والطُّعْمُ بالضم: الطَّعَام، قال أبو خراش [من الطويل]: أَرُدُّ شُجَاعَ الْبَطْنِ قَدْ تَعْلَمِينَهُ … وَأُوْثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالطُّعْمِ وَأَغْتَبِقُ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَأَنْتَهِي … إِذَا الزَّادُ أَمْسَى لِلْمُزَلَّجِ ذَا طَعْمِ أراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشتَهَى . وفي «التهذيب»: الطُّعْمُ بالضم: الْحَبّ الذي يُلقى للطير، وإذا أَطْلق أهل الحجاز لفظ الطَّعَامِ عَنَوا به البرّ خاصةً، وفي العرف الطَّعَامُ: اسم لما يؤكل، مثل الشراب اسم لما يُشرب، وجمعه: أَطْعِمَةٌ، وأَطْعَمْتُهُ، فَطَعِمَ، واسْتَطْعَمْتُهُ: سألته أن يُطعمني، واسْتَطْعَمْتُ الطعام: ذُقْته؛ لأعرف طَعْمه، وتَطَعَّمْتُهُ كذلك، والطُّعْمَةُ: الرِّزْق، وجمعها طُعَمٌ، مثلُ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، والطُّعْمَةُ: المأكلة، وأَطْعَمَتِ الشجرةُ بالألف: أدرك ثمرها، والطَّعْمُ بالفتح: ما يؤديه الذَّوْق، فيقال: طَعْمُهُ حلو، أو حامض، وتغيّر طَعْمُهُ: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقيّ، والطَّعْمُ: ما يُشتَهَى من الطعام، وليس للغثّ طَعْمٌ، والطَّعَمُ بفتحتين لغة كِلابيةٌ، وقولهم: «الطَّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا» المعنى: كونه مما يُطْعَم؛ أي: مما يُساغ جامدًا كان، كالحبوب، أو مائعًا، كالعصير، والدّهن، والْخَلّ، والوجه أن يُقرأ بالفتح؛ لأن الطُّعْمَ بالضمّ يُطلق، ويراد به الطَّعام، فلا يتناول المائعات، والطَّعْمُ بالفتح يُطلق، ويراد به ما يُتناول استطعامًا، فهو أعمّ. انتهى . (١) - (بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٤٨] (٢٥١٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ، أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَيْثَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل [٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في «الزكاة» ١٢/ ٢٣١٢. ٢ - (أَبُو حُذَيْفَةَ) سلمة بن صُهيب، ويقال: ابن صهيبة، ويقال: صهبة، ويقال: صهبان، ويقال: أصيهيب الْهَمْدانيّ، الأَرْحَبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن حذيفة، وابن مسعود، وعليّ بن أبي طالب، وعائشة -﵃-. وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعليّ بن الأقمر، وخيثمة بن عبد الرحمن. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال يعقوب بن سفيان: اسم أبي حذيفة: يزيد بن صهيبة، وهو ثقةٌ، قال: وذكر أبو إسحاق السَّبِيعيّ أن اسمه سلمة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل، أو حِسْل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ الجليل، من السابقين الأولين، وأبوه أيضًا صحابيّ، استُشهد بأُحد، ومات حُذيفة في أول خلافة عليّ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين، وأن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حُذيفة، وأن صحابيّه ابن صحابي -﵄-، وقد أعلمه النبيّ -ﷺ- بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما هو في «صحيح مسلم». شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا) معاشر أصحاب النبيّ -ﷺ- (إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- طَعَامًا) بالفتح تقدّم أنه اسم لما يُؤكل، (لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا)؛ أي: في ذلك الطعام، (حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)؛ أي: ليبارك ذلك الطعام بسبب وضع يده -ﷺ- فيه، (فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً)؛ أي: وقتًا من الأوقات، (طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ) لم يُعرف اسمها، قاله صاحب «التنبيه» ، وقال القرطبيّ -﵀-: الجارية في النساء كالغلام في الذكور، وهو ما دون البلوغ . (كأَنَّهَا تُدْفَعُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يدفعها دافع؛ يعني: أنها جاءت مسرعة، كما قال في الرواية الأخرى: «كأنما تُطرد»، وكذلك فعل الأعرابيّ، وكل ذلك إزعاج من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبيّ -ﷺ-، وقبل التسمية، فيصل إلى غرضه من الطعام، ولمّا اطَّلع النبيّ -ﷺ- على ذلك أخذ بيديهما، ويدي الشيطان منعًا لهم من ذلك، قاله القرطبيّ . (فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهَا)؛ أي: الجارية، (ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لا يُعرف اسمه، كما قال صاحب «التنبيه» . (كَأَنَّمَا يُدْفَعُ)؛ أي: من شدّة سرعته فكأن دافعًا من ورائه يدفعه، وهو الشيطان، (فَأَخَذَ) النبيّ -ﷺ- (بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ) قال النوويّ -﵀-: معنى»يَستَحِلّ«: يتمكن من أكله، ومعناه: أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر اللَّه تعالى، وأما إذا لم يشرع فيه أحد