HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٧٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَي. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ ابْنَ مَعْدَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ. قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ. فَقَالَ (إِنَّ هَذِهِ من ثياب الكفار، فلا تلبسها).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص143
ج ٣ ص ١٦٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٩٩
[٥٩٩] وقوله: لعبد الله بن عمرو: (بَلْ أَحْرِقْهُمَا) ، أي: أنفقهما ، روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هَبَطنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثَنِيَّةٍ، فَالتَفَتَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ رَيطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الرَّيطَةُ عَلَيكَ؟) فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهلِي وَهُمْ يَسجُرُونَ تَنُّورًا لَهُم، فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: (يَا عَبدَ اللهِ، مَا فَعَلَتِ الرَّيطَةُ؟) فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: (أَفَلَا كَسَونَهَا بَعضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ) ؛ المُضَرَّجُ: الذي ليس صبغه بالمشبع، والرَّيطَة: المُلَاءة. وقال البراء: (رَأَيتُ النَّبِي ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمَرَاءَ لَم أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنْهُ) ، وقد نهى ﷺ عن لبس المعصفر، وكره للرجال الحمرة في اللباس ، قيل: ذاك مُنصرِفٌ إلى ما صُبِغ بعد النَّسج، فأما ما صبغ غزلُه ثم نسج فغيرُ داخلٍ في النهي، وبُرود اليمن يصبغ غزلُه ثم يُنسَج، وهي العَصْبُ، وإنما سمي عَصْبًا لأن غزلَه يُعصَب ثمّ يُصبَغ ثمّ يُنسَج، والتختم بالذهب للرجال حرامٌ، والنهي عن المعصفر للرجال لشُهرتِه، ولأنه من زِيِّ النساء، والقراءةُ في الركوع مَنهيّ عنها، لأن الركوع موضع التسبيح. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٦٣٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أنَسًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّام، شَكَوَا إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِير، فِي غَزَاةٍ لَهُمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ ربما وَهِم، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. وقوله: (شَكَوَا إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -) شكوت بالواو، وشكيت بالياء لغتان، أفاده في «القاموس» . وقوله: (الْقَمْلَ) بفتح، فسكون، وفِعله كفَرِح، يقال: قَمِلَ رأسه: إذا كثُر قمله. وقوله: (في غزَاةٍ لَهُمَا) بفتح الغين المعجمة، لغة في الْغَزْو. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٣] (٢٠٧٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِث، أَنَّ ابْنَ مَعْدَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْن، فَقَالَ: «إِنَّ هَذ مِنْ ثِيَابِ الْكفَّار، فَلَا تَلْبَسْهَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ) التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٣ - (ابْنَ مَعْدَانَ) هو: خالد بن معدان بن أبي كُريب الْكَلاعيّ، أبو عبد الله الشاميّ الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، يُرسل كثيرًا [٣]. روى عن ثوبان، وابن عمرو، وابن عمر، وعتبة بن عبد السّلميّ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، وغيرهم. وروى عنه بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وثور بن يزيد، وحَرِيز بن عثمان، وحسان بن عطية، وفُضيل بن فَضَالة، وجماعة. قال يعقوب بن شيبة: لم يلق أبا عبيدة، وهو كَلاعيّ، يُعدّ من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد الصحابة، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وابن خِراش، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو مسهر، عن إسماعيل بن عياش: حدّثتنا عبدة بنت خالد بن معدان، وأم الضحاك بنت راشد، أن خالد بن معدان قال: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وقال بقية عن بَحير بن سعد: ما رأيت أحدًا ألزم للعلم منه، كان عِلْمه في مصحف له أزرار، وعُرى، قال بقية: وكان الأوزاعيّ يُعَظّم خالدًا، فقال لنا: أله عقب؟ فقلنا: له ابنة، فقال: ائتوها، فسلوها عن هدي أبيها، قال: فكان ذلك سبب إتياننا عبدة، وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو: رأيت خالد بن معدان إذا كبُرت حلقته قام مخافة الشهرة، وقال يزيد بن هارون: مات، وهو صائم، وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه تُوُفّي سنة (١٠٣)، وقال دُحيم وغيره: مات سنة (١٠٤)، وقال يحيى بن صالح، عن إسماعيل بن عياش: مات سنة (١٠٥)، وقيل عن إسماعيل: سنة ست، وقال أبو عبيد، وخليفة: سنة (١٠٨)، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من خيار عباد الله، مات سنة (١٠٤)، وقيل: سنة (١٠٨)، وقيل: سنة (١٠٣). أخرج له الستة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ) بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليل [٢] (ت ٨٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة سنة (٦٣) على الأصحّ، بالطائف على الراجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف، وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وأن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، يحيى فمن بعده، وأن صحابيّه ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو أحد العبادلة الأربعة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير، أنه قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ) التيميّ (أَنَّ) خالد (ابْنَ مَعْدَانَ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، الكلاعيّ الحمصيّ، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر محمد بن إبراهيم (أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن مَعْدان (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ - (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر جبيرًا، وقوله: (قَالَ) تفسير وبيان للإخبار، (رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ) «المُعَصْفر»: اسم مفعول، من عَصْفَرتُ الثوب: إذا صبغته بالْعُصْفُر، وهو نبتٌ معروف. أفاده في «المصباح» ، وفي «اللسان»: الْعُصفر هذا الذي يُصبغ به منه رِيفيّ، ومنه برّيّ، وكلاهما نبتٌ بأرض العرب. انتهى . (فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّار، فَلَا تَلْبَسْهَا») قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن علّة النهي من لباسهما التشبّه بالكفّار. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٤٢٣ و٥٤٢٤ و٥٤٢٥] (٢٠٧٧)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٨/ ٢٠٣) و«الكبرى» (٩٦٤٧ و٩٦٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٠١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦٢ و١٦٤ و١٩٣ و٢٠٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٣٦ و٢٣٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٤٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٢١١)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٢١٩)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ٢٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن لبس المعصفر. قال الشوكانيّ - ﵀ -: وقد استَدَلّ بهذا الحديث من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بعصفر، وذهب جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، ومالك إلى الإباحة، كذا قال ابن رسلان في «شرح السنن»، قال: وقال جماعة من العلماء بالكراهة للتنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لِمَا في «الصحيحين» من حديث ابن عمر - ﵄ -، قال: «رأيت رسول الله يصبغ بالصفرة»، زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ: «وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها». وقال الخطابيّ: النهي منصرف إلى ما صُبغ من الثياب، وكأنه نظر إلى ما في «الصحيحين» من ذِكر مطلق الصبغ بالصفرة، فقَصَره على صبغ اللحية، دون الثياب، وجعل النهي متوجهًا إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك الزيادة المصرِّحة بأنه كان يصبغ ثيابه بالصفرة. ويمكن الجمع بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول الله - ﷺ -، غير صفرة العصفر المنهيّ عنه، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان يصبغ بالزعفران». وقد أجاب من لم يقل بالتحريم، عن حديث ابن عمرو المذكور في الباب، وحديثه الذي بعده، بأنه لا يلزم من نهيه له نهي سائر الأمة، وكذلك أجاب عن حديث عليّ الآتي بأن ظاهر قوله: «نهاني» أن ذلك مختصّ به، ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال: «ولا أقول: نهاكم». وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حُكمه - ﷺ - على الواحد من الأمة، هل يكون حكمًا على بقيتهم أو لا؟ والحقّ الأول، فيكون نهيه لعليّ وعبد الله - ﵄ - نهيًا لجميع الأمة. ولا يعارضه صبغه بالصفرة، على تسليم أنها من العصفر؛ لِمَا تقرر في الأصول من أن فِعْله - ﷺ - الخالي عن دليل التأسي الخاص، لا يعارض قوله الخاصّ بأمته ، فالراجح تحريم الثياب المعصفرة. والعصفرُ، وإن كان يصبغ صبغًا أحمر، كما قال ابن القيم، فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في «الصحيحين» من أنه كان يلبس حلة حمراء؛ لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة، وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر، وسيأتي ما حكاه الترمذي عن أهل الحديث بمعنى هذا. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح القول بتحريم لبس المعصفر على الرجال، كما يأتي في المسألة التالية، ولا يستلزم ذلك تحريم المصبوغ بالصفرة؛ لِمَا ذُكر من أن ذلك جائز بحديث ابن عمر - ﵄ - المتّفق عليه، فتبصّر. ٢ - (ومنها): أن في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - عند أحمد، وأبي داود الآتي دليلًا على جواز لبس المعصفر للنساء. ٣ - (ومنها): أنه احتَجّ به من يرى جواز المعاقبة بالمال، ولكن الراجح عدم جوازه إلا فيما ورد به النصّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في «كتاب الزكاة»، فارجع إليه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لبس المعصفر: قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختَلف العلماء في جواز لبس المعصفر، فرُوي كراهته عن ابن عمر، وأجازه جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، وهو قول مالك، والشافعيّ، وكره ما اشتدّت حمرته: عطاء، وطاوس، وأباحا ما خفّ منها، وفرّق بعضهم بين أن يُمتهن، فيجوز، أو يُلبس، فيُكره، وهو قول ابن عبّاس، والطبريّ، وكره بعض أهل العلم جميع ألوان الحمرة، وقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه لبس حلّة حمراء، وقد لبس النبيّ - ﷺ - ما صُبغ بالصفرة على ما جاء عن ابن عمر - ﵄ -، فلا وجه لكراهة الحمرة مطلقًا، وإنما المكروه للرجال المعصفر، والمزعفر؛ لنهي النبيّ - ﷺ - عن ذلك للرجال. وكره المعصفر بعض أهل العلم مطلقًا، وأجازه مالكٌ تمسّكًا بحديث ابن عمر المتقدّم. وقد حمل بعضهم النهي على الْمُحْرِم. قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعدٌ؛ لأن النساء والرجال ممنوعون من التطيّب في الإحرام، فلا معنى لتخصيصه بالرجال، وإنما علّة الكراهة في ذلك أنه صِبغ النساء، وطِيب النساء، وقد قال - ﷺ -: «طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخَفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه» . والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بعُصفُر، فأباحها جمهور العلماء، من الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه: أنه أجاز لبسها في البيوت، وأفنية الدور، وكرهه في المحافل، والأسواق، ونحوها. وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أن النبيّ - ﷺ - لبس حلة حمراء، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر - ﵄ - قال: رأيت النبيّ - ﷺ - يصبغ بالصفرة. وقال الخطابيّ: النهي منصرف إلى ما صُبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صُبغ غزله ثم نُسج، فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على الْمُحرِم بالحج أو العمرة؛ ليكون موافقًا لحديث ابن عمر - ﵄ -: «نُهي المحرم أن يلبس ثوبًا مسه وَرْس، أو زعفران»، وأما البيهقيّ - ﵀ -، فأتقن المسألة، فقال في كتابه «معرفة السنن»: نهى الشافعيّ الرجل عن المزعفر، وأباح المعصفر، قال الشافعيّ: وإنما رَخَّصْتُ في المعصفر؛ لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبيّ - ﷺ - النهي عنه، إلا ما قال عليّ - ﵁ -: «نهاني، ولا أقول: نهاكم»، قال البيهقيّ: وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا الذي ذكره مسلم، ثم أحاديث أُخَر، ثم قال: لو بلغت هذه الأحاديث الشافعيّ، لقال بها - إن شاء الله - ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعيّ، أنه قال: إذا كان حديث النبيّ - ﷺ - خلاف قولي، فاعملوا بالحديث، ودعوا قولي، وفي رواية: فهو مذهبي، قال البيهقيّ: قال الشافعيّ: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقيّ: فتبع السُّنَّة في المزعفر، فمتابعتها في المعصفر أولى، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الْحَليِميّ من أصحابنا، ورخص فيه جماعة، والسُّنَّة أَولى بالاتباع. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بتحريم لبس المعصفر للرجال هو الصواب؛ لصحة الأحاديث بذلك، وأما حديث ابن عمر - ﵄ - أنه - ﷺ - كان يحبّ الصفرة، ويصبغ بالصفرة، فلا يستلزم أن يكون معصفرًا. والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِي بْنِ الْمُبَارَك، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَا: عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الهُنائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما: سماع، والآخر: إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«هشام» هو: الدستوائيّ. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» مقرونةً برواية عبد الصمد بن عبد الوارث، فقال: (٦٩٣١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يزيد بن هارون، أنا هشام، وعبد الصمد، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث، أن خالد بن معدان حدّثه، أن جُبير بن نُفير حدّثه، أن عبد الله بن عمرو أخبره - قال عبد الصمد: ابن العاص - حدّثه، أن النبيّ - ﷺ - رأى عليه ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها». انتهى . ورواية عليّ بن المبارك، عن يحيى ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٨٥٣٤) - حدّثنا محمد بن عبد الملك الدقيقيّ، وسليمان بن سيف، قالا: ثنا هارون بن إسماعيل (ح) وحدّثنا إدريس بن بكر، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، قالا: ثنا عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جُبير بن نُفير، عن عبد الله بن عمرو، قال: دخلت على رسول الله - ﷺ -، وعليّ ثوبان معصفران، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تلبسها، فإنها ثياب الكفار». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٢٥] (…) - (حَدَّثنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ يُّلوبَ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَل، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْن، فَقَالَ: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟» ، قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم، الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٢ - (عُمَرُ بْنُ أيُّوبَ الْمَوْصِليُّ) أبو حفص الْعَبْديّ، ثقةٌ [٩]. روى عن جعفر بن بُرقان، وأفلح بن حميد، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وابن معين، وداود بن رشيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ مأمون، وقال أبو داود: ثقة، كان أحمد يمدحه، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال ابن عمار: ما رأيته يذكر الدنيا، وكان من أشدّ الناس حياء، والناس يضعونه منه كأنه على الكِبْر، وقال الخطيب: كان من ذوي الهيئات، كثير الكتابة، حسن العناية بالطلب، رحل فيه إلى الشام، والعراق، قال ابن عمار: مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وكذا ذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكر الأزديّ في «تاريخ الموصل»، قال: وحدّثني ابن أبي حُريث، عن ابن أبي نافع، قال: كان عمر بن أيوب فقيهًا، وكان يفتي بالموصل، وصَنّف في الفقه من الحديث كتبًا، وقال ابن وضّاح: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عمر بن أيوب الموصليّ، وكان عنده ثقة، ولمّا ذكره ابن حبان قال: يُعتبر حديثه من روايته عن الثقات، ومن رواية الثقات عنه. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ع) تقدم في «الزكاة» ٢٤/ ٢٣٦٠. ٤ - (سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ) ابن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقةٌ ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٨. ٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِميريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (فَقَالَ: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بهَذَا؟») «أأُمّك؟» بهمزتين، أُولاهما للاستفهام، وفي بعض النسخ: «أمّك أمَرتك بهذا؟» بهمزة واحدة، فتقدّر همزة الاستفهام. قال النوويّ: - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «أأمك أمرتك بهذا؟»: معناه أن هذا من لباس النساء، وزِيِّهن، وأخلاقهن. انتهى . وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: «أمك أمرتك بهذا؟» يُشعر بأنَّه إنما كرهها؛ لأنَّها من لباس النساء، وظاهرهما أنهما علّتان في المنع، ويَحْتَمِل أن تكون العلّة مجموعهما. انتهى . وقوله: (قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا») قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا مبالغة في الرَّدع، والزَّجر، ومن باب جواز العقوبة في الأموال، ولم يُسمع عن أحد القول بذلك، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وأما الأمر بإحراقهما، فقيل: هو عقوبة، وتغليظ لزجره، وزَجْر غيره عن مثل هذا الفعل، وهذا نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها، وأنكر عليهم اشتراط الولاء، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى . وقال السنوسيّ - ﵀ -: وقيل: إنما أراد بالإحراق إفناءهما ببيع، أو هبة، واستعار لذلك لفظ الإحراق مبالغةً في الإنكار، ويدلّ على هذا أن عبد الله لَمّا أحرقهما، ثم أتى، قال: «يا عبد الله ما فعلت الرَّيْطة»؟، فأخبره، قال: «أفلا كسوتها بعض أهلك، فإنه لا بأس بها للنساء»، وإنما أحرقهما عبد الله لِمَا رأى من شدّة كراهيته لذلك. انتهى . [تنبيه]: أخرج أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: هبطنا مع رسول الله - ﷺ - من ثنية، فالتفت إليّ، وعلي رَيْطَة مُضَرَّجة بالعُصفُر، فقال: «ما هذه الريطة عليك؟»، فعرفت ما كره، فأتيت أهلي، وهم يسجُرون تنورًا لهم، فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: «يا عبد الله، ما فعلت الريطة؟» فأخبرته، فقال: «ألا كسوتها بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء». وفيه الإنكار على إحراق الثوب المنتفَع به لبعض الناس، دون بعض؛ لأنه من إضاعة المال المنهيّ عنها، ولكنه يعارض هذا الحديث المذكور في الباب، فقد أَمَره النبيّ - ﷺ - بالإحراق. وقد جمع بعضهم بين الروايتين، بأنه أمَر
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «القاموس المحيط» ص ٧٠٢.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٤.

