HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٦٣

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ح وحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكتاب فقولوا: وعليكم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص3
ج ٤ ص ١٧٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١٥
[٦٣٣] وقوله: (فَقُولُوا: عَلَيْكُم) ، وفي رواية: (فَقُولُوا: وَعَلَيكُم) ، يجوز أن يكون الواو واو الابتداء، والمعنى: وعليكم ما تستحقون، ويجوز أن يكون مجازاة، وهذا في حق أهل الذّمة، وقوله: (عَلَيكُم) بلا واو؛ أي: عليكم السَّام.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٥٠٥
(٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٥] (٢١٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَدّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»). رجال هذين الإسنادين: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ، أبو محمد البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] من أفراد المصنّف تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٣٥) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس - ﵁ -، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا)؛ أي: ابن مالك - ﵁ -، وهو جدّه، كما في الرواية الثانية. (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية الثانية: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَدّهِ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ) ففيها تصريح هُشيم بن بشير بالإخبار، وهو مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس. «اِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ)؛ أي: اليهود، والنصارى، (فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»)؛ أي: دون ذِكر السلام، وفي رواية: «إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نردّ عليهم؟ قال: قولوا: وعليكم»، وفي رواية: «إن اليهود إذا سلّموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: عليك»، وفي رواية: «فقل: وعليك»، وفي رواية: «إن رهطًا من اليهود استأذنوا على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - ﷺ -: يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم»، وفي رواية: «قد قلت: عليكم» بحذف الواو، وفي الحديث الآخر: «لا تبدأوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطَرُّوه إلى أضيقه». قال النوويّ ﵀: اتَّفَقَ العلماء على الردّ على أهل الكتاب إذا سلَّموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقال: «عليكم» فقط، أو «وعليكم»، وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم بلفظ: «عليكم»، «وعليكم» بإثبات الواو، وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضًا؛ أي: نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت. والثاني: أن الواو هنا للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذّم، وأما حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام. قال القاضي: اختار بعض العلماء، منهم أبن حبيب المالكيّ حذف الواو؛ لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره: بإثباتها، كما هو في أكثر الروايات، قال: وقال بعضهم يقول: عليكم السِّلام، بكسر السين: أي: الحجارة، وهذا ضعيف. وقال الخطابيّ: عامة المحدثين يروون هذا الحرف «وعليكم» بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو، قال الخطابيّ: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودًا عليهم خاصّة، وإذا ثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه، قال النوويّ -بعد ذكر كلام الخطابيّ-: والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان، كما صحت به الروايات، وأن الواو أجود، كما هو في أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه؛ لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم، ولا ضرر في قوله بالواو. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: «عليك» بغير واو هي الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، فيلزم منه أن تدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا، فاختلف المتأولون في ذلك، فقال بعضهم: الواو زائدة، كما زيدت في قول الشاعر: فلمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانتحى أي: لمّا أجزنا انتحى، فزاد الواو، وقيل: إن الواو في الحديث للاستئناف، فكأنه قال: والسَّام عليكم، وهذا كله فيه بُعد، وأوَّلى من هذا كُلّه أن يقال: إن الواو على بابها من العطف، غير أنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا، كما قاله النبي - ﷺ -، ورواية حذف الواوأحسن معنى، وإثباتها أصحّ روايةً، وأشهر. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّره القرطبيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، وأَولى مما سبق ترجيح النوويّ له، فتأمله بالإمعان. والحاصل أنه؛ لا إشكال في ثبوت الواو؛ لأن التشريك فيها منتف معنى؛ إذ لا يجاب لهم علينا، ونحن نجاب عليهم، كما قال النبيّ - ﷺ -، فلا تشريك، فلا إشكال، فتأملّه حقّ التأمل، والله تعالى أعلم. وقد أطال الحافظ ﵀ البحث في هذا الحديث، وسيأتي ذكره في المسألة الثالثة- إن شاء الله تعالى-. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٥٦٤٠ و٥٦٤١] (٢١٦٣)، و(البخاريّ) في «الاستئذان» (٦٢٥٨) و«استتابة المرتدّين» (٢٩٢٦)، وفي «الأدب المفرد» (١١٠٥)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٢٠٧)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٩٦)، و(ابن ماجه) في «الآداب» (٣٧٤٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٠٢ - ١٠٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٦٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٩٢ و٢١٠ و٢١٤ و٢١٨ و٢٣٤ و٢٤١ و٢٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٤١٠ و٤٢٥)، و(الضياء) في «المختارة» (٥/ ٥١ - ٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كفيّة ردّ سلام أهل الكتاب، وهو أنه يقال: «وعليكم» فقط. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الردّ على أهل الكتاب، قال البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «بابٌ كيف الردّ على أهل الذمة بالسلام؟»، قال في «الفتح»: في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا منع من ردّ السلام على أهل الذمة، فلذلك ترجم بالكيفية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فإنه يدلّ على أن الرد يكون وفق الابتداء، إن لم يكن أحسن منه، قال: ودلّ الحديث على التفرقة في الردّ على المسلم والكافر، قال ابن بطال: قال قوم: رَدّ السلام على أهل الذمة فرض؛ لعموم الآية، وثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: مَن سَلَّم عليك فرُدّ عليه، ولو كان مجوسيًّا، وبه قال الشعبيّ، وقتادة، وَمَنَع من ذلك مالكٌ والجمهورٌ، وقال عطاء: الآية مخصوصة بالمسلمين، فلا يُرَدُّ السلام على الكافر مطلقًا، قال الحافظ: فإن أراد منع الردّ بالسلام، وإلا فأحاديث الباب تردّ عليه. انتهى . ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: «إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب» بأنه لا يشرع للمسلم ابتداء الكافر بالسلام، حكاه الباجيّ، عن عبد الوهاب، قال الباجيّ: لأنه بَيَّن حكم الردّ، ولم يذكر حكم الابتداء، كذا قال. ونَقَل ابن العربيّ عن مالك: لو ابتدأ شخصًا بالسلام، وهو يظنه مسلمًا، فبان كافرًا كان ابن عمر يستردّ منه سلامه، وقال مالك: لا، قال ابن العربيّ: لأن الاسترداد حينئذ لا فائدة له؛ لأنه لم يحصل له منه شيء؛ لكونه قصد السلام على المسلم، وقال غيره: له فائدةٌ، وهي إعلام الكافر بأنه ليس أهلًا للابتداء بالسلام، قال الحافظ: ويتأكد إذا كان هناك من يُخْشَى إنكاره لذلك، أو اقتدأوه به؛ إذا كان الذي سَلَّم ممن يُقْتَدى به. وقال النوويّ ﵀: واختَلَف العلماء في ردّ السلام على الكفار، وابتدائهم به، فمذهبنا تحريم ابتدائهم به، ووجوب ردّه عليهم، بأن يقول: وعليكم، أو عليكم فقط، ودليلنا في الابتداء قوله - ﷺ -: «لا تبدأوا اليهود، ولا النصارى بالسلام،، وفي الردّ قوله - ﷺ -:»فقولوا: وعليكم«، وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء، وعامة السلف. وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، رُوي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن أبي محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماورديّ، لكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: عليكم، بالجمع، واحتجّ هؤلاء بعموم الأحاديث، وبإفشاء السلام، وهي حجة باطلة؛ لأنه عامّ مخصوص بحديث:«لا تبدأوا اليهود، ولا النصارى بالسلام». وقال بعضُ أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرُم، وهذا ضعيف أيضًا؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم. وحَكَى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة، أو سبب، وهو قول علقمة، والنخعيّ، وعن الأوزاعيّ أنه قال: إن سلّمتَ فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. وقالت طائفة من العلماء: لايردّ ﵈، ورواه ابن وهب، وأشهب عن مالك. وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يقول في الردّ عليهم: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله، حكاه الماورديّ، وهو ضعيفٌ مخالف للأحاديث، والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ ﵀ من ترجيح القول بعدم جواز ابتداء الكافر بالسلام، ومشروعيّة الردّ عليه إذا سلّم، وتضعيفه الأقوال المخالفة لهذا هو الصواب الذي تؤيّده الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: ويجوز الابتداء بالسلام على جَمْع فيهم مسلمون وكفار، أو مسلم وكفار، ويقصد المسلمين؛ للحديث السابق أنه - ﷺ - سَلَّم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين . انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقد اختُلِف في ردِّ السَّلام على أهل الذّمَّة؛ هل هو واجبٌ كالردّ على المسلمين؟ وإليه ذهب ابن عبَّاس، والشعبيّ، وقتادة؛ تمسُّكًا بعموم الآية، وبالأمر بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث. وذهب مالك فيما رَوَى عنه أشهب، وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب، فإنْ رددت؛ فقل: عليك، والاعتذار عن ذلك بأن ذلك بيان أحكام المسلمين؛ لأن سلام أهل الذمة علينا ليس تحية لنا؛ وإنما هو دعاء علينا، كما قد بيَّنه النبيّ - ﷺ - بقوله: «إنما يقولون: السَّام»، فلا هم يحيوننا، ولا نحن نردّ عليهم تحيَّة، بل دعاءً عليهم ولعنةً، كما فعلته عائشة - ﵂ -، وأمْره لنا بالردّ، إنما هو لبيان الردّ لِمَا قالوه خاصة، فإنْ تحققنا من أحدهم أنه تلفظ بالسَّلام رددنا عليه ب «عليك» فقط، لإمكان أن يريد بقلبه غير ما نطق بلسانه، وقد اختار ابن طاووس أن يقول في الرد عليهم: عَلاكَ السَّلامُ؛ أي: ارتفع عنك، واختار بعض أصحابنا: السِّلام -بكسر السين-؛ يعني: به الحجارة، وهذا كلّه تكلُّف، بل: ما قاله مالك كافٍ شافٍ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث جيّدٌ، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن هذا الردّ خاص بالكفار، فلا يجزئ في الردّ على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ، وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد: التحقيق أنه كافٍ في حصول معنى السلام، لا في امتثال الأمر في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. قال الحافظ: وكأنه أراد الذي بغير واو، وأما الذي بالواو فقد ورد في عدّة أحاديث، منها في الطبرانيّ عن ابن عباس - ﵄ -: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: «سلام عليكم، فقال: وعليك، ورحمة الله»، وله في «الأوسط» عن سلمان - ﵁ -: «أتى رجلٌ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك»، لكن لمّا اشتهرت هذه الصيغة للردّ على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم بها، وإن كانت مجزئة في أصل الردّ، والله أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان ما عليه اليهود من العداوة للمسلمين، وبذلك كانوا يضعون موضع السلام على المسلمين الدعاء عليهم بالموت ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ ﵀ البحث في هذا الحديث، وأحببت إيراده هنا؛ لأهميّته، حيث إنه بيّن طرق الحديث، وتكلّم عليها، وحقّق اختلاف العلماء فيها، حيث قال: الحديث الثالث أورده من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، حدّثنا أنس بن مالك -يعني: جدّه- بلفظ: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم»، كذا رواه مختصرًا، ورواه قتادة، عن أنس أتمّ منه، أخرجه مسلم ، وأبو داود، والنسائيّ من طريق شعبة عنه، بلفظ: «أن أصحاب النبيّ - ﷺ - قالوا: إن أهل الكتاب يسلّمون علينا، فكيف نردّ عليهم؟ قال: قولوا: وعليكم»، وأخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق همام، عن قتادة، بلفظ: «مَرّ يهوديّ، فقال: السام عليكم، فردّ أصحاب النبيّ - ﷺ - عليه السلام، فقال: قال: السام عليكم، فأُخِذ اليهوديّ، فاعترف، فقال: رُدُّوا عليه»، وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من طريق شيبان نحو رواية همام، وقال في آخره: «رُدُّوه، فردُّوه، فقال: أقلت: السام عليكم؟ قال: نعم، فقال عند ذلك: إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». قال: وأخرجه البخاريّ في «استتابة المرتدين» من طريق هشام بن زيد بن أنس، سمعت أنس بن مالك يقول: «مَرَّ يهوديّ بالنبيّ - ﷺ -، فقال: السام عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: وعليك، ثم قال: أتدرون ماذا يقول؟ قال: السام عليك، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، وفي رواية الطيالسي أن القائل: «ألا نقتله» عمر - ﵁ -. قال: والجمع بين هذه الروايات أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ الآخر، وأَتَمُّها سياقًا رواية هشام بن زيد هذه، وكأن بعض الصحابة لمّا أخبرهم النبيّ ﵀ أن اليهود تقول ذلك سألوا حينئذ عن كيفية الردّ عليهم، كما رواه شعبة، عن قتادة، ولم يقع هذا السؤال في رواية هشام بن زيد، ولم تختلف الرواة عن أنس في لفظ الجواب، وهو: «وعليكم» بالواو، وبصيغة الجمع، قال أبو داود في «السنن»: وكذا رواية عائشة، وأبي عبد الرحمن الْجُهَنِيِّ، وأبي بصرة. قال المنذريّ: أما حديث عائشة فمتفق عليه، وأما حديث أبي عبد الرحمن فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث أبي بصرة فأخرجه النسائيّ، قال الحافظ: هما حديث واحد اختُلِف فيه على يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، فقال عبد الحميد بن جعفر: «عن أبي بصرة»، أخرجه النسائيّ، والطحاويّ، وقال ابن إسحاق: «عن أبي عبد الرحمن»، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والطحاويّ أيضًا، وقد قال بعض أصحاب ابن إسحاق عنه مثل ما قال عبد الحميد، أخرجه الطحاويّ، والمحفوظ قول الجماعة، ولفظ النسائيّ: «فإن سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم». وقد اختَلَف العلماء في إثبات الواو، وإسقاطها في الردّ على أهل الكتاب؛ لاختلافهم في أيّ الروايتين أرجح، فذكر ابن عبد البرّ عن ابن حبيب: لا يقولها بالواو؛ لأن فيها تشريكًا، وبَسْطُ ذلك أن الواو في مثل هذا التركيب يقتضي تقرير الجملة الأولى، وزيادة الثانية عليها، كمن قال: زيد كاتب، فقلت: وشاعر، فإنه يقتضي ثبوت الوصفين لزيد، قال: وخالفه جمهور المالكية، وقال بعض شيوخهم: يقول: عليكم السلام -بكسر السين- يعني: الحجارة، ووَهّاه ابنُ عبد البرّ بأنه لم يُشْرَع لنا سبّ أهل الذمة، ويؤيده إنكار النبيّ - ﷺ - على عائشة لَمّا سبتهم. وذكر ابن عبد البرّ عن ابن طاوس قال: يقول: علاكم السلام، بالألف؛ أي: ارتفع، وتعقّبه. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز أن يقال في الردّ عليهم: عليكم السلام، كما يردّ على المسلم، واحتجّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وحكاه الماورديّ وجهًا عن بعض الشافعية، لكن لا يقول: ورحمة الله، وقيل: يجوز مطلقًا، وعن ابن عباس، وعلقمة: يجوز ذلك عند الضرورة. وعن الأوزاعيّ: إن سَلَّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد تركوا. وعن طائفة من العلماء: لا يردّ ﵈ أصلًا، وعن بعضهم: التفرقة بين أهل الذمة، وأهل الحرب. والراجح من هذه الأقوال كلّها ما دل عليه الحديث، ولكنه مختصّ بأهل الكتاب. وقد أخرج أحمد بسند جيّد عن حميد بن زادويه، وهو غير حميد الطويل، في الأصحّ، عن أنس: «أُمرنا أن لا نزيد على أهل الكتاب على: وعليكم». ونقل ابن بطال عن الخطابيّ نحو ما قال ابن حبيب، فقال: رواية مَن رَوَى «عليكم» بغير واو أحسن من الرواية بالواو؛ لأن معناه: رددت ما قلتموه عليكم، وبالواو يصير المعنى: عليَّ وعليكم؛ لأن الواو حرف التشريك. انتهى. وكأنه نقله من «معالم السنن» للخطابيّ فإنه قال فيه: هكذا يرويه عامة المحدثين: «وعليكم» بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بحذف الواو، وهو الصواب، وذلك أنه بحذفها يصير قولهم بعينه مردودًا عليهم، وبالواو يقع الاشتراك والدخول فيما قالوه. انتهى. وقد رجع الخطابيّ عن ذلك، فقال في «الأعلام» من شرح البخاريّ لمّا تكلم على حديث عائشة المذكور في «كتاب الأدب» من طريق ابن أبي مليكة عنها، نحو حديث الباب، وزاد في آخره: «أَوَلم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ»، قال الخطابيّ: ما مُلَخّصه: إن الداعي إذا دعا بشيء ظلمًا، فإن الله لا يستجيب له، ولا يجد دعاؤه محلًّا في المدعوّ عليه. انتهى. وله شاهد من حديث جابر، قال: «سَلَّم ناس من اليهود على النبيّ - ﷺ -، فقالوا: السام عليكم، قال: وعليكم، قالت عائشة -وَغَضِبَتْ-: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: بلى، قد رددت عليهم، فنُجاب عليهم، ولا يجابون فينا»، أخرجه مسلم، والبخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا. قال الحافظ: وقد غَفَل عن هذه المراجعة من عائشة، وجواب النبيّ - ﷺ - لها مَن أنكر الرواية بالواو، وقد تجاسر بعض من أدركناه، فقال في الكلام على حديث أنس في هذا الباب: الرواية الصحيحة عن مالك بغير واو، وكذا رواه ابن عيينة، وهي أصوب من التي بالواو؛ لأنه بحذفها يرجع الكلام عليهم، وبإثباتها يقع الاشتراك. انتهى. قال: وما أفهمه من تضعيف الرواية بالواو، وتخطئتها من حيث المعنى مردود عليه بما تقدم. وقال النوويّ: الصواب أن حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان، وبإثباتها أجْوَد، ولا مفسدة فيه، وعليه أكثر الروايات، وفي معناها وجهان: أحدهما: أنهم قالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضًا؛ أي: نحن وأنتم فيه سواءٌ، كلنا نموت. والثاني: أن الواو للاستئناف، لا للعطف والتشريك، والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذّمّ. وقال البيضاويّ: في العطف شيء مقدَّر، والتقدير: وأقول: عليكم ما تريدون بنا، أو ما تستحقون، وليس هو عطفًا على «عليكم» في كلامهم. وقال القرطبيّ: قيل: الواو للاستئناف، وقيل: زائدة، وأَولى الأجوبة: أنّا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا. وحَكَى ابن دقيق العيد عن ابن رشد تفصيلًا يجمع الروايتين: إثبات الواو، وحذفها، فقال: من تُحُقق أنه قال: السام، أو السِّلام، بكسر السين، فَلْيُرَدّ عليه بحذف الواو، ومن لم يُتَحَقَّق منه فليردّ بإثبات الواو، فيجتمع من مجموع كلام العلماء في ذلك ستة أقوال. وقال النوويّ تبعًا لعياض: من فَسَّر السام بالموت فلا يُبْعِد ثبوت الواو، ومن غيرها بالسآمة فإسقاطها هو الوجه. قال الحافظ: بل الرواية بإثبات الواو ثابتة، وهي تُرَجِّح التفسير بالموت، وهوأَولى من تغليط الثقة. انتهى ما كتبه الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ في هذا البحث الطويل، وأفاد، ثم إن تفسير السام بالموت هنا هو المتعيّن؛ لأنه تفسير مأثور، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: والسام: الموت في هذا الموضع، وهو معروف في لسان العرب، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة الأسلميّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاءً من كل داء إلا السام، والسام: الموت» ، والحبة السوداء: الشونيز. انتهى ، والحديث أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤١] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أنسٍ، أَن أَصْحَابَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا، فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: «قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»). رجال هذه الأسانيد: عشرة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٤ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقون تقدّموا قبل ستّة أبواب. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لمعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) ضمير التثنية لابن المثنى، وابن بشار. وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم مما سبق. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (١٧)

