HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٥٨

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ. وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص132
ج ٣ ص ١٦٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٤٢٧
المشرك أيضًا كان تأنيسًا له، ولَأن يثيبه بأكثر مما أهدى، وكذا يقال في هدية كسرى المذكورة في كتاب الحربيّ من حديث عليّ -﵁-، وردّ هدية عياض بن حمار، وكان بينه وبين النبيّ -ﷺ- معرفة قبل البعثة، فلما بُعث أهدى له، فردّ هديته، وكذا ردّ هدية ذي الجوشن، وكانت فرسًا، وكذا ردّ هدية ملاعب الأسنّة؛ لأنهم كانوا سُوقةً، وليسوا ملوكًا، وأهدى له مَلِك أيلة بغلةً، وفروة الجذاميّ هدية، فقبلهما، وكانا مَلِكين. ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد في «كتاب الأموال» أنه -ﷺ- إنما قَبِل هدية أبي سفيان بن حرب؛ لأنها كانت في مدة الهدنة، وكذا هدية المقوقس إنما كان قَبِلها؛ لأنه أكرم حاطبًا، وأقرّ بنبوته -ﷺ-، ولم يؤيسه من إسلامه، وقبل هدية الأكيدر؛ لأن خالدًا -﵁- قَدِم به، فحَقَن -ﷺ- دمه، وصالحه على الجزية؛ لأنه كان نصرانيًّا، ثم خلّى سبيله، وكذا مَلِك أيلة لمّا أهدى كساه -ﷺ- بُرْدًا له، وهذا كله يرجع إلى أنه -ﷺ- كان لا يقبل هدية إلا ويكافئ. [ثم اعلم]: أن الناس اختلفوا فيما يُهدى للأئمة، فروي عن عليّ -﵁- أنه كان يوجِب ردّه إلى بيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال أبو يوسف: ما أهدى إليه أهل الحرب، فهو له، دون بيت المال، وأما ما يُهدى للنبيّ -ﷺ- خاصة فهو في ذلك بخلاف الناس؛ لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة لم تكن لغيره، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦] بعد قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل الفيء، يضعه حيث أراه الله، فأما المسلمون إذا أَهْدَوا إليه فكان من سجيته أن لا يردّها، بل يثيبهم عليها. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٥٤] (٢٠٥٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ»، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثةٍ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- بِعَشَرةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، -وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي، وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ - قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا، فَاخْتَبَأْتُ، وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّع، وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى شَبِعْنَا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيّ، أَوْ أَكْثَرُ، قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، وَقُرَّةِ عَيْني لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وهم الذين ذُكروا في الإسناد الماضي. شرح الحديث: عن الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أنه (قَالَ: قَالَ أَبِي) سليمان بن طرخان التيميّ، أحد صغار التابعين، (حَدَّثنَا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النَّهْديّ، (أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵄- (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) -بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء-: مكان في مؤخَّر المسجد النبويّ، مظلَّلٌ، أُعِدّ لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له، ولا أهل، وكانوا يَكثرون فيه، ويُقلّون بحسب من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في «الحلية»، فزادوا على المائة، كذا ذكره الحافظ في «الفتح» في «باب علامات النبوة»، وقال في «كتاب الرقاق»: وقد اعتنى بجمع أسماء أهل الصفة أبو سعيد ابن الأعرابيّ، وتبعه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، فزاد أسماء، وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل «الحلية»، فَسَرَد جميع ذلك . وقال القرطبيّ ﵀: «الصُّفة»: سَقِيفة المسجد، كانت منزلًا للغرباء والمهاجرين، وكانوا ضيف الإسلام، وكانوا يحتطبون في النهار، ويسقون الماء لأبيات رسول الله -ﷺ-، ويقرؤون القرآن بالليل، ويصلُّون، هكذا وَصَفَهم البخاريّ وغيره. انتهى . (كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في «الرقاق»: «وأهل الصفّة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقةٌ بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديّةٌ أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها». وفي حديث طلحة بن عمرو عند أحمد، وابن حبان، والحاكم: «كان الرجل إذا قَدِم على النبيّ -ﷺ-، وكان له بالمدينة عَريف نزل عليه، فإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة»، وفي مرسل يزيد بن عبد الله بن قُسيط عند ابن سعد: «كان أهل الصفة ناسًا فقراء، لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد، لا مأوى لهم غيره»، وله من طريق نُعيم المجمر، عن أبي هريرة -﵁-: «كنت من أهل الصفّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله -ﷺ-، فيأمر كلَّ رجل، فينصرف برجل، أو أكثر، فيبقى من بقي عشرةٌ، أو أقلّ، أو أكثر، فيأتي النبيّ -ﷺ- بعشائه، فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد». ولأبي نعيم في «الحلية» من مرسل محمد بن سيرين: «كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى قَسَم ناسًا من أصحاب الصفّة بين ناس من أصحابه، فيذهب الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين، حتى ذكر عشرة …» الحديث. وله من حديث معاوية بن الحكم: «بينا أنا مع رسول الله -ﷺ- في الصفّة، فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار، والرجلين، والثلاثة، حتى بقيت في أربعة، ورسول الله -ﷺ- خامسنا، فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة عشِّينا …» الحديث . (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ مَرَّةً)؛ أي: وقتًا من الأوقات، («مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثةٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ»صحيح مسلم«:»فليذهب بثلاثة«، ووقع في»صحيح البخاريّ«:»فليذهب بثالث«، قال القاضي عياض: هذا الذي ذكره البخاريّ هو الصواب، وهو الموافق لسياق باقي الحديث. قال النوويّ: وللذي في مسلم أيضًا وَجْه، وهو محمول على موافقة البخاريّ، وتقديره: فليذهب بمن يُتمّ ثلاثة، أو بتمام ثلاثة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠]؛ أي: في تمام أربعة أيام، وسبق في«كتاب الجنائز»إيضاح هذا، وذِكْر نظائره. انتهى . وقال القرطبيّ: ﵀: قوله:«من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة»كذا صحَّت الرواية فيه عن جميع رواة مسلم، والصواب:«بثالث»؛ لأن البخاريّ كذا ذكره«بثالث»؛ ولأن بقية الحديث يدلّ عليه؛ إذ قال:«ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس»؛ ولأنه إن حُمِل على ظاهره فسد المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يَكْفِ أحدًا منهم، فلا يَرُدّ جوعًا، ولا يُمسك لأحدهم رَمَقًا، فاقتصار الاثنين على طعامهما كان أصلح؛ لأنَّه كان يردّ جوعهما، ويمسك رمقهما، وذلك بخلاف الواحد، فإنَّه يتحمل الاثنان أكله، ولا يُجحف بهما، ونحو ذلك في تشريك الاثنين في طعام الأربعة لا يُجحف بهم، وكذلك الخامس بسادس لمن كان عنده طعام أربعة، وفي ذلك كانت المواساة واجبة لشدَّة الحال، والحُكم كذلك مهما وقعت شدَّة بالمسلمين، والله الكافي، والواقي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما تقدّم عن النوويّ ﵀ من تأويله بمن يُتمّ ثلاثة، أو بتمام ثلاثة أولى من تغليط ما اتّفق عليه رواة«صحيح مسلم»، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ»)؛ أي: فليذهب بخامس إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثر من ذلك، وإلا فليذهب بسادس مع الخامس، إن كان عنده أكثر من ذلك، والحكمة في كونه يزيد كل أحد واحدًا فقط أن عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفس لا يضيق عليه أن يطعم الرابع من قُوتِهم، وكذلك الأربعة وما فوقها بخلاف ما لو زيدت الأضياف بعدد العيال، فإنما ذلك يحصل الاكتفاء فيه عند اتساع الحال. ووقع في رواية أبي النعمان: «وإن أربعِ فخامسٍ، أو سادس»، و«أو» فيه للتنويع، أو للتخيير، كما في الرواية الأخرى، ويَحْتَمِل أن يكون معنى «أو سادس»: وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من عطف الجملة على الجملة، وقوله: «وإن أربع فخامس» بالجرّ فيهما، والتقدير: فإن كان عنده طعام أربع، فليذهب بخامس، أو بسادس، فحُذف عامل الجرّ، وأُبقي عمله، كما يقال: مررت برجل صالح، وإن لا صالحٍ فطالحٍ؛ أي: إن لا أمرّ بصالح، فقد مررت بطالح، ويجوز الرفع على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، وهو أوجَهُ. قال ابن مالك: تضمَّن هذا الحديث حَذْف فعلين، وعامِلَي جرّ مع بقاء عملهما، بعد «إن»، وبعد الفاء، والتقدير: من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثالث، وإن قام بأربعة، فليذهب بخامس، أو سادس. انتهى. وهذا قاله في الرواية التي في «الصلاة»، وأما هذه الرواية وهي قوله: «بخامس، بسادس»، فيكون حُذف منها شيء آخر، والتقدير: أو إن قام بخمسة، فليذهب بسادس. انتهى . وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) «أو» للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون عبد الرحمن، أو من دونه، والله تعالى أعلم. (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (جَاءَ بِثَلَاثةٍ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- بِعَشَرَةٍ) قال في «الفتح»: عَبَّر عن أبي بكر بلفظ المجيء؛ لِبُعد منزله من المسجد، وعن النبيّ -ﷺ- بالانطلاق؛ لِقُربه. وقال النوويّ -﵀-: هذا مبيِّن لِمَا كان عليه النبيّ -ﷺ- من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإن عيال النبيّ -ﷺ- كانوا قريبًا من عدد ضِيفانه هذه الليلة، فأتى بنصف طعامه، أو نحوه، وأتى أبو بكر -﵁- بثلث طعامه، أو أكثر، وأتى الباقون بدون ذلك، والله أعلم. انتهى . وقوله: (وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثةٍ) معطوف على ما قبله؛ أي: وانطلق أبو بكر بثلاثة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: «وأبو بكر ثلاثةً» بالنصب عند الأكثر؛ أي: أخذ أبو بكر ثلاثة، ولا يكون تكرارًا مع قوله قبل ذلك جاء بثلاثة؛ لأن هذا بيان لابتداء ما جاء في نصيبه، والأول لبيان من أحضرهم إلى منزله، قال في «الفتح»: وأبْعَدَ من قال: «ثلاثةٌ» بالرفع، وقدَّره: وأبو بكر أهله ثلاثةٌ؛ أي: عدد أضيافه، ودلّ ذلك على أن أبا بكر كان عنده طعام أربعة، ومع ذلك فأخذ خامسًا، وسادسًا، وسابعًا، فكأن الحكمة في أخذه واحدًا زائدًا عما ذكر النبيّ -ﷺ- أنه أراد أن يُؤثِر السابع بنصيبه؛ إذ ظهر له أنه لم يأكل أوّلًا معهم، ووقع في رواية الكشميهنيّ: «وأبو بكر بثلاثة»، كما هي رواية مسلم، فيكون معطوفًا على قوله: «وانطلق النبيّ -ﷺ- بعشرة»، قال: والأول أوجَهُ، والله أعلم. انتهى . (قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄- (فَهُوَ)؛ أي: الشأن، وهو مبتدأ، وقوله: (أَنَا) مبتدأ ثانٍ، (وَأَبِي وَأُمِّي) معطوفان على «أنا»، وخبر المبتدأ الثاني محذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: في الدار. [تنبيه]: قوله: «فهو أنا … إلخ» هكذا في النسخة الهنديّة، والنسخة التي شرح عليها الأبيّ، وهو الذي في «صحيح البخاريّ»، ووقع في معظم النسخ: «وأنا» بالواو وهو غلطٌ، والظاهر أنه من بعض النسّاخ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ) هو من كلام أبي عثمان النّهديّ شكّ فيما قاله عبد الرَّحمن بن أبي بكر - ﵄ -، هل قال عاطفًا على ما سبق: (وَامْرَأَتِي، وَخَادِمٌ) يُطلق على الذكر والأنثى، والخادمة في المؤنّث بالهاء قليل، والجمع: خَدَمٌ، وخُدّام . قال في «الفتح»: الخادم المذكورة لَمْ أعرف اسمها. انتهى. وقوله: (بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) بنصب «بين» على الظرفيّة، متعلّق بـ«خادم»، يعني أن خدمتها مشتركة بين بيتنا، وبين أبي بكر - ﵁ -. [تنبيه]: أمّ عبد الرَّحمن هي أم رُومان، مشهورة بكنيتها، واسمها زينب، وقيل: وَعْلة بنت عامر بن عويمر، وقيل: عميرة من ذرية الحارث بن غَنْم بن مالك بن كنانة، كانت قبل أبي بكر عند الحارث بن سَخْبرة الأزديّ، فقَدِم مكة، فمات، وخلَّف منها ابنه الطفيل، فتزوجها أبو بكر، فولدت له عبد الرَّحمن وعائشة، وأسلمت أم رُومان قديمًا، وهاجرت، ومعها عائشة، وأما عبد الرَّحمن فتأخر إسلامه، وهِجْرته إلى هُدْنة الحديبية، فقَدِم في سنة سبع، أو أول سنة ثمان. واسم امرأته والدة أكبر أولاده أبي عَتِيق محمد: أُميمة بنت عديّ بن قيس السَّهْميّة، قاله في «الفتح» . (قَالَ) عبد الرَّحمن (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (تَعَشَّى)؛ أي: أكل الْعَشَاء بالفتح، والمدّ، وهو الطعام الذي يؤكل وقت الْعِشاء، (عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ لَبِثَ) بكسر الموحّدة، من باب تَعِب؛ أي: تأخّر أبو بكر عنده - ﷺ - (حَتَّى صلِّيَتِ الْعِشَاءُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: صلاتها، (ثُمَّ رَجَعَ)؛ أي: رجع أبو بكر إلى منزله. وقال في «الفتح»: قوله: «وإن أبا بكر تعشى عند النبيِّ - ﷺ -، ثم لَبِث حتى صلى العشاء، ثم رجع»، ووقع في الرواية التي في «الصلاة»: «ثم لبث حتى صليت العشاء»، وفي رواية: «حيث صليت، ثم رجع»، فَشَرحه الكرمانيّ، فقال: هذا يُشعر بأن تعشِّي أبي بكر كان بعد الرجوع إلى النبيّ - ﷺ -، والذي تقدَّم بعكسه، والجواب أن الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه إلى الطعام عند أهله، والثاني فيه سياق القصة على الترتيب الواقع، الأول: تعشي الصديق، والثاني: تعشي النبيّ - ﷺ -، والأول: من العَشاء بفتحها؛ أي: الأكل، والثاني: بكسرها؛ أي: الصلاة، فأحَد هذه الاحتمالات أن أبا بكر لَمّا جاء بالثلاثة إلى منزله لبث إلى وقت صلاة العشاء، فرجع إلى النبيّ - ﷺ - حتى تعشى عنده، وهذا لا يصح؛ لأنه يخالف صريح قوله في حديث الباب: «وإن أبا بكر تعشى عند النبيّ - ﷺ -، ثم إن الذي وقع عند البخاريّ بلفظ:»ثم رجع«بالجيم ليس متفقًا عليه من الرواة؛ لِمَا سأذكره، وظاهر قوله في هذه الرواية:»ثم رجع«؛ أي: إلى منزله، وعلى هذا ففي قوله:»فلبث حتى تعشى رسول الله - ﷺ -، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله«تكرارٌ، وفائدته الإشارة إلى أن تأخره عند النبيّ - ﷺ - كان بمقدار أن تعشى معه، وصلى العشاء، وما رجع إلى منزله إلَّا بعد أن مضى من الليل قطعةٌ، وذلك أن النبيّ - ﷺ - كان يحب أن يؤخِّر صلاة العشاء، كما تقدم في حديث أبي برزة - ﵁ -. ووقع عند الإسماعيليّ:«ثم ركع»بالكاف؛ أي: صلى النافلة بعد العشاء، فعلى هذا فالتكرار في قوله:«فلبث حتى تعشى»فقط، وفائدته ما تقدم. ووقع في رواية مسلم، والإسماعيليّ أيضًا:«فلبث حتى نَعَسَ»بِعَيْن، وسين مهملتين، مفتوحتين، من النعاس، وهو أَوْجَهُ، وقال عياض: إنه الصواب، وبه ينتفي التكرار من المواضع كلها إلَّا في قوله:«لَبِثَ»، وسببه اختلاف تعلق اللبث، فالأول قال:«لبث حتى صلى العشاء»، ثم قال:«فلبث حتى نعس». والحاصل أنه تأخر عند النبيّ - ﷺ - حتى صلى العشاء، ثم تأخر حتى نعس النبيّ - ﷺ -، وقام لينام، فرجع أبو بكر حينئذ إلى بيته. ووقع في رواية أبي داود من رواية الْجُريريّ عن أبي عثمان، أو أبي السليل، عن عبد الرَّحمن بن أبي بكر قال:«نزل بنا أضياف، وكان أبو بكر يتحدث عند النبيّ - ﷺ -، فقال: لا أرجع إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء»، ونحوه عند البخاريّ في«كتاب الأدب»من طريق أخرى عن الجريريّ، عن أبي عثمان، بلفظ:«أن أبا بكر تضيّف رهطًا، فقال لعبد الرَّحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبيّ - ﷺ -، فافرغ من قِراهم قبل أن أجيء»، وهذا يدلّ على أنَّ أبا بكر أحضرهم إلى منزله، وأمر أهله أن يضيّفوهم، ورجع هو إلى النبيّ - ﷺ -، ويدلّ عليه صريح قوله في حديث الباب:«وإن أبا بكر جاء بثلاثة». انتهى . (فَلَبِثَ) أبو بكر - ﵁ - عند النبيِّ - ﷺ - (حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) قال الفيّوميّ - ﵀ -: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قتل، والاسم النُّعَاسُ، فهو نَاعِسٌ، والجمع نُعَّسٌ، مثل راكع ورُكَّع، والمرأة ناعسة، والجمع نَوَاعِسُ، وربما قيل: نَعْسَانُ، ونَعْسَى، حملوه على وَسْنان ووسنى، وأول النوم النُّعَاسُ، وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الوَسَنُ، وهو ثقل النُّعَاسُ، ثم التَّرْنِيقُ، وهو مخالطة النُّعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم العَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُودُ، والهُجُوعُ، وصحّ أن أهل الجَنَّة لا ينامون؛ لأنَّ النوم موت أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وكثيرًا ما يُحمل الشيء على نظيره، قال الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في الشِّعر، قال الأزهريّ: حقيقة النُّعَاسِ: الوَسَنُ من غير نوم. انتهى . (فَجَاءَ) أبو بكر إلى بيته (بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ) كناية عن طول الوقت الذي غاب فيه أبو بكر عن أضيافه، (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) أم رُومان، واسمها زينب، وقيل: غيرها، (مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟) «ما» استفهاميّة إنكاريّة؛ أي: أي شيء منك عن الحضور عندهم؟ (أَو قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟) بالإفراد، قال في «الفتح»: هو شك من الراوي، والمراد به الجنس؛ لأنهم ثلاثة، واسم الضيف يُطلق على الواحد، وما فوقه، وقال الكرمانيّ: أو هو مصدر يتناول المثنى، والجمع، كذا قال، وليس بواضح. انتهى . (قَالَ) أبو بكر (أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) هو استفهام إنكاريّ، (قَالَتْ: أَبوْا)؛ أي: امتنعوا من قبول العشاء (حَتَّى تَجِيءَ) أنت، (قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ) بفتح العين، والراء، والفاعل محذوف؛ أي: الْخَدَم، أو الأهل، أو نحو ذلك، (فَغَلَبُوهُمْ)؛ يعني: أن آل أبي بكر عَرَضُوا على الأضياف العَشاءَ، فأبوا، فعالجوهم، فامتنعوا حتى غلبوهم. ووقع في رواية للبخاريّ في «الصلاة»: «قد عُرِّضُوا» بضم أوله، وتشديد الراء؛ أي: أُطعموا من العُراضة ، وهي الهديّة، قاله عياض، قال: وهو في الرواية بتخفيف الراء، وحَكَى ابن قرقول أن القياس بتشديد الراء، وبه جزم الجوهريّ، وقال الكرمانيّ موجِّهًا للتخفيف؛ أي: عُرِض الطعام عليهم، فحُذف الجارّ، ووُصِل الفعل، فهو من القلب، كعَرَضت الناقةَ على الحوض. ووقع عنده أيضًا في الصلاة: «قد عرضنا عليهم، فامتنعوا»، وحَكَى ابن التين أنه وقع في بعض الروايات: «عرصوا» بصاد مهملة، قال: ولا أعرف لها وجهًا، ووجّهها غيره أنَّها من قولهم: عَرَص إذا نَشِط، فكأنه يريد أنهم نَشِطوا في العزيمة عليهم، ولا يخفى تكلفه. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ - عند شرح قوله في الأضياف: إنهم امتنعوا من الأكل حتى يحضر أبو بكر - ﵁ -: هذا فعلوه أدبًا، ورفقًا بأبي بكر فيما ظنوه؛ لأنهم ظنوا أنه لا يحصل له عشاء من عشائهم، قال العلماء: والصواب للضيف أن لا يمتنع مما أراده المضيف، من تعجيل طعام، وتكثيره، وغير ذلك من أموره، إلَّا أن يعلم أنه يتكلف ما يشُقّ عليه حياء منه، فيمنعه برفق، ومتى شكّ لَمْ يعترض عليه، ولم يمتنع، فقد يكون للمضيف عذر، أو غرض في ذلك، لا يمكنه إظهاره، فتَلْحقه المشقة بمخالفة الأضياف، كما جرى في قصة أبي بكر - ﵁ -. انتهى . (قَالَ) عبد الرَّحمن (فَذَهَبْتُ أنا، فَاخْتَبَأْتُ)؛ يعني: أنه اختفى خوفًا من خصام أبي بكر له، وتغيّظه عليه، وشَتْمه إياه، وفي رواية الْجُريريّ عند البخاريّ: «فعرفت أنه يَجِد عليّ - أي: يغضب - فلما جاء تغيَّبت عنه، فقال: يا عبد الرَّحمن، فسكتّ، ثم قال: يا عبد الرَّحمن، فسكتّ». (وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ) - بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الثاء المثلّثة - هذه الرواية المشهورة، وحُكِي ضمّ المثلّثة، وحَكَى عياض عن بعض شيوخه فتح أوله، مع فتح المثلّثة، وحكاه الخطابيّ بلفظ: «عَنْتَرُ» بلفظ اسم الشاعر المشهور، وهو بالمهملة، والمثناة المفتوحتين، بينهما النون الساكنة. ورُوي عن أبي عمر، عن ثعلب أن معناه الذباب، وأنه سُمِّي بذلك؛ لصوته، فشبّهه به حيث أراد تحقيره، وتصغيره. وقال غيره: معنى الرواية المشهورة: الثقيل الوَخْمُ ، وقيل: الجاهل، وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وهو مأخوذ من الغثر، ونونه زائدة، وقيل: هو ذباب أزرق، شبّهه به لتحقيره، كما تقدم، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: وقوله: «يا غنثر» بغين معجمة مضمومة، ثم نون ساكنة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة، ومضمومة، لغتان، هذه هي الرواية المشهورة في ضبطه، قالوا: وهو الثقيل الوَخْم، وقيل؛ هو الجاهل، مأخوذ من الغَثَارة، بفتح الغين المعجمة، وهي الجهل، والنون فيه زائدة، وقيل: هو السفيه، وقيل: هو ذباب أزرق، وقيل: هو اللئيم، مأخوذ من الغثر، وهو اللؤم، وحَكَى القاضي عن بعض الشيوخ أنه قال: إنما هو غنثر بفتح الغين والثاء، ورواه الخطابيّ، وطائفة: عنتر بعين مهملة، وتاء مثناة مفتوحتين، قالوا: وهو الذباب، وقيل: هو الأزرق منه، شَبّهه به تحقيرًا له. انتهى . وفي رواية الجريريّ: «فقال: يا غنثر أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لَمّا جئت، قال: فخرجت، فقلت: والله ما لي ذنب، هؤلاء أضيافك، فَسَلْهُم، قالوا: صدقك، قد أتانا». (فَجَدَّعَ)؛ أي: دعا عليه بالْجَدْع، وهو قطع الأذن، أو الأنف، أو الشَّفَة، وقيل: المراد به السبّ، والأول أصحّ، وفي رواية الجريريّ عند البخاريّ: «فَجَزَّع» بالزاي بدل الدال؛ أي: نسبه إلى الْجَزَع - بفتحتين - وهو الخوف، وقيل: المجازعة المخاصمة، فالمعنى خاصم. قال القرطبيّ: ظنَّ أبو بكر أن عبد الرَّحمن فَرَّط في حقّ الأضياف، فلمّا تبيّن له الحال أدّبهم بقوله: «كُلُوا لا هنيئًا». (وَسَبَّ)؛ أي: شتم، وحذف المفعول للعلم به. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «جدَّع»؛ أي: دعا عليه بالجدع، وهو قطع الأنف، وقال أبو عمرو الشيبانيّ: معناه: سبَّ، يقال: جادعته مجادعة: ساببته. قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: «جدَّع وسبَّ»، فلو كان كما قال لكان تكرارًا لا فائدة له، والأول أصوب. وكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصديق - ﵁ - على عبد الرَّحمن ظنُّ أنه فرّط في الأضياف، فلما تبيَّن له أنه لَمْ يكن منه تفريط، وأنَّه إنما كان ذلك امتناعًا من الأضياف، أدَّبهم بقوله لهم: «لا هنيئًا»، وحلف لا يطعمه، وذلك أن هؤلاء الأضياف تحكّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، وقالوا: لا نأكل حتى يحضر أبو منزلنا، فنكّدوا على أهل المنزل، ولا يلزم حضور ربِّ المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه، فقد يكون في مُهِمّ من أشغاله لا يمكنه تركه، فهذا منهم جفاء، لكن حَمَلهم على ذلك صِدْق رغبتهم في التبرُّك بمؤاكلته، وحضوره معهم، فأبوا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه ذلك، فتكدَّر الوقت، وتشوّش الحال عليهم أجمعين، وكانت نزغة شيطان، فأزال الله تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة، والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك النكد سرورًا، وانقلب الشيطان مدحورًا، وعند ذلك عاد أبو بكر - ﵁ - إلى مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه، وأكل مع أضيافه، وطيَّب قلوبهم، وحصل مقصودهم لقوله - ﷺ -: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه وليأت الذي هو خير». انتهى . (قَالَ) أبو بكر للأضياف (كُلُوا لَا هَنِيئًا)؛ أي: لا أكلتم هنيئًا، قال النوويّ - ﵀ -: إنما قاله لِمَا حَصَل له من الحرج، والغيظ بتركهم العَشاء بسببه، وقيل: إنه ليس بدعاء، إنما أخبر؛ أي لَمْ تتهنأوا به في وقته. انتهى . وقال في «الفتح»: هو دعاء عليهم، وقيل: خبر؛ أي: لَمْ تتهيئوا في أول نُضجه، ويُستفاد من ذلك جواز الدعاء على من لَمْ يحصل منه الإنصاف، ولا سيما عند الحرج والتغيظ، وذلك أنهم تَحَكَّموا على ربّ المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده، مع إذنه لهم في ذلك، وكان الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التبرك بمؤاكلته، ويقال: إنه إنما خاطب بذلك أهله، لا الأضياف، وقيل: لَمْ يُرِد الدعاء، وإنما أخبر أنهم فاتَهُم الهناء به؛ إذ لَمْ يأكلوه في وقته . (وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا) وفي رواية الجريريّ: «فقال: فإنما انتظرتموني، والله لا أطعمه أبدًا، فقال الآخر: والله لا نطعمه»، هذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: «فقال أبو بكر: فوالله لا أطعمه الليلة، قال: فقالوا: فوالله لا نطعمه حتى تطعمه»، وفي رواية أبي داود: «فقال أبو بكر: فما منعكم؟ قالوا: مكانك، قال: والله لا أطعمه أبدًا، قال: لَمْ أر في الشر كالليلة، ويلكم، ما أنتم؟ لَمْ لا تقبلون عنا قِراكم، هات طعامك، فوُضع، فقال: بسم الله، الأول من الشيطان، فأكل، وأكلوا». قال ابن التين: لَمْ يخاطب أبو بكر - ﵁ - أضيافه بذلك، إنما خاطب أهله. وتعقّبه الحافظ بأن الرواية التي تقدّمت تردّ عليه، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَايْمُ اللهِ) همزته همزة وَصْل عند الجمهور، وقيل: يجوز القطع، وهو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: فأيم الله قَسَمي، أو خبر لمحذوف؛ أي: قَسَمي ايم الله، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «أيمن» اسم استُعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفعُ لَعمْرُ الله، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جَمْع يمين عندهم، وقد يُختصر منه، فيقال: وايم الله بحذف الهمزة والنون، ثم اختُصر ثانيًا، فقيل: مُ الله، بضمّ الميم وكسرها. انتهى . وقال في «القاموس» و«شرحه»: و«ايمن الله» بضم الميم والنون، وأَلِفه أَلِف وَصْل عند أكثر النحويين، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، نقله الجوهريّ، و«ايم الله»، ويُكسر أوّلهما، عن ابن سيده، وقال ابن الأثير: أهل الكوفة يقولون: أيمُن جمع يمين للقسم، والألف فيها ألف وصل، ويُفتح، ويُكسر، والكسر في «ايم الله»، حكاه يونس، ونقله ابن جني، وذهب ابن كيسان، وابن دُرُستويه إلى أن ألف أيمُن ألف قطع، وهو جمع يمين، وإنما خُفّفت همزتها، وطُرحت في الوصل؛ لكثرة استعمالهم لها، ويقولان: إن ايم الله أصله: أيمن الله، حُذفت النون، كما حُذفت مِن: لَمْ يَكُ، و«ايمن الله» بفتح الميم، والهمزة، وقد تُكسر الهمزة، و«ايم الله» بكسر الهمزة، والميم، وقيل: ألِفه أَلِف وصل، وهو قول النحويين، إلَّا ما كان من ابن كيسان، وابن درستويه، كما ذكرنا، وقالوا: «هيم الله» بفتح الهاء، وضم الميم، والأصل «ايم الله» قُلبت الهمزة هاء، وربما حَذَفوا منه الياء، فقالوا: «ام الله» مثلثة الميم، و«ام الله» بكسر الهمزة، وضم الميم، وفتحها، وربما قالوا: «مُنِ الله» بضم الميم، وكسر النون، و«مُن الله» مثلثة الميم، والنون؛ أي: بضم الميم، والنون، وبفتحهما، وبكسرهما، وربما أبقوا الميم وحدها، فقالوا: «م الله» مثلثة، أما الضم فهو الأصل، وأما الكسر فلأنها صارت حرفًا واحدًا، فيشبِّهونها بالباء، وربما أدخلوا عليها اللام؛ لتأكيد الابتداء، فقالوا: «ليم الله»، و«ليمن الله»، الأخيرة نقلها الجوهريّ، وحينئذ يذهب الألف في الوصل، قال نصيب [من الطويل]: فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي كلّ ذلك اسم وُضع للقسم، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: أيمن الله قَسَمي، وايمن الله ما أُقسم به. انتهى ببعض تصرّف . (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا)؛ أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا)؛ أي: من الموضع الذي أُخذت منه، (أَكْثَرُ مِنْهَا) ضبطوا «أكثر» في المواضع كلّها بالباء الموحّدة، وبالثاء المثلّثة. (قَالَ) عبد الرَّحمن (حَتَّى شَبِعْنَا) بكسر الباء، قال المجد: الشَّبْعُ بالفتح، وكعِنَبٍ: ضدّ الجوع، شَبعَ كسَمِنَ خُبزًا ولحمًا، ومنهما، وأشبعته من الجوع، والشِّبْعُ بالكسر، وكعِنَبٍ: اسم ما أشبعك. انتهى . (وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (فَإِذَا هِيَ)؛ أي: الجفنة التي فيها الطعام (كَمَا هِيّ)؛ أي: كما كانت أوّلًا (أَو أَكْثَرُ) من الأول. (قَالَ) أبو بكر (لِامْرَأَتِهِ) أمّ رُومان (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟) قال النوويّ - ﵀ -: هذا خطاب من أبي بكر لامرأته أمّ رُومان - ﵄ -، ومعناه: يا من هي من بني فراس، قال القاضي: فراس هو ابن غَنْم بن مالك بن كنانة، ولا خلاف في نسب أم رومان إلى غنم بن مالك، واختلفوا في كيفية انتسابها إلى غنم اختلافًا كثيرًا، واختلفوا هل هي من بني فِراس بن غنم، أم من بني الحارث بن غنم؟ وهذا الحديث الصحيح يؤيّد كونها من بني فراس بن غنم. انتهى . وقال في «الفتح»: وبنو فِراس - بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وآخره مهملة - ابن غنم بن مالك بن كنانة، وقال النوويّ - ﵀ -: التقدير: يا مَن هي من بني فراس، وفيه نظر، والعرب تُطلِق على من كان منتسبًا إلى قبيلة أنه أخوهم، كما قال ضمام: أنا أخو بني سعد بن بكر. وقد تقدم أن أم رُومان من ذرية الحارث بن غنم، وهو أخو فراس بن غنم، فلعل أبا بكر نسبها إلى بني فراس؛ لكونهم أشهر من بني الحارث، ويقع في النسب كثيرٌ من ذلك، وينسبون أحيانًا إلى أخي جدّهم، أو المعنى: يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس، ولا شك أن الحارث أخو فراس، فأولاد كلّ منهما إخوة للآخرين؛ لكونهم في درجتهم. وحَكَى عياض أنه قيل في أم رومان: إنها من بني فراس بن غنم، لا من بني الحارث، وعلى هذا فلا حاجة إلى هذا التأويل، قال الحافظ: ولم أر في كتاب ابن سعد لها نسبًا إلَّا إلى بني الحارث بن غنم، ساق لها نَسَبَيْن مختلفين، فالله أعلم. انتهى . (قَالَتْ) أمّ رومان - ﵂ - (لَا، وَقُرَّةِ عَيْنِي) قال أهل اللغة: قُرّة العين يُعبَّر بها عن المسرّة، ورؤية ما يحبه الإنسان، ويوافقه، قيل: إنما قيل ذلك: لأنَّ عينه تَقَرّ لبلوغه أمنيته فلا يستشرف لشيء، فيكون ماخوذًا من القرار، وقيل: معناه: أنام الله عينك، وهو يرجع إلى هذا، وقيل: مأخوذ من القُرّ بالضمّ، وهو البَرْد؛ أي: عينه باردة لسرورها، وعدم مُقْلقها، قال الأصمعيّ وغيره: أقرّ الله عينه؛ أي: أبرد دمعته؛ لأنَّ دمعة الفرَح باردة، ودمعة الحزن حارّة، ولهذا يقال في ضدّه: أسخن الله عينه، قال صاحب «المطالع»: قال الداوديّ: أرادت بِقُرَّة عَيْنها النبيّ - ﷺ -، فأقسمت به، وفيه بُعدٌ. ولفظة «لا» في قولها: «لا وقرّة عيني» زائدة، ولها نظائر مشهورة، ويَحْتَمِل أن تكون نافيةً، وفيه محذوف؛ أي: لا شيء غير ما أقول، وهو: وقرّة عيني لهي أكثر منها، ذكره النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح» بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وإنما حلفت أم رُومان - ﵂ - بذلك لِمَا وقع عندها من السرور بالكرامة التي حصلت لهم ببركة الصدّيق - ﵁ - . (لَهِيَ الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر، وهو ما بعد الأكل منها، (أَكْثَرُ) بالثاء المثلّثة، وضَبَطه بعضهم بالباء الموحّدة، (مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، قَالَ) عبد الرَّحمن (فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ) أبو بكر - ﵁ - (إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَان، يَعْنِي يَمِينَهُ)؛ أي: حَلِفَه على عدم الأكل من ذلك الطعام بسبب غضبه على أهل بيته، وثم على الأضياف. والمعنى: إنما كان الشيطان هو الحاملَ على ذلك، يعني الحامل على يمينه التي حلفها في قوله: «والله لا أطعمه». قال في «الفتح»: وظاهر هذا السياق مخالف لرواية الجريريّ الآتية، فقال عياض: في هذا السياق خطأ، وتقديم، وتأخير، ثم ذكر ما حاصله: أن الصواب ما في رواية الجريريّ، وهو أن رواية سليمان التيميّ هذه تقتضي أن سبب أكل أبي بكر من الطعام ما رآه من البركة فيه، فرغب في الأكل منه، وأعرض عن يمينه التي حلف، لِمَا رَجَح عنده من التناول من البركة، ورواية الجريريّ تقتضي أن سبب أَكْله من الطعام لَجاج الأضياف، وحَلِفهم بأنهم لا يَطعمون من الطعام، حتى يأكل أبو بكر، ولا شك في كونها أوجه، لكن يمكن ردّ رواية سليمان التيميّ إليها بأن يكون قوله: «فأكل منها أبو بكر» معطوفًا على قوله: «والله لا أطعمه»، لا على القصة التي دلّت على بركة الطعام، وغايته أن حَلِف الأضياف أن لا يَطعموه لَمْ يقع في رواية سليمان، والله أعلم. قال الحافظ - ﵀ -: ثم ظهر لي أن ذلك من معتمر بن سليمان، لا من أبيه، فقد وقع في «كتاب الأدب» عند البخاريّ من رواية ابن أبي عديّ، عن سليمان التيميّ: «فحلفت المرأة لا تطعمه حتى تطعموه، فقال أبو بكر: كأن هذه من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكل، وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون اللقمة إلَّا رَبَا من أسفلها». ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن يكون أبو بكر أكل لأجل تحليل يمينهم شيئًا، ثم لَمّا رأى البركة الظاهرة عاد، فأكل منها؛ لتحصل له، وقال كالمعتذر عن يمينه التي حلف: «إنما كان ذلك من الشيطان». قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن هذا الاحتمال، وأليقه بالمقام، وأما الاحتمال الأول الذي أدّى إلى دعوى التقديم والتأخير ونحو ذلك، فلا يخفى بُعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. والحاصل أن الله أكرم أبا بكر - ﵁ -، فأزال ما حصل له من الحرج، فعاد مسرورًا، وانفكّ الشيطان مدحورًا، واستعمل الصدّيق مكارم الأخلاق، فحَنَّث نفسه زيادةً في إكرام ضِيفانه؛ ليحصل مقصوده من أكلهم، ولكونه أكثر قدرةً منهم على الكفّارة. انتهى . (ثُمَّ أَكَلَ) أبو بكر - ﵁ - (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الجفنة، (لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَصْبَحَتْ) الجفنة (عِنْدَهُ) - ﷺ -. (قَالَ) عبد الرَّحمن (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النسخ: «فَعَرَّفنا» بالعين، وتشديد الراء؛ أي: جعلنا عُرفاء، وفي كثير من النسخ: «ففرقنا» بالفاء المكرّرة في أوله، وبقاف، من التفريق؛ أي: جُعِل كلّ رجل من الاثني عشر مع فرقة، فهما صحيحان، ولم يذكر القاضي هنا غير الأول. وقوله: (فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلَا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النسخ، وفي نادر منها: «اثني عشر»، وكلاهما صحيح، والأول جارٍ على لغة مَن جَعَل المثنى بالألف في الرفع، والنصب، والجرّ، وهي لغة أربع قبائل من العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وغير ذلك، وقد سبقت المسألة مرات. انتهى . (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ؟ إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ)، يعني: أنه تحقّق أنه جعل عليهم اثنا عشر عَرِيفًا، لكنه لا يدري كم كان تحت يد كلّ عريف منهم، لأنَّ ذلك يَحْتَمِل الكثرة والقلة، غير أنه يتحقق أنه بعث معهم أي مع كلّ ناس عَريفًا، (فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَو كَمَا قَالَ) هو شكّ من أبي عثمان في لفظ عبد الرَّحمن، وأما المعنى: فالحاصل أن جميع الجيش أكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبيِّ - ﷺ -، وظهر بذلك أن تمام البركة في الطعام المذكور كانت عند النبيّ - ﷺ -؛ لأنَّ الذي وقع فيها في بيت أبي بكر ظهور أوائل البركة فيها، وأما انتهاؤها إلى أن تكفي الجيش كلهم فما كان إلَّا بعد أن صارت عند النبيّ - ﷺ - على ظاهر الخبر، والله أعلم. وقد رَوَى أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث سمرة - ﵁ - قال: «أُتِي النبيّ - ﷺ - بقَصْعة فيها ثريد، فأكل، وأكل القوم، فما زالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون، ويجيء قوم، فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تُمَدّ بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلَّا أن تكون كانت تُمَدّ من السماء». قال الحافظ: قال بعض شيوخنا: يَحْتَمِل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصدّيق - ﵄ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثاتية): في تخريجه: أخرجه (الصنّف) هنا [٢٠/ ٥٣٥٤ و٥٣٥٥] (٢٠٥٧)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٦٠٢) و«المناقب» (٣٥٨١) و«الأدب» (٦١٤٠ و٦١٤١)، و(أبو داود) (٣٢٧٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٩٧ و١٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٤ و٢٠٦)، و(البزار) في «مسنده» (٦/ ٢٢٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التجاء الفقراء إلى المساجد عند الاحتياج إلى المواساة، إذا لَمْ يكن في ذلك إلحاح، ولا إلحاف، ولا تشويش على المصلين، واستحباب مواساتهم عند اجتماع هذه الشروط. ٢ - (ومنها): مشروعية التوظيف في المخمصة. ٣ - (ومنها): جواز الغَيبة عن الأهل والولد والضيف، إذا أُعدت لهم الكفاية، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -؛ فيه جواز ذهاب مَن عنده ضِيفان إلى أشغاله، ومصالحه، إذا كان له من يقوم بأمورهم، وشمد مسدّه، كما كان لأبي بكر هنا عبد الرَّحمن - ﵄ -. انتهى . ٤ - (ومنها): فيه بيان ما كان عليه أبو بكر - ﵁ - من الحبّ للنبيّ - ﷺ -، والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره، على الأهل، والأولاد، والضيفان، وغيرهم. ٥ - (ومنها): أن فيه تصرفَ المرأة فيما تُقَدِّم للضيف، والإطعام بغير إذن خاصّ من الرجل. ٦ - (ومنها): جوازُ سبّ الوالد للولد على وجه التأديب، والتمرين على أعمال الخير، وتعاطيه. ٧ - (ومنها): جواز الحلف على ترك المباح. ٨ - (ومنها): توكيد الرجل الصادق لِخَبره بالقَسَم. ٩ - (ومنها): جواز الحنث بعد عقد اليمين. ١٠ - (ومنها): عرض الطعام الذي تظهر فيه البركة على الكبار، وقبولهم ذلك. ١١ - (ومنها): العمل بالظنّ الغالب؛ لأنَّ أبا بكر ظنّ أن عبد الرَّحمن فَرّط في أمر الأضياف، فبادر إلى سبّه، وقَوَّى القرينة عنده اختباؤه منه. ١٢ - (ومنها): بيان ما يقع من لطف الله تعالى بأوليائه، وذلك أن خاطر أبي بكر - ﵁ - تشوّش، وكذلك ولده، وأهله، وأضيافه بسبب امتناعهم من الأكل، وتكدّر خاطر أبي بكر - ﵁ - من ذلك حتى احتاج إلى ما تقدم ذكره من الحرج بالحَلِف، وبالحنث، وبغير ذلك، فتدارك الله ذلك، ورفعه عنه بالكرامة التي أبداها له، فانقلب ذلك الكَدَر صفاءً، والنكد سرورًا، ولله الحمد والمنة. ١٣ - (ومنها): أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها فَعَل ذلك، وكَفَّر عن يمينه، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. ١٤ - (ومنها): حَمْلُ الْمُضِيف المشقّة على نفسه في إكرام ضيفانه، وإذا تعارض حِنْثه وحِنْثهم حَنَّث نفسه؛ لأنَّ حقهم عليه آكد. ١٥ - (ومنها): أن فيه كرامةً ظاهرةً لأبي بكر الصديق - ﵁ -، وفيه إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنَّة، خلافًا للمعتزلة، قاله النوويّ - ﵀ - . ١٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا لجواز تفريق العرفاء على العساكر، ونحوها، وفي «اسنن أبي داود»: «العِرافة حقّ» ؛ لِمَا فيه من مصلحة الناس، وليتيسَّر ضَبْط الجيوش ونحوها على الإمام باتخاذ العرفاء، وأما الحديث الآخر: «العرفاء في النار» ، فمحمول على العرفاء المقصرين في ولايتهم المرتكبين فيها ما لا يجوز، كما هو معتاد لكثير منهم، قاله النوويّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٥٥] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لنَا، قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ اللَّيْل، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ، قَالَ: فَأَبوْا، فَقَالُوا: حَتَّى يَجِيء أَبُو مَنْزِلِنَا، فَيَطْعَمَ مَعَنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذًى، قَالَ: فَأَبَوْا، فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ: قَالُوا: لَا، وَاللهِ مَا فَرَغْنَا، قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلَّا جِئْتَ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا لِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ، قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَقَالُوا: فَوَاللهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطَّ، ويلَكُمْ مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَان، هَلُمُّوا قِرَاكُمْ، قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَام، فَسَمَّى، فَأَكَلَ، وَأَكَلُوا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَرُّوا، وَحَنِثْتُ، قَالَ: فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ، وَأَخْيَرُهُمْ»، قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ) أبو سعيد البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٥/ ١٥٣٢. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا) هم الذين جاء بهم أبو بكر - ﵁ - من عند رسول الله - ﷺ - كما بُيّن في الرواية السابقة. وقوله: (وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ) «إلى» بمعنى «عند»، و«من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض. وقوله: (فَانْطَلَقَ)؛ أي: أراد أبو بكر - ﵁ - أن يذهب إلى النبيِّ - ﷺ -. وقوله: (افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ)؛ أي: انته من ضيافهم، يقال: فَرغ؛ كمنع، وسَمِعَ، ونَصَرَ فُرُوغًا، وفَرَاغًا، فهو فَرغٌ، وفارغٌ: خلا ذَرْعه، وفرغ له، وإليه: قصد، قاله المجد - ﵀ - . وقوله: (جِئْنَا بِقِرَاهُمْ) بكسر القاف، والقصر، يقال: قَرَيتُ الضيفَ أقريه، من باب رَمَي، قِرَى بالكسر، والقصر، وبالفتح والمدّ: إذا أضفته . وقوله: (حَتى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا)؛ أي: صاحبه. وقوله: (إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ)؛ أي: فيه قُوّةٌ وصلابةٌ، ويَغضَب لانتهاك الحرمات والتقصير في ضيفه، ونحو ذلك . وقوله: (لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ) بجرّ «أول» صفة لـ«شيء»، وهو غير منصرف للصفة ووزن الفعل، وهو بمعنى أسبق. [تنبيه]: «أوّل» أصله أوأل، قُلبت الهمزة التي بعد الواو واوًا، وأُدغمت الواو الأُولى فيها، فصار أَوَّل، وقيل: وَوْأل، قُلبت الواو الأولى همزةً، وقُلبت الهمزة التي بعد الواو واوًا، وأُدغمت الواو الأولى فيها، ففيه أعمالٌ ثلاثٌ، وعلى القول الأول عَملان، ولذا رُجّح بقلّة الأعمال التصريفيّة فيه، قال الحفنيّ: وبدليل قولهم في الجمع أوائل بالهمز، ولم يقولوا: أواول، وهو لا يستلزم ثانيًا؛ لأنَّ معناه: ابتداء الشيء، ويستعمل صفةً بمعنى أسبق، فيُمنع من الصرف؛ للوصفيّة ووزن الفعل، ويمتنع حينئذ تأنيثه بالتاء، ودخول «من» عليه، ويُستعمل اسمًا بمعنى سابق، نحو لقِيته عامًا أَوَّلا، نحو قولهم: ما له أوّلٌ ولا آخرٌ، فيُصرف، ويؤنّث بالتاء، ويُستعمل ظرفًا، نحو رأيت الهلال أوّل الناس؛ أي: قبلهم، قال ابن هشام: وهذا هو الذي إن قُطع عن الإضافة بُني على الضمّ. انتهى كلام الحفنيّ، ونظم الأجهوريّ ذلك، فقال [من الطويل]: إِذَا أَوَّلٌ قَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ أَسْبَقُ … فَمَنْعُ انْصِرَافٍ فِيهِ أَمْرٌ مُحَتَّمُ لِوَصْفٍ وَوَزْنِ الْفِعْلِ فِيهِ أَيَا فَتًى … فَكُنْ حَافِظًا لِلْعِلْمِ تَحْظَى وَتَغْتَمُ وَمَا جَاءَ ظَرْفًا مِثْلَ قَبْلُ فَذَا لَهُ … كَقَبْلُ مِنَ الأَحْوَالِ وَاللهُ أَعْلَمْ انتهى من «حاشية محمد عبادة العدويّ على شرح شُذور الذهب» . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الأَوَّلُ: مُفْتَتَح العدد، وهو الذي له ثانٍ، ويكون بمعنى الواحد، ومنه في صفات الله تعالى هو الأَوَّلُ؛ أي: هو الواحد الذي لا ثاني له، وعليه استعمال المصنِّفين في قولهم: وله شروط: الأَوَّلُ كذا، لا يراد به السابق الذي يترتب عليه شيء بعده، بل المراد الواحد، وقول القائل: أول وَلَدٍ تَلِده الأَمَةُ حُرُّ محمول على الواحد أيضًا، حتى يتعلق الحكم بالولد الذي تلده سواءٌ ولدت غيره أم لا. إذا تقرر أنَّ الأول بمعنى الواحد، فالمؤنثة هي الأُوْلَى، بمعنى الواحدة أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا، وليس بعدها أخرى، وقد تقدم في الآخر أنه يكون بمعنى الواحد، وأن الأخرى بمعنى الواحدة، فقوله في ولوغ الكلب: «يُغسَل سبعًا»، في رواية: «أُولاهُنَّ»، وفي رواية: «أُخْرَاهُنَّ»، وفي رواية: «إِحْدَاهُنَّ»، الكل ألفاظ مترادفة على معنى واحد، ولا حاجة إلى التأويل، وتَنَبَّهْ لهذه الدقيقة، وتخريجها على كلام العرب، واستَغْنِ بها عما قيل من التأويلات، فإنها إذا عُرِضت على كلام العرب لا يقبلها الذوق. وتجمع الأُوْلَى على الأُوْلَيَات، والأوَل، والعشرُ الأُوَلُ، والأَوَائِلُ أيضًا؛ لأنه صفة الليالي، وهي جمع مؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١، ٢]، وقول العامة: «العَشْرُ الأَوَّلُ» بفتح الهمزة، وتشديد الواو خطأ. وأما وزن أَوّل قيل: فوعل، وأصله وَوْوَلٌ، فقُلبت الواو الأُولى همزة، ثم أُدغم، ولهذا اجترأ بعضهم على تأنيثه بالهاء، فقال: أَوَّلَةٌ، وليس التأنيث بالمرضيّ، وقال المحققون: وزنه أفعل، من آل يؤول: إذا سَبَقَ، وجاء، ولا يلزم من السابق أن يلحقه شيء، وهذا يؤيد ما سَبَق من قولهم: أول ولد تلده؛ لأنه بمعنى ابتداء الشيء، وجائز أن لا يكون بعده شيء آخر، وتقول: هذا أول ما كَسَبت، وجائز أن لا يكون بعده كَسْب آخر، والمعنىْ هذا ابتداء كسبي، والأصل: أأول بهمزتين، لكن قُلبت الهمزة الثانية واوًا، وأدغمت في الواو، قال الجوهريّ: أصله أوأل بهمز الوسط، لكن قُلبت الهمزة واوًا للتخفيف، وأدغمت في الواو، والجمع: الأَوَائِلُ، وجاء في أَوَائِل القوم: جمع أول؛ أي: جاء في الذين جاءُوا أَوّلًا، ويُجمع بالواو والنون أيضًا، وسمع أُوَلٌ، بضم الهمزة، وفتح الواو، مخففةً، مثل أكبر، وكُبَر. وفي «أَوَّلَ» معنى التفضيل، وإِن لَمْ يكن له فعلٌ، ويُستعمل كما يستعمل أفعل التفضيل، من كونه صفة للواحد، والمثني، والمجموع، بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٦]، ويقال: الأَوَّلُ، وأَوَّلُ القوم، وأَوَّلُ من القوم، ولمّا استُعْمِل استعمال أفعل التفضيل انتصب عنه الحال، والتمييز، وقيل: أنت أَوَّلُ دخولًا، وأنتما أَوَّلُ دخولًا، وأنتم أَوَّلُ دخولًا، وكذلك في المؤنث، (فَأَوَّلُ) لا ينصرف؛ لأنه أفعل التفضيل، أو على زِنَته، قال ابن الحاجب: أَوَّلُ أفعل التفضيل، ولا فعل له، ومثله آبلُ، وهو صفة لمن أحسن القيام على الإبل، قال: وهذا مذهب البصريين، وهو الصحيح؛ إذ لو كان على فوعل كما ذهب إليه الكوفيون، لقيل: أولةٌ بالهاء، وهذا كالتصريح بامتناع الهاء، وتقول: عامٌ أولُ، إن جعلته صفة لَمْ تصرفه؛ لوزن الفعل والصفة، وإن لَمْ تجعله صفة صرفتَ، وجاز عامُ الأولِ بالتعريف والإضافة، ونقل الجوهريّ عن ابن السِّكِّيت مَنْعها، ولا يقال: عامَ أولَ على التركيب. انتهى ما كتبه الفيّوميّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (أفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟)؛ أي: من قِراهم، وضيافتهم. وقوله: (وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ)؛ أي: ابتعدت عن مكان أبي بكر - ﵁ -؛ لئلا يلحقني منه ضرر. وقوله: (مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟) قال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «ألا» هو بتخفيف اللام على التحضيض، واستفتاح الكلام، هكذا رواه الجمهور، قال: ورواه بعضهم بالتشديد، ومعناه: ما لكم لا تقبلوا قراكم؟ وأيّ شيء منعكم ذلك، وأحوجكم إلى تركه؟ انتهى . وقال القرطبيّ بعد ذكر كلام عياض المذكور: قلت: ويلزم على هذا ثبوت النون من «تقبلون»؛ إذ لا موجب لحذفها مع الاستفتاح، قال: «وما لكم» استفهام إنكاريّ، وعند ابن أبي جعفر بتشديد اللام على زيادة «لا»، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ويلزم ثبوت النون … إلخ» فيه أنه قد جاء حذف النون بلا ناصب، ولا جازم ، ومنه حديث: «والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا …» الحديث ، وقول الشاعر: أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي وقوله: (قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ … إلخ) القائل هو أبو بكر - ﵁ -، ويَحْتَمل أن يكون عبد الرَّحمن، والأول أَولى. وقوله: (كَالشَّرِّ) الكاف بمعنى «مثل»؛ أي: مثل الشرّ الواقع في هذه الليلة. وقوله: (كَاللَّيْلَةِ) بدل من «كالشرّ»، على حذف مضاف؛ أي: كشرّ هذه الليلة. وقوله:. (قَطُّ) بضمّ الطاء المشدّدة: ظرف مستغرِق لِمَا مضى من الزمان، ضدّ عَوْضُ ؛ أي: لَمْ أر فيما مضى من الزمان مثل الشر الذي وقع في هذه الليلة مع هؤلاء الأضياف. وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ) فاعل «قال» الأول ضمير عبد الرَّحمن، والثاني ضمير أبي بكر - ﵄ -. وقوله: (أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: يعني حَلِفه أن لا يطعمه، وقد جاء كذا في الحديث نفسِهِ مفسّرًا، وقيل: أراد أن اللقمة الأُولى للشيطان؛ أي: لِقَمعه، وإرغامه، ومخالفته في مراده باليمين، وهو إيقاع الوحشة بينه وبين أضيافه، فأخزاه أبو بكر - ﵁ - بالحِنث الذي هو خير . وقوله: (هَلُمُّوا قِرَاكُمْ)؛ أي: أحضروه. وقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أي: لَمّا دخل أبو بكر - ﵁ - في «الصباح ذهب أول النهار إلى النبيِّ - ﷺ -؛ ليُخبره بما جرى بينه وبين أضيافه تلك الليلة. وقوله: (بَرُّوا) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، يقال: بَرِرْتَ، وبَرَرْتَ، بفتح الراء، وكسرها، وبَرّت اليمين تَبَرّ، كيَمَلّ، وَيحِلّ، بِرًّا، بالكسر، وبَرًّا بالفتح، وبُرُورًا، وأبرّها: أمضاها على الصدق، قاله المجد - ﵀ -، وقال أيضًا: البَرّ في اليمين بالفتح، ويُكسر: الصدق . وقوله: (وَحَنِثْتُ) من باب عَلِمَ، يقال: حَنِث في يمينه يَحْنَثُ حِنْثًا: إذا لَمْ يَفِ بموجبها، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . والمعنى: أنَّ الأضياف بَرُّوا في يمينهم؛ لأنهم حلفوا أن لا يأكلوا إلَّا إذا أكل، وقد أكل معهم، وحنِثت أنا يميني؛ لأنني حلفت أن لا آكل من ذلك الطعام مطلقًا، ثم أكلت، فحنثت في يميني. وقوله: («بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ)؛ أي: أكثرهم طاعةً، وخيرٌ منهم؛ لأنك حَنِثت في يمينك حِنثًا مندوبًا إليه، محثوثًا عليه، فأنت أفضل منهم. وقوله: (وَأَخْيَرُهُمْ») هكذا هو في جميع النُّسخ: «وأخيرهم» بالألف، وهي