فلا يتمكن، وإن كان جماعة، فذكر اسم اللَّه بعضهم دون بعض لم يتمكن منه. انتهى . قال التوربشتيّ: قوله: معنى«يستحلّ الطعام»: يجد سبيلًا إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظّه من ذلك الطعام، ومعنى استحلال الطعام: هو أن تسمية اللَّه تعالى تمنعه عن الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حُرّم عليه، والاستحلال: استنزال الشيء المحرّم محلّ الحلال، وهو في الأصل مستعار من حلّ العقدة. قال الطيبيّ: كأنه أراد أن ترك التسمية في الطعام إذن للشيطان من اللَّه تعالى في تناوله، كما أن التسمية مَنْع له منه، فيكون استعارةً تبعيّةً. انتهى . (أنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول، و«أن» مصدريّة، واللام مقدّرة، أو الوقت، قاله الطيبيّ ؛ أي: لئلا يُذكر. . . إلخ، أو وقت عدم ذكر اسم اللَّه عليه. (وَإِنَّهُ)؛ أي: الشيطان (جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا)؛ أي: يجعل الطعام الحاضر حلالًا له، (فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا») قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في معظم الأصول:«يدها»، وفي بعضها:«يدهما»، فهذا ظاهر، والتثنية تعود إلى الجارية والأعرابيّ، ومعناه: إن يدي في يد الشيطان مع يد الجارية والأعرابيّ، وأما على رواية«يدها» بالإفراد فيعود الضمير على الجارية، وقد حَكَى القاضي عياض -﵀- أن الوجهَ التثنيةُ، قال النوويّ: والظاهر أن رواية الإفراد أيضًا مستقيمة، فإن إثبات يدها لا ينفي يد الأعرابيّ، وإذا صحّت الرواية بالإفراد وجب قبولها، وتأويلها على ما ذكرناه، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٢٤٨ و٥٢٤٩ و٥٢٥٠] (٢٠١٧)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٧٦٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٧٣) وفي «عمل اليوم والليلة» (٢٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٢ و٣٩٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٦١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب، وعلى بَرَكتها، قال النوويّ -﵀-: فيه استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وهذا مُجْمَع عليه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: مجمع عليه، فيه نظر لا يخفى، فقد تعقّبه الحافظ في «الفتح»، فقال: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظرٌ، إلا إن أُريدَ بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. انتهى . قال الجامع: عندي أن القول بالوجوب هو الظاهر؛ لظهور حجته، واللَّه تعالى أعلم. قال: وكذا يُستحب حَمْد اللَّه تعالى في آخره، كما سيأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى- وكذا تستحب التسمية في أول الشراب، بل في أول كل أمر ذي بال، كما ذكرنا قريبًا. قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية؛ ليُسْمِع غيره، وينبّهه عليها، ولو تَرَك التسمية في أول الطعام عامدًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو عاجزًا لعارض آخر، ثم تمكّن في أثناء أكله منها يستحب أن يُسَمِّي، ويقول: بسم اللَّه أوله وآخره؛ لقوله -ﷺ-: «إذا أكل أحدكم، فليذكر اسم اللَّه، فإن نسي أن يذكر اللَّه في أوله، فليقل: بسم اللَّه أوله وآخره»، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. والتسميةُ في شرب الماء، واللبن، والعسل، والمرق، والدواء، وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه، وتحصل التسمية بقوله: «بسم اللَّه»، فإن قال: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم» كان حسنًا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «فان قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم كان حسنًا»، فيه نظر؛ فإن الذي ثبت عنه -ﷺ- قوله: «فليقل: باسم اللَّه»، فهذا هو الأحسن، وسيأتي اعتراض الحافظ عليه قريبًا. قال: وسواء في استحباب التسمية الجُنُب، والحائض، وغيرهما، وينبغي أن يُسمي كلُّ واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السُّنَّة، نَصَّ عليه الشافعيّ، ويُستدل له بأن النبيّ -ﷺ- أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يُذكر اسم اللَّه تعالى عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ويؤيده أيضًا ما سيأتي في حديث الذِّكر عند دخول البيت. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر النصوص يدلّ على أن التسمية على كل آكل، ولا بُدّ، والأدلة التي ذكرها النوويّ للاكتفاء بتسمية الواحد عن الجماعة ليست واضحة، فليُتأملّ، واللَّه تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: المراد بالتسمية على الطعام قول: «بسم اللَّه» في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من طريق أم كلثوم، عن عائشة -﵂- مرفوعًا: «إذا أكل أحدكم طعامًا، فليقل: بسم اللَّه، فإن نسي في أوله، فليقل: بسم اللَّه في أوله وآخره»، وله شاهد من حديث أمية بن مَخْشيّ، عند أبي داود، والنسائيّ، وأما قول النووي في أدب الأكل من «الأذكار»: صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم»، فإن قال: بسم اللَّه كفاه، وحصلت السُّنَّة، فلم أر لِمَا ادّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا، وأما ما ذكره الغزاليّ في آداب الأكل من «الإحياء» أنه لو قال في كل لقمة: بسم اللَّه كان حسنًا، وأنه يستحب أن يقول مع الأُولى: بسم اللَّه، ومع الثانية: بسم اللَّه الرحمن، ومع الثالثة: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فلم أر لاستحباب ذلك دليلًا، والتكرار قد بَيَّن هو وجهه بقوله: حتى لا يشغله الأكل عن ذكر اللَّه. انتهى . ٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، وقد تقدّم بيانه مرّات، وتفصيل الحال في استحبابه وكراهته. ٣ - (ومنها): بيان تسلّط الشيطان على بني آدم، إذا لم يعتصموا بذكر اللَّه تعالى، فيدفعهم إلى ما يُلحق بهم الضرر في دينهم، ودنياهم، فينبغي للعبد أن يتعوّذ، ويلجأ إلى اللَّه تعالى في أحواله كلّها، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، ولا يمكن اتخاذ عدوّ يَرَى من حيث لا يُرى إلا باللَّه الذي يراه، ولا يراه، أعاذنا اللَّه تعالى من إبليس وجنوده بمنّه وفضله. ٤ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ -ﷺ-، حيث يرى ما لا يراه الحاضرون من تلاعب الشيطان بالجارية والأعرابيّ. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: يدلّ الحديث على أن للشيطان يدًا، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر اللَّه تعالى عليه، وهل هذه الإصابة أكلٌ، كما قد نَصَّ عليه حيث قال:«فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وهو الظاهر، أو يكون شَمًّا للطعام يحصل له به من التغذي، كنحو ما يحصل لنا به من الأكل؟ قد قيل كلّ ذلك، وهو مُحْتَمِلٌ، والقدرة صالحة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني الذي ذكره بقوله: أو يكون شمًّا للطعام. . . إلخ بعيد عن ظواهر النصوص، فلا يُلتفت إليه، بل الحقّ أن الشيطان يأكل حقيقةً، ويشرب حقيقةً، فتبصّر بالإمعان، واللَّه تعالى المستعان. قال: واستحلال الشيطان الطعام الذي لا يُذكر اسم اللَّه عليه إنما هو عبارة عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه. وقيل: هو استحسانه رفع البَرَكة من ذلك الطعام، ورُوي عن وهب بن مُنَبِّه أنه قال: هم أجناس؛ فخالص الجنّ لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، هم ريح، ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلَّه، ويتوالدون، ومنهم: السعالي، والغِيلان، والقطاربة . انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي رُوي عن وهب يحتاج إلى دليل، فليُتأمل، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حُدَيْفَةَ الأَرْحَبِيِّ، عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى طَعَامٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ: «كَأَنَّمَا يُطْرَدُ»، وَفِي الْجَارِيَةِ: «كَأَنَّمَا تُطْرَدُ»، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْجَارِيةِ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، وَأَكَلَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل ثلاثة أبواب. وقوله: «الأرحبيّ» بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح الحاء المهملة، بعدها موحّدة: نسبة إلى بني أرحب، وهو بطن من هَمْدان ولدِ أرحب بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بكيل بن جُشم بن خيوان بن نوف بن همدان، قاله في «اللباب» . وقوله: (كُنَّا إِذَا دُعِينَا) بالبناء للمجهول. وقوله: (فَذَكَرَ. . . إلخ) فاعل «ذَكَر» ضمير عيسى بن يونس، وكذا فاعل «قال»، و«قَدم»، و«زاد» الآتية. وقوله: («كَأَنَّمَا يُطْرَدُ»، وَفِي الْجَارِيةِ: «كَأَنَّمَا تُطْرَدُ») هو بمعنى «يُدفع» الماضي. وقوله: (وَقَدَّمَ مَجِيءَ الأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ. . . إلخ) قال النوويّ -﵀-: قوله في الرواية الثانية: «وقَدَّم مجيء الأعرابيّ قبل مجيء الجارية»، عكس الرواية الأولى، والثالثةُ كالأولى، ووجه الجمع بينهما أن المراد بقوله في الثانية: «قَدَّم مجيء الأعرابيّ» أنه قدَّمه في اللفظ بغير حرف ترتيب، فذكره بالواو، فقال: جاء أعرابيّ، وجاءت جارية، والواو لا تقتضي ترتيبًا، وأما الرواية الأولى فصريحة في الترتيب، وتقديم الجارية؛ لأنه قال: «ثم جاء أعرابيّ»، و«ثُمَّ» للترتيب، فيتعيَّن حَمْل الثانية على الأُولى، ويَبْعُد حَمْله على واقعتين. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من التوجيه، والجمع بين الروايتين فيه نظر لا يخفى؛ فإن رواية عيسى أيضًا بـ «ثمّ»، لا بالواو، كما سيأتي في التنبيه التالي، ولا سيّما وقد قال -ﷺ-: «إن الشيطان لمّا أعياه أن نَدَع ذِكْر اسم اللَّه على طعامنا، جاء بهذا الأعرابيّ يستحلّ به طعامنا، فلما حبسناه، جاء بهذه الجارية يستحلّ بها طعامنا»، فقد أوضح أن مجيء الأعرابيّ أول، ومجيء الجارية ثان، فلا وجه لِمَا قاله النوويّ، فتأمله بالإمعان. والوجه عندي أن تُرَجّح رواية عيسى بتقديم الأعرابيّ على الجارية؛ لأنه تابعه على ذلك سفيان الثوريّ عند أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٩٧)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٢١)، وحفص بن غياث، كما عند أبي عوانة في «مسنده» (٥/ ١٦١)، فاتّفق الثلاثة عن الأعمش في تقديم الأعرابيّ على الجارية، فتُقدَّم روايتهم على رواية أبي معاوية، وهو وإن كان أحفظ لرواية الأعمش من غيره إلا الثوريّ يقدَّم عليه فيه، ولا سيّما مع متابعة عيسى، وحفص بن غياث له، فتنبّه. هذا هو الذي ظهر لي، وأما مسلم -﵀- فظاهر صنيعه ترجيح رواية أبي معاوية، حيث أوردها مورد الأصل، ثم ذكر رواية سفيان الثوريّ الثالثة متابعةً لها، وهذا ترجيح وجيه، لكني لم أجد رواية سفيان إلا بتقديم الأعرابيّ، كرواية عيسى، فليُتأمل، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، وَأَكَلَ)؛ يعني: أنه -ﷺ- بعدما أخبر بواقعة دفع الشيطان للجارية، والأعرابيّ، وإمساك يديه مع أيديهما سمّى اللَّه تعالى، وأكل من ذلك الطعام، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش هذه ساقها النسائيّ في «الكبرى» بسند المصنّف، فقال: (١٠١٠٣) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة، عن حذيفة، قال: كنّا إذا كنّا مع رسول اللَّه -ﷺ-، فدُعينا إلى طعام لم نضع أيدينا حتى يضع رسول اللَّه -ﷺ- يده، فدُعينا إلى طعام، فلم يضع رسول اللَّه -ﷺ- يده، فكففنا أيدينا، فجاء أعرابيّ كأنما يُطْرَد، فأهوى بيده إلى القصعة، فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيده، فأجلسه، ثم جاءت جارية، فأهوت بيدها إلى القصعة، فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدها، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن الشيطان لمّا أعياه أن نَدَع ذِكر اسم اللَّه على طعامنا، جاء بهذا الأعرابيّ يستحلّ به طعامنا، فلمّا حبسناه، جاء بهذه الجارية يستحلّ بها طعامنا، فواللَّه إن يده في يدي مع يدها»، ثم ذكر اسم اللَّه، فأكل. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارِيةِ قَبْلَ مَجِيءِ الأَعْرَابِيٍّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٨. والباقون ذُكروا قبله وفي الباب الماضي. وقوله: (وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارَيةِ قَبْلَ مَجِيءِ الأَعْرَابِيٍّ) فاعل «قَدَّم» ضمير سفيان الثوريّ. [تنبيه]: هذا الذي قاله المصنّف -﵀- من كون رواية الثوريّ بتقديم الجارية لم أجده، فقد أخرج الإمام أحمد روايته في «مسنده» (٥/ ٣٩٧)، فقال: (٢٣٤٢١) - حدثنا عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة عن حذيفة، قال: كنّا مع رسول اللَّه -ﷺ-، فأُتي بطعام، فجاء إعرابيّ كأنما يُطْرَد، فذهب يتناول، فأخذ النبيّ -ﷺ- بيده، وجاءت جارية، كأنها تُطْرَد، فأهوت، فأخذ النبيّ -ﷺ- بيدها، فقال النبيّ -ﷺ-: «إن الشيطان لمّا أعييتموه جاء بالأعرابيّ، والجارية يستحلّ الطعام، إذا لم يُذْكَر اسم اللَّه عليه، بسم اللَّه، كلُوا». انتهى . فقد قدّم الأعرابيّ، على الجارية. وكذا أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٢١)، فقال: (٧٠٨٨) - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا هارون بن سليمان الأصبهانيّ، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي حذيفة، عن حذيفة، عن النبيّ -ﷺ- أنه أُتي بطعام، فجاء أعرابيّ كأنما يُطْرَد، فتناول، فأخذ النبيّ -ﷺ- يده، ثم جاءت جارية، فكأنما تُطْرَد، فأخذ النبيّ -ﷺ- بيدها، ثم قال: «إن الشيطان لمّا أعييتموه جاء بالأعرابي، والجارية، ليستحلّ بهما الطعام، إذا لم يُذكَر اسم اللَّه عليه، بسم اللَّه، كلوا». انتهى . فقدَّم الأعرابيّ على الجارية أيضًا. ومما يؤيّد ما قلنا أن الحديث أخرجه عبد الرزّاق من رواية زيد بن وهب، عن حذيفة -﵁-، بتقديم الأعرابيّ أيضًا، قال: (١٩٥٦٣) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: كنا إذا دُعينا إلى طعام، والنبيّ -ﷺ- معنا لم نضع أيدينا حتى يضع يده، قال: فأُتينا بِجَفْنه، فكَفّ يده، فكففنا أيدينا، فجاء أعرابيّ كأنما يُطْرَد، فوضع يده فيها، فأخذ النبيّ -ﷺ- بيده، فأجلسه، ثم جاءت جارية، فوقعت بها، فأخذ النبيّ -ﷺ-، ثم قال النبيّ -ﷺ-: «إن الشيطان يستحلّ طعام القوم إذا لم يذكروا عليه اسم اللَّه، وإن الشيطان لمّا رآنا كففنا أيدينا، جاء بهذا الرجل، وهذه الجارية، يستحلّ بهما طعامنا، والذي لا إله غيره إن يده لَمَعْ أيديهما في يدي». انتهى . والحاصل أن ترجيح رواية عيسى بتقديم الأعرابيّ واضح، لكنّ مسلمًا إمام مطّلع، فلعلّه وقعت له رواية سفيان بتقديم الجارية كما قال، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «عمدة القاري»٢٢/ ٢٧٠.

