HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٥٤

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ. فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى. فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ. فَقَالَ (مَنْ يُضِيفُ هَذَا، اللَّيْلَةَ، ﵀) فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا. إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ. فَإِذَا دَخَلَ ضيفنا فأطفئي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ. فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ. قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ (قَدْ عَجِبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص127
ج ٣ ص ١٦٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٩٢
[٥٨٤] حديث أبي هريرة ﵁: (عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا) ؛ فيه دليل على أن إيثار الضيف على النفس محمودٌ في الدين والمروءة. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٣٩٦
(٢٠) - (بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِيثَارِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٨] (٢٠٥٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀؟»، فَقَامَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ، حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا، وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن قُرط الضبيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بن جرير الضبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٥. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، مولى عَزّة الأسلميّة، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ) وقع عند البخاريّ في «التفسير» مسلسلًا بالتحديث، ولفظه: «حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدّثنا أبو أُسامة، حدّثنا فُضيل بن غزوان، حدّثنا أبو حازم الأشجعيّ». (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال في «الفتح»: هذا الرجل هو أبو هريرة -﵁-، وقع مفسَّرًا في رواية الطبرانيّ، وقد نَسَبْتُه في «المناقب» إلى تخريج أبي البختريّ الطائيّ في صفة النبيّ -ﷺ-، وأبو البختريّ لا يوثق به. انتهى . (فَقَالَ) ذلك الرجل (إِنِّي مَجْهُودٌ) أي: أصابني الجهد، وهو المشقّة، والحاجة، وسوء العيش، والجوع ، يقال: جهده الأمرُ والمرضُ جَهْدًا: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه: جَهْدُ البلاء . وفي رواية البخاريّ: «فقال: يا رسول الله أصابني الْجَهْدُ». (فَأَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) لم يُعرف اسمها؛ أي: أرسل -ﷺ- إليها يطلب منها ما يُضيفه به، (فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ)؛ أي: ليس عندي طعام يأكله الضيف، وإنما عندي ماء، وهو لا يُغني عن الطعام. وقال في «الفتح»: وفيه ما يُشعر بأن ذلك كان في أول الحال قبل أن يفتح الله لهم خيبر وغيرها. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قول أزواج النبيّ -ﷺ-: «ليس عندنا إلا ماء» يدلّ على شدة حالهم، وضيق عيشهم، وكان هذا -والله أعلم- في أول الأمر، وأما بعد ذلك لمّا فُتحت خيبر، فقد كان النبيّ -ﷺ- يحبس لأهله قُوْتَ سَنَتهم، وَيحْتَمِل أن يكون بعد ذلك، وأن أزواج النبيّ -ﷺ- كنَّ يتصدَّقن بما كان عندهن، ويُؤْثِرْن غيرهنّ بذلك، ويبقين على ما يفتح الله تعالى، ولا يطلبن من النبيّ -ﷺ-؛ لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ. انتهى . (ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى) لم تُعرف أيضًا، (فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما قالت الأولى: «والذي بعثك بالحقّ ما عندي إلا ماء»، (حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ) -ﷺ- («مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀؟)»من«يَحْتَمِل أن تكون موصولة مبتدأ، خبرها جملة»﵀«، ويَحْتَمل أن تكون استفهاميّة مبتدأ خبرها جملة»يُضيف. . . إلخ«؛ أي: أي شخص يقوم بضيافته؟