HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٦٠

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. قال (الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ في معي واحد).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص132
ج ٣ ص ١٦٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٩٣
[٥٨٩] وفي قوله: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) ؛ قيل: هذا في رجلٍ بعينه كان يُكثر الأكل؛ فلما أسلم قلَّ أكلُه، فأطلق الكلام عليه، وقيل: قلة الأكل في الكافر نادر، وقيل: كثرة الأكل مذمومة. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٤٦٢
كَأنَّ نُسُوعَ رَحْلِي حِينَ ضُمَّتْ … حَوَالِبَ غُرَّزًا وَمِعًى جِيَاعَا أقام الواحد مقام الجمع، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] والجمع: أمعاء، ومنه الحديث: «والكافر يأكل في سبعة أمعاء»، قال القالي: الهاء في «سبعة» تدلّ على التذكير في الواحد، وقال الليث: الأمعاء: المصارين، وقال الأزهريّ: هو جميع ما في البطن، مما يتردّد فيه، من الْحَوَايَا كلّها. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥٣٦١] (٢٠٦٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم في الأخذ والأداء، فإنهم قرءوا على يحيى القظان، فقالوا: أخبرنا، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - ﵄ - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، ومن أشدّ الناس اتّباعًا للأثر - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (الكَافِرُ) ووقع عند البخاريّ من طريق عبدة بن سليمان، عن عبيد الله العمري بلفظ: «وأن الكافر، أو المنافق، فلا أدري أيهما قال عبيد الله»، قال في «الفتح»: هذا الشكّ من عبدة، وقد أخرجه مسلم من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر، بلفظ: «الكافر» بغير شكّ، وكذا رواه عمرو بن دينار، وكذا هو في رواية غير ابن عمر، ممن رَوَى الحديث من الصحابة - ﵃ -، إلَّا أنه ورد عند الطبرانيّ في رواية له من حديث سَمُرة - ﵁ - بلفظ: «المنافق» بدل «الكافر». انتهى . (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) وإنما عَدِّي «يأكل» بـ «في»؛ لأنه بمعنى: يوقع الأكل فيها، ويجعلها ظرفًا للمأكول، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]؛ أي: ملء بطونهم. (وَالْمُؤْمِنُ يْأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ«) قال القرطبيّ - ﵀ - ما حاصله: إن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يَسُدّ الجوع، ويمسك الرَّمَقَ، وَيقْوَى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، يَقِلّ أكله ضرورةً، ولذلك قال:»ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، حَسْبُ ابن آدم لُقيماتٌ يُقِمن صُلْبه، فإن كان لا مَحالةَ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسِه«، وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نُسب إلى أكل الكافر المذكور سبُعًا، فيصير الكافر كان له سبعةَ أمعاء، يأكل فيها، والمؤمن له مِعًى واحد، وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال في«الفتح»: قال العلماء: يؤخذ من الحديث الحضّ على التقلّل من الدنيا، والحثّ على الزهد فيها، والقناعة بما تيسَّر منها، وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدَّحون بقلة الأكل، ويذمّون كثرة الأكل، كما في حديث أم زرع أنَّها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع:«ويشبعه ذراع الْجَفْرة»، وقال حاتم الطاليّ [من الطويل]: فَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ … وَفَرْجَكَ نَالا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا وقال ابن التين - ﵀ -: قيل: إن الناس في الأكل على ثلاث طبقات: طائفة تأكل كلّ مطعوم من حاجة وغير حاجة، وهذا فعل أهل الجهل، وطائفة تأكل عند الجوع بقدر ما يسدّ الجوع حسبُ، وطائفة يُجَوِّعون أنفسهم يقصدون بذلك قمع شهوة النفس، وإذا أكلوا أكلوا ما يَسُدّ الرّمَقَ. انتهى ملخصًا، وهو صحيح، لكنه لَمْ يتعرض لتنزيل الحديث عليه، وهو لائق بالطائفة الثانية. انتهى . [تنبيه]: اختُلِف في معنى هذا الحديث على أقوال: [أحدها]: أنه ليس المراد به ظاهره، وإنما هو مَثَلٌ ضُرِب للمؤمن، وزُهده في الدنيا، والكافر، وحرصه عليها، فكأنّ المؤمن لتقلّله من الدنيا، يأكل في مِعًى واحدٍ، والكافر لشدة رغبته فيها، واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد: التقلّل من الدنيا، والاستكثار منها، فكأنَّه عَبَّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهرٌ. [الثاني]: أن المعنى أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلالُ أقلُّ من الحرام في الوجود، نقله ابن التين، ونَقَل الطحاويّ نحو الذي قبله، عن أبي جعفر بن أبي عمران، فقال: حَمَل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا، كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلُا؛ أي: يرغب فيها، وَيحْرِص عليها، فمعنى: «المؤمنُ يأكل في مِعًى واحدٍ»؛ أي: يزهد فيها، فلا يتناول منها إلَّا قليلًا، والكافر في سبعة؛ أي: يرغب فيها، فيستكثر منها. [الثالث]: أن المراد: حضّ المؤمن على قلة الأكل، إذا عَلِم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتّصاف بصفة الكافر، ويدلّ على أنَّ كثرة الأكل من صفة الكفار، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]. [الرابع]: أنه على ظاهره، ثم اختلفوا في ذلك على أقوال: أحدهما: أنه