٢. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٨.

٣. «الفتح» ١٤/ ٢٦٢، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٩٤).

٤. «القاموس المحيط» ص ٨٠٣.

٥. «الْمُزَلَّجُ»؛ كمحمَّد: القليل، والْمُلْصق بالقوم، وليس منهم، والرجل الناقص، والدُّون من كل شيء. اهـ. «القاموس» ص ٥٦٧.

٦. «الصحاح» ص ٦٤١.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.

٨. «تنبيه المعلم» ص ٣٤٧.

٩. «المفهم» ٥/ ٢٩٣.

١٠. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٧/ ٢٣.

١١. «تنبيه المعلم» ص ٣٤٧.

١٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٨٩.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٨٣٨.

١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٨٣٨.

١٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٨٩.

١٦. «الفتح» ١٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٧٦).

١٧. شرح النوويّ«١٣/ ١٨٩.

١٨. «الفتح»١٢/ ٢٨٧، كتاب«الأطعمة»رقم (٥٣٧٦).

١٩. جمع قُطْرُب: ذَكَر الْغِيلان، وصغار الجنّ. اهـ. «ق».

٢٠. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٧/ ٢٣.

٢١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٠ - ٤١.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٩٠.

٢٣. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٧٦.

٢٤. وقع في النسخة: «عن ابن حذيفة»، وهو غلط، فتنبّه.

٢٥. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٣٩٧.

٢٦. «المستدرك على الصحيحين» ٤/ ١٢١.

٢٧. هكذا النسخة: «لَمَعْ أيديهما»، والظاهر أن الصواب «لَمَع يدها»، فليُحرّر.

٢٨. «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٤٢٠.