لغة سبق بيانها مرات، قاله النوويّ . قال الجامع عفا الله عنه: أخير، وأشرّ أصلان لخير وشرّ، قال ابن مالك - ﵀ - في «الكافية»: وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرٌّ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ وقوله: (قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ) فاعل «قال» يَحْتَمل أن يكون ضمير أبي عثمان النَّهْديّ، وهو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يكون مَن دونه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ) قال النوويّ - ﵀ -: يعني: لَمْ يبلغني أنه كفَّر قبل الحنث، فأما وجوب الكفّارة فلا خلاف فيه؛ لقوله - ﷺ -: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه»، وهذا نصّ في عين المسألة، مع عموم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في «الفتح»: ووقع في رواية الجريريّ عند مسلم: «فقال أبو بكر: يا رسول الله بَرُّوا، وحَنِثت، فقال: بل أنت أبرّهم، وأخيرهم، قال: ولم يبلغني كفّارة»، وسقط ذلك من رواية الجريريّ عند المصنّف - يعني: البخاريّ - وكأن سبب حذفه لهذه الزيادة أن فيها إدراجًا بيّنته رواية أبي داود، حيث جاء فيها: «فأُخبرت - بضم الهمزة - أنه أصبح، فغدا على النبيِّ - ﷺ - … إلخ». وقوله: «أبرّهم»؛ أي: أكثرهم بِرًّا؛ أي: طاعةً. وقوله: «وأخيرهم»؛ أي: لأنك حَنِثت في يمينك حنثًا مندوبًا إليه مطلوبًا، فأنت أفضل منهم بهذا الاعتبار. وقوله: «ولم تبلغني كفارة» استُدِلّ به على أنَّه لا تجب الكفّارة في يمين اللجاج والغضب، ولا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من عدم الذِّكر عدم الوجود فلمن أثبت الكفّارة أن يتمسَّك بعموم قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع قبل مشروعية الكفّارة في الإيمان، لكن يعكُر عليه ما ثبت من حديث عائشة أن أبا بكر لَمْ يكن يحنث في يمين حتى نزلت الكفّارة. وقال النوويّ: قوله: «ولم تبلغني كفارة»؛ يعني: أنه لَمْ يكفِّر قبل الحنث، فأما وجوب الكفّارة فلا خلاف فيه، كذا قال، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون أبو بكر لَمّا حلف أن لا يطعمه أضمر وقتًا معينًا، أو صفة مخصوصة؛ أي: لا أطعمه الآن، أو لا أطعمه معكم، أو عند الغضب، وهو مبني على أنَّ اليمين هل تقبل التقييد في النفس أم لا؟ ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقول أبي بكر - ﵁ -: «والله لا أطعمه أبدًا» يمين مؤكدةٌ، ولا تَحتمل أن تكون من لغو الكلام، ولا من سَبْق اللسان. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢١) - (بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ: فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ طَعَامَ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتَّاب قال: [٥٣٥٦] (٢٥٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ فَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَة، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٩/ ٣. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله الإمام الحجة المثبت القدوة الفقيه، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة [٧] (ت ١٧٩) (ع) وقد بلغ تسعين سنةً، تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ المشهور - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة، وهو أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ - على ما نُقل عن بعضهم، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ)؛ أي: المُشْبِع لهما، (كَافِي الثَّلَاثَةِ)؛ أي: لِقُوْتِهم، (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ)؛ أي: المشبع لهم (كَافي الأَرْبَعَةِ»)؛ أي: لِقُوْتِهم. وفي حديث جابر - ﵁ - الآتي بعد هذا عند مسلم مرفوعًا: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية»، وعند ابن ماجة من حديث عمر - ﵁ -: «إن طعام الواحد يكفي الاثنين، وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة»، وقال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحضّ على المكارمة، والتقنع بالكفاية؛ يعني: وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، ورابع أيضًا بحَسَب من يحضر. وعند الطبرانيّ ما يرشد إلى العلة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جميعًا، ولا تفرَّقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين …» الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر زادت البركة. وقيل: معناه: إن الله يضع من بركته فيه ما وَضع لنبيه - ﷺ -، فيزيد حتى يكفيهم. قال ابن العربيّ: وهذا إذا صحّت نيّتهم، وانطلقت ألسنتهم به، فإن قالوا: لا يكفينا قيل لهم: البلاء موكَّل بالمنطق. وقال العز بن عبد السلام في «الأمالي»: إن أُريدَ الإخبار عن الواقع فمُشْكِلٌ؛ لأنَّ طعام الاثنين لا يكفي إلَّا اثنين، وإن كان له معنى آخر، فما هو؟. والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خبر بمعنى الأمر؛ أي: أطعموا طعام الاثنين الثلاث، والثاني: أنه للتنبيه على أنَّ ذلك يَقُوت الثلاث، وأخبرنا بذلك لئلا نجزع، والأول أرجح؛ لأنَّ الثاني معلوم. انتهى. وروى العسكريّ في «المواعظ» عن عمر - ﵁ - مرفوعًا: «كُلُوا، ولا تَفَرَّقُوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، كُلوا جميعًا، ولا تفرقوا، فإن البركة في الجماعة»، فيؤخذ من هذا أن الشرط الاجتماع على الأكل، وأن معنى الحديث: طعام الاثنين إذا كانا مُتفَرِّقَيْنِ كافي الثلاثة إذا أكلوا مُجْتَمِعين، ذكره الزرقانيّ - ﵀ - . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: هكذا جاء هذا الحديث في «الموطأ» وغيره من حديث أبي الزناد، بهذا الإسناد، وقد رَوَى أبو الزبير عن جابر ما هو أعمّ من هذا، ثم أخرج بسنده عن ابن جريجٍ، قال: أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية». قال: فأما الكفاية والاكتفاء فليس بالشِّبَع والاستغناء، ألا ترى إلى قول أبي حازم - ﵀ -: إذا كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك، ومن هذا الحديث - والله أعلم - أخذ عمر بن الخطاب - ﵁ - فِعْله عام الرَّمادة حين كان يُدخل على أهل كلّ بيت مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ عن نصف قُوتِه. انتهى . وقال في «الفتح»: نُقل عن إسحاق بن راهويه، عن جرير قال: معنى الحديث أن الطعام الذي يُشبع الواحد يكفي قُوْت الاثنين، ويشبع الاثنين قوت الأربعة، وقال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحضّ على المكارم، والتقنع بالكفاية، يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر، وقد وقع في حديث عمر عند ابن ماجة بلفظ: «إن طعام الواحد يكفي الاثنين، وإِن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة»، ووقع في حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر في قصة أضياف أبي بكر - ﵄ - المذكور في الباب الماضي: «فقال النبيّ - ﷺ -: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس»، وعند الطبرانيّ من حديث ابن عمر ما يرشد إلى العلة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جميعًا ولا تفرّقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين …» الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة، وقد أشار الترمذيّ إلى حديث ابن عمر، وعند البزار من حديث سمرة نحو حديث عمر، وزاد في آخره: «ويد الله على الجماعة». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٥٣٥٦] (٢٠٥٨)، و(البخاريّ) في «الأطعمة» (٥٣٩٢)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨٢٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٠٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرء وحده. ٢ - (ومنها): الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصلت معها البركة، فتعمّ الحاضرين. ٣ - (ومنها): أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده، فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء، بمعنى حصول سدّ الرَّمَق، وقيام البُنْيَة، لا حقيقة الشِّبَع، ومنه قول عمر - ﵁ - عام الرَّمَادة: «لقد هممت أن أُنزل على أهل كلّ بيت مثل عددهم، فإن الرجل لا يهلك على ملء بطنه». ٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن السلطان في الْمَسْغَبة يُفرِّق الفقراء على أهل السَّعة بقدر ما لا يضرّ بهم، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٥٧)

