HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠١٩

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص108
ج ٣ ص ١٥٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص١١٢
«صحيحه» (٨١٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٤٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٦٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٧٦) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٧٣)، وفوائده تقدّمت، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و«إسحاق بن منصور» هو: الْكَوْسج. [تنبيه]: رواية رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٣] (٢٠١٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم هذا السند نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٣٩٢) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه -﵄- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ) بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الميم: خلاف اليمين، وهي مؤنّثةٌ، وجَمْعها أَشْمُلٌ، مثلُ ذراع وأَذرُع، وشمائلُ أيضًا، والشِّمال أيضًا الجهة، والتفت يمينًا وشِمالًا؛ أي: جهة اليمين، وجهة الشمال، وجمعها أَشمُلٌ وشَمائل أيضًا، قاله الفيّوميّ . وقال القرطبيّ -﵀- في شرح قوله -ﷺ-:«إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بها» ما نصّه: هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال، وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: على جهة الندب، فيه نظرٌ؛ لأنه على جهة الوجوب، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. قال: ثم هي مشتقة من اليُمن، وهو البركة، وقد شرّف اللَّه تعالى أهل الجنة بأن نَسَبهم إليها، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩٠، ٩١]، وقال عكس هذا في أصحاب الشمال، وعلى الجملة: فاليمين وما نُسب إليها، وما اشتُقّ عنها محمود لسانًا، وشرعًا، ودنيًا، وآخرة، والشمال على النقيض من ذلك. قال: وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية، وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة فبالشمال؛ لِمَا يناسبها من الحقارة، والاسترذال. انتهى . (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) الفاء للتعليل؛ أي: إنما نهيتكم عن الأكل بالشِّمال لئلا تتشبّهوا بالشيطان؛ لأنه (يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ») قال القرطبيّ -﵀-: ظاهره أن من أكل بشماله تشئه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطان بشماله يأكل، وبها يشرب، ولقد أبعد، وتعسَّف من أعاد الضمير في«شماله»على الآكل. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وسيأتي أيضًا في«كتاب اللباس»-إن شاء اللَّه تعالى-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٢٥٣] (٢٠١٩)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ١٧٢)، و(ابن ماجه) في«الأطعمة»(٣٣١٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٣٤ و٣٨٧)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٥/ ١٦٣)، و(أبو يعلى) في«مسنده» (٤/ ١٧٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الأكل والشرب بالشمال؛ لأنه تشبّه بالشيطان، وقال النوويّ: فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما بالشمال. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي في المسألة التالية أن الحقّ الوجوب، لا الاستحباب، فتنبّه. قال: وقد زاد نافع: الأخذ والإعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يَمنع من الأكل والشرب باليمين، من مرض، أو جراحة، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال . وقال الحافظ ابن عبد البرّ -﵀-: وفي هذا الحديث أدب الأكل والشرب، ولا يجوز لأحد أن يأكل بشماله، ولا أن يشرب بشماله؛ لنهي رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، وفي أَمْره -ﷺ- بالأكل باليمين، والشرب بها نَهْيٌ عن الأكل بالشمال، والشرب بها؛ لأن الأمر يقتضي النهي عن جميع أضداده، فمن أكل بشماله، أو