HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٩١

حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ إن رسول الله ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ. فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ. فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ (إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ) فَرَمَى بِهِ. ثُمَّ قَالَ (وَاللَّهِ! لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. وَلَفْظُ الحديث ليحيى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص149
ج ٣ ص ١٦٥٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٧٢٤
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٢] (٢٠٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله، أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اصْطنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ ألْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ»، فَرَمَى بِه، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحْيَى). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤١٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه عبد الله مهملًا، وهو ابن عمر؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا أطلق عبد الله في الصحابة فإن كان الإسناد مدنيًّا، فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا، فابن الزبير، وإن كان كوفيًّا، فابن مسعود، وإن كان بصريًّا، فابن عبّاس، وإن مصريًّا، أو شاميًّا فابن عمرو بن العاص - ﵃ -، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَو جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمعروف بشدّة اتّباعه للأثر - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اصْطَنَعَ)؛ أي: أمر بصياغته، فصيغ له، فلبسه، أو وجده مصوغًا، فاتّخذه. (خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) وقال القرطبيّ ﵀: الحامل له - ﷺ - على اتّخاذ الخاتم هو السبب الذي ذكره أنس - ﵁ -، من أنه لَمّا أراد أن يكتُب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشيّ، وقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، اتّخذ الخاتم ليختم به، هذا هو المقصود الأول فيه، ثم إنه جعله في يده، مستصحبًا له، حفظًا، وصيانةً من أن يتوصّل إليه غيره، ولذلك منع من أن يَنقُش أحدٌ على نقشه، فإنه إذا نَقَش غيرُه مثله، اختلطت الخواتم، وارتفعت الخصوصيّة، وحصلت المفسدة العامّة، وقد بالغ أهل الشام، فمنعوا الخواتم لغير ذي سلطان، وقد أجمع العلماء على جواز التختّم بالوَرِق على الجملة للرجال، قال الخطّابيّ: وكُره للنساء التختّم بالفضّة؛ لأنه من زيّ الرجال، فإن لم يجدن ذهبًا، فليُصفِّرنه بزعفران، أو شِبْهه. انتهى . (فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ) بتثليث الفاء، وتشديد الصاد المهملة، قال المجد ﵀: الْفُصّ للخاتم مثلّثةً، ذَكَرَه ابنُ مَالِكٍ في مَثَلَّثِه، وغَيْرُ وَاحِد، ولكن صَرَّحُوا بِأَنَّ الفَتْحَ هو الأَفْصَحُ الأَشْهَرُ، والكَسْرُ غَيْرُ لَحْنٍ، جَمْعه فُصُوصٌ. انتهى . وقال النوويّ ﵀: الفصّ بفتح الفاء، وكسرها، وفي الخاتم أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخيتام، وخاتام. انتهى ، وتقدّم لغات الخاتم العشر في شرح حديث البراء - ﵁ - الماضي، وبالله تعالى التوفيق. (فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ) إنما جعله في الباطن؛ لأنه أصْوَن للفصّ، وأبعد من الزهو والإعجاب، وقيل: السرّ في ذلك أنه أبعد من أن يُظنّ أنه فعله للتزيّن به، وفيه نظر؛ إذ لا مَنْع في التزيّن، ولُبس الجميل، فالوجه الأول هو الأولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال النوويّ ﵀: قال العلماء: لم يأمر النبيّ - ﷺ - ذلك بشيء، فيجوز جعل فصّه في باطن كفه، وفي ظاهرها، وقد عَمِل السلف بالوجهين، وممن اتخذه في ظاهرها ابن عباس - ﵄ - قالوا: ولكن الباطن أفضل؛ اقتداءً به - ﷺ -. انتهى . وقال القارئ: لعل وجه بعض السلف في المخالفة عدم بلوغهم الحديث المقتضي للمتابعة. انتهى . (فَصَنَعَ النَّاسُ)؛ أي: خواتم الذهب؛ اقتداء به - ﷺ -، وفي رواية البخاريّ: «فاتخذ الناس مثله»، قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمثلية كونه من فضة، وكونه على صورة النقش المذكورة، ويَحْتَمِل أن يكون لمطلق الاتخاذ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ تفسير الحافظ لمعنى المثليّة المذكور، ودونك عبارته: قوله: «مثله»؛ أي: مثل ما اتخذ النبيّ - ﷺ - من ذهب، ويوضحه ما في رواية أبي داود، حيث قال في روايته: عن نصير بن الفَرَج، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «اتّخذ النبيّ - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونَقَش: محمد رسول الله، فاتخذ الناس خواتيم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها، رمى به. . .» الحديث، وقال بعضهم - يعني: الحافظ ابن حجر -: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمثلية: كونه من فضة، وكونه على صورة النقش المذكورة، ويَحْتَمِل أن يكون لمطلق الاتخاذ. انتهى. قال العينيّ: هذا كله لا يُجدي شيئًا، فقوله: كونه من فضة غير مستقيم، على ما لا يخفى، وكذا قوله: ويَحْتَمِل أن يكون لمطلق الاتخاذ؛ لأن النهي اتخاذ من ذهب، لا مطلق الاتخاذ، والمعنى الصحيح ما ذكرناه، كما بيّنه ما رواه أبو داود. انتهى ، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاريّ: «فرَقِي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: إني كنت اصطنعته، وإني لا ألبسه». (فَنَزَعَهُ)؛ أي: أخرج ذلك الخاتم من إصبعه (فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ)؛ أي: لكونه مباحًا، (وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ»، فَرَمَى بِه، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»)؛ أي: لأنه جاءه الوحي بالنهي عن لُبسه، وهذا بداية تحريمه، وفي رواية المغيرة بن زياد: «فرمى به، فلا ندري ما فَعَل»، قال في «الفتح»: وهذا يَحْتَمِل