١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٤ - ١٤٥.

٢. «المفهم» ٥/ ٤٩١.

٣. «الفتح» ١٤/ ١٩١ - ١٩٢، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٦).

٤. «شرح النووي» ١٤/ ١٤٥.

٥. متّفقٌ عليه.

٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٥.

٧. «المفهم» ٥/ ٤٩٢.

٨. «الفتح»١٤/ ١٩١ - ١٩٢، كتاب«الاستئذان»رقم (٦٢٥٦).

٩. «التمهيد»لابن عبد البرّ ١٧/ ٩٤.

١٠. أي: من الأحاديث التي أوردها البخاري ﵀ في«بابٌ كيف الردُّ على أهل الذمّة بالسلام »، فذكر حديث عائشة - ﵂ -:«دخل رهط من اليهود … »، ثم حديث ابن عمر - ﵄ -:«إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب. … »، ثم حديث أنس - ﵁ - هذا، بلفظ:«إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم».

١١. هو الحديث التالي لهذا الحديث.

١٢. «شرح البخاريّ» لابن بطّال ٩/ ٣٨.

١٣. «معالم السنن» ٤/ ١٤٣.

١٤. «الأعلام» ٣/ ٢١٧٧.

١٥. «الفتح» ١٤/ ١٩٥ - ١٩٨، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٦).

١٦. هذا التفسير وإن كان مدرجًا من كلام الزهريّ، إلا أن تفسير الراوي مقدّم على غيره، فتنبّه.

١٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ١٧/ ٨٨ - ٨٩.