HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٦٤

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ. كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص133
ج ٣ ص ١٦٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٤٨١
تمام البحث في هذا في شرح الحديث الأول في الباب، ولله الحمد والمنّة. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف - ﵀ -) هنا [٢٢/ ٥٣٦٨] (٢٠٦٣)، وأخرجه (البخاريّ) مختصرًا بلفظ: «المؤمن يأكل … إلخ» (٥٣٩٦ و٥٣٩٧)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨١٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٠٠)، و(ابن ماجة) في «الأطعمة» (٣٢٥٦)، و(مالك) في «الموطأ» (٣/ ١٠٩ و١١٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٣٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٧ و٣١٨ و٣٧٥ و٤١٥ و٤٣٥ و٤٥٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٢/ ٤٠٨ و٤٠٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٩)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٦/ ١١٦ - ١١٧) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٢٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٨٨٠)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ) قوله: «يَعِيبُ» بفتح حرف المضارعة، مضارع عاب، من باب باع. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف: - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٩] (٢٠٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: مَا عَابَ)؛ أي: ما تنقّص (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ)؛ أي: طعامًا مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه، ويذُمّه، وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الْخِلْقة كُرِهَ، وإن كان من جهة الصَّنْعة لَمْ يُكرَه، قال: لأنَّ صنعة الله لا تُعاب، وصنعة الآدميين تعاب. والذي يظهر - كما قال الحافظ - ﵀ -: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع، قال النوويّ: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب؛ كقوله: مالحٌ، حامضٌ، قليل الملح، غليظٌ، رقيقٌ، غير ناضج، ونحو ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: والذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس على إطلاقه، فإنه إن كان لتنبيه خادمه أو أهل بيته على أنْ لا يصنعوا مثله، فهو جائز دون كراهة؛ لأنَّ هذا من باب التعليم لهم، والتدريب على الصنعة، وإن كان نزل ضيفًا، أو دخل على بعض أصدقائه، فقرّبوا له طعامًا، فلا ينبغي له أن يقول ما سبق؛ فإن فيه كسر قلب المضيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (كَانَ) - ﷺ - (إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا)؛ أي: أَكْل شيء (أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ) هذا مثلُ ما وقع له - ﷺ - في الضبّ، ووقع في رواية أبي يحيى التالية: «وإن لَمْ يشتهه سكت»؛ أي: عن عيبه، قال ابن بطال: هذا من حُسن الأدب؛ لأنَّ المرء قد لا يشتهي الشيء، ويشتهيه غيره، وكلُّ مأذون في أكْله من قِبَل الشرع ليس فيه عيب. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٥٣٦٩ و٥٣٧٠ و٥٣٧١ و٥٣٧٢ و٥٣٧٣] (٢٠٦٤)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٥٦٣) و«الأطعمة» (٥٤٠٩)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٧٦٤)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (٢٠٣١)، و(ابن ماجه) في «الأطعمة» (٣٣٠٠ و٣٣٠١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٧٤ و٤٧٩ و٤٨١) و«الزهد» (١/ ٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٣٦ و٦٤٣٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢١٢ و٢١٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٧٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٢٥١)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ١٢٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٧/ ١٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٧٩) و«دلائل النبوّة» (١/ ٣٢١) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٨٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٨٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من حسن الخُلُق، وَليْن الجانب، فلا يعيب طعامًا، ولا يذمّه، وإن لم يُعجبه، تعظيمًا لنعمة الله تعالى، وسترًا على صانعه، فهو كما وصفه الله - سبحانه الله وتعالى - بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] ٢ - (ومنها): بيان أدب من آداب الأكل، وهو أن لا يعيب الطعام، بل إن أعجبه، وإلا تركه، وسكت على ما يراه عيبًا. قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا من أحسن آداب الأكل، وأهمها، وذلك: أن الأطعمة كلها نِعَم الله تعالى، وعَيْبُ شيء من نِعَم الله تعالى مخالف للشكر الذي أمر الله تعالى به عليها، وعلى هذا فمن استطاب طعامًا فليأكل، ويشكر الله تعالى؛ إذ مَكَّنه منه، وأوصل منفعته إليه، وإن كرهه فليتركه، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكّنه منه، وأعفاه عنه، ثم قد يستطيبه، أو يحتاج إليه في وقت آخر فيأكله، فتتمّ عليه النعمة، ويَسْلَم مما يناقض الشكر. انتهى . ٣ - (ومنها): أن هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله - ﷺ - في الضبّ: «تعافه نفسي»؛ لأن ذاك إخبار بعدم رغبته في أكله، لا عيب في نفس الضبّ، فإنه من جملة نِعَم الله تعالى التي تستحقّ التعظيم والشكر لخالقها، ولذا أمر - ﷺ - خالد بن الوليد بأكلها. ٤ - (ومنها): أن هذا أيضًا لا ينافي الإنكار على من أساء في صنعة الطعام من الخدم، والأهل، فإن تعليمهم، وتنبيههم على أخطائهم؛ لئلا يقعوا في مثله فيما يُستقبَل مشروع، وممدوح لا ممنوع، ولا مذموم. قال بعضهم: الذي يظهر أن عيب الطعام إن كان من أجل خِلْقته، فهو حرامٌ؛ لكونه عيبًا لِخَلْق الله - سبحانه الله وتعالى -، وإن كان من أجل سوء صُنعته، فمكروه إن كان المقصود منه تحقير الطعام، أو الكفر بالنعمة، أو تحقير الصانع، وأما إذا كان لأجل النصح للصانع حتى يتنبّه على ما أخطأ في صنعته، فيجتنب فيما يُستقبل، فالظاهر أنه ليس من العيب الممنوع إذا كان برفق، لا يكسر به قلب الصانع من غير ضرورة، وكذلك إذا كان إخبارًا عن كراهية طبيعيّة في قلب الطاعم، كما مرّ من قوله - ﷺ -: «تعافه نفسي» في الضبّ . وأخرج الترمذيّ في «الشمائل» حديثًا لهند بن أبي هالة - ﵁ - بسند فيه ضَعف، وَصَفَ فيه هند رسول الله - ﷺ -، وفيه: «يعظم النعمة، وإن دقّت، غير أنه لم يكن يذمّ ذواقًا، ولا يمدحه». قال الشيخ علي القاري - ﵀ - : أما نفي الذمّ فلكونه نعمةً أيّ نعمة، وذمّ النعمة كفران، وشعار للمتكبّرين والجبابرة، وأما نفي مدحه فلكونه يُشعر بالحرص والشَّرَه، ولعلّ المدح هنا هو ما كان منشؤه الحرص والشّرَهَ، أما إذا كان شكرًا لله تعالى، أو تشجيعًا لصانعه، وشكرًا لحسن صنعته، فالظاهر أنه ليس بمكروه، ويدلّ عليه ما أخرجه مسلم، والترمذيّ في قصّة ضيافة أبي الهيثم بن التّيّهان - ﵁ - من قول النبيّ - ﷺ -: «لتسئلنّ عن هذا النعيم يوم القيامة، ظل باردٌ، ورُطَبٌ طيّبٌ، وماءٌ باردٌ»، وقد تقدّمت القصّة في «باب جواز استتباعه غيره … إلخ»، فراجعها، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٧٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قريبًا. و«الأعمش» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية زهير بن معاوية، عن الأعمش هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٤٣٦) - أخبرنا أبو عروبة، حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو البجليّ، حدّثنا زهير بن معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: «ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قطّ، إذا اشتهى أكل، وإلا ترك». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاق، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرو، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسنَاد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٢ - (عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) بفتحتين: نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في «النكاح» ١٥/ ٣٤٩٨. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«سفيان» هو: الثوريّ. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٥٠٩٣) - حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: «ما عاب النبيّ - ﷺ - طعامًا قطّ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٧٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُوً مُعَاوَيةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أبِي يَحْيَى مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَابَ طَعَامًا قطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وإِنْ لَمْ يَشْتهِهِ سَكَتَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو يَحْيَى مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ) ابن هُبيرة المخزوميّ المدنيّ، مقبولٌ [٤]. رَوَى عن أبي هريرة هذا الحديث، وعنه الأعمش. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الموضع. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: ذَكَر مسلم في الباب اختلاف طرُق هذا الحديث، فرواه أوّلًا من رواية الأكثرين عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ثم رواه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي يحيى مولى آل جعدة، عن أبي هريرة، وأنكر عليه الدارقطنيّ هذا الإسناد الثاني، وقال: هو مُعَلٌّ، قال القاضي عياض: وهذا الإسناد من الأحاديث المعلّة في كتاب مسلم التي بَيّن مسلم علّتها كما وَعَدَ في خطبته، وذكر الاختلاف فيه، ولهذه العلّة لم يذكر البخاريّ حديث أبي معاوية، ولا خَرّجه من طريقه، بل خَرَّجه من طريق آخر، وعلى كل حال فالمتن صحيحٌ، لا مَطْعَن فيه، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح» بعد ذكر رواية أبي حازم عن الأعمش ما نصّه: وللأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عنه، عن أبي يحيى مولى آل جعدة، عن أبي هريرة، وأخرجه أيضًا من طريق أبي معاوية، وجماعة عن الأعمش، عن أبي حازم، واقتصر البخاريّ على أبي حازم؛ لكونه على شرطه دون أبي يحيى، وأبو يحيى مولى جعدة بن هُبيرة المخزوميّ مدنيّ، ما له عند مسلم سوى هذا الحديث، وقد أشار أبو بكر بن أبي شيبة فيما رواه ابن ماجه عنه إلى أن أبا معاوية تفرّد بقوله: «عن الأعمش، عن أبي يحيى»، فقال لمّا أورده من طريقه: يخالفه فيه بقوله: عن أبي حازم، وذكره الدارقطنيّ فيما انتَقَد على مسلم، وأجاب عياض بأنه من الأحاديث المعللة التي ذَكَر مسلم في خطبة كتابه أنه يوردها، ويبيّن علّتها، كذا قال. قال الحافظ: والتحقيق أن هذا لا علّة فيه لرواية أبي معاوية الوجهين جميعًا، وإنما كان يأتي هذا لو اقتصر على أبي يحيى، فيكون حينئذ شاذًّا، أما بعد أن وافق الجماعة على أبي حازم، فتكون زيادة محضةً، حفظها أبو معاوية، دون بقية أصحاب الأعمش، وهو من أحفظهم عنه، فيُقبَل، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أجاب الحافظ - ﵀ - عن هذا الانتقاد، وله وجهٌ، إلا أن ما سلكه القاضي عياض - ﵀ - هو الأظهر بصنيع مسلم - ﵀ -، وذلك أنه إنما أورد روايتي أبي معاوية ليُبيّن علّة الرواية الأولى منهما، وهي طريق الأعمش، عن أبي يحيى مولى آل جعدة، فبيّن - ﵀ - أن رواية أبي معاوية التي وافق فيها الجماعة من كون الأعمش يروي عن أبي حازم، لا عن أبي يحيى هي المحفوظة، وأما الرواية المخالفة لها، فهي شاذّة معلّة بها، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٨)

١. «شرح البخاريّ» لابن بطال ٩/ ٤٧٨.

٢. »المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم«٥/ ٣٤٤.

٣. راجع: «تكملة فتح الملهم»٤/ ٨٥.

٤. راجع: «جمع الوسائل في شرح الشمائل» لعليّ القاري - ﵀ - ٢/ ١٣.

٥. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٣٤٧.

٦. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٠٦٥.

٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٦ - ٢٧.

٨. «الفتح» ١٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٤٠٩).