ورد في شخص بعينه، واللام عهديّة، لا جنسيّة، جزم بذلك ابن عبد البرّ، فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأنَّ المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقلّ أكلًا من مؤمن، وعكسه، وكم من كافر أسلم، فلم يتغيَّر مقدار أَكْله، قال: وحديث أبي هريرة يدلّ على أنَّه ورد في رجل بِعَيْنه، ولذلك عقَّب به مالك الحديث المطلق، وكذا البخاريّ، فكأنه قال: هذا إذا كان كافرًا كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما أسلم عوفي، وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة أجزاء، مما كان يكفيه وهو كافر. انتهى. وقد سبقه إلى ذلك الطحاويّ في «مشكل الآثار»، فقال: قيل: إن هذا الحديث كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حِلاب السبع شياه، قال: وليس للحديث عندنا مَحْملٌ غير هذا الوجه، والسابق إلى ذلك أوّلًا أبو عبيدة. وقد تُعُقِّب هذا الحَمْل بأن ابن عمر راوي الحديث فَهِم منه العموم، فلذلك مَنَع الذي رآه يأكل كثيرًا من الدخول عليه، واحتجّ بالحديث، ثم كيف يتأتى حَمْله على شخص بِعَيْنه، مع ما سيأتي من ترجيح تعدد الواقعة، ويورد الحديث المذكور عقب كلّ واحدة منها في حقّ الذي وقع له نحو ذلك؟ القول الثاني: أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادةً، قالوا: تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، والمعنى أن من شأن المؤمن التقلّل من الأكل؛ لاشتغاله باسباب العبادة، ولعِلْمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسدّ الجوع، ويُمسك الرّمَق، ويعِيْن على العبادة، ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كلّه، فإنه لا يقف مع مقصود الشرع، بل هو تابع لشهوة نفسه، مسترسل فيها، غير خائف من تَبِعات الحرام، فصار أكْل المؤمن لِمَا ذكرته إذا نُسب إلى أكل الكافر؛ كأنه بقَدْر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطّراده في حقّ كلّ مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرًا، إما بحَسَب العادة، وأما لعارض يَعْرِض له من مرض باطن، أو لغير ذلك، ويكون في الكفار من يأكل قليلًا، إما لمراعاة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض؛ كضعف المعدة. قال الطيبيّ: ومُحَصَّل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة، والاقتناع بالبُلغة، بخلاف الكافر، فإذا وُجد مؤمن، أو كافر على غير هذا الوصف، لا يقدح في الحديث، ومن هذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَو مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]، وقد يوجد من الزاني نكاح الحرّة، ومن الزانية نكاح الحرّ. القول الثالث: أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث: التامّ الإيمان؛ لأنَّ مَن حَسُن إسلامه، وكَمُل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت، وما بعده، فيمنعه شدَّة الخوف، وكثرة الفكر، والاشفاق على نفسه، من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث لأبي إمامة - ﵁ - رَفَعَهُ: «من كَثُر تفكّره قلّ طعمه، ومن قلَّ تفكره كثر طعمه، وقسا قلبه»، ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد - ﵁ - الصحيح: «إن هذا المال حُلْوةٌ خَضِرةٌ، فمن أخذه بإشراف نفس، كان كالذي يأكل ولا يشبع»، فدلّ على أنَّ المراد بالمؤمن من يقتصد في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشَّرَهُ، فيأكل بالنَّهَم، كما تأكل البهيمة، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البُنْية. وقد رَدّ هذا الخطابيّ، وقال: قد ذُكِر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصًا في إيمانهم. الرابع: أن المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه، وشرابه، فلا يَشْرَكُهُ الشيطان، فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي، فيشركه الشيطان، كما تقدم تقريره قبلُ، وفي «صحيح مسلم» في حديث مرفوع: «إن الشيطان يستحل الطعام، إذا لَمْ يُذكر اسم الله عليه». الخامس: أن المؤمن يقلّ حرصه على الطعام، فيبارَك له فيه، وفي مأكله، فيشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المأكل كالأنعام، فلا يُشبعه القليل، وهذا يمكن ضمّه إلى الذي قبله، ويُجعلان جوابًا واحدًا مركّبًا. السادس: قال النوويّ: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في مِعًى واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كلّ واحد من السبعة مثل مِعَى المؤمن. انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح، أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب، ثم الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون، والمستقيم، وكلها غلاظ، فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلَّا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء مِعًى واحد. ونَقَل الكرمانيّ عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنَّها: المعدة، ثم ثلاثة متصلة بها رِقاق، وهي الاثنا عشري، والصائم، والقولون، ثم ثلاثة غلاظ، وهي الفانفيّ، بنون، وفاءين، أو قافين، والمستقيم، والأعور. السابع: قال النوويّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يريد بالسبعة في الكافر صفات: هي الحرص، والشَّرَهُ، وطول الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والْحَسَد، وحُبُّ السِّمَن، وبالواحد في المؤمن سدّ خَلَّته. الثامن: قال القرطبيّ: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع. قال الحافظ: ثم رأيت