HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٥٥

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا شبابة بن سوار. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الْمِقْدَادِ. قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي. وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ. فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا. فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ. فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا). قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ. وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ. قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا. وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ. قَال ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي. ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ. فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي. فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ. مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ. فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا. فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ. قَالَ نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ. فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ. وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ. إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ. وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ. وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ. قَالَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ. ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى. ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا. فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ. فَقَالَ (اللَّهُمَّ! أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي. وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) قَالَ فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ. وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ. وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ. فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما كانوا يطعمون أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ. قَالَ فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ. فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟) قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي. فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَوِيَ، وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ. قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا. وَفَعَلْتُ كَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ. أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي، فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا) قَالَ فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وأصبتها معك، من أصابها من الناس.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص128
ج ٣ ص ١٦٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٩٢
[٥٨٥] وفي حديث المقداد بن الأسود : وجوب حقِّ الضيف، وإباحة طعام الصديق؛ ومن يثق به عند الحاجة إليه، وفيه: الخوف من عقوبة الذنب، وفيه: الدعاء لمن يحسن إليك، وفيه دلالة النبوة؛ إذ اجتمع في الضَّرع ما لم يكن قبل ذلك، وفيه: استحباب الفرح عند إصابة الخير. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٤٠٦
والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ. . . إلخ) تقدّم أن الخطيب قال بهذا، لكنه قال: أظنّه غير أبي طلحة زيد بن سهل المشهور، فتنبّه. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ. . . إلخ) فاعل «ساق» ضمير ابن فُضيل. [تنبيه]: رواية محمد بن غزوان عن أبيه هذه ساقها الطبريّ -﵀- في «تفسيره» بسند المصنّف، فقال: حدّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-؛ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: «ألا رجل يُضيف هذا ﵀؟» فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله -ﷺ-، نَوِّمي الصبية، وأطفئي المصباح، وأَريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله -ﷺ-، ففعلت، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٥١] (٢٠٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا، وَأَبْصَارُنَا، مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ-، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا»، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، ويُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتي الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتي شَرَابَهُ، فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الأَنْصَارَ، فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا، فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَجِيءُ، فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدْعُو عَلَيْكَ، فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ، فَنَامَا، وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ، فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ، فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي»، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ، فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ ، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لآلِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ رَوِيَ، وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ ضَحِكْتُ، حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيَّ -ﷺ-: «إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي، فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا، فَيُصِيبَانِ مِنْهَا»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُبَالِى إِذَا أَصَبْتَهَا، وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم قبل باب. ٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّار) المدائنيّ، خراساني الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم، ثقة حافظ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثمّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٦ - (الْمِقْدَادُ) بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثمّ الْكِنْديّ، ثمّ الزهريّ، مات سنة (٣٣)، وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، من السابقين إلى الإسلام، ولم يثبُت أنه كان ببدر فارسٌ غيره -﵁-. شرح الحديث: (عَنِ الْمِقْدَادِ) بن عمرو -﵁-، ويقال له: المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود بن عبد يغوث الزهريّ تبنّاه في الجاهليّة، فنُسب إليه. (قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفهما . (وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا، وَأَبْصَارُنَا، مِنَ الْجَهْدِ) بفتح الجيم، وهو الجوع والمشقّة، كما سبق في حديث أول الباب. (فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ) بكسر الراء، يقال: عَرَضَ الشيءَ عليه، من باب سَمِعَ: إذا أراه إيّاه، وعَرَض له: إذا أظهره له ؛ أي: نُري (أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) بمعنى: أنهم يُرُون أنفسهم، ويُظهرون للصحابة جوعهم، وما أصابهم من الجهد حتى يواسُوهم، ويقوموا بضيافتهم، (فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلنا) قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أن الذين عَرَضوا أنفسهم عليهم كانوا مُقِلِّين ليس عندهم شيء يُواسُون به. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «فليس أحدٌ منهم يقبلنا»؛ أي: يُطعمنا، وظاهر حالهم: أن ذلك الامتناع ممن تعرضوا له إنَّما كان لأنهم ما وجدوا شيئًا يُطعمونهم إيَّاه، كما اتَّفَق للنبيّ -ﷺ- حيث طلب من جميع بيوت نسائه، فلم يجد عندهم شيئًا؛ فإنَّ الوقت كان شديدًا عليهم. انتهى . (فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ-، فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإذَا ثَلَاثةُ أَعْنُزٍ) «إذا» هنا هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا وجود ثلاثة أعنز، وهي بفتح الهمزة، وضمّ النون: جمع عَنْز، بفتح، فسكون: هي الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول، وقال الجوهريّ: والعنز: الأنثى من الظباء، والأوعال، وهي الماعز . (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ)؛ أي: لبن هؤلاء الأعنز الثلاثة، وقوله: (بَيْنَنَا»)؛ أي: واقسموه بيننا. (قَالَ) المقداد (فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ)؛ أي: حظّه من ذلك اللبن، (وَنَرْفَعُ) بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: «ويُرْفَع» بالبناء للمفعول، (لِلنَّبِيِّ -ﷺ- نَصِيبَهُ)؛ أي: حظّه من ذلك اللبن. (قَالَ) المقداد (فَيَجِيءُ) النبيّ -ﷺ- (مِنَ اللَّيْلِ)؛ أي: في الليل، فـ «من» بمعنى «في»، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ أي: في بعض