١. «عمدة القاري» ١٢/ ٢٧ - ٢٨.

٢. «الفتح» ١٤/ ٥٨٢، كتاب «الرقاق» رقم (٦٤٥٢).

٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٦.

٤. «الفتح»١٤/ ٥٨١، كتاب«الرقاق»رقم (٦٤٥٢).

٥. «شرح النوويّ»١٤/ ١٧.

٦. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

٧. «الفتح» ٨/ ٢٤٧، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧ - ١٨.

٩. «الفتح» ٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

١٠. «المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

١١. «الفتح» ٨/ ٢٤٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

١٢. «الفتح» ٨/ ٢٤٩، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٣.

١٤. «الفتح» ٨/ ٢٥٠، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

١٥. «الْعُرَاضة» بضمّ العين: الهديّة، وما يُحمَل إلى الأهل. اهـ. «ق».

١٦. «الفتح» ٨/ ٢٥٠، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

١٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٨.

١٨. بفتح، فسكون، وككتِفٍ، وأمير، وصبور: الرجل الثقيل.

١٩. «الفتح» ٨/ ٢٥١، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٢٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩.

٢١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩.

٢٣. «الفتح» ٨/ ٢٥١ - ٢٥٢، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٢٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨٢.

٢٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٨٢٠٣.

٢٦. «القاموس المحيط» ص ٦٦٤.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠.

٢٨. «الفتح» ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٢٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩ - ٢٠.

٣٠. «الفتح» ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٣١. «الفتح» ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣ - ٢٥٤، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٣٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠.

٣٣. «الفتح» ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦ - ٢٥٤، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٣٤. «الفتح» ٨/ ٢٥٦، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٣٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠.

٣٧. أخرجه أبو داود في «سننه» ٣/ ١٣١ وهو ضعيف، في سنده مجهول.

٣٨. هو جزء من الحديث السابق، ضعيف؛ لِمَا مرّ.

٣٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠.

٤٠. «القاموس المحيط» ص ٩٩٠.

٤١. «القاموس المحيط» ص ١٠٥٣.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١.

٤٣. «حاشية محمد عبادة العدويّ على شرح شُذور الذهب» ١/ ٦.

٤٤. «المصباح المنير»١/ ٢٩ - ٣١.

٤٥. «شرح النوويّ»١٤/ ٢١.

٤٦. «المفهم» ٥/ ٣٤٠.

٤٧. راجع: «الكافية الشافية» وشرحها لابن مالك - ﵀ - ١/ ٢١٥.

٤٨. حديث صحيح، رواه أصحاب السنن بهذا اللفظ، ورواه مسلم أيضًا كذلك في بعض نُسخه، ووقع في بعضها بلفظ: «لا تدخلون الجنّة … إلخ».

٤٩. «عَوْضُ» بمعنى الزمن المستقبل، ضد «قَطُّ».

٥٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢، و«إكمال المعلم» ٦/ ٥٥١.

٥١. «القاموس المحيط» ص ٩٤.

٥٢. «المصباح المنير» ١/ ١٥٤.

٥٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢.

٥٤. «الفتح» ٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٨١).

٥٥. «شرح الزرقاني على الموطّأ»٤/ ٣٧٩ - ٣٨١.

٥٦. «التمهيد»لابن عبد البرّ ١٩/ ٢٥.

٥٧. «الفتح» ١٢/ ٣١٠، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٢).