أصل ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر بن العربيّ ملخّصًا، وهو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواسّ الخمس، والشهوة، والحاجة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أرجح الأقوال هو ما تقدَّم عن القرطبيّ - ﵀ -، وخلاصته: أن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يَسُدُّ الجوع، ويُمسك الرَّمَقَ، ويَقْوَى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، يَقلّ أَكْله ضرورة، فيكون أكل المؤمن إذا نُسب إلى أكل الكافر سُبُعًا، فيصير الكافر كأن له سبعةَ أمعاء، يأكل فيها، والمؤمن له مِعًى واحد، ويكون ذكر السبعة للتكثير، والمبالغة، لا للتحديد، وهذا واضح جدًّا. قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: هذا الحديث وما كان مثله فليس فيه إلَّا مدح المؤمن بقلّة رغبته في الدنيا، وزُهده فيها بأخذ القليل منها، في قُوْتِه، وأكْله، وشُربه، ولُبْسه، وكَسْبه، وأنه يأكل لِيَحْيَى، لا ليَسْمَن، كما جاء عن الحكماء، وقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، وإن لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه»، وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل، وذلك معروف في أشعارها، فكيف بأهل الإيمان؛ وأما من عَظُمت الدنيا في عينه، من كافر، وسفيه، فإنما همّته في شبع بطنه، ولذة فرجه، وأخبر النبيّ - ﷺ - أن المؤمن حقّ المؤمن شأنه يأكل في مِعىً واحد، وهذا مجاز دالّ على المدح في القليل من الأكل، والقناعة فيه، والاكتفاء به، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٥٣٦١ و٥٣٦٢ و٥٣٦٣] (٢٠٦٠)، و(البخاريّ) في «الأطعمة» (٥٣٩٣ و٥٣٩٤ و٥٣٩٥)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (٤/ ٢٦٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٧٨)، و(ابن ماجة) في «الأطعمة» (٣٢٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٥١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٣٢١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢١ و٧٤ و١٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٩٩)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٢/ ٤٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ١٦٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ١٠)، و(تمام الرازيّ) في «فوائده» (١/ ٨٠)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٥/ ٢٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم تقدَّموا قريبًا، و«أبو أسامة» هو: حمّاد بن أسامة، و«ابن نمير» هو: عبد الله بن نُمير، والد محمد شيخ المصنّف، و«عبيد الله» هو: ابن عمر الْعُمَريّ، و«عبد الرزّاق» هو: ابن همّام الصنعانيّ، و«معمر» هو: ابن راشد، و«أيّوب» هو: السختيانيّ. وقوله: (قَالَا) الضمير لأبي أسامة، وابن نُمير. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ) الضمير لعبيد الله بن العمريّ، وأيوب السختيانيّ. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (٢٤٥٤٦) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». انتهى . ورواية ابن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع ساقها ابن ماجة: - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٣٢٥٧) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مَعْي واحد». انتهى . ورواية أيوب، عن نافع ساقها عبد الرزاق في «مصنّفه»، فقال: (١٩٠٥٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المؤمن يأكل في مِعًى واحد، وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥٣٦٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْه، وَيَضَع بَيْنَ يَدَيْه، فَالَ: فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (مِ د ت س) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣١. ٢ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زْيدِ) بن عبد الله بن عُمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في«الإيمان»٨/ ١٣٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل بابين. وقوله: (رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا) وفي رواية البخاريّ:«عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يُؤْتَى بمسكين، يأكل معه، فأَدخلت رجلًا يأكل معه، فأكل كثيرًا، فقال: يا نافع لا تُدخِل هذا عليّ، سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: »المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء«. انتهى. [تنبيه]: هذا المسكين قال الحافظ في «الفتح»: لعلّه أبو نَهِيك، وجزم في «مقدّمة الفتح» بأنه هو، والمذكور في «صحيح البخاريّ»، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: «كان أبو نَهِيك رجلًا أكولًا، فقال له ابن عمر: إن
مصادر المؤلف (١٠)

١. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٨٦٠١.

٢. «الفتح»١٢/ ٣١٣، كتاب«الأطعمة»رقم (٥٣٩٣).

٣. حديث صحيح، رواه أحمد ٤/ ١٣٢، والترمذيّ (٢٣٨٠)، وصححه (ابن حبّان) (٦٧٤).

٤. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»١٧/ ٤٩.

٥. «الفتح» ١٢/ ٣١٨، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٣).

٦. «الفتح» ١٢/ ٣١٥ - ٣١٨، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٣).

٧. «الاستذكار» ٨/ ٣٤٧.

٨. «مصنف ابن أبي شيبة»٥/ ١٤٢.

٩. «سنن ابن ماجة»٢/ ١٠٨٤.

١٠. «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٤١٩.