HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٥٣

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. حَدَّثَنَا، والله! يزيد بن حصيفة عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ. قال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ. فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا. قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ. فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيت. فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا. فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ. فَرَجَعْتُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ). فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ. فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. قَالَ: فاذهب به.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص177
ج ٣ ص ١٦٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١٣
[٦٢٦] فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ : قوله: (فَلَو مَا اسْتَأَذَنتَ)؛ بمعنى: لولا استأذنت، وهي كلمة تحضيض تتضمن الأمر بالاستئذان، وقوله: (وَإِلَّا، لأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً)؛ يعني: إن ظهر لي أنك تهاونت فيما قلت؛ ولم تحفظه من رسول الله ﷺ؛ شهَّرتك عند الناس؛ وأعلمتهم أنك غيُر متثَبِّت في الرواية، وفي رواية : (إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَا)؛ يعني: فأت بالبيِّنة، (ها) في العربية: تنبيه، قال الشاعر: هَا إِنَّ تَا عِذْرَةٌ إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ … فَإِن صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَد (ها): زجر، وقوله: (أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ)؛ ألهاني: أي: شغلني، وقوله: (عَنْه): عن هذا الحديث وسماعه من رسول الله ﷺ، و(الصَّفْقُ): البيعُ والشِّراء. وفي الحديث دليل على جواز الاستشهاد على الدَّعوى، وفيه الأخذ بالسُّنة والاقتصار عليها؛ إذ لم يزد أبو موسى ﵁ على ثلاث، وفيه سنة الاستئذان بالسّلام، وفيه القول بالحق عند السُّلطان، وفيه حسن السِّياسة، وقول عمر ﵁: (إِنَّمَا سَمِعتُ شَيئًا، فَأَحبَبتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ)، فيه دلالة على الاستقصاء والتثبت في أخذ الحديث، وفيه أن رواية الاثنين أثبتُ من رواية الواحد. ومن باب إنما جعل الاستئذان من أجل البصر
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٤٠١
رسول الله -ﷺ-: «ليس بالذي يضرّك». انتهى . وأما رواية أبي أسامة عن إسماعيل، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ الِاسْتِئْذَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٤] (٢١٥٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا -وَاللهِ- يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا، أَوْ مَذْعُورًا، قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَىَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا، فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَىَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ، فَقَالَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفىّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨)، وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) -بخاء معجمة، وصاد مهملة، وفاء، مصغّرًا- هو: يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة الكنديّ المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠٣. ٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابد جليل [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من يزيد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ بُسْرِ) بضمّ الموحّدة، وسكون السين المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁- (يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ) وفي رواية البخاريّ: «كنت في مجلس من مجالس الأنصار»، وفي رواية الحميديّ عن سفيان: «إني لفي حلقة فيها أُبَيّ بن كعب»، أخرجه الإسماعيليّ. (فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله قيس -﵁-، (فَزِعًا) منصوب على الحال، (أَوْ مَذْعُورًا) «أو» هنا للشكّ من الراوي، (قُلْنَا)؛ أي: الأنصار الجالسون في المجلس، (مَا شَأْنُكَ؟)؛ أي: أيّ شي حصل لك حتى جئتنا فَزِعًا؟ (قَالَ) أبو موسى: (إِنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا ليس مناقضًا لقوله في الأخرى: «إنه استأذن ثلاثًا»؛ لأنَّ أبا موسى -﵁- كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا ثلاثًا، كما قد جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة. قال: وحاصل هذه الأحاديث أن دخول منزل الغير ممنوع؛ كان ذلك الغير فيها، أو لَمْ يكن، إلَّا بعد الإذن، وهذا الذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، ثم قال بعد هذا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وهذا لا بدَّ منه؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنَّه يَطَّلِع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجيَّة. ولمّا تقرَّر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر -﵄-، ولمّا كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده عَمِل على ما كان عنده من ذلك، فلمّا لَمْ يُؤذن له رجع، وأما عمر -﵁- فكان عنده العلم بالاستئذان، ولم يكن عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مُستبعِدٍ من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبيّ -ﷺ- مع ملازمته النبيّ -ﷺ- حضرًا، وسفرًا، ملازمةً لَمْ تكن لأبي موسي، ولا لغيره، وإنكارَ مَن سَدَّ باب الذريعة في التقوُّل على رسول الله -ﷺ-، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، ولأجعلنك عظة، فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت. انتهى . (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ) وعند البخاريّ في «البيوع» من طريق عُبيد بن عُمير أن أبا موسى الأشعريّ استأذن على عمر بن الخطاب، فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولًا فرجع أبو موسي، ففَزِع عمر، فقال: «ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له، قيل: إنه رجع». وفي رواية بكير بن الأشجّ، عن بسر الآتية في الباب: «استأذنت على عمر أمس ثلاث مرّات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئت اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلّمت ثلاثًا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذَن لك، قال: استأذنت كما سَمِعتُ»، ومن طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: «أن أبا موسى أتى باب عمر، فاستأذن، فقال عمر: واحدةٌ، ثم استأذن، فقال عمر: اثنتان، ثم استأذن، فقال عمر: ثلاثٌ، ثم انصرف، فاتبعه، فردّه»، ومن طريق طلحة بن يحيي، عن أبي بُردة: جاء أبو موسى إلى عمر، فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسي، السلام عليكم، هذا الأشعريّ، ثم انصرف، فقال: «رُدُّوه عليّ». وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لَمْ يرجع إلى عمر إلَّا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال، وقد وقع في رواية لمالك في «الموطأ»: «فأرسل في إثره»، ويُجمع بينهما بأن عمر لَمّا فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكّره، فسأل عنه، فأُخبر برجوعه، فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ) عمر -﵁- (مَا مَنَعَكَ)؛ أي: أيُّ شيء منعك (أَنْ تَأْتِيَنَا) وفي رواية البخاريّ: «فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا، فلم يؤذن لي»، وفي رواية عُبيد بن حُنين، عن أبي موسى عند البخاريّ في «الأدب المفرد»: «فقال: يا عبد الله اشتدّ عليك أن تحتبس على بابي، اعلم أن الناس كذلك يشتدّ عليهم أن يحتبسوا على بابك، فقلت: بل استأذنت … إلخ»، وفي هذه الزيادة دلالة على أنَّ عمر أراد تأديبه لَمّا بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال إمرته، وقد كان عمر استخلفه على الكوفة، مع ما كان عمر فيه من الشغل . (فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا)؛ أي: أهل البيت، (عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ) ثم ذكر أبو موسى -﵁- حجته على الرجوع بعد الثلاث بقوله: (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ») وقع في رواية عبيد بن عمير: «كنا نؤمر بذلك»، وفي رواية عبيد بن حنين، عن أبي موسى: «فقال عمر: ممن سمعت هذا؟ قلت: سمعته من رسول الله -ﷺ-»، وفي رواية أبي نضرة: «إن هذا شيء حفظته من رسول الله -ﷺ -». [فائدة]: مما نبّه عليه بعض المعاصرين أن فتح الهاتف على رجل في وقت يعرف أنه في شغل، أو راحة يلتحق بحكم الدخول بغير استئذان إلَّا في حالة الضرورة، وينبغي لمن يفتح الهاتف على غيره، ويريد أن يطيل كلامه أن يستأذن قبل الشروع في كلامه؛ لأن المخاطَب ربّما يكون في شغل، وإنما يرفع السماع أثناء شغله، فلو أطال الآخر كلامه تأذّى بذلك، وتشوّش ذهنه، وإن الأصل في مشروعيّة الاستئذان أن يجتنب الشخص إيذاء الآخر، والدخول في خلوته، وهذه الآداب التي أكدها الشرع صارت الآن مهملة عند كثير من الناس، فلا يعتبرونها من الدِّين، مع أنَّها من الأمور المهمة فيه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ عُمَرُ) -﵁-: (أَقِمْ عَلَيْهِ)؛ أي: على ما ادعيت أنه سمعته منه -ﷺ-، (الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ)؛ أي: ضربًا، وفي رواية بكير بن الأشجّ: «فوالله لأُوجعنّ ظهرك، وبطنك، أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا»، وفي رواية عبيد بن عمير: «لتأتيني على ذلك بالبينة»، وفي رواية أبي نضرة: «وإلَّا جعلتك عِظَةً». (فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ) -﵁-؛ أي: بعد أن سأل أبو موسى من يشهد له، ففي رواية البخاريّ: «أمنكم أحد سمعه من النبيِّ -ﷺ-؟ فقال أُبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم»، وفي رواية عبيد بن عمير: «فانطلق إلى مجلس الأنصار، فسألهم»، وفي رواية أبي نضرة الآتية: «فقال: ألم تعلموا أن رسول الله -ﷺ- قال:»الاستئذان ثلاث«؟، قال: فجعلوا يضحكون، فقلت: أتاكم أخوكم، وقد أُفزع، فتضحكون؟». (لَا يَقُومُ مَعَهُ)؛ أي: مع أبي موسي، (إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ) وفي رواية بكير بن الأشج: «فوالله لا يقوم معك إلَّا أحدثنا سنًّا، قم يا أبا سعيد»، قال النوويّ -﵀-: معنى كلام أُبيّ -﵁- هذا أن هذا الحديث مشهورٌ بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله -ﷺ- . (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ) وفي رواية البخاريّ: «فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبيّ -ﷺ- قاله. (قَالَ) أُبيّ (فَاذْهَبْ بِهِ) حتى تشهد له، وفي رواية البخاريّ:»فأخبرت عمر أن النبيّ -ﷺ- قال ذلك»، في رواية ابن أبي عمر، عن سفيان التالية عند مسلم:«قال أبو سعيد: فقمت معه، فذهبت إلى عمر، فشهدت»، وفي رواية أبي نضرة الآتية:«فقال أبو سعيد: انطلق، وأنا شريكك في هذه العقوبة»، وفي رواية بكير بن الأشجّ:«فقمت، حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا». قال القرطبيّ -﵀-: لا تعارض بين هذه، وبين ما يأتي أن أُبي بن كعب أخبر عمر بذلك، فإنَّه يُحمل على أنَّ كلًّا منهما أخبره بذلك، أبو سعيد أوّلًا حين أتاه إلى منزله، وأُبَيّ ثانيًا لمّا اجتمع به عمر في المسجد، وهذا كله يدلُّ على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عمر، ولا يُستنكر هذا، فإنَّه من ضرورة أخبار الآحاد. انتهى . وقال في«الفتح»: واتَّفَقَ الرواة على أن الذي شَهِد لأبي موسى عند عمر أبو سعيد، إلَّا ما عند البخاريّ في«الأدب المفرد»من طريق عُبيد بن حُنين، فإن فيه:«فقام معي أبو سعيد الخدريّ، أو أبو مسعود إلى عمر»، هكذا بالشكّ، وفي رواية لمسلم من طريق طلحة بن يحيي، عن أبي بُردة في هذه القصّة:«فقال عمر: إن وَجَد بينةً تجدوه عند المنبر عشيةً، وإن لَمْ يجد بينةً، فلن تجدوه، فلما أن جاء بالعشيّ وجده، قال: يا أبا موسى ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أُبَيّ بن كعب، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطفيل - وفي لفظ له: يا أبا المنذر، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذلك، يا ابن الخطاب، فلا تكونَنَّ عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ-، قال: سبحان الله، أنا سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبّت»، قال الحافظ: هكذا وقع في هذه الطريق، وطلحة بن يحيى فيه ضعف، ورواية الأكثر أَولى أن تكون محفوظةً. ويمكن الجمع بأن أُبَيَّ بن كعب جاء بعد أن شَهِد أبو سعيد، وفي رواية عبيد بن حنين في«الأدب المفرد»زيادة مفيدة، وهي: أن أبا سعيد، أو أبا مسعود قال لعمر:«خرجنا مع النبيِّ -ﷺ- يومًا، وهو يريد سعد بن عُبادة، حتى أتاه، فسلَّم، فلم يؤذن له، ثم سلَّم الثانية، فلم يؤذَن له، ثم سلَّم الثالثة، فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع، فأَذنَ له سعد .. «الحديث. فثبت ذلك من قوله -ﷺ-، ومن فعله، وقصّة سعد بن عُبادة، هذه أخرجها أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطوّلةً بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس، أو غيره، كذا فيه، وأخرجه البزّار عن أنس، بغير تردّد، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أم طارق مولاة سعد. واتَّفَق الرواة على أنَّ أبا سعيد حدّث بهذا الحديث عن النبيِّ -ﷺ-، وحَكَى قصة أبي موسى عنه إلَّا ما أخرجه مالك في«الموطأ»عن الثقة، عن بكير بن الأشجّ، عن بسر، عن أبي سعيد، عن أبي موسى بالحديث مختصرًا دون القصّة. وقد أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بطوله، وصَرَّح في روايته بسماع أبي سعيد له من النبيّ -ﷺ-، وكذا وقع في رواية أخرى عنده:«فقال أبو موسى: إن كان سمع ذلك منكم أحد فليقم معي، فقالوا لأبي سعيد: قم معه». وأغرب الداوديّ، فقال: رَوَى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي موسي، وهو يشهد له عند عمر، فأدَّى إلى عمر ما قال أهل المجلس، وكأنه نسي أسماءهم بعد ذلك، فحدّث به عن أبي موسى وحده؛ لكونه صاحب القصّة. وتعقبه ابن التين بأنه مخالف لِمَا في رواية«الصحيح»لأنه قال:«فأخبرتُ عمر بأن النبيّ -ﷺ- قاله». قال الحافظ: وليس ذلك صريحًا في ردّ ما قال الداوديّ، وإنما المعتَمد في التصريح بذلك رواية عمرو بن الحارث، وهي من الوجه الذي أخرجه منه مالك. والتحقيق أن أبا سعيد حَكَى قصّة أبي موسى عنه بعدَ وقوعها بدهر طويل؛ لأن الذين رووها عنه لَمْ يدركوها، ومن جملة قصة أبي موسى الحديث المذكور، فكأن الراوي لمّا اختصرها، واقتصر على المرفوع خرج منها أن أبا سعيد ذكر الحديث المذكور عن أبي موسي، وغفل عما في آخرها من رواية أبي سعيد المرفوع عن النبيّ بغير واسطة، وهذا من آفات الاختصار، فينبغي لمن اقتصر على بعض الحديث أن يتفقد مثل هذا، وإلا وقع في الخطأ، وهو كحذف ما للمتن به تعلّق، وتختلف الدلالة بحذفه. وقد اشتَدّ إنكار ابن عبد البرّ على من زعم أن هذا الحديث إنما رواه أبو سعيد عن أبي موسي، وقال: إن الذي وقع في «الموطأ» إنما هو من النَّقَلة لاختلاط الحديث عليهم. وقال في موضع آخر: ليس المراد أن أبا سعيد رَوَى هذا الحديث عن أبي موسي، وإنما المراد عن أبي سعيد عن قصّة أبي موسي، والله أعلم. وممن وافق أبا موسى على رواية الحديث المرفوع جندب بن عبد الله، أخرجه الطبرانيّ عنه بلفظ: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له فليرجع». انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: وقد استشكل ابن العربيّ إنكار عمر على أبي موسى -﵄- حديثه المذكور، مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبيّ -ﷺ-، وذلك في حديث ابن عباس -﵄- الطويل في هَجْر النبيّ -ﷺ- نساءه في المشرُبة، فإن فيه أن عمر استأذن مرّةً بعد مرّةً، فلمّا لَمْ يؤذَن له في الثالثة رجع، حتى جاءه الإذن، وذلك بَيِّنٌ في سياق البخاريّ. قال: والجواب عن ذلك أنه لَمْ يقض فيه بعلمه، أو لعله نسي ما كان وقع له، ويؤيده قوله: «شغلني الصفق بالأسواق». قال الحافظ: والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقةً لِمَا رواه أبو موسي، بل استأذن في كلّ مرّة، فلم يؤذن له، فرجع، فلما رجع في الثالثة استُدْعِي، فأُذن له، ولفظ البخاريّ الذي أحال عليه ظاهر فيما قلته. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال أبو عمر بن عبد البرّ - بعد إخراج هذا الحديث مختصرًا، من طريق سعيد الجريريّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: سَلَّم عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعريّ على عمر بن الخطاب ثلاث مرّات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في إثْره لِمَ رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا سلَّم أحدكم ثلاثًا، فلم يُجَبْ، فليرجع». قال أبو عمر: مثل هذا الحديث المختصر أوهم مَن جعله عن أبي سعيد، عن أبي موسي، وقد بان بما روينا أنه ليس كذلك، إنما هو لأبي سعيد، عن النبيّ -ﷺ- شَهِد به لأبي موسي، ورواه كما رواه أبو موسي، وهذا هو الصحيح -إن شاء الله تعالى- وبالله تعالى التوفيق. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٦١٤ و٥٦١٥ و٥٦١٦ و٥٦١٧ و٥٦١٨ و٥٦١٩ و٥٦٢٠] (٢١٥٣)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٦٣) و«الاستئذان» (٦٢٤٥) و«الاعتصام بالكتاب والسنّة» (٧٣٥٣) وفي «الأدب المفرد» (١٠٦٥)، و(أبو داود) في «الأدب» (٢١٨١ و٢١٨٢ و٥١٨٠ و٥١٨٤)، و(الترمذيّ) في «الاستئذان» (٢٦٩٠)، و(ابن ماجة) في «الأدب» (٣٧٠٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٦٢٤٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢١٦٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٤٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٦ و١٩ و٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤ و٤٠٣ و٤١٠ و٤١٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٧٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٨٠٦ و٥٨٠٧ و٥٨١٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٣٣٩) وفي «الأدب» (٢٧٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٣١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستئذان، قال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث من الفقه إيجاب الاستئذان، وهو يُخَرَّج في تفسير قول الله -﷿-: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾، والاستيئناس في هذا الموضع هو الاستئذان، كذلك قال أهل التفسير، وكذلك في قراءة أُبَيّ، وابن عباس: «تستأذنوا، وتسلِّموا على أهلها». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الاستئذان لا بد أن يكون ثلاثًا، فإذا لَمْ يؤذن له بعد الثلاث، فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا، الأَولى أن لا يزيد؛ لقوله -ﷺ-: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع»، وهذا نصٌّ. قال: إنَّما خَصَّ الثلاث بالذكر؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثًا سُمِعَ وفُهِم، ولذلك كان النبيّ -ﷺ- إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا، وإذا كان الغالبُ هذا، فإذا لَمْ يؤذَن له بعد ثلاث ظهر أن ربَّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه، فينبغي للمستأذِن أن ينصرف؛ لأنَّ الزيادة على ذلك قد تُقْلِق ربَّ المنزل، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به، كما قال النبيّ -ﷺ- لأبي أيوب -﵁- حين استأذن عليه، فخرج مستعجلًا، فقال: «لعلنا أعجلناك». انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: أجمع العلماء أن الاستئذان مشروعٌ، وتظاهرت به دلائل القرآن، والسُّنَّة، وإجماع الأمة، والسُّنَّة أن يُسَلِّم، ويستأذن ثلاثًا، فيجمع بين السلام والاستئذان، كما صُرِّح به في القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام، ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان، ثم السلام؟ والصحيح الذي جاءت به السُّنَّة، وقاله المحققون أنه يُقَدِّم السلامَ، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ والثاني يُقَدِّم الاستئذان، والثالث -وهو اختيار الماورديّ من الشافعيّة- إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قَدَّم السلام، وإلا قَدَّم الاستئذان، وصحّ عن النبيِّ -ﷺ- حديثان في تقديم السلام. أما إذا أستأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، وظَنَّ أنه لَمْ يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب: أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان، والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدِّم لَمْ يُعِدْه، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته قوله -ﷺ- في هذا الحديث: «فلم يؤذن له فليرجع»، ومن قال بالثاني حمل الحديث على من عَلِم، أو ظَنَّ أنه سمعه فلم يأذن. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: وظاهر هذا الحديث يوجب أن لا يستأذن الإنسان أكثر من ثلاث، فإن أُذِن له، وإلا رجع، وهو قول أكثر العلماء، وإلى هذا ذهب ابن نافع، وقال غيره: إن لَمْ يُسْمَع فلا بأس أن يزيد، والاستئذان أن يقول: السلام عليكم، آدخل؟ وقال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان استئذان، والمرة الثانية مشورة، هل يؤذن له في الدخول أم لا؟ والثالثة علامة الرجوع، ولا يزيد على الثلاث. انتهى . ٢ - (ومنها): قبول أخبار الآحاد، ووجوب التثبُّت فيها، والبحث عن عدالة ناقليها؛ لأنَّ أبا موسى لمّا أخبر عمر -﵄- بأن أُبي بن كعب يشهد له قال: عَدْلٌ. ٣ - (ومنها): حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله -ﷺ-، والإنكار على من تعاطاها إلَّا بعد ثبوت الأهليَّة وتحققها. ٤ - (ومنها): أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر اسمه، وإن كانت له كنية يُعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى -﵁-، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذَن عليه؛ فإنَّه إن أَشْكَل عليه اسم عرف آخر، قال القرطبيّ: قال بعض أصحابنا: هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا، والأَولى ما فَعَله أبو موسي، فإنَّ فِعْله ذلك إن كان توقيفًا؛ فهو المطلوب، وإن لَمْ يكن توقيفًا؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شُرع الاستئذان، ثم رأي الصحابيّ راوي الحديث أَولى من هذا القول الحديث. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تعقّب وجيهٌ، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: فيه أن الرجل العالم الحبر قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده من العلم، إذا كان طريق ذلك العلم السمع، وإذا جاز مثل هذا على عمر على موضعه في العلم، فما ظنك بغيره بعده؟ ورَوَى وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: لو أن علم عمر وُضع في كفّة، ووُضع علم أحياء الأرض في كفة أخرى لرجح علم عمر بعلمهم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: لا تعجب من هذا، فقد قال عبد الله: إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر، وجاء عن حذيفة مثل قول عبد الله. انتهى . ٦ - (ومنها): أن في قول عمر -﵁- الآتي: في رواية عُبيد بن عُمير: «خَفِي عليَّ هذا من أمر رسول الله -ﷺ-، ألهاني عنه الصفق في الأسواق» اعترافٌ منه بجهل ما لَمْ يَعْلَم، وإنصافٌ صحيحٌ، وهكذا يجب على كلّ مؤمن أن يكون في هذا مثل عمر -﵁- في التواضع، والاعتراف بحقيقة الأمر. انتهى . ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: وقد تعلق بهذا الحديث من يقول: لا يُحتَجّ بخبر الواحد، وزعم أن عمر -﵁- رَدَّ حديث أبي موسى هذا؛ لكونه خبر واحد، وهذا مذهب باطل، وقد أَجْمع من يُعْتَدّ به على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به، ودلائله من فعل رسول الله -ﷺ-، والخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، ومَن بعدهم أكثر من أن يُحْصَر، وأما قول عمر لأبي موسى: «أقم عليه البينة»، فليس معناه ردّ خبر الواحد من حيث هو خبر واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبيّ -ﷺ- حتى يقول عليه بعض المبتدعين، أو الكاذبين، أو المنافقين، ونحوهم ما لَمْ يقل، وأن كل من وقعت له قضيّة وضع فيها حديثًا على النبيّ -ﷺ-، فأراد سدّ الباب خوفًا من غير أبي موسي، لا شكًّا في رواية أبي موسي، فإنه عند عمر أجلّ من أن يَظُنّ به أن يُحَدِّث عن النبيّ -ﷺ- ما لَمْ يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه، فإن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضيّة، أو بلغته، وكان في قلبه مرض، أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضيّة أبي موسي، فامتنع من وضع الحديث، والمسارعة إلى الرواية بغير يقين. ومما يدلّ على أنَّ عمر لَمْ يَرُدّ خبر أبى موسى لكونه خبر واحد، أنه طلب منه إخبار رجل آخر، حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر، فما لَمْ يبلغ التواتر فهو خبر واحد. ومما يؤيده أيضًا ما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة من قضيّة أبي موسى هذه أن أُبَيًّا -﵁- قال: «يا ابن الخطاب فلا تكوننّ عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ-، فقال: سبحان الله إنما سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبت»، والله أعلم. انتهى . وقال أبو عمر -﵀- في «التمهيد»: زعم قوم أن في هذا الحديث دليلًا على أنَّ مذهب عمر أن لا يقبل خبر الواحد، وليس كما زعموا؛ لأنَّ عمر -﵁- قد ثبت عنه استعمال خبر الواحد، وقبوله، وإيجاب الحكم به، أليس هو الذي ناشد الناس بمنى: مَن كان عنده علم رسول الله -ﷺ- في الدية، فليخبرنا، وكان رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها؛ لأنَّها ليست من عصبته الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابيّ، فقال: كتب إليَّ رسول الله -ﷺ- أن أُوَرِّث امرأة أشيم الضبابيّ من دية زوجها، وكذلك ناشد الناس في دية الجنين، مَن عنده فيه عن رسول الله -ﷺ-، فأخبره حَمَلُ بن مالك بن النابغة، أن رسول الله -ﷺ- قضى فيه بغرةٍ عبدٍ، أو أمةٍ، فقضى به عمر؟ ولا يشك ذو لُبّ ومن له أقلّ منزلة في العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام، ومكانه من الفقه، والدِّين أجلّ من أن يَرُدّ خبره، ويقبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابيّ، وحَمَلِ بن مالك الأعرابيّ، وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قال له عمر في حديث ربيعة هذا: أَمَا إني لَمْ أَتَّهِمك، ولكني خَشِيت أن يتقوَّل الناس على رسول الله -ﷺ-، فدَلّ على اجتهاد كان من عمر -﵁- في ذلك الوقت لمعنى الله أعلم به. وقد يَحْتَمِل أن يكون عمر -﵁- كان عنده في ذلك الحين من لَمْ يصحب رسول الله -ﷺ- من أهل العراق، وأهل الشام؛ لأنَّ الله فتح عليه أرض فارس والروم، ودخل في الإسلام كثير ممن يجوز عليهم الكذب؛ لأنَّ الإيمان لَمْ يستحكم في قلوب جماعة منهم، وليس هذه صفة أصحاب رسول الله -ﷺ- لأنَّ الله قد أخبر أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم، وأثنى عليهم في غير موضع من كتابه، وإذا جاز الكذب، وأمكن في الداخلين إلى الإسلام، فيمكن أن يكون عمر مع احتياطه في الدين يخشى أن يختلقوا الكذب على رسول الله -ﷺ- عند الرهبة، والرغبة، أو طلبًا للحجة، وفرارًا إلى الملجأ والمخرج مما دخلوا فيه؛ لقلة علمهم بما في ذلك عليهم، فأراد عمر -﵁- أن يُريهم أن مَن فعل شيئًا يُنْكَر عليه، ففزع إلى الخبر عن رسول الله -ﷺ- ليثبت له بذلك فعله، وجب التثبت فيما جاء به، إذا لَمْ تُعْرَف حاله، حتى يصح قوله، فأراهم ذلك، ووافق أبا موسي، وإن كان عنده معروفًا بالعدالة، غير مُتَّهَمٍ؛ ليكون ذلك أصلًا عندهم، وللحاكم أن يجتهد بما أمكنه، إذا أراد به الخير، ولم يخرج عما أبيح له، والله أعلم بما أراد عمر بقوله ذلك لأبي موسي، وعلى هذا قول طاوس قال: كان الرجل إذا حَدَّث عن رسول الله -ﷺ- أُخِذ حتى يجيء ببينة، وإلا عوقب؛ يعني: ممن ليس بمعروف بالعدالة، ولا مشهور بالعلم والثقة، ألا ترى إلى إجماع المسلمين أن العالم إذا حَدَّث عن رسول الله -ﷺ-، وكان مشهورًا بالعلم أُخِذ ذلك عنه، ولم يُنْكَر عليه، ولم يُحْتَجْ إلى بينة؟ ومن نحو قول طاوس هذا قول سعد بن إبراهيم -﵀-: لا يحدّث عن رسول الله -ﷺ- إلَّا الثقات؛ أي: كلّ من إذا وُقِّف أحال على مخرج صحيح، وعِلْم ثابت، وكان مستورًا لَمْ تظهر منه كبيرة، وأما قول من قال: إن عمر لَمْ يَعْرف أبا موسي، فقولٌ خرج عن غير رَوِيَّة، ولا تدبّر، ومنزلةُ أبي موسى عند عمر مشهورة، وقد عَمِل له، وبعثه رسول الله -ﷺ- عاملًا، وساعيًا على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة في الثقة، والأمانة. انتهى كلام أبي عمر -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: وليس في هذا الحديث ما ادّعاه، وتعلّق به من زعم أن عمر كان لا يقبل خبر الواحد، ولا حجة فيه؛ لأنه قَبِل خبر أبي سعيد المطابق لحديث أبي موسي، ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد. قال: واستَدَلّ به مَن ادَّعَى أن خبر العدل بمفرده لا يُقبل حتى ينضم إليه غيره، كما في الشهادة، قال ابن بطال : وهو خطأ من قائله، وجهل بمذهب عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لأبي موسى: «أما إني لَمْ أتهمك، ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله -ﷺ-»، وهذه الزيادة في «الموطأ» عن ربيعة، عن غير واحد من علمائهم، أن أبا موسي، فذكر القصّة، وفي آخره: «فقال عمر لأبي موسى: أما إني لَمْ أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -ﷺ-»، وفي رواية عبيد بن حنين: «فقال عمر لأبي موسى: والله إن كنت لأمينًا على حديث رسول الله -ﷺ-، ولكن أحببت أن أستثبت»، ونحوه في رواية أبي بُردة حين قال أُبَيّ بن كعب لعمر: «لا تكن عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ-، فقال: سبحان الله، إنما سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبت». قال ابن بطال: فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لِمَا يجوز عليه من السهو وغيره، وقد قَبِل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأَخْذ الجزية من المجوس، إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك. وقال ابن عبد البرّ: يَحْتَمِل أن يكون حضر عنده مَن قَرُب عهده بالإسلام، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله -ﷺ- عند الرغبة والرهبة طلبًا للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يُعلمهم أن من فعل شيئًا من ذلك يُنكر عليه حتى يأتي بالمخرج. وادّعَى بعضهم أن عمر لَمْ يعرف أبا موسي، قال ابن عبد البرّ: وهو قول خرج بغير رويّة من قائله، ولا تدبر، فإن منزلة أبي موسى عند عمر مشهورة، وقال ابن العربيّ -﵀-: اختُلِف في طلب عمر من أبي موسى -﵄- البينة على عشرة أقوال، فذكرها، قال الحافظ: وغالبها متداخل، ولا تزيد على ما قدمته. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالخبر المرفوع على أنَّه لا تجوز الزيادة في الاستئذان على الثلاث، قال ابن عبد البرّ: فذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك، وقال بعضهم: إذا لَمْ يُسْمَع فلا بأس أن يزيد، وروى سحنون عن ابن وهب، عن مالك: لا أحب أن يزيد على الثلاث، إلَّا من عَلِم أنه لَمْ يُسمَع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، قال ابن عبد البرّ: وقيل: تجوز الزيادة مطلقًا بناءً على أن الأمر بالرجوع بعد الثلاث للإباحة، والتخفيف عن المستأذن، فمن استأذن أكثر فلا حرج عليه. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بطلان هذا القول؛ لكونه معارضًا للنصّ الصريح الصحيح: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع»، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: الاستئذان أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ كذا قال، ولا يتعيّن هذا اللفظ، وحَكَى ابن العربيّ: إن كان بلفظ الاستئذان لا يعيد، وإن كان بلفظ آخر أعاد، قال: والأصح لا يعيد، وقد تقدم ما حكاه المازريّ في ذلك. وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» عن أبي العالية قال: أتيت أبا سعيد، فسلّمت، فلم يؤذن لي، ثم سلمت، فلم يؤذن لي، فتنحيت ناحيةً، فخرج عليّ غلامٌ، فقال: ادخل، فدخلت، فقال لي أبو سعيد: أما إنك لو زدت؛ يعني: على الثلاث، لَمْ يؤذن لك. واختُلِف في حكمة الثلاث، فروى ابن أبي شيبة من قول عليّ بن أبي طالب -﵁-: الأولى إعلام، والثانية مؤامرة، والثالثة عزمة، إما أن يؤذن له، وإما أن يُرَدّ. ٩ - (ومنها): ما قاله الحافظ -﵀-: يؤخذ من صنيع أبي موسى -﵁- حيث ذكر اسمه أَوّلًا، وكنيته ثانيًا، ونِسبته ثالثًا أن الأُولى هي الأصل، والثانية إذا جَوَّز أن يكون التبس على من استأذن عليه، والثالثة إذا غلب على ظنه أنه عرفه، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وذهب بعضهم إلى أن أصل الثلاث في الاستئذان قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] قال: وهذا غير معروف في تفسيرها، وإنما أطبق الجمهور على أنَّ المراد بالمرات: الثلاث الأوقات. قال الحافظ: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيّان قال: بلغنا أن رجلًا من الأنصار، وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا طعامًا، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه لَيَدْخُل على المرأة وزوجِها غلامهما، وهما في ثوب واحد بغير إذن، فنزلت. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم بسند قويّ، من حديث ابن عباس -﵄- أنه سئل عن الاستئذان في العورات الثلاث، فقال: إن الله سَتِيرٌ يحب الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، فربما فاجأ الرجل خادمه، أو ولده، وهو على أهله، فأُمروا أن يستأذنوا في العورات الثلاث، ثم بسط الله الرزق، فاتخذوا الستور، والحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم الله به مما أمروا به. ومن وجه آخر صحيح، عن ابن عباس: لَمْ يعمل بها أكثر الناس، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن عليّ. ١٠ - (ومنها): أن لصاحب المنزل إذا سَمِع الاستئذان أن لا يأذن، سواءٌ سَلَّم مرةً، أم مرتين، أم ثلاثًا، إذا كان في شغل له دينيّ، أو دنيويّ يتعذر بترك الإذن معه للمستأذن. ١١ - (ومنها): أن لمن تحقق براءة الشخص مما يَخشى منه، وأنه لا يناله بسبب ذلك مكروه أن يمازحه، ولو كان قبل إعلامه بما يَطْمَئنّ به خاطره مما هو فيه، لكن بشرط أن لا يطول الفصل؛ لئلا يكون سببًا في إدامة تأذي المسلم بالهمّ الذي وقع له، كما وقع للأنصار مع أبي موسي، وأما إنكار أبي سعيد عليهم، فإنه اختار الأَولي، وهو المبادرة إلى إزالة ما وقع فيه قبل التشاغل بالممازحة ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثمّ المكيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية قتيبة، وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان بن عيينة ساقها البيهقيّ -﵀- في «سننه»، فقال: (١٧٤٤٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ محمد بن يعقوب، هو الشيبانيّ، ثنا محمد بن شاذان، ثنا قتيبة بن سعيد (ح) قال: وحدثنا عليّ بن عيسي، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا ابن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان، حدّثني يزيد بن خُصيفة، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ قال: استأذن أبو موسى على عمر -﵄-، فلم يؤذَن له، فانصرف، فقال له عمر: ما لك لَمْ تأتني؟ قال: قد جئت، فاستأذنت ثلاثًا، فلم يؤذن لي، فرجعت، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «من استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع»، فقال له عمر -﵁-: أقم على ذا بينةً، وإلا أوجعتك، فقال أبو سعيد: فأتانا أبو موسى مذعورًا، أو فَزِعًا، قال: جئت أستشهدكم، قال أُبَيّ بن كعب -﵁-: اجلس لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم، قال أبو سعيد: فكنت أصغرهم، فقمت، فشهدت له عند عمر: أن رسول الله -ﷺ- قال: «من استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ مُغْضَبًا، حَتَّى وَقَفَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ ، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ،؟ قَالَ أُبَيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَوَاللهِ لأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثْنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أنه (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث بُكير بن الأشجّ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁- (يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) -﵁- (فَأَتَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس -﵁- حال كونه (مُغْضَبًا، حَتَّى وَقَفَ) على مجلس الأنصار، (فَقَالَ) أبو موسى (أَنْشُدُكُمُ اللهَ) وفي بعض النسخ: «أنشدكم بالله»، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشدُك، من باب نصر: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسمًا عليك . (هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنكُمْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ» للدخول، وهو استدعاء الإذن، وهو طلبه، (ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاث مرّات، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ)؛ أي: في الدخول، وجوابه لَمْ يُذكر في هذه الرواية، وذُكر في غيره بلفظ: «فادخل»، وقوله: (وَإِلَّا) هي«إن» الشرطيّة، أُدغمت في «لا» النافية، وفِعْل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه أي: وإن لَمْ يؤذن لك (فَارْجِعْ«؟) لأنه -﷿- قال: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]. (قَالَ أُبَيٌّ)؛ أي: ابن كعب -﵁- (وَمَا ذَاكَ؟)؛ أي: ما سبب مناشدتك في هذا الأمر؟ (قَالَ) أبو موسى (اسْتَأْذَنْتُ)؛ أي: طلبت الإذن في الدخول (عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁- (أَمْسِ) بالبناء على الكسر، قال الفيّوميّ -﵀-: أَمْسِ: اسم عَلَمٌ على اليوم الذي قبل يومك، ويُستعمل فيما قبله مجازًا، وهو مبنيّ على الكسر، وبنو تميم تُعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمْسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر [من الرجز]: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا … عجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ) هذا يقتضي أن أبا موسى لَمْ يرجع إلى عمر -﵄- إلَّا في اليوم الثاني، وقد تقدّم ما يقتضي أن عمر أرسل إليه في الحال، حيث قال لمّا أُخبر برجوعه: «رُدُّوه عليّ»، ويُجمع بينهما بأن عمر -﵁- لَمَّا فرغ من شغله تذكّره، فسأل عنه، فأُخبر بأنه رجع، فأرسل من يردّه إليه، فلم يوجد في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر بنفسه في اليوم الثاني، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْثُ أَمْسِ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ)، وقوله: (وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ) جملة حاليّة؛ أي: على عمل يَشغَلنا عن إجابتك، قال المجدّ -﵀-: الشغل، بالضّمّ، وبضمّتين، وبالفتح، وبفتحتين: ضدّ الفراغ، جمعه أشغالٌ، وشُغُولٌ. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀- شَغَلَهُ الأمر شَغْلًا، من باب نَفَعَ، فالأمر شَاغِلٌ، وهو مَشْغُولٌ، والاسم الشُّغُلُ، بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف، وشُغِلْتُ به، بالبناء للمفعول: تَلَهَّيتُ به، قال الأزهريّ: واشْتَغَلَ بأمره، فهو مُشْتَغِلٌ؛ أي: بالبناء للفاعل، وقال ابن فارس: ولا يكادون يقولون: اشْتَغَلَ، وهو جائز؛ يعني: بالبناء للفاعل، ومن هنا قال بعضهم: اشْتَغَلَ بالبناء للمفعول، ولا يجوز بناؤه للفاعل؛ لأنَّ الافتعال إن كان مطاوعًا فهو لازمٌ لا غيرُ، وإِن كان غير مطاوع فلا بدّ أن يكون فيه معنى التعدي، نحو اكتسبتُ المالَ، واكتحلتُ، واختضبت: أي: كحلت عيني، وخضبت يدي، واشتغلتُ ليس بمطاوع، وليس فيه معنى التعدي. وأجيب بأنه في الأصل مطاوع لفعل هُجِر استعماله في فصيح الكلام، والأصل أَشْغَلْتُهُ، بالألف، فَاشْتَغَلَ، مثل: أحرقته، فاحترق، وأكملته، فاكتمل، وفيه معنى التعدي، فإنك تقول: اشْتَغَلْتُ بكذا، فالجارّ والمجرور في معنى المفعول، وقد نصَّ الأزهريّ على استعمال مُشتَغِلٍ ومُشْتَغَلٌ. انتهى . وقد تقدّم أنه لا يقال: أشغله رباعيًّا، وادّعى ذلك المجد، فقد ردّوا عليه، وإنما يقال: شَغَلَه ثلاثيًّا، فتنبّه. (فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ) «لوما» هنا أداة تحضيض، بمعنى «هَلَّا»، كما قال في «الخلاصة»: «لَوْلَا» و«لَوْمَا» يَلْزَمَانِ الابْتِدَا … إِذَا امْتِنَاعًا بِوُجُودٍ عَقَدَا وَبِهِمَا التَّحْضِيضَ مِزْ و«هَلَّا» … «أَلَّا» «أَلَا» وَأَوْلِنْهَا الْفِعْلَا وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرِ … عُلِّقَ أَوْ بِظَاهِرٍ مُؤَخَّرِ (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ) أبو موسى (اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: إن هذا الذي فعلته امتثال لِمَا سمعته من النبيِّ -ﷺ-، حيث قال: «إذا استأذن أحدكم، فإن أُذن، وإلا فليرجع». (قَالَ) -﵁- لَمّا ذكر له حديثه -ﷺ- (فَوَاللهِ لأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ، وَبَطْنَكَ)؛ أي: بالضرب تعزيرًا، (أَوْ لَتَأْتِيَنَّ) «أو» هنا بمعنى «إلّا»؛ أي: إلَّا أن تأتينّ، و«أن» مضمرة بعدها وجوبًا، والفعل منصوب محلًّا بها، مبنيّ لفظًا؛ لاتصاله بنون التوكيد، والله تعالى أعلم. (بمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا) الذي نسبته إليه -ﷺ-، ثم إن ظاهر كلام عمر -﵁- هذا تهديد لأبي موسى -﵁-، وحقيقته زجر غيره؛ لأنَّ مَن دون أبي موسى إذا رأى هذه القضيّة، أو سمعها، إن كان في قلبه مرض، وأراد أن يضع حديثًا لترويج مرامه الفاسد ينزجر، ويخاف، ولا يجترئ على وضع حديث، وإلا فكيف يُظنّ في حقّ عمر أنه ظنّ في حقّ أبي موسى أنه وضع لمرامه حديثًا؟ بل هو أجلّ وأعلى عند عمر من ذلك، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ)؛ أي: بعدما جاء أبو موسى إلى مجلسه يطلب من يشهد له، (فَوَاللهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا)؛ أي: أصغرنا، وإنما قال أُبيّ -﵁- ذلك إشارةً إلى شهرة الحديث، حتى إن أصغرهم سمعه منه -ﷺ-، وكأنه إنكار على عمر -﵁- . (قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ)؛ يعني: الخدريّ، وإنما عيّنه؛ لكونه أصغرهم، (فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ هَذَا). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٧] (…) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ، فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتْبَعَهُ، فَرَدَّهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَهَا، وَإِلَّا فَلَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا، فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوأ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ »، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ -قَالَ- فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ، قَدْ أفْزِعَ تَضْحَكُونَ، انْطَلِقْ، فَأَنَا شَرِيكُكَ في هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بن مَسْلمة الأزديّ، ثمّ الطاحيّ، أبو مسلمة البصريّ القصير، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٦. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَبْديّ الْعَوفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. و«أبو سعيد -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ … إلخ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه مرّةٌ واحدة … إلخ، قال ابن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث من قول عمر: «واحدة، اثنتان، ثلاث» دليل على أنَّ عمر -﵁- كان يعلم أن الاستئذان ثلاث، وقد رُوي في ذلك أيضًا عن عمر، عن النبيِّ -ﷺ-: «الاستئذان ثلاث»، فدلّ ذلك على أنَّ الذي جَهِله عمر من دعوى أبي موسى قوله: «فإن أُذِن لك، وإلا فارجع» هذا لا غير، والله أعلم. انتهى . وقوله: (فَأَتْبَعَهُ … إلخ) بقطع الهمزة؛ أي: أرسل وراءه من يردّه إليه، يقال: أتبعت زيدًا عَمْرًا بالألف: إذا جعلته تابعًا له . وقوله: (فَهَا)؛ أي: فأحضر البيّنة، قال الفيّوميّ -﵀-: وفي الحديث: «إِلّا هَاءْ، وَهَاءْ» بهمزة ساكنة على إرادة الوقف، ممدودٌ ومقصورٌ، والمولدون ينوّنون بغير همز، وإذا كان لمفرد مذكر قيل: هَاءَ بهمزة ممدودةٍ مفتوحةٍ، على معنى خُذْ، قال الشاعر [من الرجز]: تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ … ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ ومكسورةٍ على معنى هاتِ، قال الشّاعر [من الخفيف]: مُولَعَاتٌ بِهَاءٍ هَاءٍ فَإِنْ شَفْ … فَرَ مَالٌ طَلَبْنَ مِنْكَ الخِلَاعَا وللاثنين هَاءَا، وللجمع هَاءُوا، بألف التثنية، وواو الجمع، وللمؤنثة هَاءِ، بهمزة مكسورة، وفي لغة أخرى للمؤنثة: هَائِي بياء بعد الهمزة، بمعنى هَاتِي، وهَاءَ، بهمزة، بمعنى هاك وزنًا ومعنًى، وإذا كانت بمعنى الكاف دخلت الميم، فتقول للاثنين: هَاؤُمَا، ولجمع المذكّر: هَاؤُمْ، وللمؤنث هَأْنَ بهمزة ساكنة، وإذا دخلت التاء، والكاف تعيَّن القصر، فيقال للمذكر: هَاتِ، وللمؤنثة: هَاتِي، وهَاتِيَا، وهَاتُوا، وهَاتِينَ، وهَاكَ، بفتح الكاف للمذكر، وبكسرها للمؤنثة، وهَاكُمَا، وهَاكُمْ، وهَاكُنَّ، فمعنى التاء: أعطني، ومعنى الكاف: خُذْ، ومعنى الحديث: يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: هَاءِ؛ أي: هات ما في يدك، فيقول له: هَاءَ؛ أي: خذه، ويعطيه في وقته؛ لأنّه وُضِع للمناولة. انتهى . وقوله: (وَإِلَّا فَلَأَجْعَلَنَّكَ) هي «إن» الشرطيّة أُدغمت في «لا» النافية؛ أي: وإن لَمْ تأت بالبيّنة … إلخ. وقوله: (عِظَةً)؛ أي: عِبْرة لغيرك، وقال ابن الأثير -﵀-: أي موعظةً وعبرةً لغيرك، من الوعظ، والهاء فيه عِوَضٌ من الواو المحذوفة. انتهى . قال في «العمدة»: كيف قال عمر لأبي موسى -﵄-: «أقم البينة، وإلا أوجعتك»، وفي رواية: «فوالله لأُوجعنّ ظهرك وبطنك»، وفي رواية: «لأجعلنك نكالًا»؟، مع أن أبا موسى كان عنده أمينًا، ولهذا استعمله، وبعثه النبيّ -ﷺ- أيضًا، ساعيًا، وعاملًا على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة في الثقة، والأمانة. وأجيب بأن هذا كله محمول على أنَّ تقديره: لأفعلنّ بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمَّدت كذبًا. انتهى . وقوله: («الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ») مبتدأ وخبره، ووقع في بعض النسخ بلفظ: «ثلاثًا» بالنصب، فيكون خبرًا بـ «يكون» محذوفًا، وحذف «كان» مع اسمها لا يختصّ بالماضي، بل يجوز في المضارع أيضًا، كقولهم: ألا طعامَ، ولو تمرٌ؛ أي: ولو يكون عندكم تمرٌ، كما قدّره سيبويه، ذكره الخضريّ في «حاشيته» . وقوله: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) قال القرطبيّ -﵀-: إنما ضَحِكوا من جَزَع أبي موسى من تهديد عمر -﵁-، مع علمهم بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البينة موجودة، ولأن عمر لَمْ يكذِّبه، ولا مقصوده جَلْده، ولا إهانته، بل التغليظ، والحماية. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: سبب ضَحِكهم التعجّب من فزع أبي موسى -﵁-، وذُعْره، وخوفه من العقوبة، مع أنهم قد أَمِنوا أن يناله عقوبة، أو غيرها؛ لقوة حجته، وسماعهم ما أُنكر عليه من النبيِّ -ﷺ-. انتهى . وقوله: (قَدْ أُفْزِعَ) بضمّ الهمزة من الإفزاع رباعيًّا، وهو التخويف، ووقع في بعض النُّسخ: «وقد فَزَع» ثلاثيًّا، يقال: فَزِعَ منه فَزَعًا، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، وأفزعته، وفزّعته، ففزِعَ . وقوله: (فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ) هو كناية عن كونه لا تناله العقوبة بوجه من الوجوه؛ لكونه صادقًا محقًّا فيما قاله، حيث سمعه الأنصار من النبيّ -ﷺ -، حتى صار أصغرهم يشهد له، فكأنه يؤكّد له أن لا يناله شيء من العقوبة، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى أبو موسى عمر -﵄- (فَقَالَ: هَذَا)؛ أي: الذي جاء معي، (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ يشهد لي بما رويته لك؛ لأنه سمع الحديث من النبيّ -ﷺ-، كما سمعت منه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَا: سَمِعْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، بِمَعْنَى حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلٍ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٨٠. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، الفزاريّ مولاهم، يقال: كان اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَا … إلخ) ضمير التثنية في الموضعين للجريريّ، وسعيد بن يزيد، وأبو مسلمة في السند الأول هو سعيد بن يزيد في السند الثاني. [تنبيه]: رواية شعبة عن الجريريّ، وسعيد بن يزيد كلاهما عن أبي نضرة ساقها ابن الجعد -﵀- لهُ في «مسنده»، فقال: (١٤٤٧) - حدّثنا عليّ، أنا شعبة، عن سعيد الجريريّ، سمع أبا نضرة يحدِّث عن أبي سعيد الخدريّ قال: جاء أبو موسى يستأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، فرجع، فقال له عمر: لتأتينّ على ما قلت، أو لأفعلنّ بك، فأتى الأنصار، فقال: ألستم تعلمون أن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع»؟ قال: فقالوا: لا يشهد لك إلَّا أصغرنا، قال أبو سعيد: فأتيته، فشهدت له. (١٤٤٨) - حدّثنا عليّ، أنا شعبة، عن سعيد بن يزيد، سمع أبا نضرة يحدِّث عن أبي سعيد، مثل ذلك. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى استَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ نَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً، أَوْ لأَفعَلَنَّ، فَخَرَجَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ألْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، مروزيّ الأصل، صدوق فاضل ربّما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-[٢] (ت ٦٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٣. و«أبو موسى الأشعريّ -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا)؛ أي: طلب الإذن في الدخول عليه. وقوله: (فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا)؛ أي: وكأن عمر -﵁- كان مشغولًا بأمر من أمور المسلمين. وقوله: (أَلَمْ نَسْمَعْ) بنون المتكلّم، هكذا في النسخة الهنديّة، ووقع في غيرها بلفظ: «ألم تسمع» بتاء الخطاب، ولعلّ الخطاب لشخص كان عند عمر -﵁- في ذلك الوقت، ولفظ البخاريّ: «ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟»، بهمزة المتكلّم، والله تعالى أعلم. وقوله: (ائْذَنُوا لَهُ) هكذا النُّسخ بهمزة ساكنة قبل الذال، ويُروَى: «إيذنوا له» بياء بدل الهمزة، قال في «العمدة»: أصله ائذنوا له بهمزتين، فلما ثقلتا، قُلبت الثانية ياءً؛ لكسرة ما قبلها. انتهى . وقوله: (فَدُعِيَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلب عبد الله بن قيس أن يرجع لأجل عمر حيث أمَر بردّه عليه، وفي بعض النُّسخ: «فدُعي به»، والأول أوضح. وقوله: (قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا) فيه حَذف تقديره: فبعث عمر وراءه، فحضر، فقال له: لِمَ رجعت؟ فقال: كنا نؤمر بذلك؛ أي: بالرجوع حين لَمْ يؤذن للمستأذن. وقوله أيضًا: (إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا)؛ أي: بالرجوع إذا لَمْ يؤذن لنا بعد الاستئذان ثلاثًا، قال في «الفتح»: وفيه الدلالة على أنَّ قول الصحابيّ: كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع، ويَقْوَى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال، وفيه أن الصحابيّ الكبير القدر الشديد اللزوم لرسول الله -ﷺ- قد يخفى عليه بعض أمره، ويسمعه من هو دونه، وادَّعَى بعضهم أنه يستفاد منه أن عمر كان لا يقبل الخبر من شخص واحد، وليس كذلك؛ لأنَّ في بعض طرقه أن عمر قال: إني أحببت أن أتثبت، وقد قَبِل عمر خبر الضحاك بن سفيان وحده في الدية، وغير ذلك. انتهى . وقوله: (فَقَالُوا … إلخ)؛ أي: قال الأنصار، قال النوويّ -﵀-: إنما قال ذلك الأنصار إنكارًا على عمر -﵁- فيما قاله، إنه حديث مشهور بيننا، معروف عندنا، حتى إن أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله -ﷺ-. وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا … إلخ)؛ أي: أَمْر الاستئذان ثلاثًا، وهذا اعتراف من عمر -﵁-، واعتذار مما وقع منه في حقّ أبي موسى -﵁-، وبيان لسبب كون الحديث المعروف بينهم خفيَ عليه. وقال القرطبيّ -﵀-: إنما قال عمر -﵁- هذا عاتبًا على نفسه، وناسبًا لها إلى التقصير، ثم بيَّن عذره بقوله: (أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) زاد البخاري: («يعني: الخروج إلى التجارة»؛ أي: شغلني عن هذا الحديث أمر التجارة والمعاملة في الأسواق، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] قال البيضاويّ: لا يشغلكم تدبيرها، والاهتمام بها. وقال القرطبيّ -﵀-: وألهاني: شَغَلني، والصَّفق: البيع، وسُمِّي بذلك؛ لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي، فيُصَفِّق كلّ واحد منهم بيد صاحبه، ومنه قيل للبيعة: صفقة. انتهى . وقال أبو عمر -﵀- في «التمهيد»: وفي قوله: «ألهاني الصفق بالأسواق» دليل على أنَّ طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وأنه كلما ازداد المرء طلبًا لها ازداد جهلًا، وقَلّ عمله، والله أعلم، ومن هذا قول أبي هريرة -﵁-: «أما إخواننا المهاجرون، فكان يَشْغَلهم الصفق بالأسواق، وأما إخواننا من الأنصار، فشَغَلتهم حوائطهم، ولَزِمت رسول الله -ﷺ- على شِبَعِ بطني»، هذا وكان القوم عربًا في طبعهم الحفظ، وقلة النسيان، فكيف اليوم؟ وإذا كان القرآن الميَسَّر للذكر كالإبل المعَقَّلة، مَن تعاهدها أمسكها، فكيف بسائر العلوم؟ والله أساله علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا واسعًا، لا شريك له. انتهى كلام أبي عمر -﵀- . وقال في «الفتح»: وأطلق عمر -﵁- على الاشتغال بالتجارة لَهْوًا؛ لأنَّها ألهته عن طول ملازمته النبيّ -ﷺ- حتى سمع غيره منه ما لَمْ يسمعه، ولم يقصد عمر تَرْك أصل الملازمة، وهي أمر نسبيّ، وكان احتياج عمر إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس، وأما أبو هريرة -﵁- فكان وحده، فلذلك أكثر ملازمته، وملازمةُ عمر للنبيّ -ﷺ- لا تخفي، واللهو مطلقًا: ما يُلْهِي، سواءٌ كان حرامًا، أو حلالًا، وفي الشرع ما يَحْرُم فقط. انتهى . وقد عقد البخاريّ -﵀- في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» من «صحيحه»: «باب الحجة على من قال: إن أحكام النبيّ -ﷺ- كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبيّ -ﷺ-، وأمور الإسلام». قال في «الفتح»: هذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر، من الصحابة، كان يغيب عن بعض ما يقوله النبيّ -ﷺ-، أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمرّ على ما كان اطّلَع عليه هو، إما على المنسوخ؛ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية، وإذا تقرر ذلك قامت الحجة على من قَدَّم عَمَلَ الصحابيّ الكبير، ولا سيما إذا كان قد وَلِي الحكم على رواية غيره متمسكًا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لَمَا خالفها، ويَرُدّه أن في اعتماد ذلك تَرْك المحقَّق للمظنون. وقال ابن بطال: أراد الردّ على الرافضة، والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبيّ -ﷺ- وسُننه منقولة عنه نقلَ تواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لَمْ يُنْقَل متواترًا، قال: وقولهم مردود بما صحّ أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد. وقد عقد البيهقيّ في «المدخل»: «بابُ الدليل على أنَّه قد يَعْزُب على المتقدّم الصحبة الواسع العلم الذي يعلمه غيره»، ثم ذكر حديث أبي بكر في الجدّة، وهو في «الموطأ»، وحديث عمر في الاستئذان، وهو المذكور في هذا الباب، وحديث ابن مسعود في الرجل الذي عَقَد على امرأة، ثم طلقها، فأراد أن يتزوج أمها، فقال: لا بأس، وإجازته بيع الفضة المكسَّرَة بالصحيحة متفاضلًا، ثم رجوعه عن الأمرين معًا لَمّا سمع من غيره من الصحابة النهي عنهما، وأشياء غير ذلك، وذكر فيه حديث البراء: «ليس كلُّنا كان يسمع الحديث من النبيّ -ﷺ-، كانت لنا صنعةٌ، وأشغالٌ، ولكن كان الناس لا يكذبون، فيحدِّث الشاهد الغائب»، وسنده ضعيف، وكذا حديث أنس: «ما كلّ ما نحدثكم عن رسول الله -ﷺ- سمعناه، ولكن لَمْ يكذب بعضنا بعضًا»، ثم سَرَد ما رواه صحابيّ عن صحابيّ، مما وقع في «الصحيحين»، وقال: في هذا دلالة على إتقانهم في الرواية، وفيه أبين الحجة، وأوضح الدلالة على تثبيت خبر الواحد، وأن بعض السنن كان يخفى عن بعضهم، وأن الشاهد منهم كان يُبَلِّغ الغائب ما شَهِد، وأن الغائب كان يقبله ممن حدَّثه، ويعتمده، ويعمل به. قال الحافظ: خبر الواحد في الاصطلاح خلاف المتواتر، سواء كان من رواية شخص واحد، أو أكثر، وهو المراد بما وقع فيه الاختلاف، ويدخل فيه خبر الشخص الواحد دخولًا أوَّليًّا، ولا يَرِد على من عَمِل به ما وقع في حديث الباب من طلب عمر من أبي موسى -﵄- البينة على حديث الاستئذان، فإنه لَمْ يَخْرُج مع شهادة أبي سعيد له وغيره عن كونه خبر واحد، وإنما طلب عمر من أبي موسى البينة؛ للاحتياط، وإلا فقد قَبِل عُمر حديث عبد الرَّحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وحديثه في الطاعون، وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الأصابع في الدية، وحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، وحديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين، إلى غير ذلك، وفي «صحيح البخاريّ» من حديث عمر -﵁- أنه كان يتناوب النزول على النبيّ -ﷺ- هو ورجل من الأنصار، فينزل هذا يومًا، وهذا يومًا، ويخبر كلّ منهما الآخر بما غاب عنه، وكان غرضه بذلك تحصيل ما يقوم بحاله، وحال عياله؛ ليستغني عن الاحتياج لغيره، وليتقوى على ما هو بصدده من الجهاد. وفيه أنه لا يشترط على من أمكنته المشافهة أن يعتمدها، ولا يكتفي بالواسطة؛ لثبوت ذلك من فعل الصحابة -﵃- في عهد النبيّ -ﷺ- بغير نكير. انتهى ما ذكره في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ ومفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف -﵀- أَوَّل الكتاب قال: [٥٦٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ شُمَيْلٍ- قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ النَّضْرِ: أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٣ - (حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) الْخُزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (خ م د ت س) تقدم في «الصيام» ١٧/ ٢٦١٩. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) أبو الحسن النحويّ البصريّ، ثم المروزيّ، تقدّم قريبًا. و«ابن جريج» ذكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جُريج ساقها البزّار -﵀- في «مسنده»، فقال: (٣٠٢٤) - حدّثنا عمرو بن عليّ قال: أخبرنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني عُبيد بن عُمير، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، وكان مشغولًا، فلما فرغ قال: ألم أسمع عبد الله بن قيس؟، ائذنوا له، قيل: رجع، قال: ادعوه، فقال: كنا نؤمر
مصادر المؤلف (٤٩)

١. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ٢١١.

٢. «المفهم» ٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤.

٣. «الفتح» ١٤/ ١٦٨ - ١٦٩، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٥).

٤. «الفتح» ١٤/ ١٦٨ - ١٦٩، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٥).

٥. هو صاحب «تكملة فتح الملهم» نقله عن والده. راجع: «التكملة» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.

٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣١.

٧. «المفهم» ٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦.

٨. «الفتح» ١٤/ ١٦٨ - ١٦٩، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٥).

٩. «الفتح» ١٤/ ١٧٢، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٥).

١٠. «الاستذكار» ٨/ ٤٧٦.

١١. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٣/ ١٩٦.

١٢. كذا وقع في «المفهم» أن أبا أيوب، والمشهور أنه عتبان بن مالك، وقيل: غيره.

١٣. «المفهم» ٥/ ٤٧٤ - ٤٧٥.

١٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣٠ - ١٣١.

١٥. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٢٤/ ٢٠٤.

١٦. «المفهم» ٥/ ٤٧٥.

١٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٣/ ١٩٨.

١٨. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٣/ ١٩٨ و٢٠١.

١٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣١ - ١٣٢.

٢٠. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٣/ ١٩٨ - ٢٠١.

٢١. «شرح صحيح البخاريّ» لابن بطال ٩/ ٢٥.

٢٢. «المعلم» ٣/ ٨٦.

٢٣. «الفتح» ١٤/ ١٧٢ - ١٧٤، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٥).

٢٤. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٨/ ٣٣٩.

٢٥. وفي نسخة: «أنشدكم بالله».

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٥.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٢.

٢٨. «المصباح المنير» ١/ ٣١٦.

٢٩. «شرح السنوسيّ» ٥/ ٤٢٦.

٣٠. وفي نسخة: «ثلاثًا».

٣١. وفي نسخة: «فَزِعَ».

٣٢. «الاستذكار» ٨/ ٤٧٥.

٣٣. «المصباح المنير» ١/ ٧٢.

٣٤. يقال: شَفَرَ المالُ تشفيرًا: قَلّ، وذهب. اهـ. «القاموس» ص ٦٩٤.

٣٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٤.

٣٦. «النهاية في غريب الأثر» ص ٦٢٥.

٣٧. «عمدة القاري» ١١/ ١٧٧.

٣٨. «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ١٦٧.

٣٩. «المفهم» ٥/ ٤٧٦.

٤٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣٣ - ١٣٤.

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٢.

٤٢. «مسند ابن الجعد» ١/ ٢١٨.

٤٣. وفي نسخة: «فدُعي به».

٤٤. «عمدة القاري» ١١/ ١٧٦.

٤٥. «الفتح» ٥/ ٥١٧، كتاب «البيوع» رقم (٢٠٦٢).

٤٦. «المفهم» ٥/ ٤٧٦ - ٤٧٧.

٤٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٣/ ٢٠٢.

٤٨. «الفتح» ٥/ ٥١٧، كتاب «البيوع» رقم (٢٠٦٢).

٤٩. «الفتح» ١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٧، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» رقم (٧٣٥٣).