الليل، (فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا) فيه مشروعيّة السلام على الجماعة، وإن كان بعضهم نائمًا، (لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإسماع، وفيه بيان آداب السلام، وهو أنه لا يرفع صوته إذا هناك نائم؛ لئلا يقطع عليه نومه، ولا يَخفضه بحيث لا يُسمع؛ ليردّ عليه اليقظان. (قَالَ) المقداد (ثُمَّ يَأْتِي) -ﷺ- (الْمَسْجِدَ)؛ أي: المكان الذي اتّخذه للصلاة فيه، (فَيُصَلِّي) تحيّة المسجد، أو أعمّ من ذلك، (ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ، فَيَشْرَبُ) فيه أنه يبدأ بتحيّة المسجد قبل أن يجلس للشراب والطعام. (فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلةً من الليالي، وقوله: (وَقَدْ شَرِبْثُ نَصِيبِي) جملة حاليّة من المفعول، (فَقَالَ) الشيطان: (مُحَمَّدٌ) -ﷺ- (يَأْتِي الأَنْصَارَ)؛ أي: بيوت الأنصار -﵃-، (فَيُتْحِفُونَهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإتحاف؛ أي: يكرمونه بالهدايا والعطايا، قال المجد ﵀: التُّحْفَة بالضمّ، وكهُمَزَة: البِرّ، واللُّطف، والطُّرْفة، جمعه: تُحُفٌ، وقد أتحفته تُحْفَةً: إذا أطرفته بها، أو أصلها وُحْفَةٌ بالواو، فقُلبت تاءً. انتهى . (وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ)؛ أي: ينال غرضه من الطعام والشراب ما يُغنيه عن هذا اللبن، وقوله: (مَا) نافية؛ أي: ليست (بِهِ) -ﷺ- (حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ) -بضم الجيم، وفتحها-، حكاهما ابن السِّكِّيت وغيره، وهي الْحَثْوَة من المشروب، والفعل منه: جَرِعتُ بفتح الجيم، وكسر الراء، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: جَرَعتُ الماءَ جَرْعًا، من باب نفع، وجَرِعتُ أجْرَعُ، من باب تَعِب لغةٌ، وهو الابتلاع، والْجُرْعة من الماء كاللقمة من الطعام، وهو ما يُجرع مرّةً واحدةً، والجمع جُرَع، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى . (فَأَتيْتُهَا)؛ أي: تلك الْجُرعة (فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ) قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في «مغنيه»: «أن الواقعة بعد»لَمَّا«التوقيتيّة زائدة، نحو قوله ﷿: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٣]» . (وَغَلَتْ فِي بَطْنِي) بِالْغَين المعجمة المفتوحة، من وَعَد؛ أي: دَخَلَت، وتمكَّنت تلك الجرعة. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «وغلت في بطني»؛ أي: دخلت فيه، فكل من دخل في شيء فهو واغل فيه، ومنه قول الشاعر: فاليوم أشربُ غيرَ مُسْتَحْقب … إثْمًا من الله ولا وَاغِلِ يقال: وغَلْتُ، أَغِلَ، وُغُولًا، وَوَغْلًا، وهو ثلاثيّ، فأمَّا أوغل -رباعيًّا- فهو بمعنى: السَّير الشديد، والإمعان فيه، قاله الأصمعيّ، ومنه قوله -ﷺ-: «إن هذا الدِّين مَتِين، فأوغل فيه برفق»، رواه أحمد؛ أي: فَسِرْ فيه برفق. انتهى . (وَعَلِمْتُ) بتاء المتكلّم، (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي: أن الأمر والشأن، (لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ)؛ أي: لا يوجد طريق إلى الوصول إليها، والانتفاع بها ثانيًا. وقال بعضهم: قوله: «وعلمت أنه ليس إليها سبيل» يحتَمِل معنيين: الأول: أني تنبّهت بعد الشُّرب أنه لم يكن لي سبيل في جواز شرب نصيب رسول الله -ﷺ-، والثاني: أنه لا سبيل الآن إلى إعادة ما شربته إلى محلّه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يَخفى ما في الاحتمال الأول من البُعد، فالاحتمال الثاني، هو الأقرب، والأظهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) المقداد (نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ) بتشديد الدال المهملة؛ أي: حملني على الندم، وقوله: (فَقَالَ. . . إلخ) بيان لكيفيّة تنديمه. (فَقَالَ) الشيطان (وَيْحَكَ) تقدّم أنها كلمة ترحّم، لكنها هنا بمعنى ويلك، وهي كلمة عذاب. (مَا صنَعْتَ؟) «ما» استفهاميّة، مفعول مقدَّم لـ «صنعت»؛ أي: أي شيء صنعت؟ وهو استفهام إنكار، وتوبيخ. (أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟) -ﷺ- (فَيَجِيءُ) -ﷺ- إلى شرابه (فَلَا يَجِدُهُ) حيث شربته أنت، (فَيَدْعُو عَلَيْكَ) بالهلاك (فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ)؛ أي: تخسر في الدنيا والآخرة. (وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الميم: كِساء صغير يُشتَمَل به؛ أي: يُلتَحَف به على كيفيّة مخصوصة، قد ذكرناها في «كتاب الصلاة» . وقال الفيّوميّ: الشَّمْلة: كساء صغير يُؤتَزَر به، والجمع: شَمَلاتٌ، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَداتٍ، وشِمَالٌ أيضًا، مثلُ كَلْبة وكلاب. انتهى . (إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ) يَحْتَمِل أن يكون