HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص١٤٩
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بإسناد الزهريّ السابق، وهو: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي سعيد الْخُدريّ - ﵁ -. وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل المتن السابق. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمعمر بن راشد. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، لكنه بالشكّ، فقال: (٨١٨٥) - حدثنا أبو داود السجزيّ، قثنا مسدّد، قثنا سفيان، عن الزهريّ (ح) وحدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله، أو عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن اختناث الأسقية، واختناثُها أن يُقْلَب رأسها، ثم يُشْرَب منه. انتهى . وساقها البيهقيّ في «الكبرى» بدون شكّ، ولكن جعل التفسير عن الأصمعيّ، فقال: (١٤٤٣٨) - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، نا أحمد بن منصور، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن اختناث الأسقية»، رواه مسلم في «الصحيح» عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاريّ من وجهين آخرين، عن الزهريّ، قال الأصمعيّ: الاختناث أن تُثني أفواهها، ثم يشرب منها. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا) وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٣] (٢٠٢٤) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك - ﵁ - تقدّم قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٩٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - زَجَرَ) هو بمعنى الراوية التالية: «نَهَى»، يقال: زجرته زَجْرًا، من باب نصر: إذا منعته، فانزجر، وازدجر ازدجارًا، والأصل: ازتجر، على اعتَعَلَ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، وتزاجروا عن المنكر: زَجَرَ بعضُهم بعضًا، قاله الفيّوميّ . (عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا) قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «زَجَر عن الشرب قائمًا»، وفي رواية: «نَهَى عن الشرب قائمًا»، قال قتادة: قلنا: فالأكل؟ قال: «أشرّ، أو أخبث»، وفي رواية عن قتادة، عن أبي عيسى الأُسْواريّ، عن أبي سعيد الخدريِّ: «أن رسول الله - ﷺ - زَجَر عن الشرب قائمًا»، وفي رواية عنه: «نَهَى عن الشرب قائمًا»، وفي رواية عن عُمر بن حمزة قال: أخبرني أبو غَطَفان الْمُرّيّ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يشربنّ أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقيء»، وعن ابن عباس: «سقيت رسول الله - ﷺ - من زمزم، فشَرِب وهو قائم»، وفي الرواية الأخرى: «أن رسول الله - ﷺ - شَرِب من زمزم، وهو قائم»، وفي «صحيح البخاريّ» أن عليًّا - ﵁ - شَرِب قائمًا، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتموني فعلتُ. على أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلةً، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يضعّف بعضها، وادَّعَى فيها دعاوى باطلة، لا غرض لنا في ذكرها، ولا وجه لإشاعة الأباطيل، والغلطات في تفسير السنن، بل نذكر الصواب، ويشار إلى التحذير من الاغترار بما خالفه، وليس في هذه الأحاديث - بحمد الله تعالى - إشكال، ولا فيها ضَعْف، بل كلها صحيحة، والصواب فيها أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه، وأما شُربه - ﷺ - قائمًا فبيان للجواز، فلا إشكال، ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعيّن المصير إليه، وأما من زعم نَسْخًا، أو غيره فقد غَلِط غلطًا فاحشًا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، لو ثبت التاريخ، وأنّى له بذلك؟ والله أعلم. [فإن قيل]: كيف يكون الشرب قائمًا مكروهًا، وقد فعله النبيّ - ﷺ -؟. [فالجواب]: أن فعله - ﷺ - إذا كان بيانًا للجواز، لا يكون مكروهًا، بل البيان واجب عليه - ﷺ -، فكيف يكون مكروهًا؟، وقد ثبت عنه أنه - ﷺ - توضأ مرةً مرةً، وطاف على بعير، مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثًا، والطواف ماشيًا أكمل، ونظائر هذا غير منحصرة، فكان - ﷺ - ينبّه على جواز الشيء مرّةً، أو مرّات، ويواظب على الأفضل منه، وهكذا كان أكثر وضوئه - ﷺ - ثلاثًا ثلاثًا، وأكثر طوافه ماشيًا، وأكثر شُربه جالسًا، وهذا واضح، لا يتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ - ﵀ - في شرح أحاديث هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٥٢٦٣ و٥٢٦٤ و٥٢٦٥] (٢٠٢٤)، و(أبو داود) في «الأشربة» (٣٧١٧)، و(الترمذيّ) في «الأشربة» (١٨٧٩)، و(ابن ماجه) في «الأشربة» (٣٤٢٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٨ و١٨٢ و٢٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٢٠٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٠ - ١٢١) و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٣٢١ و٥٣٢٣)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٤/ ٢٧٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٩٧٣ و٣١٦٥ و٣١٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٤٥١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٨١ - ٢٨٢) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ١٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حُكم الشرب قائمًا: قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: لم يَصِرْ أحدٌ من العلماء فيما علمتُ إلى أن هذا النهي على التحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية، إنَّما حَمَله بعض العلماء على الكراهة، والجمهور: على جواز الشرب قائمًا، فمن السلف: أبو بكر، وعمر، وعليّ - ﵃ -، وجمهور الفقهاء، ومالك متمسكين في ذلك بشرب النبيّ - ﷺ - من زمزم قائمًا، وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي، فإنَّه كان في حجة الوداع، فهو ناسخٌ، ويُحَقِّقُ ذلك حُكم الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم، وشدَّة ملازمتهم للنبيّ - ﷺ -، وتشدُّدهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر. وأمَّا من قال بالكراهة: فيجمع بين الحديثين بأن فعل النبيّ - ﷺ - يبيِّن الجواز، والنَّهي يقتضي التنزيه؛ فالأولى: ترك ذلك على كل حال. وأما قول قتادة: «الأكلُ أَشَرُّ»: فَشَيءٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما علمتُ، وعلى ما حكاه النّقَلة والحفاظ، فهو رأيه، لا روايته، والأصل: الإباحة، والقياس خليٌّ عن الجامع. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لا روايته فيه نظر لا يخفى، فإن قول قتادة: قلنا: فالأكل؛ أي: سألنا أنسًا عن الأكل، يردّه؛ فقد صرّح بأنه رواه عن أنس، وليس رأيًا له، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وقد ذهب بعض الناس: إلى أن النهي عن الشرب قائمًا إنما كان لئلا يستعجل القائم فَيَعُبَّ، فيأخذه الكُباد ، أو يُشْرَق، أو يأخذه وجع في الحلق، أو في المعدة؛ فينبغي ألا يشرب قائمًا، وحيث شرب النبيّ - ﷺ - قائمًا أَمِن ذلك، أو دَعَته إلى ذلك ضرورة، أو حاجة، لا سيما وكان على زمزم، وهو موضع مزدحم الناس، أو لعلَّه فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم، أو لأن شُرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه، والله تعالى أعلم. انتهى . وقد أجاد الحافظ - ﵀ - في «الفتح» في هذا المسألة، فأطال في البحث، وحقّق، وشرح ما تقدّم من كلام النوويّ، والقرطبيّ، وغيرهما من العلماء، أحببت إيراده بطوله؛ لنفاسته، وغزارة فوائده، قال - ﵀ -: قال المازريّ: اختَلَف الناس في هذا، فذهب الجمهور إلى الجواز، وكرهه قوم، فقال بعض شيوخنا: لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء، فبادر لشربه قائمًا قبلهم؛ استبدادًا به، وخروجًا عن كون ساقي القوم آخرهم شربًا، قال: وأيضًا فإن الأمر في حديث أبي هريرة بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس على أحد أن يستقيء، قال: وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة، قال: وتضمَّن حديث أنس الأكل أيضًا، ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا، قال: والذي يظهر لي أن أحاديث شُربه - ﷺ - قائمًا تدلّ على الجواز، وأحاديث النهي تُحمَل على الاستحباب، والحثِّ على ما هو أَولى وأكمل، أو لأن في الشرب قائمًا ضررًا، فأنكره من أجله، وفَعَله هو لِأَمْنه، قال: وعلى هذا الثاني يُحمل قوله: «فمن نسي فليستقيء» على أن ذلك يُحَرِّك خِلْطًا يكون القيء دواءه، ويؤيده قول النخعيّ: إنما نُهِي عن ذلك لداء البطن. انتهى كلام المازريّ ملخصًا. وقال عياض: لم يُخَرِّج مالك، ولا البخاريّ أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة، عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى، عن أبي سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يُعِلّه، مع مخالفة الأحاديث الأخرى، والأئمة له، وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عُمر بن حمزة، ولا يُحْتَمَل منه مثل هذا؛ لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف. انتهى كلام عياض ملخصًا. ووقع للنوويّ ما ملَخَّصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلةً، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يُضَعِّف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يذكر الصواب، ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشُربه - ﷺ - قائمًا لبيان الجواز، وأما من زعم نَسخًا، أو غيره، فقد غَلِطَ، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، لو ثبت التاريخ، وفِعْله - ﷺ - لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروهًا أصلًا، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرّةً، أو مرّات، ويواظب على الأفضل، والأمرُ بالاستقاءة محمول على الاستحباب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمِل على الاستحباب، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائمًا ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تُترك السُّنَّة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوي، والترهات؟ انتهى كلام النوويّ. قال الحافظ: وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلًا، بل ونَقْلُ الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازريّ كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النوويّ بالجواب عنه. قال: وطريق الإنصاف أن لا تُدفَع حجة العالم بالصدر، فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه صرّح في نفس السند بما يقتضي سماعه له من أنس، فإن فيه: «قلنا لأنس: فالأكل؟». وأما تضعيفه حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور، فهو قول سَبَق إليه ابن المدينيّ؛ لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبريّ، وابن حبان، ومثل هذا يُخَرَّج في الشواهد. ودعواه اضطرابه مردودة؛ لأن لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظ. وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعُمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يُخَرِّج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، كما أشرت إليه عند أحمد، وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح، والله أعلم. قال النوويّ وتبعه العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: إن قوله: «فمن نسي» لا مفهوم له، بل يستحب ذلك للعامد أيضًا بطريق الأَولى، وإنما خص الناسي بالذِّكر؛ لكون المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالبًا إلا نسيانًا. قال الحافظ: وقد يُطلق النسيان، ويراد به الترك، فيشمل السهو والعمد، فكأنه قيل: من تَرَك امتثال الأمر، وشرب قائمًا، فليستقيء. وقال القرطبيّ في «المفهم»: لم يَصِر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية، والقول به، وتُعُقّب بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم، وتمسك من لم يقل بالتحريم بحديث عليّ المذكور عند البخاريّ ، وصححّ الترمذيّ من حديث ابن عمر: «كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ -، ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام»، وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، أخرجه الترمذيّ أيضًا، وعن عبد الله بن أُنيس، أخرجه الطبرانيّ، وعن أنس، أخرجه البزار، والأثرم، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، وعن عائشة، أخرجه البزار، وأبو علي الطوسيّ في «الأحكام»، وعن أم سليم نحوه، أخرجه ابن شاهين، وعن عبد الله بن السائب، عن خباب، عن أبيه، عن جدّه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن كبشة، قالت: دخل عليّ النبيّ - ﷺ -، فشَرِب من قِرْبة مُعلّقة، أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، وعن كلثم نحوه، أخرجه أبو موسى بسند حسن. قال: وثبت الشرب قائمًا عن عمر، أخرجه الطبريّ، وفي «الموطأ» أن عمر، وعثمان، وعليًّا كانوا يشربون قيامًا، وكان سعد، وعائشة لا يرون بذلك بأسًا، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين. قال: وسلك العلماء في ذلك مسالك: [أحدها]: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم، فقال: حديث أنس - يعني: في النهي - جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه - يعني: في الجواز - قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى؛ لأن الثَّبْت قد يروي من هو دونه الشيءَ، فيرجَّح عليه، فقد رُجِّح نافع على سالم في بعض الأحاديث، عن ابن عمر، وسالم مقدَّم على نافع في الثبت، وقُدِّم شريك على الثوريّ في حديثين، وسفيان مقدَّم عليه في جملة أحاديث، ثم أسند عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لا بأس بالشرب قائمًا، قال الأثرم: فدلّ على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة، وإلا لَمَا قال: لا بأس به، قال: ويدلّ على وهاء أحاديث النهي أيضًا اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائمًا أن يستقيء. [المسلك الثاني]: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم، وابن شاهين، فقررا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين، ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادَّعَى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي؛ متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مُقَرِّرة لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة؛ لِمَا وقع منه - ﷺ - في حجة الوداع، كما ثبت ذلك في حديث ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير من فِعْله - ﷺ - دلّ على الجواز، ويتأيّد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. [المسلك الثالث]: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفيّ في نَصْره الصحاح: والمراد بالقيام هنا: المشي، يقال: قام في الأمر إذا مشى فيه، وقمتَ في حاجتي: إذا سعيت فيها، وقضيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ أي: مواظبًا بالمشي عليه. وجنح الطحاويّ إلى تأويل آخر، وهو حمل النهي على من لم يسمّ عند شربه، وهذا إن سُلّم له في بعض ألفاظ الأحاديث لم يسلّم له في بقيتها. وسلك آخرون في الجمع بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابيّ، وابن بطال، في آخرين، قال الحافظ: وهذا أحسن المسالك، وأسلمها، وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا، فقال: إن ثبتت الكراهة حُملت على الإرشاد، والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبريّ، وأيده بأنه لو كان جائزًا ثم حرّمه، أو كان حرامًا ثم جوّزه لبيَّن النبيّ - ﷺ - ذلك بيانًا واضحًا، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا. وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطبّ مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدًا أمكن، وأبعد من الشرق، وحصول الوجع في الكبد، أو الحلق، وكل ذلك قد لا يأمَن منه من شرب قائمًا. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض الأقوال، وأدلّتها في مسألة الشرب قائمًا أن الذي يترجّح عندي مذهب من جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، كما قال به جماعة، وحقّقه الطبريّ، واستحسنه الحافظ؛ لأن به تجتمع الأدلّة من غير إجحاف ببعضها، ولا تكلّف، فتأمل ذلك بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا : فَالأَكْلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٢ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف، إلا أنه مدلّس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا) وفي بعض النسخ: «فقلت». وقوله: (فَالأَكْلُ) بالرفع؛ أي: ما حكم الأكل قائمًا؟. وقوله: (فَقَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ) فاعل «قال» ضمير أنس، و«أو» فيه للشكّ من الراوي، ثم إن هذا ظاهر في أن قتادة رواه عن أنس، وليس رأيًا له، فيردّ ما سبق من قول بعضهم: إنه رأيه، فتنبّه. وقوله: (ذَاكَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ) هكذا وقع في الأصول: «أشرّ» بالألف، والمعروف في العربية «شَرّ» بغير ألف، وكذلك «خير»، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥]، ولكن هذه اللفظة وقعت هنا على الشكّ، فإنه قال: «أشر، أو أخبث» فشك قتادة في أن أنسًا قال: «أشر»، أو قال: «أخبث» فلا يثبت عن أنس أشر بهذه الرواية، فإن جاءت هذه اللفظة بلا شك، وثبتت عن أنس، فهو عربيّ فصيح، فهي لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال، ولهذا نظائر، مما لا يكون معروفًا عند النحويين، وجاريًا على قواعدهم، وقد صحّت به الأحاديث، فلا ينبغي ردّه إذا ثبت، بل يقال: هذه لغة قليلة الاستعمال، ونحو هذا من العبارات، وسببه أن النحويين لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يَمنع بعضهيم ما ينقله غيره عن العرب، كما هو معروف، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: أخير وأشرّ أثبته أهل اللغة نقلًا عن بعض العرب، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وهذا أخير من هذا بالألف في لغة بني عامر، وكذلك أشرّ منه، وسائر العرب تُسقط الألف منهما. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: وهو أخير منك، كخيرٌ. انتهى . وقال ابن مالك - ﵀ - في «الكافية» مشيرًا إلى مذهب جمهور العرب: وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ وقال الخضريّ - ﵀ - في «حاشيته» عند تعريف أفعل التفضيل بأنه الوصف الموازن لأفعل؛ أي: ولو تقديرًا. قولنا: ولو تقديرًا لإدخال خير وشرّ، فأصلهما أخير، وأشرّ، وقد يُستعملان كذلك، كقراءة بعضهم: «مَن الكذّاب الأشرّ»، وقوله: بِلَالٌ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ حُذفت همزتها؛ لكثرة الاستعمال، فهو شاذّ قياسًا، لا استعمالًا، وفيهما شُذوذ آخر، وهو كونهما لا فِعْل لهما، وقد يُحمَل عليهما في الحذف أحبّ، كقوله: وَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا وهو قليل. انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ قَتَادَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤاسيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «مسند أبي عوانة» ٥/ ١٤٩.

٢. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٧/ ٢٨٥.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٥١.

٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٩٤ - ١٩٥.

٥. «الْكُبَاد»؛ كغُرَاب: وَجَع الْكَبِد، قاله في «القاموس».

٦. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦.

٧. هو حديث عليّ - ﵁ - في شُربه قائمًا من فَضْل وضوئه، وقوله: إنه - ﷺ - فعل ذلك.

٨. «الفتح» ١٢/ ٦٧٣ - ٦٧٦، كتاب «الأشربة» رقم (٥٦١٥).

٩. وفي نسخة: «فقلت».

١٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٩٦ - ١٩٧.

١١. «المصباح المنير» ١/ ١٨٦.

١٢. «القاموس» ص ٤٠٦.

١٣. «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ٢/ ٧٣.