، وعليه فقوله:»يرحمه الله«جملة خبريّة حال من الفاعل، ويَحْتَمل أن تكون جملة دعائيّة، فتكون مستأنفةً، وعلى الأول فهي خبريّة. ولفظ البخاريّ:«ألا رجلٌ يُضيفه الليلة يرحمه الله». وقوله:«يُضيف» بضمّ أوله، من الأضافة رباعيًّا، قال الفيّوميّ -﵀-: الضَّيْفُ: معروف، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل من ضَافَهُ ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيته، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفًا، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لجأ إليك من خوف، فَأَجَرْتَه، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَرَيته، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى . وقوله: (هَذَا اللَّيْلَةَ) إشارة إلى الرجل المجهود، و«الليلة» منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «يُضيف»، وفي رواية للبخاريّ: «ألا رجلٌ يُضيفه هذه الليلة». (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: زعم ابن التين أنه ثابت بن قيس بن شَمّاس، وقد أورد ذلك ابن بشكوال من طريق أبي جعفر بن النحاس، بسند له عن أبي المتوكل الناجيّ مرسلًا، ورواه إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، ولكن سياقه يشعر بأنها قصة أخرى؛ لأن لفظه: «أن رجلًا من الأنصار عَبَر عليه ثلاثة أيام، لا يجد ما يُفطر عليه، ويصبح صائمًا حتى فَطِن له رجل من الأنصار، يقال له: ثابت بن قيس»، فقصّ القصة، وهذا لا يمنع التعدد في الصنيع مع الضيف. وفي نزول الآية قال ابن بشكوال: وقيل: هو عبد الله بن رواحة، ولم يذكر لذلك مستندًا. وروى أبو البختريّ القاضي أحد الضعفاء المتروكين في «كتاب صفة النبيّ -ﷺ-» له أنه أبو هريرة راوي الحديث، والصواب الذي يتعيَّن الجزم به في حديث أبي هريرة ما وقع عند مسلم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، عن أبيه بإسناد البخاريّ: «فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة»، وبذلك جزم الخطيب، لكنه قال: أظنه غير أبي طلحة زيد بن سهل المشهور، وكأنه استبعد ذلك من وجهين: أحدهما: أن أبا طلحة زيد بن سهل مشهور، لا يحسن أن يقال فيه: فقام رجل يقال له: أبو طلحة، والثاني: أن سياق القصة يُشعر بأنه لم يكن عنده ما يتعشى به هو وأهله، حتى احتاج إلى إطفاء المصباح، وأبو طلحة زيد بن سهل كان أكثر أنصاريّ بالمدينة مالًا، فيَبْعُد أن يكون بتلك الصفة من التقلل. قال الحافظ: ويمكن الجواب عن الاستبعادين، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ -﵀-: «ويمكن الجواب»، ولم يذكر ذلك الجواب، وقد أجاب بعض المتأخّرين، فقال: ويمكن الجواب عن الأول: بأن شهرة أبي طلحة لا تمنع من أن يقال فيه: رجل من الأنصار، وعن الثاني: بأن المال غادٍ ورائحٌ، فلا يمنع كون أبي طلحة من المياسير أن تمرّ عليه ليلة، وفي طعامه قلّة ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في «الفتح» في «كتاب التفسير»: أردت التنبيه هنا على شيء وقع للقرطبيّ المفسِّر، ولمحمد بن عليّ بن عسكر في «ذيله» على تعريف السهيليّ، فإنهما نقلا عن النحاس، والمهدويّ أن هذه الآية نزلت في أبي المتوكل، زاد ابن عسكر الناجيّ: وأن الضيف ثابت بن قيس، وقيل: إن فاعلها ثابت بن قيس، حكاه يحيى بن سلام. انتهى، وهو غلطٌ بَيِّنٌ، فإن أبا المتوكل الناجيّ تابعيّ مشهور، وليس له في القصة ذِكر، إلا أنه رواها مرسلة، أخرجها من طريق إسماعيل القاضي، وكذا ابن أبي الدنيا في «كتاب قرى الضيف»، وابن المنذر في تفسير هذه السورة، كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل: «أن رجلًا من المسلمين مكث ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يُفطر عليه، حتى فَطِن له رجل من الأنصار، يقال له: ثابت بن قيس …» الحديث. وقد تَبع ابنَ عسكر جماعةٌ من الشارحين ساكتين عن وَهَمه، فلهذا نبَّهت عليه، وتفطَّن شيخنا ابن الملَقِّن لقول ابن عسكر: إنه أبو المتوكل الناجيّ، فقال: هذا وَهَمٌ؛ لأن أبا المتوكل الناجيّ تابعيّ إجماعًا. انتهى، فكأنه جوّز أنه صحابيّ يكنى أبا المتوكل، وليس كذلك. انتهى . (فَقَالَ: أَنَا)؛ أي: أنا أُضيفه هذه الليلة (يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِه)؛ أي: ذهب ذلك الأنصاريّ بذلك الرجل المجهودِ (إِلَى رَحْلِهِ)؛ أي: إلى منزله، ورحلُ الإنسان هو منزله، من حَجَر، أو مَدَر، أو شَعَر، أو وَبَر، قاله النوويّ -﵀-. قال الفيّوميّ -﵀-: ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «فذهب إلى أهله»، (فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ) لا يُعرف اسمها، وقال صاحب «التنبيه»: قوله: «فقال لامرأته» إن كان أبا طلحة زيد بن سهل، فامرأته هي أمّ سُليم، وإن كان أبا طلحة ثانيًا، فذَكَر المختلعات منه في «التوضيح»، وإن كان عبد الله بن رواحة، فلا أعلم اسم زوجته. انتهى . (هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟)؛ أي: من الطعام، (قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي) بكسر الصاد وضمّها: جمع صبيّ. قال في «الفتح»: قوله: «إلا قوت صبياني» يَحْتَمِل أن يكون هو وامرأته تعشَّيَا، وكان صبيانهم حينئذ في شغلهم، أو نيامًا، فأخَّروا لهم ما يكفيهم، أو نسبوا العشاء إلى الصِّبية؛ لأنهم إليه أشدّ طلبًا، وهذا هو المعتَمد؛ لقوله في رواية أبي أسامة: «ونطوي بطوننا الليلة»، وفي آخر هذه الرواية أيضًا: «فأصبحا طاويين»، وقد وقع في رواية وكيع عند مسلم: «فلم يكن عنده إلا قُوته، وقُوت صبيانه». انتهى . (قَالَ) الرجل (فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ)؛ أي: ألهيهم بشيء من اللهو يشغلهم عن طلب الطعام، وفي رواية البخاريّ: «فإذا أراد الصبية العَشاءَ، فنوّميهم». قال النوويّ -﵀-: قوله: «فعلّليهم بشيء» هذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان، من غير جوع يضرّهم، فانهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرّهم تَرْك الأكل لكان إطعامهم واجبًا، ويجب تقديمه على الضيافة، وقد أثنى الله تعالى، ورسوله -ﷺ- على هذا الرجل وامرأته، فدلّ على أنهما لم يتركا واجبًا، بل أحسنا، وأجملا -﵄-، وأما هو وامرأته فآثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما، وخصاصتهما، فمدحهما الله تعالى، وأنزل فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] انتهى . (فَإذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ) وفي رواية البخاريّ: «فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت». (وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ)، وذلك لأن الضيف إذا علم أن مُضيفَه لا يأكل ربّما امتنع عن الأكل، أو أكل قليلًا، وهذا من فرط إيثاره -﵁-، وحُسْن سياسته. وفي حديث أنس عند ابن أبي الدنيا: «فجعل يتلمّظ، وتتلمّظ هي حتى رأى الضيف أنهما يأكلان». (فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ)؛ أي: إذا أمال يده إلى المائدة للأكل، (فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ، حَتَّى تُطْفِئِيهِ)؛ أي: لئلا يظهر له تَرْكُهما الأكل، فيَتْرُك هو. (قَالَ: فَقَعَدُوا)؛ أي: الثلاثة: الرجل، والمرأة، والضيف لِأَكْل ذلك الطعام، ولكنْ الزوجان لم يأكلا، (وَأَكَلَ الضَّيْفُ) وحده، وفي رواية البخاريّ: «فقال: هيئي طعامك، وأصبِحي سراجك، ونَوِّمي صبيانك، إذا أرادوا عَشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين». (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل وقت الصباح، (غَدَا) ذلك الرجل الذي أضاف ذلك الضيف (عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-)، وفي حديث أنس: «فصلّى معه الصبح»، (فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ) بكسر الجيم من باب تَعِبَ، وفيه إثبات العَجَب لله -﷾- على ما يليق بجلاله، (مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»)؛ أي: حيث آثراه بطعامهما، وباتا جائعين، وفي رواية البخاريّ: «فقال: لقد عجِب الله ﷿، أو ضَحِكَ من فلان وفلانةَ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾». وقال في «الفتح»: قوله: «لقد عَجِب الله ﷿، أو ضحك» كذا هنا بالشكّ، وذكره مسلم من طريق جرير، عن فضيل بن غزوان بلفظ: «عجب» بغير شكّ، وعند ابن أبي الدنيا في حديث أنس: «ضحك» بغير شكّ، وقال الخطابيّ: إطلاق العجب على الله محال، ومعناه الرضا، فكأنه قال: إن ذلك الصنيع حَلّ من الرضا عند الله حلول العجب عندكم، قال: وقد يكون المراد بالعجب هنا: أن الله يُعجب ملائكته من صنيعهما؛ لِنُدُور ما وقع منهما في العادة، ثم قول من قال: معنى الضحك هنا الرحمة، قال الخطابيّ: وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة؛ لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا، فإنهم يوصفون بالبِشْر عند السؤال. قال الحافظ: الرضا من الله يستلزم الرحمة، وهو لازمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: من العجيب الغريب نَقْل الحافظ قول الخطّابيّ: «إطلاق العجب على الله محال» إلى آخر كلامه، بل أقرّه في آخر كلامه، وقد أشار الحافظ نفسه هو في «كتاب التوحيد» من «الفتح» أن التأويل مذهب المتكلّمين، وليس مذهب أهل السُّنَّة من السلف، وأهل الحديث، فكيف يوافق، ويسكت على هذا التأويل السخيف؟ والحاصل أن الواجب إثبات ما أثبته الله في كتابه، أو أثبته النبيّ -ﷺ- في حديثه الصحيح من صفات الله تعالى على الوجه اللائق به ﷾، ومن ذلك صفة العَجَب، فقد ثبتت في كتاب الله ﷿ في قوله تعالى: (بَلْ عَجِبْتُ) بضمّ التاء على إحدى القراءتين، وفي السُّنَّة الصحيحة، كهذا الحديث الصحيح، ثم إن العَجَب المثبَت لله ليس كعجب المخلوقين الذي منشأه غالبًا خفاء السبب، كما يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهذا النوع هو الممتنع على الله ﷿؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولكن العجب الثابت له يدلّ على عِظَم الشيء وتميّزه عن أمثاله فيما يوجب مدحًا أو ذمًّا ، وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٥٣٤٨ و٥٣٤٩ و٥٣٥٠] (٢٠٥٤)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٧٩٨) و«التفسير» (٤٨٨٩) وفي «الأدب المفرد» (٧٤٠)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٠٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١١٥٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٨٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٨٥) و«الأسماء والصفات» (٢/ ٢١٧)، و(الواحديّ) في «أسباب النزول» (ص ٢٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ-، وأهل بيته من الزهد في الدنيا، والصبر على الجوع، وضِيْق حال الدنيا. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف، ومن يَطرُقهم بنفسه، فيواسيه من ماله أوّلًا بما يتيسَّر إن أمكنه، ثم يطلب له على سبيل التعاون على البرّ والتقوى من أصحابه. ٣ - (ومنها): المواساة في حال الشدائد. ٤ - (ومنها): فضيلة إكرام الضيف، وإيثاره. ٥ - (ومنها): منقبة لهذا الأنصاريّ وامرأته -﵄-، وقال القرطبيّ ﵀: وهذا الحديث يدلّ على فضل أبي طلحة، وأهل بيته -﵃-، وأنَّهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، و«الخصاصة»: الجوع والفاقة. انتهى . ٦ - (ومنها): مشروعيّة الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه، رفقًا بأهل المنزل؛ لقوله: «أطفئي السراج، وأَريه أنا نأكل»، فإنه لو رأى قلة الطعام، وأنهما لا يأكلان معه لامتنع من الأكل. ٧ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، قال في «الفتح»: هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية، وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دِثار، عن ابن عمر: «أُهدي لرجل رأس شاة، فقال: إن أخي وعياله أحوج منا إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يَبعث به واحد إلى آخر، حتى رجعت إلى الأول بعد سبعة، فنزلت»، ويَحْتَمِل أن تكون نزلت بسبب ذلك كله. انتهى . ٨ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: قيل: في الحديث دليل على نفوذ فعل الأب في الابن الصغير، وإن كان مطويًّا على ضرر خفيف، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، أو دنيوية، وهو محمول على ما إذا عُرف بالعادة من الصغير الصبر على مثل ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى . ٩ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: فيه فضيلةُ الإيثار، والحثّ عليه، وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ النفوس، أما القربات فالأفضل أن لا يُوثر بها؛ لأن الحقّ فيها لله تعالى. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ، وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية وكيع عن فُضيل بن غَزْوان هذه ساقها الترمذيّ ﵀، فقال: (٣٣٠٤) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا وكيع، عن فُضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رجلًا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قُوْته وقُوْت صبيانه، فقال لامرأته: نَوِّمي الصبية، وأطفئي السراج، وقرِّبي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيحٌ. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَيِ حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- لِيُضِيفَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُضِيفُهُ، فَقَالَ: «ألَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا ﵀، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أبُو طَلْحَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ فِيهِ نُزُولَ الآيَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان، تقدّم قريبًا.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «الفتح» ١٠/ ٦٨٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٨٩).

٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١١.

٣. «المصباح المنير» ١/ ١١٢.

٤. «الفتح» ٨/ ٤٩٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٧٩٨).

٥. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٠.

٦. «المصباح المنير»٢/ ٣٦٦.

٧. «الفتح» ٨/ ٤٩٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٧٩٨).

٨. «تكملة فتح الملهم» ٤/ ٦٦.

٩. «الفتح» ١٠/ ٦٨٠ - ٦٨١، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٨٩).

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

١١. «تنبيه المعلم» ص ٣٥٤.

١٢. «الفتح»٨/ ٤٩٧ - ٤٩٨، كتاب«مناقب الأنصار»رقم (٣٧٩٨).

١٣. «شرح النوويّ»١٤/ ١٢.

١٤. «الفتح» ١٠/ ٦٨٠ - ٦٨١، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٨٩).

١٥. راجع ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك تعليقًا على هامش: «الفتح» ١٠/ ٦٨١.

١٦. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٠.

١٧. «الفتح» ٨/ ٤٩٨، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٧٩٨).

١٨. «الفتح» ٨/ ٤٩٨، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٧٩٨).

١٩. شرح النوويّ» ١٤/ ١٢.

٢٠. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٤٠٩.