بالتثنية، فالياء مشدّدة، ويَحْتَمِل الإفراد، فالميم مخفّفة، والأول هو الأَولى بدليل قوله الآتي: «قدماي». (خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ)؛ أي: لاشتداد كَرْبه بسبب ما صنعه مِن شُرب نصيب النبيّ -ﷺ-، أو لأجل البرد حيث فقد لباسًا يعمّ جسده، والأول أظهر، كما يقتضيه السياق. (وَأمَّا صاحِبَايَ، فَنَامَا) لعدم ما يمنعهما من النوم؛ إذ لم يفعلا ما فعل المقداد، كما أشار إليه بقوله: (وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ) المقداد (فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ)؛ أي: كما هو هديه عند دخوله البيت، فإنه لا يدخل إلا بسلام (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ) قال القرطبيّ: يعني به -والله أعلم-: مسجد بيته؛ أي: حيث كان يصلّي النوافل . (فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ)؛ أي: أتى موضع شرابه الذي خُبئ له فيه، (فَكَشَفَ عَنْهُ)؛ أي: كشف الغطاء عن إناء شرابه (فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا) من اللبن، (فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ)؛ أي: ليدعو ربّه، قال المقداد -﵁-: (فَقُلْتُ: الآنَ)؛ أي: في هذه الساعة التي رفع -ﷺ- رأسه فيها إلى السماء (يَدْعُو عَلَيَّ) حيث شربت نصيبه، وبات طويًا (فَأَهْلِكُ) بدعائه -ﷺ-. (فَقَالَ) -ﷺ- («اللَّهُمَّ أَطْعِمْ) بقطع الهمزة فعلُ دعاء من الرباعيّ، (مَنْ أَطْعَمَنِي)؛ أي: يُطعمني، فهو بمعنى المضارع، (وَأَسْقِ) يَحْتَمِل أن يكون بوصل الهمزة، من سقى الثلاثيّ، وأن يكون بقطعها من أسقى الرباعيّ، فكلاهما لغتان فصيحتان، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، والاحتمال الثاني أَولى؛ لمناسبة قوله: (مَنْ أَسْقَانِي»)؛ أي: يُسقيني، كما في«من أطعمني». (قَالَ) المقداد -﵁-: (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم، من باب ضرب؛ أي: قصدت (إِلَى الشَّمْلَةِ)؛ أي: إلى الاشتمال بها، وتشميرها، كما بيّنه بقوله: (فَشَدَدْتُهَا)؛ أي: ربطت تلك الشملة (عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ) بفتح الشين المعجمة، وسكون الفاء: هي الْمُدْية، وهي السكّين العَرِيض، والجمع شِفَارٌ، مثلُ كَلْبة وكلاب، وشَفَرَاتٌ، مثلُ سجْدَة وسجدات، قاله الفيّوميّ -﵀- . (فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ) «أيّ» هنا موصولة بمعنى «التي»، صفة لـ «الأعنُز» فهي مبنيّة على الضمّ لِحَذْف صَدْر صِلَتها؛ أي: هي أسمن، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» حيث قال: «أَيٌّ» كَـ «مَا» وَأُعْرِبَتْ مَا لَمْ تُضَفْ … وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيرٌ انْحَذَفْ ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ [مريم: ٦٩]. (فَأَذْبَحُهَا لِرَسُول اللهِ -ﷺ-، فَإذَا هِيَ حَافِلَةٌ) «إذا» هنا فجائيّة؛ أي: ففاجأني كونها حافلة؛ أي: ممتلئة الضرع باللبن، وفي بعض النسخ: «حافل» بدون هاء، وهو لغة، قال المجد ﵀: وضَرْع حافلٌ: كثيرٌ لَبَنُه، وجَمْعه كرُكَّعٍ، وناقةٌ حافلةٌ، وحَفُولٌ، وشاةٌ حافلٌ، وقال أيضًا: حَفَلَ الماء واللبن يَحْفِل حَفْلًا، وحُفُولًا، وحَفِيلًا: اجتمع، كتحفّل، واحتفل. انتهى . (وَإِذَا هُنَّ)؛ أي: الأعنز، (حُفَّلٌ) بضمّ الحاء، وتشديد الفاء: جمع حافل، أو حافلة، كما قال في «الخلاصة»: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ والمعنى: مجتمع لبنهنّ في ضروعهنّ، وقوله: (كُلُّهُنَّ) توكيد لـ «حُفّل»، وهذا من أعلام نبوّته -ﷺ- الظاهرة، ومعجزته الباهرة، حيث صرن كلّهنّ حُفّلًا بعدما حُلب لبنهنّ في وقت قريب. قال القرطبيّ ﵀: ولمّا فَهِم المقداد منه -ﷺ- الدعاء، وطلب أن يفعل الله ذلك معه في الحال؛ عرف أن الله تعالى يجيبه، ولا يردّ دعوته، لا سيما عند شدَّة الحاجة، والفاقة، فقام لينظر له شيئًا تكون به إجابة دعوته، فوجد الأعنز حُفّلًا؛ أي: ممتلئة الضروع باللبن. انتهى . (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم؛ أي: قصدت (إِلَى إِنَاءٍ لآلِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-)؛ أي: أهل بيته، (مَا كَانُوا)؛ أي: آل محمد -ﷺ- (يَطْمَعُونَ)؛ أي: يرجون (أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ) لِكِبَره، وقلّة اللبن عندهم، ووقع في بعض النسخ: «يطعمون» بدل «يطمعون»؛ أي: كانوا لا يأكلون في ذلك الإناء، ولا يستعملونه في الأكل. (قَالَ) المقداد -﵁- (فَحَلَبْتُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك الإناء، (حَتَّى عَلَتْهُ)؛ أي: ارتفعت على فم ذلك الإناء (رَغْوَةٌ) بتثليث الراء، وإسكان الغين المعجمة: هو الزَّبَد الذي يعلو اللبن عند الصبّ والحلب، قال المجد ﵀: رَغْوةُ اللبنِ مثلّثةً، ورُغَاوته، ورُغايته، مضمومتين، ويُكسران: زَبَدُهُ. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: الرَّغْوَةُ: الزَّبَدُ يَعْلُو الشيءَ عند غَلَيانه، بفتح الراء، وضمّها، وحُكي الكسر، وجَمْع المفتوح: رَغَوَاتٌ، مثل شَهْوَةٍ وشَهَواتٍ، وجَمْع المضموم: رُغًى، مثلُ مُدْية ومُدًى، والرُّغَايَةُ بالضم، والكسر، والرِّغَاوَةُ بالكسر مع الواو: رُغْوَة اللبن، وارْتَغَى: شَرِب الرَّغْوَةَ، ورَغَّى اللبنُ بالتشديد : عَلَتْ رُغوته. انتهى . وقال النوويّ ﵀: «الرغوة»: هي زَبَد اللبن الذي يعلوه، وهي بفتح الراء، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات مشهورات، ورُغاوة بكسر الراء، وحُكي ضمّها، ورُغاية بالضم، وحُكي الكسر، وارتغيت: شربت الرُّغوة. انتهى . (فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) آخذًا ذلك اللبن الذي علته الرغوة، (فَقَالَ) -ﷺ- («أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟»، قَالَ) المقداد (قُلْتُ)؛ أي: بعد إجابته بنعم، (يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ) هذا اللبن، (فَشَرِبَ) بكسر الراء، (ثُمَّ نَاوَلَني)؛ أي: أعطاني الفاضل منه لأشربه، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ) مرّة ثانيةً، (فَشَرِبَ، ثمَّ نَاوَلَنِى، فَلَمَّا عَرَفْتُ) بفتح الراء، فما اشتهر على ألسنة عوامّ الطلبة، من قولهم: «عَرِفتُ» بكسر الراء، فَلَحْن فاحش، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ رَوِيَ) بكسر الواو، كرَضِي. وقال القرطبيّ ﵀: و«رَوِي» بكسر الواو، وتحريك الياء في الماضي، يروَى بفتح الواو وسكون الياء: في الشرب، فأما «رَوَى» بفتح الواو في الماضي، وكسرها في المستقبل: فهو في رواية الأخبار، ويقال أيضًا: بمعنى الاستقاء على الإبل، قال: وهذا الحديث من دلائل نبوة النبيّ -ﷺ- . (وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ) حيث قال: «اللهمّ أطعم من أطعمني، وأسق من سقاني»، (ضَحِكْتُ) من شدّة الفرح والسرور بذلك، (حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ضحِكت ضَحِكًا كثيرًا حتى سقطت إلى الأرض من شِدّة الضحك. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فضحكت حتى أُلْقِيتُ إلى الأرض» كذا قيّدناه مبنيًا لِمَا لم يُسَمّ فاعله، وقد وجدناه في بعض النسخ: «أَلْقَيتُ» مبنيًا للفاعل؛ أي: أَلْقَيت نفسي إلى الأرض من شدَّة الضحك، ولما رأى النبيّ -ﷺ- منه ذلك كَرِه ذلك، وقال له: «إحدى سوآتك يا مقداد»؛ أي: هذه الحالة حالة سيئة من جملة حالاتك التي تسوء، منكِرًا لذلك؛ لأن كثرة الضحك يميت القلب، كما قاله -ﷺ- لأبي ذرّ -﵁- ، فلما أخبره المقداد بما جرى له، وبما أجاب الله من دعوته قال النبيّ -ﷺ-: «ما هذه إلا رحمة من الله»، معترفًا بفضل الله تعالى، وشاكرًا لنعمته، ومقرًّا بمنّته، فله الحمد أوّلًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا. انتهى . قال النوويّ ﵀: قوله: «فلما عَلِمتُ أن النبيّ -ﷺ- قد رَوِي» إلى قوله: وأخرج الترمذيّ ﵀ في «جامعه» ٤/ ٥٥١، عن الحسن، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعمل بهنّ، أو يعلِّم من يعمل بهنّ؟»، فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعَدّ خمسًا، وقال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تُكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئًا، هكذا رُوي عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ورَوَى أبو عبيدة الناجيّ، عن الحسن، هذا الحديث قولَهُ، ولم يذكر فيه: «عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سماع الحسن البصريّ من أبي هريرة -﵁- مختلفٌ فيه، والصحيح أنه سمع منه، كما حقّقته في «شرح النسائيّ»، وهذا الحديث صححه الشيخ الألبانيّ ﵀ في «الصحيحة» ٢/ ٣٢، وغيرها. إحدى سوآتك يا مقداد»: معناه أنه كان عنده حُزْن شديدٌ خوفًا من أن يدعو عليه النبيّ -ﷺ-؛ لكونه أذهبَ نصيب النبيّ -ﷺ-، وتَعَرّض لأذاه، فلما عَلِمَ أن النبيّ -ﷺ- قد رَوِيَ، وأُجيبت دعوته، فَرِح، وضَحِك، حتى سقط إلى الأرض من كثرة ضحكه؛ لذهاب ما كان به من الحزن، وانقلابه سُرورًا بشرب النبيّ -ﷺ-، وإجابة دعوته لمن أطعمه، وسقاه، وجريان ذلك على يد المقداد، وظهور هذه المعجزة، ولتعجّبه من قُبح فِعله أوّلًا، وحُسْنِه آخرًا، ولهذا قال -ﷺ-: «إحدى سوآتك يا مقداد»؛ أي: إنك فعلتَ سَوءةً من الفعلات، ما هي؟ فأخبره خَبَره، فقال النبيّ -ﷺ-: «ما هذه إلا رحمة من الله تعالى»؛ أي: إحداث هذا اللبن في غير وقته، وخلاف عادته، وإن كان الجميع من فضل الله تعالى. انتهى . (قَالَ) المقدادل -﵁- (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِحْدَى سَوْآتِكَ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه الحالة، وهي حالة كثرة الضحك إحدى حالاتك التي تسوء، وتعيب لك (يَا مِقْدَادُ») قال القاضي عياض ﵀ في «المشارق»: قوله: «إحدى سوآتك يا مقداد» كذا لأكثر شيوخنا، وعند ابن الحذاء، والهوزنيّ من طريق ابن ماهان: «أخبرني» مكان «إحدى»، وعند ابن الحذاء «شرابك» مكان «سوآتك»، والصواب الأول؛ أي: إن ضحكك، وما صنعتَ من أحد أفعالك السيئة، وجاء في بعض النسخ: «ما شأنك يا مقداد؟». انتهى . (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا)؛ أي: من شُرب نصيبه -ﷺ- بتسويل الشيطان له، (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَا هَذِهِ)؛ أي: الخصلة التي حصلت في هذه الليلة من شُرب اللبن الذي نزل من الأعنز اللاتي حُلبن، وجفّ ضرعهنّ، (إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ) ﷾. وحاصل ما أشار إليه في قوله:«ضحكت حتى سقطت إلى الأرض»إلى قوله: هذه رحمة من الله« أن ضحكه -﵁- كان من كمال سروره، وزوال حزنه؛ لأنه لَمّا شَرِب نصيبه -ﷺ- خاف أشدّ الخوف من أن يدعو عليه النبيّ -ﷺ-، ولَمّا قال -ﷺ-: »اللهم أطعم من أطعمني. . . إلخ«، وعَلِم أن دعاءه -ﷺ- مستجابٌ، زال حزنه، وخوفه، وسُرّ أشدّ سرور، ولهذا ضحك إلى أن سقط على الأرض ثم عمد إلى الأعنز، فوجدها حُفّلًا، فحلب منها، فجاء به إلى النبيّ -ﷺ-، فشرب منه، وأصاب حاجته، ولما أخبر النبيّ -ﷺ- بالقصّة، قال: «ما هذه إلا رحمة من الله تعالى»، فله الحمد، والمنّة، وله النعمة والقضل، وله الثناء الحسن. أ- وقعت لك هذه النعمة الجسيمة، والمنّة العظيمة من درور اللبن من الأعنز الهزال (أفَلَا كُنْتَ آذَنتَنِي) بالمدّ؛ أي: أعلَمْتَني بها (فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا) بنصب «يوقظ» بعد الفاء السببيّة، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابَ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (فَيُصِيبَانِ مِنْهَا») برفع«يصيبان» على تقدير مبتدأ؛ أي: فهما يصيبان من هذه النعمة التي هي رحمة من الله. (قَالَ) المقداد (فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُبَالِي)؛ أي: لا أكترث (إِذَا أَصَبْتَهَا)؛ أي: شربتها أنت، (وَأصَبْتُهَا)؛ أي: شربتُها (مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا)؛ أي: شَرِبها (مِنَ النَّاسِ) والمعنى: إذا شربَتها أنت، وشربتُها معك، فلا أبالي، ولا أكترث بالناس، فلا يسرّني من شربها، ولا يحزنني من لم يشربها، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المقداد بن عمرو -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٥٣٥١ و٥٣٥٢] (٢٠٥٥)، و(الترمذيّ) في «الاستئذان» (٢٧١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢ و٣ و٤)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١٠٠٨)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٣٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٣)، و(البزّار) في «مسنده» (٦/ ٤٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٨٧)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (١/ ١٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من كريم الأخلاق، والجود حيث انطلق بالمقداد وصاحبيه إلى بيته؛ ليزيل ما حلّ بهم من الجهد والجوع. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- في أول الأمر من الفقر، وضيق العيش، فلم يستطيعوا أن يواسوا المقداد وصاحبيه حين عرضوا عليهم أنفسهم، مع أنهم موصوفون بقوله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، إلا أن عدم شيء في بيوتهم أدّاهم إلى أن لا يقبلوهم. ٣ - (ومنها): بيان استحباب السلام لمن دخل بيتًا، وإن كان فيه نائمون، وقال القرطبيّ ﵀: في الحديث دليل على مشروعية السَّلام عند دخول البيت، وقد استحبَّه مالك، وأن ذلك مما ينبغي أن يكون برفق، واعتدال. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان آداب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نِيام، أو من في معناهم، فإنه يكون سلامًا متوسطًا بين الرفع والمخافتة، بحيث يسمعه الأيقاظ، فيردّوه، ولا يُهَوّش على النائمين. ٥ - (ومنها): أن فيه الدعاءَ للمحسِن، والخادم، ولمن سيفعل خيرًا. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الحلم، والأخلاق العليّة، والمحاسن المرضية، وكرم النفس، والصبر، والإغضاء عن حقوقه، فإنه -ﷺ- لم يسأل عن نصيبه من اللبن. ٧ - (ومنها): أن فيه معجزات النبوة، وآثار بركته -ﷺ-، حيث كانت الأعنز كلّهنّ حُفّلًا في غير الوقت المعتاد، وذلك من الله ﷾ عليه وعلى الناس أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ النحويّ، نزيل
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «تفسير الطبريّ» ٢٨/ ٤٢ - ٤٣.

