(٢٢) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٥٤٩٥] (٢١٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيع، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ التَّزَعْفُر، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: يَعْني: لِلرِّجَالِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، و«أَبُو الرَّبِيعِ» هو: سليمان بن داود الزهرانيّ العتكيّ»، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ - كلاحقيه، وهو (٤٢٥) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس بن مالك - ﵁ - من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، والخادم المشهور.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ)؛ أي: استعمال الزعفران في البَدَن. (قَالَ قُتَيْبَةُ) شيخه الثالث، (قَالَ حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيد، (يَعْنِي: لِلرِّجَالِ)؛ أي: النهي مختصّ بهم، لا يعمّ النساء، وهكذا هو عند النسائيّ، بكلمة «يعني»، ولعلّ حمادًا لم يتيقّن لفظة «للرجال»، فأدخل كلمة «يعني» تورّعًا، وإلا فقد ثبتت اللفظة من رواية إسماعيل ابن عليّة في الرواية التالية، ومن رواية عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز عند البخاريّ في «صحيحه»، ورواه الترمذيّ عن قتيبة عن حماد بن زيد، وعن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهديّ عن حمّاد، وليس فيه كلمة «يعني»، ولفظه: «نهى رسول الله - ﷺ - عن التزعفر للرجال».
قال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب النهي عن التزعفر للرجال»، قال
في «الفتح»؛ أي: في الجسد؛ لأنه ترجم بعده: «بابُ الثوب المزعفر»، وقيّده بالرجل ليُخرِج المرأة. انتهى.
ثم أورد البخاريّ حديث أنس - ﵁ - هذا بلفظ: «نهى النبيّ - ﷺ - أن يتزعفر الرجل»، قال في «الفتح»: كذا رواه عبد الوارث، وهو ابن سعيد مقيَّدًا، ووافقه إسماعيل ابن عُليّة، وحماد بن زيد عند مسلم، وأصحاب «السنن»، ووقع في رواية حماد بن زيد: «نَهَى عن التزعفر للرجال»، ورواه شعبة عن ابن عُليّة عند النسائيّ مطلقًا، فقال: «نَهَى عن التزعفر»، وكأنه اختصره، وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من الحفاظ، مقيّدًا بالرَّجل، ويَحْتَمِل أن يكون إسماعيل اختصره لَمّا حَدَّث به شعبة، والمطلق محمول على المقيّد، ورواية شعبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغر، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٥٤٩٥ و٥٤٩٦] (٢١٠١)، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٤٦)، و(أبو داود) في «الترجّل» (٤١٧٩)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٨١٥)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٢٧٠٦ و٢٧٠٧ و٢٧٠٨) و«الزينة» (٥٢٥٦ و٥٢٥٧) و«الكبرى» (٣٦٨٦ و٣٦٨٧ و٣٦٨٨) وفي «الزينة» (٩٤١٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ١٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٦٤ و٥٤٥٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٩٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٤٠٣ و٢/ ٦٧ و٥/ ٢٧١ و٢٧٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٢٧ و١٢٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٦) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ١٩٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣١٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن التزعفر للرجل:
ذهب الشافعيّ، وأبو حنيفة إلى منع الرجل عن التزعفر مطلقًا حلالًا كان، أو مُحْرمًا.
وذهب مالك، وجماعة إلى جواز لبس المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمُحْرم فقط.
قال «الفتح»: واختُلِف في النهي عن التزعفر، هل هو لرائحته؛ لكونه من طيب النساء، ولهذا جاء الزجر عن الْخَلُوق، أو للونه، فيَلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقيّ عن الشافعيّ، أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكلّ حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال: وأُرَخِّصُ في المعصفر؛ لأنني لم أجد أحدًا يحكي عنه إلا ما قال عليّ: «نهاني، ولا أقول: نهاكم». قال البيهقيّ: قد ورد ذلك عن غير عليّ، وساق حديث عبد الله بن عمرو، قال: رأى عليّ النبيّ - ﷺ - ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما». أخرجه مسلم، وفي لفظ له: فقلت: أغسلهما؟، قال: «لا، بل أحرقهما». قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشافعيّ لقال به، اتباعًا للسُّنَّة، كعادته. وقد كره المعصفر جماعة من السلف، وممن قال بكراهته من أصحابنا - يعني: الشافعيّة - الْحَلِيمِيُّ، ورخّص فيه جماعة، والسُّنَّة أولى بالاتباع. انتهى. والله أعلم.