أن يكون كَرِهه من أجل المشاركة، أو لِمَا رأى من زهوهم بلبسه، ويَحْتَمِل أن يكون لكونه من ذهب، وصادف وقت تحريم لُبس الذهب على الرجال، ويؤيد هذا رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر المختصرة بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يلبس خاتَمًا من ذهب، فنبذه، فقال: لا ألبسه أبدًا». انتهى . (فَنَبَذَ النَّاس خَوَاتِيمَهُمْ) بالياء: جمع خاتم، ويقال أيضًا: خواتم، بلا ياء، قال المجد ﵀: الخاتَم - بفتح التاء -: ما يوضع على الطينة، وحَلْيٌ للإصبع؛ كالخاتِم - بكسرها - والخاتام، والْخَيْتام - بالفتح - والْخِيتام - بالكسر - والْخَتَم محرّكةً، والخاتيام: جمعه خَوَاتم، وخواتيم. انتهى . وإنما نبذوا الخواتيم اقتداءً بالنبيّ - ﷺ -، وفيه بيان ما كانت الصحابة - ﵃ - عليه من المبادرة إلى امتثال أمْره، ونهيه - ﷺ -، والاقتداء بأفعاله. انتهى . وقوله: (وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحْيَى)؛ يعني: أن سياق الحديث المذكور هو لفظ شيخه يحيى بن يحيى، وأما محمد بن رُمح، وقتيبة، فروياه بالمعنى، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٥٤٦٢ و٥٤٦٣ و٥٤٦٤] (٢٠٩١)، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٦٥ و٥٨٦٦ و٥٨٦٧ و٥٨٧٣) و«الأيمان والنذور» (٦٦٥١) و«كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٢٩٨)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٣٦)، و(أبو داود) في «الخاتم» (٤٢١٨ و٤٢١٩ و٤٢٢٠)، و(الترمذيّ) في «اللباس» (١٧٤١) و«الشمائل» (٩٥ و٩٨)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٨/ ١٧٨ و١٩٤ و١٩٥) و«الكبرى» (٥/ ٤٦٥ و٥٦٧)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٣٦٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٨ و٣٤ و٣٩ و٦٠ و٦٨ و٨٦ و٩٤ و٩٦ و١١٩ و١٢٧ و١٢٨ و١٤١ و١٤٦ و١٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٩١ و٥٤٩٤ و٥٤٩٥ و٥٤٩٩ و٥٥٠٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٥٢ و٢٥٣ و٢٥٤)، و(الطحاويّ) في شرح معاني الآثار«(٤/ ٢٦٢)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(١٠/ ٢٠٥)، و(الطبريّ) في»مسند الشاميين«(١/ ٨٠)، و(البيهقيُّ) في»الكبرى«(٤/ ١٤٢) و»شُعَب الإيمان«(٥/ ١٩٨ و٢٠٢)، و(البغويّ) في شرح السُّنَّة» (٣١٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز لبس الخاتم، والتزيّن به بشرط أن لا يكون من ذهب. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن لبس خاتم الذهب. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الحرص على متابعته - ﷺ - في جميع ما يصدر منه، قولًا، أو فعلًا، أو نحوهما، إلا ما كان خصوصيّةً له - ﷺ -. ٤ - (ومنها): أن فيه جواز خاتم الفضّة، قال النوويّ ﵀: وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضّة للرجال، وكره بعض علماء الشام المتقدّمين لُبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثرًا، وهذا شاذّ مردود. وقال الخطابيّ: ويكره للنساء خاتم الفضّة؛ لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب، فلتُصفّره بزعفران، وشِبهه. قال النوويّ: وهذا الذي قاله ضعيفٌ، أو باطلٌ، لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضّة. انتهى . ٥ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم من الأصوليين أن أفعاله - ﷺ - تنقسم إلى عبادة، وعادة، فيَقْصُرون الاتّباع على القسم الأول، دون الثانيّ، وهي قسمة ضيزى، ما أنزل الله بها من سلطان، فقد كان الصحابة - ﵃ - حريصين على اتّباعه - ﷺ - في جميع ما يصدر عنه من العبادة، والعادة، فهذا أنس بن مالك - ﵁ - يقول: إن خياطًا دعا رسول الله - ﷺ -، لطعام صنعه، قال: فذهبت مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله - ﷺ - خبزًا، ومرقًا فيه دُبّاء وقديدًا، فرأيت النبيّ - ﷺ -، يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. متّفقٌ عليه. وهذا جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي، ذات يوم، إلى منزله، فأخرج إليه فلقًا من خبز، فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: لا إلا شيء من خَلّ، قال: «فإن الخل نعم الأدم»، قال جابر: فما زلت أحب الخل، منذ سمعتها من نبي الله - ﷺ -، وقال طلحة - الراوي عن جابر -: ما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر. رواه مسلم. وهؤلاء أصحابه الكرام لَمّا اتخذ - ﷺ - خاتمًا من ذهب، اتخذوا كلهم خواتم من ذهب، ولَمّا رماه، رموه، ثم لَمّا اتخذ خاتمًا من فضّة، اتخذوا كلهم خواتم من فضّة، ولقد أجاد الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، حيث ترجم بقوله: «باب الاقتداء بأفعال النبيّ - ﷺ -»، ثم أورد فيه حديث ابن عمر - ﵄ - في قصّة الخاتم، المذكور في هذا الباب. وقال في «الفتح»: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد ذهب جَمْع إلى وجوبه؛ لدخوله في عموم الأمر بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وبقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وبقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فيجب اتباعه في فعله، كما يجب في قوله، حتى يقوم دليل على الندب، أو الخصوصية. وقال آخرون: يَحْتَمِل الوجوب، والندب، والإباحة، فيحتاج إلى القرينة، والجمهور للندب إذا ظهر وجه القُربة، وقيل: ولو لم يظهر، وهو الحقّ، ومنهم من فصل بين التكرار وعدمه. وقال آخرون: ما يفعله - ﷺ -، إن كان بيانًا لمُجْمَل، فحُكمه حُكم ذلك المجمل، وجوبًا، أو ندبًا، أو إباحةً، فإن ظهر وجه القربة فللندب، وما لم يظهر فيه وجه التقرب فللإباحة، وأما تقريره على ما يُفْعَل بحضرته، فيدل على الجواز. والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، ويتعلق بها تعارض قوله وفعله، ويتفرع من ذلك حكم الخصائص، وقد افردت بالتصنيف، قال: ولشيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائيّ فيه مصنَّف جليل، وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال: [أحدها]: يُقَدَّم القول؛ لأن له صيغة تتضمن المعاني، بخلاف الفعل. [ثانيها]: الفعل لأنه لا يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول. [ثالثها]: يُفْزَع إلى الترجيح، وكل ذلك محله ما لم تقم قرينة، تدل على الخصوصية. وذهب الجمهور إلى الأول، والحجة له أن القول يعبَّر به عن المحسوس والمعقول، بخلاف الفعل، فيختص بالمحسوس، فكان القول أتمّ، وبأن القول مُتَّفَقٌ على أنه دليل، بخلاف الفعل، ولأن القول يدل بنفسه، بخلاف الفعل فيحتاج إلى واسطة، وبأن تقديم الفعل يفضي إلى ترك العمل بالقول، والعمل بالقول يمكن معه العمل بما دل عليه الفعل، فكان القول أرجح بهذه الاعتبارات. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثالث هو الأرجح؛ بدليل أن الصحابة - ﵃ -، وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة كانوا إذا احتجّ بعضهم بالقول عارضه الآخر بالفعل، وهذا دليلٌ على أن القول والفعل عندهم في درجة واحدة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر إلا بمرجّح، فهذا ابن عبّاس - ﵄ - لمّا سمع أنه - ﷺ - نهى عن أجرة الحجّام، قال: احتجم النبيّ - ﷺ -، وأعطى الحجّام أجره، ولو كان حرامًا ما أعطاه، متّفق عليه، وعليّ - ﵁ - لمّا سمع كراهية الشرب من قيام، توضأ، ثم شرب قائمًا، فقال: هكذا رأيته - ﷺ - يفعل، إلى غير ذلك مما كانوا يحتجون به من أفعاله - ﷺ - على من احتجّ عليهم بأقواله. قال ابن بطال ﵀، بعد أن حكى الاختلاف في أفعاله - ﷺ -، محتجًّا لمن قال بالوجوب بحديث الباب: لأنه خلع خاتمه، فخلعوا خواتمهم، ونزع نعله في الصلاة، فنزعوا، ولمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل، وتأخّروا عن المبادرة، رجاء أن يأذن لهم في القتال، وأن ينصروا، فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة - ﵄ -: أخرج إليهم، واحلِق، واذبح، ففعل، فتابعوه مسرعين، فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول، ولمّا نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، فقال: «إني أُطعم وأُسقى»، فلولا أن لهم الاقتداء به لقال: وما في مواصلتي ما يبيح لكم الوصال، لكنه عَدَل عن ذلك، وبيّن لهم وجه اختصاصه بالمواصلة. انتهى. قال الحافظ: وليس في جميع ما ذَكَره ما يدل على الْمُدَّعَى من الوجوب، بل على مطلق التأسي به، والعلم عند الله تعالى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن أفعاله - ﷺ - إن كانت بيانًا لمجمل، فهي بحَسَب ذلك المجمل، وجوبًا، أو ندبًا، أو إباحةً، وإلا فهي للاستحباب، ما لم يقم دليل الوجوب، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، فِي خَاتِمِ الذَّهَب، وَزَادَ في حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ في يَدِهِ الْيُمْنَى). رجال هذه الأسانيد: أحد عشر: ١ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ صدوقٌ له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّكُونيّ، أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّر، صدوقٌ، صاحب حديث [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣/ ١٥٩٣. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ أي: الأربعة: محمد بن بشر العبديّ الكوفيّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وخالد بن الحارث الْهُجيميّ، وعُقبة بن خالد السَّكونيّ رووا هذا الحديث عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -. [تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن عبيد الله العمريّ ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٩٥٤٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا محمد بن بشر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، وجَعَل فصّه مما يلي بطن كفه، فاتخذ الناس الخواتيم، فألقاه رسول الله - ﷺ -، فقال: لا ألبسه أبدًا، ثم اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من وَرِق، فأدخله في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى هلك في بئر أَرِيس. انتهى . ورواية يحيى بن سعيد القطّان، عن عبيد الله ساقها البيهقيّ في «شُعب الإيمان»، فقال: (٦٣٤٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى، ثنا عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، «أن النبيّ - ﷺ - اتخذ خاتَمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذ الناس، فرمى به، واتخذ خاتما من وَرِقٍ». انتهى . ورواية خالد بن الحارث، عن عُبيد الله ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٩٥٤٧) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - اتَّخَذ خاتَمًا من ذهب، وجَعَل فصّه مما يلي كفه، فاتخذ الناس خواتيم، فطرحه النبيّ - ﷺ -، وقال: «لا ألبسه أبدًا». انتهى . ورواية عقبة بن خالد السَّكُونيّ، عن عبيد الله ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٧٣٥٣) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا الحسن بن العباس الرازيّ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عُقبة بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - أُتِيَ بخاتم من ذهب، فجعله في يده اليمنى، وجعل فصّه مما يلي كفه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فلما رأى ذلك نزعه، فقال: «لا ألبسه أبدًا»، فاتخذه من وَرِقٍ. انتهى ، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى) كذا في رواية عقبة بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع أنه نصّ على أنه - ﷺ - جعل الخاتم في يده اليمنى، وكذلك وقع عند البخاريّ في رواية جويرية بن أسماء، عن نافع، ونصّه: «قال جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في يده اليمنى». قال في «الفتح»: قوله: «قال جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في يده اليمنى»، هو موصول بالإسناد المذكور، قال أبو ذرّ في روايته: لم يقع في البخاريّ موضع الخاتم من أيّ اليدين إلا في هذا. وقال الداوديّ: لم يجزم به جويرية، وتواطؤ الروايات على خلافه يدلّ على أنه لم يحفظه، وعملُ الناس على لُبس الخاتم في اليسار يدلّ على أنه المحفوظ. قال الحافظ: وكلامه متعَقَّب، فإن الظن فيه من موسى شيخ البخاريّ، وقد أخرجه ابن سعد عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه الأسماعيليّ، عن الحسن بن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، كلاهما عن جويرية، وجزما بأنه لَبِسه في يده اليمنى، وهكذا أخرج مسلم من طريق عقبة بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في قصّة اتخاذ الخاتم من ذهب، وفيه: «وجعله في يده اليمنى»، وأخرجه الترمذيّ، وابن سعد من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، بلفظ: «صَنَع النبيُّ - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، فتختم به في يمينه، ثم جلس على المنبر فقال: إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني، ثم نبذه …» الحديث، وهذا صريح من لفظه - ﷺ - رافعٌ لِلَّبس، وموسى بن عقبة أحد الثقات الأثبات. وأما ما أخرجه ابن عديّ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي رَوّاد، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: «كان النبيّ - ﷺ - يتختم في يساره»، فقد قال أبو داود بعده: ورواه ابن إسحاق، وأسامة بن زيد، عن نافع: «في يمينه». انتهى. ورواية ابن إسحاق قد أخرجها أبو الشيخ في «كتاب أخلاق النبيّ - ﷺ -» من طريقه، وكذا رواية أسامة، وأخرجها محمد بن سعد أيضًا، فظهر أن رواية اليسار في حديث نافع شاذّة، ومن رواها أيضًا أقلّ عددًا، وألْيَن حفظًا ممن روى اليمين. وقد أخرج الطبرانيّ في «الأوسط» بسند حسن، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: «كان النبيّ - ﷺ - يتختم في يمينه». وأخرج أبو الشيخ في «كتاب أخلاق النبيّ - ﷺ -» من رواية خالد بن أبي بكر، عن سالم، عن ابن عمر نحوه، فرَجَحَت رواية اليمين في حديث ابن عمر أيضًا. وقد ورد التختم في اليمين أيضًا في أحاديث أخرى، منها عند مسلم، من حديث أنس: «أن النبيّ - ﷺ - لبس خاتَمًا من فضة في يمينه، فصّه حبشيّ». وأخرج أبو داود أيضًا من طريق ابن إسحاق، قال: رأيت على الصَّلْت بن عبد الله خاتَمًا في خنصره اليمين، فسألته، فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصّه على ظهرها، ولا إخال ابن عباس إلا ذكره عن النبيّ - ﷺ -، وأورده الترمذيّ من هذا الوجه مختصرًا: «رأيت ابن عباس يتختم في يمينه، ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتختم في يمينه». وللطبرانيّ من وجه آخر، عن ابن عباس: «كان النبيّ - ﷺ - يتختم في يمينه»، وفي سنده لِينٌ. وأخرج الترمذيّ أيضًا من طريق حماد بن سلمة: رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه، وقال: «كان النبيّ - ﷺ - يتختم في يمينه»، ثم نَقَل عن البخاريّ أنه أصح شيء رُوي في هذا الباب. وأخرج أبو داود، والنسائيّ والترمذيّ في «الشمائل»، وصححه ابن حبان، من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، عن عليّ: «أن النبيّ - ﷺ - كان يتختم في يمينه». وفي الباب عن جابر في «الشمائل» بسند ليّن، وعائشة عند البزار بسند ليّن، وعند أبي الشيخ بسند حسن، وعن أبي أمامة عند الطبراني بسند ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدارقطنيّ في غرائب مالك بسند ساقط. وورد التختم في اليسار من حديث ابن عمر كما تقدم، ومن حديث أنس أيضًا، أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: «كان خاتم النبيّ - ﷺ - في هذه»، وأشار إلى الخنصر اليسرى. وأخرجه أبو الشيخ، والبيهقيّ في «الشعب» من طريق قتادة، عن أنس، ولأبي الشيخ من حديث أبي سعيد، بلفظ: «كان يلبس خاتمه في يساره»، وفي سنده، وأخرجه ابن سعد أيضًا. وأخرج البيهقيّ في «الأدب» من طريق أبي جعفر الباقر، قال: «كان النبيّ - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، والحسن، والحسين، يتختمون في اليسار»، وأخرجه الترمذيّ موقوفًا على الحسن والحسين حسبُ. وأما دعوى الداوديّ أن العمل على التختم في اليسار، فكأنه توهّمه من استحباب مالك للتختم، وهو يرجح عمل أهل المدينة، فظنّ أنه عمل أهل المدينة، وفيه نظر، فإنه جاء عن أبي بكر، وعمر، وجَمْع جَمّ من الصحابة، والتابعين بعدهم، من أهل المدينة، وغيرهم التختم في اليمنى. وقال البيهقيّ في «الأدب»: يُجمَع بين هذه الأحاديث بأن الذي لَبسه في يمينه هو خاتم الذهب، كما صُرِّح به في حديث ابن عمر، والذي لَبسه في يساره هو خاتم الفضة. وأما رواية الزهريّ، عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان فضة، ولَبسه في يمينه، فكانها خطأ، فقد تقدّم أن الزهري وقع له وَهَمٌ في الخاتم الذي طرحه النبيّ - ﷺ -، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة، وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لَبسه في يمينه هو الذهب. انتهى كلام البيهقيّ ملخصًا. وجَمَع غيره بأنه لَبس الخاتم أوّلًا في يمينه، ثم حوّله إلى يساره، واستَدَلّ له بما أخرجه أبو الشيخ، وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء، عن نافع، عن ابن عمر: «أن النبيّ - ﷺ - في يمينه، ثم إنه حوّله في يساره»، فلو صَحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: «طَرَح رسول الله - ﷺ - خاتمه الذهب، ثم تختَّم خاتمًا من وَرِق، فجعله في يساره»، وهذا مرسلٌ، أو مُعْضَلٌ. وقد جَمَع البغويّ في «شرح السُّنَّة» بذلك، وأنه تختم أوّلًا في يمينه، ثم تختم في يساره، وكان ذلك آخر الأمرين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك، فقال: لا يثبت هذا، ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر، وقد تقدّم قول البخاريّ أن حديث عبد الله بن جعفر أصحّ شيء، وَرَدَ فيه، وصُرِّح فيه بالتختم في اليمين. وفي المسألة عند الشافعية اختلاف، والأصح اليمين. قال الحافظ ﵀: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللُّبس للتزين به، فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أَولى؛ لأنه كالمودَع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضْعه فيها، ويترجح التختم في اليمين مطلقًا؛ لأن اليسار آلة الاستنجاء، فيُصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول. وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين، وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم: «بابُ التختم في اليمين واليسار»، ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح. ونقل النوويّ وغيره الإجماع على الجواز، ثم قال: ولا كراهة فيه - يعني: عند الشافعية - وإنما الاختلاف في الأفضل. وقال البغويّ: كان آخر الأمرين التختم في اليسار. وتعقبه الطبريّ بأن ظاهره النَّسخ، وليس ذلك مراده، بل الإخبار بالواقع اتفاقًا، والذي يظهر أن الحكمة فيه ما تقدم. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة هو ما أشار إليه أبو داود ﵀ فيما سبق نقله عنه، وهو استواء الأمرين، فكلّ من التختّم في اليمين، وفي اليسار جائز، لا كراهة في أحدهما؛ لصحّة الأحاديث بكلٍّ منهما، كما سبق تحقيقه آنفًا، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أنسٌ - يَعْني: ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ، جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: في خَاتِمِ الذَّهَب، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ). رجال هذه الأسانيد: ثلاثة عشر: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. [تنبيه]: قوله (الْمُسَيَّبِيُّ) بضمّ الميم، وفتح المثنّاة التحتيّة المشدّدة: نسبة إلى جدّه الأعلى المسيّب بن أبي السائب . ٥ - (أنسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضَمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٦ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٨ - (حَاتِمُ) بن إسماعيل الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٩ - (هَارُونُ الأَيْليُّ) ابن سعيد، تقدّم قبل باب. ١٠ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ١١ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ) كذا في النسخة الهنديّة بضمير التثنية، وهو الموافق لغالب الاستعمال، والضمير يعود إلى حاتم بن إسماعيل، وابن وهب، فهما رويا الحديث عن أسامة بن زيد الليثيّ. ووقع في معظم النُّسخ بلفظ: «كُلّهم عن أسامة»، وله وجه صحيح أيضًا، وهو أنه جرى على أن أقلّ الجمع اثنان، وهو المذهب الراجح كما حقّقته في «التحفة المرضيّة» في الأصول، وأما تغليط بعض الشرّاح له فمردود، كما أسلفته غير مرّة، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ)؛ يعني: الجماعة الثلاثة: أيوب السختيانيّ، وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد الليثيّ، فكلهم رووه نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٣٣١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، وصَنَع فَصّه من داخل، قال: فبينا هو يخطب ذات يوم قال: «إني كنت صنعت خاتَمًا، وكنت ألبسه، وأجعل فصّه من داخل، وإني والله لا ألبسه أبدًا»، فنبذه فنبذ الناس خواتيمهم. انتهى . ورواية موسى بن عُقبة، عن نافع ساقها الترمذيّ ﵀ في «الشمائل»، فقال: (١٠٥) - حدّثنا محمد بن عبيد الله المحاربيّ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فطرحه رسول الله - ﷺ -، وقال: «لا ألبسه أبدًا، فطرح الناس خواتيمهم». انتهى . ورواية أسامة بن زيد الليثيّ، عن نافع ساقها أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٤١٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا صفوان بن عيسى، أنا أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله، أنّ النبيّ - ﷺ - اتَخَذَ خاتَمًا من ذهب، فجعله في يمينه، وجعل فصّه مما يلي باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب، قال: فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر، فألقاه، ونَهَى عن التختم بالذهب. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ لُبْسِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، وَلُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٤٥٦] (…) - (حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِه، ثمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ في يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، نَقْشُهُ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْر، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه خماسيّات المصنّف ﵀، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله، وفيه ابن عمر - ﵄ - تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) قال المجد ﵀: الْوَرق مثلّثةً، وكَكَتِفٍ، وجَبَل: الدرا هم المضروبة، جَمْعه: أوراقٌ، ووِرَاقٌ؛ كالرِّقَة، جمعه رَقُونَ. انتهى . وقال الشراح المرتضى: الوَرْقُ مُثلّثةً، وكَكَتِف، وجبَل، خمْسُ لُغاتٍ، حكَى الفَرّاءُ منها ورَقًا بالفتح، ووَرِقًا، ككَتِف، ووِرْقًا بالكسر، مثل كبِد، وكِبْد؛ لأنّ فيهم من ينقُل كسْرَة الرّاءِ إلى الواو، بعد التّخفيف، ومنهم منْ يترُكُها على حالِها، كما في الصِّحاح. وقرأ أبو عَمْرو، وأبو بكْر، وحمزةُ، وخلَف: (بِوَرْقِكُمْ) بالفَتْح. وعن أبي عمْرو أيضًا، وابن مُحَيْصِن: (بِوِرْقِكُمْ) بكسر الواو. وقرأ أبو عبيدَةَ بالتّحريك، وقرأ أبو بكر: (بوُرْقِكم) بالضمّ، وهي: الدّراهِم المضْروبَةُ، كما في الصِّحاح، وقال أبو عبيدَة: الوَرَق: الفِضّة كانت مضْروبة، كدَراهِم، أَو لا. انتهى . (فَكَانَ) ذلك الخاتم (في يَدِهِ) - ﷺ - إلى أن توُفّي، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - مدّة خلافته، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ - مدّة خلافته أيضًا، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ) بن عفّان - ﵁ -، (حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ)؛ أي: من عثمان؛ أي: من يده، (فِي بِئْرِ أَرِيسٍ) - بفتح الهمزة، وكسر الراء، وبالسين المهملة، وزن عظيم - وهي في حديقةِ بالقرب من مسجد قباء. وفي حديث أنس: «فلما كان عثمان جلس على بئر أريس»، وزاد ابن سعد: «ثم كان في يد عثمان ستّ سنين»، ووقع في حديث ابن عمر عند أبي داود، والنسائيّ، من طريق المغيرة بن زياد، عن نافع، من الزيادة في آخره: «عن ابن عمر: فاتخذ عثمان خاتمًا، ونقش فيه: محمد رسول الله، فكان يختم به، أو يتختم به»، وله شاهد من مرسل عليّ بن الحسين، عند ابن سعد في «الطبقات»، وفي رواية أيوب بن موسى، عن نافع الآتية عند مسلم نحو حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع إلى قوله: «فجعل فصه مما يلي كفه»، قال: وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس. وهذا يدلّ على أن نسبة سقوطه إلى عثمان نسبة مجازية، أو بالعكس، وأن عثمان طلبه من معيقيب، فختم به شيئًا، واستَمَرّ في يده، وهو مفكّر في شيء يعبث به، فسقط في البئر، أو ردّه إليه، فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس. وقد أخرج النسائيّ من طريق المغيرة بن زياد، عن نافع هذا الحديث، وقال في آخره: «وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاريّ إلى قَليب لعثمان، فسقط، فالتُمِس فلم يوجد» . (نَقْشُه)؛ أي: نَقْش ذلك الخاتم؛ أي: الشيء المنقوش فيه، («مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ») زاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين: «بسم الله، محمد رسول الله»، ولم يتابَع على هذه الزيادة، وقد أورده من مرسل طاوس، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم، ليس فيه الزيادة، وكذا وقع في الباب من حديث ابن عمر. وأما ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه أخرج لهم خاتَمًا، فزعم أن رسول الله - ﷺ - كان يلبسه، فيه تمثال أسد، قال معمر: فغسله بعض أصحابنا، فشربه، ففيه مع إرساله ضعف؛ لأن ابن عَقِيل مختلَف في الاحتجاج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ وعلى تقدير ثبوته، فلعله لبسه مرّةً قبل النهي، قاله في «الفتح» . وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ يعني: شيخه الثاني، وهو محمد بن عبد الله بن نُمير، قال في روايته عن أبيه: (حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ) بغير تنوين؛ للمضاف المحذوف تخفيفًا؛ أي: في بئر أريس، (وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ)؛ أي: لم يزد لفظ: «منه»، وإنما ذَكَره يحيى بن يحيى، شيخه الأول، وظاهر هذا أن ابن نمير ذَكر لفظ: «في بئر أريس»، وإنما ترك ذِكر «أريس» هنا اختصارًا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٤٦٥ و٥٤٦٦] (…)، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٧٣)، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٨٩ و٩٥)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٨/ ١٩٢) و«الكبرى» (٥/ ٤٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٤٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٦٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٣٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٤٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣١٣٣ و٣١٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان جواز اتّخاذ الخاتم من الورق، قال النوويّ ﵀: وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال، وكَرِه بعض علماء الشام المتقدِّمين لُبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثرًا، وهذا شاذّ مردود، قال الخطابيّ: ويُكره للنساء خاتم الفضة؛ لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفّره بزعفران وشِبهه، وهذا الذي قاله ضعيف، أو باطل، لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لُبسها خاتم الفضة. انتهى . ٢ - (ومنها): التبرّك بآثار النبيّ - ﷺ -، وأما التبرّك بآثار غيره - ﷺ - كما ادّعاه النوويّ ففيه نَظر لا يخفى؛ إذ ليسق هذا من هدي السلف؛ فإن الصحابة - ﵃ - كان أبو بكر أحبّ الناس إليهم بعده - ﷺ -، فما كانوا يفعلوا ذلك معه، وكذا التابعون لم يتبرّكوا بآثار الصحابة - ﵃ -، حتى بالخلفاء الراشدين، فمن زعم ذلك فليأتنا بحجته، وهيهات، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الخلفاء الراشدون - ﵃ - من محبّته - ﷺ -، واقتفاء آثاره، فقد تداولوا خاتمه - ﷺ - مدّة خلافتهم حتى فُقد في عهد عثمان - ﵁ -، قال القرطبيّ ﵀: وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبيّ - ﷺ - إنما كان ذلك تبركًا بآثاره - ﷺ -، واقتداءً به، واستصحابًا لحاله؛ حتى كأنَّه حيٌّ معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدَّة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فُقِد اختلف الناس على عثمان - ﵁ -، وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولا يزال الْهَرْج إلى يوم القيامة. انتهى . وقال في «الفتح»: قال بعض العلماء: كان في خاتمه - ﷺ -، من السرّ شيء مما كان في خاتم سليمان ﵇؛ لأن سليمان لَمّا فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لَمّا فقد خاتم النبيّ - ﷺ - انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة، التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله البعض من أن انتظام مُلك سليمان ﵇ كان على خاتمه يحتاج إلى ثبوت نقل صحيح، ولا أظنه يثبُت، فقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀ قضة خاتم سليمان في «تفسيره» عند قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ الآية [ص: ٣٤]، مطوّلة، ومختصرة عن ابن عبّاس - ﵄ -، ثم قال: إسناده إلى اين عبّاس - ﵄ - قويّ، ولكن الظاهر أنه إنما تلقّاه ابن عبّاس - ﵄ -، إن صحّ عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوّة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه. انتهى كلام ابن كثير باختصار. والحاصل أن بُطلان ما يُحكى في قصّة خاتم سليمان ﵇ ظاهر، فلا يُغترّ بما كتبه بعض المفسّرين الذين لا هَمّ لهم إلا جَمْع الغثّ والسمين، وتضخيم كتبهم بالقصص الباطلة، والترّهات العاطلة، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. ٤ - (ومنها): أن فيه أن النبيّ - ﷺ - لم يورَث؛ إذ لو وُرِث لدُفع خاتمه إلى ورثته، بل كان الخاتم، والقدح، والسلاح، ونحوها، من آثاره الضرورية صدقة للمسلمين، يصرفها والي الأمر حيث رأى من المصالح، فجَعَل القَدَح عند أنس؛ إكرامًا له لخدمته، ومن أراد التبرك به لم يمنعه، وجَعَل باقي الأثاث عند ناس معروفين، واتّخَذ الخاتم عنده للحاجة التي اتخذه النبيّ - ﷺ - لها، فإنها موجودة في الخليفة بعده، ثم الخليفة الثاني، ثم الثالث. انتهى. وتعقّبه الحافظ قول النوويّ: «وإلا لدُفع خاتمه … إلخ»، فقال: وفيه نظر؛ لجواز أن يكون الخاتم اتُّخِذ من مال المصالح، فانتقل للإمام؛ لينتفع به فيما صُنع له. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله النوويّ ﵀ هو الظاهر، فلا معنى لتعقّب صاحب «الفتح» عليه، فتبصّر. والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم، وجواز نقش اسم الله تعالى، قال النوويّ ﵀: هذا مذهبنا، ومذهب سعيد بن المسيِّب، ومالك، والجمهور، وعن ابن سيرين، وبعضهم كراهة نقش اسم الله تعالى، وهذا ضعيف، قال العلماء: وله أن ينقش عليه اسم نفسه، أو ينقش عليه كلمة حكمة، وأن ينقش ذلك مع ذكر الله تعالى. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه، إلا أن يكون اسمه محمدًا فلا يجوز النقش عليه؛ للنهي عن ذلك، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه، أو كلمة حكمة، أو كلمات من القرآن، ثم إذا نقش عليه اسم الله تعالى، وجعله في شماله؛ فهل يدخل به الخلاء، ويستنجي بشماله؟ خفَّفه سعيد بن المسيب، ومالك، وبعض أصحابه، ورُوي عنه الكراهة، وهي الأَولى. انتهى ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: يؤخذ من الحديث أن يسير المال إذا ضاع، يجب البحث في طلبه، والاجتهاد في تفتيشه، وقد فعل - ﷺ - ذلك لَمّا ضاع عقد عائشة - ﵄ -، وحُبِس الجيشُ على طلبه، حتى وُجد. واعترضه الحافظ ﵀ فقال: كذا قال، وفيه نظر، فأما عقد عائشة، فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة، التي نشأت عنه، وهي رخصة التيمم، فكيف يقاس عليه غيره؟ وأما فعل عثمان فلا ينهض الاحتجاج به أصلًا؛ لِمَا ذُكر؛ لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه؛ لكونه أَثَر النبيّ - ﷺ -، قد لَبِسه، واستعمله، وخَتَم به، ومثل ذلك يساوي في العادة قدرًا عظيمًا من المال، وإلا لو كان غير خاتم النبيّ - ﷺ -، لاكتفى بطلبه بدون ذلك، وبالضرورة يُعلم أن قدر المؤنة التي حصلت في الأيام الثلاثة، تزيد على قيمة الخاتم، لكن اقتضت صفته عِظَمَ قَدْرِه، فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال. ٧ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله في حديث أنس - ﵁ -: «فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به» أن مِنْ فِعل الصالحين العبث بخواتيمهم، وما يكون بأيديهم، وليس ذلك بعائب لهم. قال الحافظ: «وإنما كان كذلك؛ لأن ذلك من مِثْلهم، إنما ينشأ عن فِكر، وفكرتهم إنما هي في الخير. ٨ - (ومنها): أن العبث اليسير بالشيء حال التفكر لا عيب فيه. ٩ - (ومنها): أن من طلب شيئًا، ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام، أن له أن يتركه، ولا يكون بعد الثلاث مضيِّعًا، وأن الثلاث حدٌّ يقع بها العذر في تعذّر المطلوبات. قاله ابن بطّال ﵀. ١٠ - (ومنها): أن فيه حفظَ الخاتم الذي يُختَم به تحت يد أمين، إذا نزعه الكبير من إصبعه؛ لأن عثمان - ﵁ - كان يدفعه إلى معيقيب - ﵁ -. ١١ - (ومنها): أن يسير المال إذا ضاع لا يُهْمَل طلبه، ولا سيما إذا كان مِنْ أَثَره - ﷺ -. والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٤٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِي - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ ألقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّه، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ في بِئْرِ أَرِيسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الحيض» ١١/ ٧٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ ألقَاهُ)؛ أي: رماه لنزول الوحي عليه بتحريم لُبسه، (ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، وقَالَ) - ﷺ - («لَا يَنْقُشْ) وفي بعض النُّسخ:»لا ينقشنّ«بنون التوكيد. (أحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا») إنما نهاهم عن ذلك؛ لأنه إنما اتّخذ الخاتم، ونقش فيه ليختم به كُتُبه إلى ملوك العجم، وغيرهم، فلو نَقَش غيره مثله لدخلت المفسدة، وحصل الخلل، قاله النوويّ ﵀ . (وَكَانَ) - ﷺ - (إِذَا لَبِسَهُ)؛ أي: ذلك الخاتم، (جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ)؛ لأنه أصون له، وأسلم، وأبعد من الزهو والإعجاب، (وَهُوَ)؛ أي: ذلك الخاتم (الَّذِي سَقَطَ مِن مُعَيْقِيبٍ) بقاف، وآخره موحّدة، مصغرًا بن أبي فاطمة الدوسيّ، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهِد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان، أو عليّ - ﵃ -، تقدّمت ترجمته في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٢/ ١٢٢٤. (فِي بِئْرِ أَرِيسٍ) متعلّق بـ «سقط»، وهي بفتح الهمزة، وكسر الراء، وبالسين المهملة: بئر معروفة قريبة من قُباء، وهي مصروفة. وفي حديث أنس - ﵁ - عند البخاريّ من طريق ثمامة بن عبد الله، عن أنس، أن أبا بكر - ﵁ - لمّا استُخلف كُتِب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: «محمد» سطر، و«رسول» سطر و«الله» سطر. وفي رواية أخرى: قال: كان خاتم النبيّ - ﷺ - في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، قال: فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به، فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر، فلم يجده. وفي رواية النسائيّ من طريق المغيرة بن زياد، قال: حدّثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - لبس خاتَمًا من ذهب ثلاثة أيام، فلما رآه أصحابه فَشَت خواتيم الذهب، فرَمَى به، فلا ندري ما فَعَل، ثم أمر بخاتم من فضة، فأمر أن ينقش فيه محمد رسول الله، وكان في يد رسول الله - ﷺ - حتى مات، وفي يد أبي بكر حتى مات، وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كَثُرت عليه الكُتُب دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاريّ إلى قليب لعثمان، فسقط، فالتُمِس فلم يوجد، فأمر بخاتم مثله، ونَقَش فيه محمد رسول الله . فقد اختلفت الروايات، فرواية الشيخين تدلّ على أنه سقط من يد عثمان - ﵁ - نفسه في بئر أريس، ورواية مسلم تدلّ على أنه سقط من يد مُعيقيب في بئر أريس، ورواية النسائيّ تدلّ على كونه سقط من يد الأنصاريّ في بئر عثمان.
مصادر المؤلف (٣٤)