٢. وفي نسخة: «ويُرْفَع».

٣. وفي نسخة: «فإذا هي حافل».

٤. وفي نسخة: «يطعمون».

٥. مكرّرًا، قاله ابن معين.

٦. «تنبيه المعلم» ص ٣٥٤.

٧. راجع: «القاموس المحيط» ص ٨٥٧.

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣ - ١٤.

٩. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٢.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣٢.

١١. «القاموس المحيط» ص ١٥١ بزيادة يسيرة.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٩٧.

١٣. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٧٥.

١٤. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣.

١٥. «تكملة فتح الملهم» ٤/ ٦٩.

١٦. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٣.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٣.

١٨. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٣.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ٣١٧.

٢٠. «القاموس المحيط» ص ٣٠٤ - ٣٠٥.

٢١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤.

٢٢. بل يجوز التخفيف، فقد قال في «القاموس»: ورَغَا اللبن، وأرغى، ورَغَّى: صارت له رُغوة. انتهى.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٢.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥.

٢٥. «المفهم» ٥/ ٣٣٤.

٢٦. أشار به إلى ما أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره عن أبي ذرّ -﵁-، وهو حديث طويل، مشتمل على وصايا كثيرة، وكثير منها ضعيف، وبعضه صحيح، ومنه قوله: «إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، وَيذهب بنور الوجه»، قاله الشيخ الألبانيّ ﵀ في «صحيح الترغيب والترهيب».

٢٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥.

٢٩. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٠.

٣٠. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٢.