شَرِب بشماله، وهو بالنهي عالم، فهو عاصٍ للَّه تعالى، ولا يَحْرُم عليه مع ذلك طعامه ذلك، ولا شرابه؛ لأن النهي عن ذلك نهي أدب، لا نهي تحريم ، والأصل في النهي أن ما كان لي ملكًا، فنُهيت عنه، فإنما النهي عنه تأديب، ونَدْب إلى الفضل، والبرّ، وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا، والفضل في الدين، وما كان لغيري، فنُهيت عنه، فالنهي عنه نهي تحريم، وتحظير، واللَّه أعلم. قال: وقد جاءت السُّنَّة المجتمع عليها أن اليمين للأكل والشرب، والشمال للاستنجاء، ونَهَى رسول اللَّه -ﷺ- أن يستنجي باليمين، كما نَهَى أن يؤكل، أو يشرب بالشمال، وما عدا الأكل، والشرب، والاستنجاء، فبأيّ يديه فَعَل الإنسان ذلك، فلا حرج عليه، إلا أن التيامن كان رسول اللَّه -ﷺ- يحبه في الأمر كله، فينبغي للمؤمن أن يُحب ذلك، ويَرغب فيه، ففي رسول اللَّه -ﷺ- الأسوة الحسنة على كل حال. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث دليل على أن الشياطين يأكلون، ويشربون، والشيطان المقصود إلى ذكره في هذا الحديث من الجنّ جنس من أجناسهم، نحو قول اللَّه ﷿: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، ومثله كثير، وقد يكون الشيطان من الإنس على طريق اتساع اللغة، كما قال اللَّه ﷿: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وإنما قيل لهؤلاء: شياطين؛ لِبُعْدهم من الخير، من قول العرب: نَوًى شُطُون؛ أي: بعيدة شاقّةٌ، قال جرير [من البسيط]: أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلِي … وَكُنَّ يَهْوِينَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا وقال منظور بن رواحة [من الطويل]: فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ تَرَقَّصَتْ … شَيَاطِينُ رَأْسِي وَانْتَشَيْنَ مِنَ الْخَمْرِ وقال ابن ميادة [من الطويل]: فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ مُحَارِبٌ … بَعَثْتُ شَيَاطِينِي وَجِنٌّ جُنُونُهَا وقال أبو النجم [من الرجز]: إِنِّي وَكُلُّ شَاعِرٍ مِنَ الْبَشَرْ … شَيْطَانُهُ أُنْثَى وَشَيْطَانِي ذَكَرْ ولا خلاف أنها لشياطين الجنّ، أو من الجن اسم لازم لهم من أسمائهم للصالح منهم، والطالح، فأغنى ذلك عن الإكثار، والأسماء لا تؤخذ قياسًا، فإنما هي على حساب ما علّمها اللَّه تعالى -ﷺ- أسماء علامات للمسمَّيات. قال: وقد حَمَل قوم هذا الحديث، وما كان مثله على المجاز، فقالوا في قوله: «إن الشيطان يأكل بشماله»: إن الأكل بالشمال أكل يُحبه الشيطان، كما قال في الخمرة: زينة الشيطان، وفي الاقتعاط بالعمامة: عمامة الشيطان؛ أي: إن الخمرة، ومثل تلك العِمّة يزيّنها الشيطان، ويدعو إليها، وكذلك يدعو إلى الأكل بالشمال، ولزيّنه. قال: وهذا عندي ليس بشيء، ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجهٍ ما. وقال آخرون: أكل الشيطان صحيح، ولكنه تَشَمُّم، واسترواح، لا مضغ، ولا بلع، وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث، ويكون استرواحه، وشمّه من جهة شماله، ويكون بذلك مشاركًا في المال. قال أبو عمر: أكثر أهل العلم بالتأويل يقولون في قول اللَّه ﷿: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ قالوا: الإنفاق في الحرام، ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالوا: الزنا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بأن أكل الشيطان تشمّم مخالف للنصوص الصريحة بكون الشيطان يأكل، فتأويل أكله بالشمّ غير صحيح، وقد أشار ابن عبد البرّ إلى ردّه، بقوله: ومن الدليل على أن الشياطين من الجنّ يأكلون، ويشربون، قوله -ﷺ- في العظم، والروثة في حديث الاستنجاء: «هي زاد إخوانكم من الجنّ»، وفي غير هذا الحديث أن طعامهم ما لم يُذكَر اسم اللَّه عليه، وما لم يُغسل من الأيدي، والصحاف، وشرابهم الْجَدَف، وهي الرِّغْوة، والزَّبَد، وهذه أشياء لا تُدرك بعقل، ولا تقاس على أصل، وإنما فيه التسليم لمن آتاه اللَّه تعالى من العلم ما لم يؤتنا، وهو نبيّنا -ﷺ-. انتهى ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين. ٤ - (ومنها): أن فيه إثبات اليدين للشياطين. ٥ - (ومنها): اهتمام الشرع في تعليم الأمة أمر دينها، حتى في حالة الأكل والشرب، واللَّه تعالى أعلم. [تنييه]: ذكر الحافظ ابن عبد البرّ -﵀- في«التمهيد»بحثًا يتعلّق بالجنّ، والشيطان أحببت إيراده لفائدته، قال -﵀-: وفي هذا الحديث، حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ما يرفع الإشكال، قوله:«إن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، ويَحْتَمل أن يكون الجن كلهم يأكلون، ويشربون، ويَحْتَمِل أن يكون كذلك بعضهم، جنس منهم، ثم أخرج بسنده عن وهب بن منبه أنه سئل عن الجنّ، ما هم؟ وهل يأكلون، ويشربون، ويموتون؟ ويتناكحون؟ قال: هم أجناس: فأما الذين هم خالص الجنّ فهم ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ويتوالدون، ويموتون، ومنهم السَّعَالي، والغُول، والقطرب، وأشباه ذلك. قال: فهذا وهب بن منبه قد قال ما ترى -واللَّه أعلم-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول وهب لا يكون حجة في ردّ ما صحّ لدينا عن النبيّ -ﷺ- من أن الجنّ والشياطين يأكلون، ويشربون على الإطلاق، فَوَهَب كان ممن يتحدّث بالإسرائيّليات، فلا حجة في قوله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ولأهل الكلام وغيرهم أقاويل في إدراك الجنّ بالأبصار، وفي دخولهم في الإنسان، وهل هم مكلفون، أو غير مكلفين؟ ليس بنا حاجة إلى ذِكر شيء من ذلك في كتابنا هذا؛ لأنه ليس بموضع. ذلك، وهم عند الجماعة مكلَّفون، مخاطبون، لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣]، وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١]، وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦]، ولا يختلفون أن محمدًا -ﷺ- رسول إلى الإنس والجن، نذير، وبشير، دهذا مما فُضِّل به على الأنبياء، أنه بعث إلى الخلق كافّة: الجنّ، والإنس، وغيرُه لم يُرسل إلا بلسان قومه، ودليل ذلك، ما نطق به القرآن فن دعائهم إلى الإيمان بقوله في مواضع من كتابه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، والجنّ عند أهل الكلام، وأهل العلم باللسان ينزلون على مراتب، فإذا ذكروا الواحد من الجنّ خالصًا قالوا: جنيّ، فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا: عامرٌ، والجمع عُمّار، وإن كان ممن يَعْرِض للصبيان قالوا: أرواح، فإن خَبُث، وتعرَّم فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد، فإن زاد على ذلك، وقَوِي أمره قالوا: عِفريت، والجمع عفاريت. انتهى . وقال الزرقانيّ في «شرح الموطّأ» عند قوله: «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»؛ أي: حقيقةً؛ لأن العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، وقد ثبت به الخبر، فلا يحتاج إلى تأويله بأن معناه: إن فعلتم كنتم أولياءه؛ لأنه يَحمِل أولياءه على ذلك، قال ابن عبد البرّ: وهذا ليس بشيء، فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت الحقيقة فيه بوجه ما. وقال ابن العربيّ: من نَفَى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حيالة إلحاد، وعدم رَشَاد، بل الشيطان وجميع الجانّ يأكلون ويشربون، وينكحون، ويولد لهم، ويموتون، وذلك جائز عقلًا، وورد به الشرع، وتضافرت به الأخبار، فلا يَخرُج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شمّ فما شَمّ رائحة العلم. انتهى. ويقوي ذلك ما في مسلم أن الجنّ سألوه الزاد، فقال -ﷺ-: «كلُّ عظم ذُكِر اسم اللَّه عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحمًا»؛ لأن صيرورته لحمًا إنما يكون للأكل حقيقةً. وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: الجن أصناف، فخالصهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وصنف تفعل ذلك، ومنهم السعالي، والغِيلان، والقطرب. قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين، ويؤيده ما لابن حبان، والحاكم، عن أبي ثعلبة الْخُشنيّ مرفوعًا: الجنّ على ثلاث أصناف، لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يَحُلّون، ويظعنون، ويرحلون، ولابن أبي الدنيا مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: وصِنْف عليهم الحساب والعقاب. انتهى. قال السهيليّ: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح القول به. وقال صاحب«آكام المرجان»: وبالجملة فالقائلون: الجن لا يأكل، ولا يشرب، إن أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمة الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا صنفًا منهم، فمُحْتَمِلٌ، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون، ويشربون. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفت لك أن الاستدلال بأثر وَهَب ونحوه غير صحيح، والحقّ أن الجنّ بأصنافهم يأكلون، ويشربون؛ للنصوص الصحيحة الصريحة، وما أحسن كلام ابن العربيّ المذكور، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأكل باليمين: قال النوويّ: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله. وتعقّبه في «الفتح»، فقال: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظرٌ، إلا إن أريدَ بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. وقال الحافظ العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزاليّ، ثم النوويّ، لكن نَصّ الشافعيُّ في «الرسالة»، وفي موضع آخر من «الأُمّ» على الوجوب. قال الحافظ: وكذا ذكره عنه الصيرفيّ في «شرح الرسالة»، ونقل البويطيّ في «مختصره» أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقِرَان في التمر، وغير ذلك، مما ورد الأمر بضدّه حرام، ومثَّل البيضاويّ في «منهاجه» للندب بقوله -ﷺ-: «كُلْ مما يليك». وتعقبه تاج الدين السبكيّ في «شرحه» بأن الشافعيّ نَصّ في غير موضع على أن من أكل مما لا يليه عالمًا بالنهي كان عاصيًا آثمًا، قال: وقد جمع والدي -يعني: تقي الدين السبكيّ- نظائر هذه المسألة في كتاب له سمّاه «كشف اللبس عن المسائل الخمس»، ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب. قال الحافظ: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة بن الأكوع، أن النبيّ -ﷺ- رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: «كُلْ بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعتَ»، فما رفعها إلى فيه بَعْدُ. وأخرج الطبراني من حديث سُبيعة الأسلمية، من حديث عقبة بن عامر، أن النبيّ -ﷺ- رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال: «أخذها داء غَزّة»، فقال: إن بها قرحةً، قال: «وإن»، فمرّت بغزّة، فأصابها طاعون، فماتت، وأخرج محمد بن الربيع الجيزيّ في «مسند الصحابة» الذين نزلوا مصر، وسنده حسن. وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة، رفعته: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان. . .» الحديث. ونقل الطيبيّ أن معنى قوله: «إن الشيطان يأكل بشماله»؛ أي: يحمل أولياءه من الإنس على ذلك؛ ليضادّ به عباد اللَّه الصالحين، قال الطيبيّ: وتحريره: لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان يَحْمِل أولياءه على ذلك. انتهى. وتعقّبه الحافظ، وأجاد في ذلك، فقال: وفيه عدول عن الظاهر، والأَولى حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقةً؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله. وحَكَى القرطبيّ في ذلك احتمالين، ثم قال: والقدرة صالحة. وقد صرح ابن العربيّ بإثم من أكل بشماله، واحتجّ بأن كل فِعل يُنْسَب إلى الشيطان حرام. انتهى .
مصادر المؤلف (١١)

١. «المصباح المنير»١/ ٣٧٣.

٢. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦.

٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»١٧/ ٢٤.

٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٩١.

٥. أي: للطعام؛ يعني: أن النهي قاصر على الفعل، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم الطعام، فتنبّه.

٦. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١١/ ١١٣.

٧. التمهيد«لابن عبد البر ١١/ ١١٤ - ١١٦.

٨. التمهيد«لابن عبد البر ١١/ ١١٦ - ١١٨.

٩. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٣٦٤.

١٠. هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: وأخرجه. . . إلخ، واللَّه أعلم.

١١. «الفتح» ١٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٧٦).