وقال النوويّ في «شرح مسلم»: أتقن البيهقيّ المسألة، والله أعلم.
ورخّص مالك في المعصفر، والمزعفر في البيوت، وكرهه في المحافل.
وقال ابن بطّال - ﵀ -: أجاز مالك، وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصّة. وحمله الشافعيّ، والكوفيّون على المحرم وغير المحرم.
وحديث ابن عمر - ﵄ - في الصبغ يدلّ على الجواز، فإن فيه أن النبيّ - ﷺ - كان يصبغ بالصفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ -، وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران. وفي سنده عبد الله بن مصعب الزبيريّ، وفيه ضعف.
وأخرج الطبرانيّ، من حديث أم سلمة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صبغ إزاره، ورداءه بزعفران. وفيه راو مجهول.
قال الحافظ: ومن المستغرب قول ابن العربيّ: لم يَرِدْ في الثوب الأصفر
حديث، وقد ورد فيه عدّة أحاديث، كما ترى. قال المهلّب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، قاله في «الفتح» .
وقال العلّامة المباركفوريّ - ﵀ - في «تحفة الأحوذيّ»: والحديث دليل لأبي حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه، وبدنه، ولهما أحاديث أخر صحيحة.
ومذهب المالكيّة أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن، دون الثوب، ودليلهم ما أخرجه أبو داود، عن أبي موسى، مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق» ، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد.
وأجيب عن حديث أبي موسى هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازيّ، وهو متكلَّم فيه، وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقًا أصحّ، وأرجح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا على تقدير صحّته، فاستدلالهم بالمفهوم، وأحاديث النهي منطوقة، فتقدّم عليه. والله أعلم.
قال: فإن قلت: قد ثبت في «الصحيحين» من حديث أنس - ﵁ - أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله - ﷺ -، وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله - ﷺ -، فأخبره أنه تزوّج امرأة … الحديث، وفي رواية: «وعليه رَدْع زعفران»، فهذا الحديث يدلّ على جواز التزعفر، فإنه - ﷺ - لم يُنكر على عبد الرحمن بن عوف، فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا، وبين حديثه المذكور في الباب، وما في معناه؟.
قلت: أشار البخاريّ إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوّج، وأحاديث النهي لغير المتزوّج، حيث ترجم بقوله: «باب الصفرة للمتزوّج».
وقال الحافظ: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، قال: ورجّحه النوويّ. وأجيب عن
حديث عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في «الفتح» في «باب الوليمة ولو بشاة»، من «كتاب النكاح».
قال: فإن قلت: روى الشيخان عن ابن عمر - ﵄ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله - ﷺ - ما يلبس المحرم من الثياب؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يلبس القُمُص … الحديث، وفيه: ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران، أو ورس».
فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم؛ لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم، فدلّ على جوازه لغيره.
قلت: قال العراقيّ: الجمع بين الحديثين أنه يَحْتَمِل أن يقال: إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: «أسفل من الكعبين»، ثم استأنف بهذا، ولا تعلّق له بالمسؤول عنه، فقال: «ولا تلبسوا شيئًا من الثياب …» إلى آخره. انتهى.
قال المباركفوريّ: والأولى في الجواب أن يقال: إن الجواز للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق، وقد تقرّر أن المنطوق مقدّم على المفهوم.
فإن قلت: روى النسائيّ من طريق عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر - ﵄ -، كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - يصبغ.
قلت: عبد الله بن زيد صدوق، فيه لِيْن. وأصله في «الصحيح»، وليس فيه ذِكر الصفرة. انتهى كلام المباركفوريّ - ﵀ - .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح من أقوال العلماء في هذه المسألة هو القول بتحريم المزعفر للرجل، مُحرمًا، أو غير محرم؛ لحديث أنس - ﵁ - المذكور في الباب، فإنه نصّ في ذلك، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - المتقدّم، فإنه ظاهر فيه، حيث أمره النبيّ - ﷺ - بحرقه بالنار، ولم يسمح له في غسله، فلو جاز لبسه لَمَا شدّد عليه مثل هذا التشديد، وكذلك حديث عليّ - ﵁ -: «نهاني رسول الله - ﷺ - عن خاتم الذهب،