٣. «لسان العرب» ٤/ ٥٨١.

٤. «المفهم» ٥/ ٣٩٩.

٥. هذه القاعدة قد نبهت عليها كثيرًا، وهو أن الأرجح خلاف ما قاله الشوكانيّ - ﵀ -، وهو أن فِعله - ﷺ - كقوله، فيعامَل معاملته، إلا إذا كان خاصًّا به، ولا تثبت الخصوصيّة إلا بدليل خاصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٦. «نيل الأوطار» ٢/ ١٨١ - ١٨٢.

٧. وهو قوله - ﷺ -: «ألا كسوتها بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء»، وسيأتي في شرح الحديث الثالث - إن شاء الله تعالى -.

٨. حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ (٥١١٩)، والترمذيّ (٢٧٨٨).

٩. «المفهم» ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٥٤ - ٥٥.

١١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٢٠٧.

١٢. «مسند أبي عوانة» ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧.

١٣. وفي نسخة: «أُمّك أمرتك بهذا؟».

١٤. هذا هو الحقّ، وأما في ما قاله في «التقريب»: صدوق له أوهام، ففيه نظر؛ فتأمل أقوال العلماء فيه فيما يلي من ترجمته، فلم يطعن فيه أحد منهم، فتنبّه.

١٥. كذا مكرَّرًا قاله الإمام أحمد - ﵀ -.

١٦. «شرح النووي» ١٤/ ٥٥ - ٥٦.

١٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٧/ ٩١.

١٨. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٧/ ٩١.

١٩. «شرح النووي» ١٤/ ٥٥ - ٥٦.

٢٠. «شرح السنوسيّ» ٥/ ٣٨٢.

٢١. «الرَّيْطة» بفتح الراء، وسكون الياء المثنّاة تحتُ، ثم طاء مهملة، ويقال: رائطة، قال المنذريّ: جاءت الرواية بهما، وهي كلُّ مُلاءة منسوجة بنسج واحد، وقيل: كل ثوب رقيق ليّن، والجمع: ريطٌ، ورِياطٌ.

٢٢. بفتح الراء المشدّدة؛ أي: ملطّخة.

٢٣. أي: يوقدون.