١. «المفهم» ٥/ ٤١٠ - ٤١١.

٢. «القاموس المحيط» ص ٩٩٨، بزيادة من «تاج العروس» ١/ ٤٤٩٤.

٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٦.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٦.

٥. «عون المعبود» ١١/ ١٨٤.

٦. «الفتح» ١٣/ ٣٥٨، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٦٧).

٧. «عمدة القاري» ٢٢/ ٣١.

٨. «الفتح» ١٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٦٧).

٩. «القاموس المحيط» ص ٣٤٩.

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٦.

١١. «شرح مسلم» ١٤/ ٦٧.

١٢. «الفتح» ١٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥.

١٣. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٤٥٧.

١٤. «شعب الإيمان» للبيهقيّ ٥/ ١٩٧.

١٥. «المجتبى» ٨/ ١٥٩، و«السنن الكبرى» ٥/ ٤٥٧.

١٦. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٤/ ١٤٢.

١٧. «الفتح» ١٣/ ٣٧٠ - ٣٧٣، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٧٦).

١٨. راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٠٣، و«اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢١٤.

١٩. هو: الشيخ الهرري. راجع:«شرحه»٢١/ ٣٩٤.

٢٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ١٤٦.

٢١. «الشمائل المحمدية» للترمذيّ ١/ ٩٧.

٢٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ١٥٣.

٢٣. «القاموس المحيط» ص ١٣٩٣.

٢٤. «تاج العروس» ١/ ٦٦١٠.

٢٥. «الفتح» ١٣/ ٣٥٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٧٣).

٢٦. «الفتح» ١٣/ ٣٥٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٧٣).

٢٧. المراد فوائده على اختلاف ألفاظه، وطرقه، لا خصوص ما ساقه مسلم هنا، بل مع ما ذُكر في الشرح، فتنبّه.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٧.

٢٩. «المفهم» ٥/ ٤١١.

٣٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٨.

٣١. «المفهم» ٥/ ٤١١.

٣٢. وفي نسخة: «لا ينقشنّ».

٣٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٦٨.

٣٤. «سنن النسائيّ - المجتبى» ٨/ ١٧٨.