قال العينيّ - ﵀ -: استغفار القصعة يَحتمل أن يكون الله تعالى يخلق فيها تمييزًا، أو نُطقًا تطلب به المغفرة، وقد ورد في بعض الآثار أنها تقول: «آجرك الله كما آجرتني من الشيطان»، ولا مانع من الحقيقة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مجازًا كُنِي به. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى ترديد هذه الاحتمالات؛ لأن الأحاديث الواردة في استغفار القصعة ليست ثابتةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٢٩٥ و٥٢٩٧] (٢٠٣٤)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٨٤٥)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨٠٣) و«الشمائل» (١٤١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٢٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٠ و١٧٧ و٢٩٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٤٩ و٥٢٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٧٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٦٣)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٤٨٢)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٤٠٠)، و(أبو الشيخ) في «أخلاق النبيّ - ﷺ -» (ص ١٩٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٧٨) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٨٧٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٥٢٩٦] (٢٠٣٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ تغير بآخره قليلًا [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣.
٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦١.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، و«أبو سُهيل» هو: أبو صالح السمّان.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها: «لا يدري أيتهنّ»، وكلاهما صحيح، أما رواية: «في أيتهنّ» فظاهرةٌ، وأما رواية: «لا يدري أيتهنّ البركة» فمعناه: أيتهن صاحبة البركة، فَحَذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، والله أعلم. انتهى .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٢٩٦] (٢٠٣٥)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨٠١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٤١ و٤١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٦٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٥٢٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ»، وَقَالَ: «فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ، أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ»).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا النُّسخ الموجودة بين أيدينا كلّها بتأخير هذه الرواية على حديث أبي هريرة - ﵁ -، وكان حقّها أن تقدَّم عليه؛ لأنها من توابع حديث أنس - ﵁ -، أَوْرَدَها لبيان متابعة عبد الرحمن بن مهديّ لبهز بن
أسد، والظاهر أن هذا من تصرّف النُّسّاخ، والله تعالى أعلم.
ورجال إسناده: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و«أبو بكر بن نافع» هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، و«حمّاد» هو: ابن سلمة.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَلْيَسْلُتْ. . . إلخ) فاعل»قال«ضمير عبد الرحمن بن مهديّ.
وقوله: (وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب نصر، والسَّلْت معناه: الإزالة، والتنحية.
وقوله: (الصَّحْفَةَ) بفتح الصاد، وإسكان الحاء المهملتين، قال المجد - ﵀ -: الصَّحْفة: معروفة، وأعظم الْقِصاع: الْجَفْنة، ثمّ الصَّحْفة، ثمّ الْمِئْكلة، ثم الصُّحَيفة. انتهى .
وقال المرتضى: في«شرحه»: الصَّحْفةُ: مَعْروفَةٌ، والجَمْعُ: صِحَافٌ. قال الأَعْشى:
والمَكَاكِيكَ والصِّحَافَ مِنَ الْعضَّـ … ــةِ والضَّامِرَاتِ تَحْتَ الرِّجالِ
وقال ابنُ سِيدَه: الصَّفْحَةُ: شِبْهُ قَصْعَةٍ، مُسْلَنْطِحَةٍ، عَرِيضَةٍ، وهي تُشْبِعُ الخَمْسَةَ، ونَحْوَهُم، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال الكِسَائِيُّ: أَعْظَمُ الْقِصَاع: الجَفْنَةُ، ثم القَصْعَةُ تَلِيها، تُشْبِعُ العَشَرَة، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المِئْكَلَةُ تُشْبِعُ الرَّجُلَيْنِ، والثَّلَاثَةَ، ثُمَّ الصُّحَيْفَةُ مُصَغَّرًا، تُشْبِعُ الرَّجُلَ، هذا نَصُّ الكسائيِّ، وقال غيرُه في الأَخير: وكأَنَّه مُصَغَّرٌ لا مُكَبَّرَ لَهُ. انتهى .
وقوله: (أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ) «أو» للشكّ من الراوي، والظاهر أن الشكّ من ابن مهديّ، في أيّ اللفظين قال حمّاد، هل قال: «في أي طعامكم البركة»، أو قال: «في أيّ طعامكم يبارك لكم»؟
وهذا الشكّ لم أجده في رواية أحمد الآتية في التنبيه، وإنما وقع عند مسلم هنا، ولم أجده عند غيره، والله تعالى أعلم.