HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٨٨

وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) مُسْلِمُ بن إبراهيم. وقال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْعَيْنُ حَقٌّ. وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فاغسلوا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص13
ج ٤ ص ١٧١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢١
[٦٤٨] قوله: (العَينُ حَقٌّ)، (وَإِذَا اسْتُعْسِلْتُم فَاغسِلُوا) ؛ فيه دلالة أن الغسل ينفع من العين ووجه ذلك أن يغسل العائن أطراف يديه؛ ورجليه؛ ومذاكيره، ويجمع ذلك الماء ويُؤتى به المَعِين، فيُصَبّ عليه من خلفه صبّةً واحدة، وفيه دليل أن العين تصيب الإنسان، وأن العين حق. ومن باب ما جاء في كيفية سحر النبي ﷺ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٧٠٩
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٦٨٩] (٢١٨٧)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧٤٠) و«اللباس» (٥٩٤٤)، و(همام بن منبه) في «صحيفته» (١٣١)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٩٧٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٠٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣١٩٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٠] (٢١٨٨) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُّ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا»). رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرَّحمن بن الفضل بن بَهْرَام السَّمَرْقَنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ، فاضلٌ، متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، المعروف بابن الشاعر، ثقةٌ، حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) وله ستون سنةً (م ت) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٨٠. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «وأحمد بن خراش» هكذا هو في جميع النُّسخ: «أحمد بن خراش» بالخاء المعجمة المكسورة، وبالراء، وبالشين المعجمة، وهو الصواب، ولا خلاف فيه في شيء من النسخ، وهو أحمد بن الحسن بن خراش، أبو جعفر البغداديّ، نُسِب إلى جدّه، وقال القاضي عياض: هكذا هو في الأصول، بالخاء المعجمة، قال: قيل: إنه وَهَمٌ، وصوابه أحمد بن جَوّاس، بفتح الجيم، وبواو مشدّدة، وسين مهملة، هذا كلام القاضي، وهو غلط فاحشٌ، ولا خلاف أن المذكور في مسلم إنما هو بالخاء المعجمة، والراء، والشين المعجمة، كما سبق، وهو الراوي عن مسلم بن إبراهيم المذكور في «صحيح مسلم» هنا، وأما ابن جَوّاس بالجيم، فهو أبو عاصم الحنفيّ الكوفيّ، روى عنه مسلم أيضًا في غير هذا الموضع، ولكنه لا يروي عن مسلم بن إبراهيم، ولا هو المراد هنا قطعًا، وكأنّ سببَ غَلَطِ مَن غَلِطَ كون أحمد بن خِرَاش وقع منسوبًا إلى جدّه، كما ذكرنا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صوّبه النوويّ - ﵀ - هو الصواب، فقد صرّح به الترمذيّ في «الجامع»، ونصّه: «حدّثنا أحمد بن الحسن بن خِرَاش البغداديّ … إلخ» ، وكذا نصّ الحافظ المزيّ - ﵀ - في «تحفته» ، والله تعالى أعلم. ٤ - (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأَزْديّ الْفَرَاهيديّ - بالفاء - أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ، مأمونٌ، مُكثِرٌ، عَمِي بأَخَرَةٍ، من صغار [٩] (ت ٢٢٢) وهو أكبر شيخ لأبي داود (ع) تقدم في «البيوع» ٢٤/ ٣٩٦٧. ٥ - (وُهَيْبُ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأَخَرَة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٦ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ، فاضلٌ، عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرَّحمن الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ - تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم؛ لاتفاق كيفيّة أخذه عنهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ثم فرّق بينهم؛ لاختلاف كيفيّة أخذهم عن شيخهم مسلم بن إبراهيم، فالدارميّ أخذه سماعًا بقراءة غيره عليه، فلذا قال: «أخبرنا»، والآخران أخذاه سماعًا من لفظه، ولذا قالا: «حَدَّثَنَا»، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ في «ألفيّة الأثر»، حيث قال: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي» … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي» وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا» … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا» وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، وآخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالطائف. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ) قال في»الفتح«عند قوله:»بابُ رقية العين«: أي: رقية الذي يصاب بالعين، تقول: عِنتُ الرجلَ: أصبته بعَيْنك، فهو مَعِين، ومعيون، ورجل عائن، ومعيان، وعَيُون، والعين: نَظَرٌ باستحسان مشوب بحسمد من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر. وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه:«العينُ حقٌّ، ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم». وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بُعْد، حتى يحصل الضرر للمعيون؟ والجواب: أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سُمّ يَصِل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نُقل عن بعض من كان مِعيانًا أنه قال: إذا رأيت شيئًا يُعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض، تضع يدها في إناء اللبن، فيفسد، ولو وضَعَتْها بعد طهرها لَمْ يفسد، وكذا تدخل البستان، فتضرّ بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فَيَرْمد، ويتثاءب واحد بحضرته، فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال. انتهى . (وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ) يَحْتَمِل أن يكون «سابق» فعلًا ماضيًا، و«القدر» مفعوله، ويَحْتَمِل أن يكون اسم فاعل، مضافًا إلى «القدر»، والله تعالى أعلم. وقوله: (سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) جواب «لو»، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا إغياء في تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه، يجري مجرى المَثَل؛ لا أنه يمكن أن يرُدّ القدر شيءٌ، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى، ونفوذ مشيئته، ولا رادّ لأمره، ولا مُعقّب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلُبنّك، ولو تحت الثرى، أو: ولو صَعِدت إلى السماء، ونحوه، مما يجري هذا المجري، وهو كثير. انتهى . (وَإِذَا استُغْسِلْتُمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلب منكم غسل الأعضاء لأجل علاج من أصابته العين، (فَاغْسِلُوا») أعضاءكم، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا خطاب لمن يُتَّهم بأنه عائن، فيجب عليه ذلك، ويُقضى عليه به إذا طُلب منه ذلك، لا سيّما إذا خيف على المعين الهلاك. انتهى . وقد نقل البيهقيّ وغيره كيفيّة الغسل عن الزهريّ، فقال البيهقيّ بعد إخراجه الحديث: قال ابن شهاب: الغسل الذي أدركنا علمائنا يصفونه، أن يُؤتَى الرجل الذي يَعِين صاحبه بالقدح، فيه الماء، فيُمسك له مرفوعًا من الأرض، فيُدخل الذي يَعين صاحبه يده اليمنى في الماء، فيصبّ على وجهه صبّةً واحدةً في القدح، ثم يدخل يده، فيمضمض، ثم يمجه، ثم يدخل يده اليسري، فيغترف من الماء، فيصبه في الماء، فيغسل يده اليمنى إلى المرفق بيده اليسرى صبّةً واحدةً في القدح، ثم يُدخل يديه جميعًا في الماء صبّةً واحدةً في القدح، ثم يُدخل يده، فيُمضمض، ثم يَمُجّه في القدح، ثم يُدخل يده اليسرى، فيغترف من الماء، فيصبه على ظهر كلِّه اليمنى صبّةً واحدةً في القدح، ثم يُدخل يده اليسري، فيصبّ على مِرْفَق يده اليمنى صبّةً واحدةً في القدح، وهو ثاني يده إلى عنقه، ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسري، ثم يفعل ذلك في ظهر قدمه اليمنى، من عند الأصابع، واليسرى كذلك، ثم يُدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى، ثم يفعل باليسرى مثل ذلك، ثم يَغمِس داخلة إزاره اليمنى في الماء، ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح، فيصبه على رأس المعيون من ورائه، ثم يَكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه. قال: ورواه ابن أبي ذئب عن الزهريّ، فقال: يؤتى الرجلُ العائن بقدح، فيُدخل كلِّه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسري، فيصب على كلِّه اليمني، ثم يدخل يده اليمني، فيصب على كلِّه اليسري، ثم يدخل يده اليسري، فيصب على مرفقه اليمني، ثم يدخل اليمني، فيصب على مرفقه اليسري، ثم يدخل يده اليسري، فيصب على قدمه اليمني، ثم يدخل يده اليمني، فيصب على قدمه اليسري، ثم يدخل يده اليسري، فيصب على ركبته اليمني، ثم يدخل يده اليمني، فيصب على ركبته اليمني، ثم يدخل يده اليمني، فيصب على ركبته اليسري، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبةً واحدةً. قال أبو عبيد: إنما أراد بداخلة إزاره: طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده. ورواه يحيى بن سعيد عن الزهريّ، زاد فيه: ثم يعطي ذلك الرجل الذي أصابه القدح قبل أن يضعه في الأرض، فيحسو منه، ويتمضمض، ويُهريق على وجهه، ثم يصب على رأسه، ثم يكفئ القدح على ظهره. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٦٩٠] (٢١٨٨)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٢٠٦٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٧٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٥٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٩٠٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٠٧ و٦١٠٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٥١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن العين حقّ، يُتأذَّى بها، ومشروعية الرقية لمن أصابته العين، وقد أخرج الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ من طريق عُبيد بن رفاعة، عن أسماء بنت عميس؛ أنَّها قالت: يا رسول الله إنّ وَلَد جعفر تُسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم»، الحديث، وله شاهد من حديث جابر - ﵁ -، أخرجه مسلم، قال: رَخّص رسول الله - ﷺ - لآل حزم في الرقية، وقال لأسماء: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، أتصيبهم الحاجة؟» قالت: لا، ولكن العين تُسرع إليهم، قال: «ارقيهم»، فعرضت عليه، فقال: «ارقيهم». وقوله: «ضارعة» بمعجمة أوله؛ أي: نحيفة. وورد في مداواة المعيون أيضًا: ما أخرجه أبو داود من رواية الأسود، عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان النبيّ - ﷺ - يأمر العائن أن يتوضأ، ثم يغتسل منه المعين» . ٢ - (ومنها): بيان أن الرُّقَى تنفع من العين، إذا قدّر الله تعالى ذلك، فالشفاء بيده - ﷿ - لا شريك له، وسبيلُ الرُّقَى سبيل سائر العلاج والطبّ، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . ٣ - (ومنها): أن في قوله: «لو سبق شيء القدر لسبقته العين» دليلًا على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما عَلِمه فلا بُدّ من كونه على ما علمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تسكن إلى العلاج، والطبّ، والرُّقَى، وكلّ سبب من أسباب قدر الله تعالى، وعلمه، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: فيه إثبات القَدَر، وهو حقّ بالنصوص، وإجماع أهل السُّنَّة، وسبقت المسألة في أول «كتاب الإيمان»، ومعناه: أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلَّا على حسب ما قدَّرها الله تعالى، وسَبَق بها عِلْمه، فلا يقع ضرر العين، ولا غيره، من الخير، والشرّ إلَّا بقدر الله تعالى، وفيه صحة أمر العين، وأنها قويّة الضرر، والله أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ - ﵀ -: في الحديث أن للعين تأثيرًا في النفوس، وإبطال قول الطبائعيين: إنه لا شيء إلَّا ما تُدركه الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له. ٦ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: وفي الحديث - حديث قصّة سهل بن حُنيف الآتي - من الفوائد أيضًا: أن العائن إذا عُرف يُقضَى عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحبّ، ومن الرجل المصالح، وأن الذي يُعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يُعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء، وأن الإصابة بالعين قد تقتل. وقد اختُلف في جريان القصاص بذلك، فقال القرطبيّ: لو أتلف العائن شيئًا ضَمِنه، ولو قتل فعليه القصاص، أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادةً، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرًا. انتهى. ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه، وقالوا: إنه لا يَقتُل غالبًا، ولا يُعَدّ مهلكًا. وقال النوويّ - ﵀ - في «الروضة»: ولا دية فيه، ولا كفارة؛ لأنَّ الحكم إنما يترتب على منضبط عامّ دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال، مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد، وتمنّ لزوال نعمة، وأيضًا فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك، من أثر العين. انتهى. قال الحافظ: ولا يعكر على ذلك إلَّا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما فيه عسر. ونَقَل ابن بطال عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عُرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رَزَقه ما يقوم به، فإنّ ضرره أشدّ من ضرر المجذوم الذي أمر عمر - ﵁ - بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة. قال النوويّ - ﵀ -: وهذا القول صحيحٌ، متعينٌ، لا يُعرف عن غيره تصريح بخلافه. انتهى . ٧ - (ومنها): ما قاله المازريّ - ﵀ -: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سُمّيّة تتصل بالمَعِين، فيهلك، أو يفسد، وهو كإصابة السمّ من نظر الأفاعي، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السُّنَّة أن العين إنما تضرّ عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر، وهل ثَمَّ جواهر خفية، أو لا؟ هو أمر مُحْتَمِل، لا يُقطع بإثباته، ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن، فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة، ولا طبيعة. انتهى. قال الحافظ: وهو كلام سديدٌ، وقد بالغ ابن العربيّ في إنكاره، قال: ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوّتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في غيرها، وقيل: إنما هو سمّ في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سمّ الأفعى من يتصل به، ثم ردّ الأول بأنه لو كان كذلك لَمَا تخلفت الإصابة في كلّ حال، والواقع خلافه، والثاني بأن سمّ الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعائن ليعس يقتل منه شيء في قولهم إلَّا نَظَره، وهو - معنى خارج عن ذلك، قال: والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه، وإعجابه به إذا شاء ما شاء، من ألم، أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه، إما بالاستعاذة، أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية، أو بالاغتسال، أو بغير ذلك. انتهى كلامه. قال الحافظ: وفيه بعض ما يُتَعقَّب، فإن الذي مَثَّل بالأفعى لَمْ يُرد أنَّها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنسًا من الأفاعي اشتَهَر أنَّها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وقد أشار - ﷺ - إلى ذلك في حديث أبي لبابة - ﵁ - مرفوعًا عند ذكر الأبتر، وذي الطُّفْيتين قال: «فإنهما يطمسان البصر، ويُسقطان الْحَبَل»، وليعس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة، من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر - ﵁ - رفعه: «أكثر من يموت بعد قضاء الله وقَدَره بالنَّفس»، قال الراوي: يعني: بالعين، وقد أجرى الله تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام، والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فيُرَى في وجهه حُمْرةٌ شديدةٌ لَمْ تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يَسقَم بمجرد النظر إليه، وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نُسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها، وقواها، وكيفياتها، وخواصّها. فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به؛ لشدة خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة. والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخَلْقه ليس مقصورًا على الاتصال الجسمانيّ، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح؛ كالذي يَحْدُث من الأدعية، والرُّقَى، والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنويّ إن صادف البدن لا وقاية له أثّر فيه، وإلا لَمْ ينفذ السهم، بل ربما رُدّ على صاحبه؛ كالسهم الحسيّ سواء. انتهى . (المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ - ﵀ - البحث في هذا الحديث، فقال: وأخرج مسلم من حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استُغسلتم فاغسلوا». قال: فأما الزيادة الأولى - يعني: قوله: «ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» - ففيها تأكيد، وتنبيه على سرعة نفوذها، وتأثيره في الذات، وفيها إشارة إلى الردّ على من زعم من المتصوفة أن قوله: «العين حقّ» يريد به القَدَر؛ أي: العين التي تجري منها الإحكام، فإن عين الشيء حقيقته، والمعنى: أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر، إنما هو بقدر الله السابق، لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور. ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب، إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك، وأودعه فيها، وإما باجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر، وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يَرُدّ القدرَ شيء؛ إذ القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى، وهو لا رادّ لأمره، أشار إلى ذلك القرطبيّ. وحاصله لو فُرِض أن شيئًا له قوة بحيث يسبق القدر، لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها. وقد أخرج البزار من حديث جابر - ﵁ - بسند حسن عن النبيّ - ﷺ - قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس»، قال الراوي: يعني: بالعين. وقال النوويّ: في الحديث إثبات القدر، وصحة أمر العين، وأنها قوية الضرر. قال: وأما الزيادة الثانية، وهي أَمْر العائن بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك، ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلومًا بينهم، فأمَرَهم أن لا يمتنعوا منه إذا أُريدَ منهم، وأدنى ما في ذلك رَفْع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب، وحَكَى المازريّ فيه خلافًا، وصحح الوجوب، وقال: متى خُشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يُجبر على بذل الطعام للمضطرّ، وهذا أَولى. قال: ولم يبيّن في حديث ابن عباس صفة الاغتسال، وقد وقعت في حديث سهل بن حُنيف، عند أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، من طريق الزهريّ عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أن أباه حدّثه أن النبيّ - ﷺ - خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشِّعب الخَرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض، حسن الجسم، والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة، فلُبِط - أي: صُرع وزنًا ومعنى - سهلٌ، فأُتِي رسول الله - ﷺ -، فقال: «هل تتهمون به من أحد؟» قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرًا، فتغيّظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلّا إذا رأيت ما يُعجبك بَرَّكت - ثم قال -: اغتسل له»، فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قَدَح، ثم يَصُبّ ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففُعل به ذلك، فراح سهل مع الناس، ليس به بأس، لفظ أحمد من رواية أبي أويس، عن الزهريّ، ولفظ النسائيّ من رواية ابن أبي ذئب، عن الزهريّ بهذا السند: أنه يصب صبةً على وجهه بيده اليمني، وكذلك سائر أعضائه صبةً صبةً في القدح، وقال في آخره: ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض. ووقع في رواية ابن ماجة من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي أمامة؛ أن عامر بن ربيعة مرّ بسهل بن حُنيف، وهو يغتسل، فذكر الحديث، وفيه: «فَلْيَدْع بالبركة، ثم دعا بماء، فأمر عامرًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه - قال سفيان: قال معمر، عن الزهريّ - وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه. قال المازريّ: المراد بداخلة الإزار: الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، قال: فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى. وزاد عياض: أن المراد: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل: أراد وركه؛ لأنه معقد الإزار، والحديث في «الموطأ» وفيه عن مالك: حدّثني محمد بن أبي أمامة بن سهل؛ أنه سمع أباه يقول: اغتسل سهل، فذكر نحوه، وفيه: فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد عذراء، فوُعك سهل مكانه، واشتَدّ وعكة، وفيه: «ألا بَرّكت؟ إن العين حقّ، توضأ له» فتوضأ له عامر، فراح سهل، ليس به بأس. [تنبيهات]: الأول: قال المازريّ: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يُردّ لكونه لا يُعقل معناه. وقال ابن العربيّ: إن توقّف فيه متشرع، قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة، وصدّقته المعاينة، أو متفلسف فالردّ عليه أظهر؛ لأنَّ عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يُدْرَك، ويسمُّون ما هذا سبيله: الخواصّ. وقال ابن القيّم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سَخِر منها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجرّبًا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواصّ لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية، فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية هذا؟ مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سمّ الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكأن أثر تلك العين كشُعلة نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لمّا كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد؛ لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرقّ من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصًا، وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقّ المواضع، وأسرعها نفاذًا، فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء. الثاني: هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة، وقبل الاستحكام، فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة كما مضى: «ألّا بَرَّكتَ عليه؟»، وفي رواية ابن ماجة: «فلْيَدْع بالبركة»، ومثله عند ابن السنيّ من حديث عامر بن ربيعة. وأخرج البزار، وابن السنيّ من حديث أنس، رفعه: «من رأى شيئًا، فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوة إلَّا بالله، لَمْ يضرّه». انتهى . الثالث: قال القرطبيّ - ﵀ -: وفي حديث سهل - ﵁ - من الفقه أبواب: فمنها: جَبْرُ العائن على الوضوء المذكور على الوجه المذكور، وقيل: لا يُجبر، وأن من اتُّهِم بأمر أُحضر للحاكم، وكُشف عن أمره، وأن العين قد تَقتُل؛ لقوله - ﷺ -: «علام يقتل أحدكم أخاه»، وأن الدعاء بالبركة يُذْهب أثر العين بإذن الله تعالى، وأن أثر العين إنما هو عن حسد كامن في القلب، وأن من عُرف بالإصابة بالعين مُنع من مُداخلة الناس دفعًا لضرره، قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، وكفّ أذاه عن الناس، وفيه جواز النُّشرة، والتطبّب بها. قال: لو انتهت إصابة العين إلى أن يُعرف بذلك، ويُعلم من حاله أنه كلما تكلّم بشيء معظّما له، أو متعجّبًا منه أصيب ذلك الشيء، وتكرّر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أتلفه بِعَيْنه غَرِمه، وإن قتل أحدًا بعينه عامدًا لقتله قُتِل به؛ كالساحر القاتل بسحره عند من يقتله كفرًا، وأما عندنا - يعني: المالكيّة - فيُقتل على كلّ حال، قَتَل بسحره أو لا؛ لأنه كالزنديق. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلَّامة علي بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة - عفا الله عنه وعن والديه -: قد انتهيت من كتابة الجزء الخامس والثلاثين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» بعد صلاة المغرب ليلة الخميس المباركة، وهي الليلة الثانية عشرة من ربيع الثاني (١٢/ ٤/ ١٤٣٢ هـ الموافق ١٧ مارس ٢٠١١ م). أسأل الله العليّ العظيم رب العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنّات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللَّهُمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء السادس والثلاثون مفتتحًا بـ (٢) - (بابُ السِّحْرِ) رقم الحديث [٥٦٩١] (٢١٨٩). «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الخميس الثانية عشرة من شهر ربيع الثاني ١٢/ ٤ / ١٤٣٢ هـ بدأتُ كتابةَ أول الجزء السادس والثلاثين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثَّجاج في شرح صحيح الإمام مسدم بن الحجَّاج» رحمه الله تعالى. (٢) - (بَابُ السِّحْرِ) مسائل تتعلَّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط السحر، ومعناه: قال في «القاموس»، و«شرحه»: «السِّحْر» - أي: بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -: كُلُّ ما لَطُف مأْخَذُه، ودَقَّ، والجمْع أسْحارٌ وسُحُورٌ، والفِعْلُ كمَنعَ. وقوله: «إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا». قال أبو عُبَيْد: كأنّ مَعْنَاهُ - والله أعلم - أنَّه يَبْلُغ من ثَنائِه أنه يَمْدَحُ الإنسانَ، فيَصْدُقُ فيه حتّى يَصْرِفَ قُلُوبَ السَّامِعين إليه؛ أَي: إلى قَوْله، ويَذُمُّه فيَصْدُقُ فيه حتَّى يَصْرِفَ قُلوبَهُم أيضًا عنه إلى قَولهِ الآخَرِ. فكأنه سَحَر السامعينَ بذلك. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قال ابن فارس: «السِّحْرُ»: إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه: استماله برقّته، وحُسْن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في «التفسير»: ولفظ السِّحْرِ في عُرف الشرع مختصّ بكل أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وإذا أُطلق ذُمّ فاعله، وقد يُستعمل مقيَّدًا فيما يُمدح ويُحمد، نحو قوله - ﷺ -: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا»؛ أي: إن بعض البيان سِحْرٌ؛ لأنَّ صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب كما تُستمال بِالسّحْر، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يجذب السامع، ويخرجه إلى حدّ يكاد يشغله عن غيره شُبِّه بِالسِّحْرِ الحقيقيّ، وقيل: هو السِّحْرُ الحلال. انتهى . (المسألة الثانية): في أنواع السحر: قال الراغب الأصفهانيّ وغيره: السحر يُطلق على معانٍ: [أحدهما]: ما لَطُف، ودَقّ، ومنه سَحَرت الصبيّ: خادعته، واستملته، وكلُّ من استمال شيئًا، فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سِحْر العيون؛ لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]؛ أي: مصروفون عن المعرفة، ومنه حديث: «إن من البيان لسحرًا»، رواه البخاريّ. [الثاني]: ما يقع بخداع، وتخييلات، لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوِذ، من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، ومن هناك سَمُّوا موسى ساحرًا، وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصيّة كالحَجَر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس. [الثالث]: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. [الرابع]: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات، كالطابَع المنقوش، فيه سورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، وكالْمُشاهَد ببعض بلاد الغرب، وهي سَرَقُسْطة، فإنها لا يدخلها ثعبان قط، إلَّا إن كان بغير إرادته، وقد يَجمع بعضهم بين الأمرين الأخيرين، كالاستعانة بالشياطين، ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم، قال أبو بكر الرازيّ في «الإحكام» له: كان أهل بابل قومًا صابئين، يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنَّها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثانًا على أسمائها، ولكل واحد هيكل، فيه صنمه، يُتقرّب إليه بما يوافقه بزعمهم، من أدعية، وبَخور، وهم الذين بُعث إليهم إبراهيم - ﵇ -، وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب؛ لئلا يُبْحَث عنها، وَينكشف تمويههم. انتهى. [تنبيه]: السحر يُطلَق، ويراد به الآلة التي يُسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر، والآلة تارةً تكون معنى من المعاني فقط؛ كالرُّقَي، والنفث في العُقَد، وتارةً تكون بالمحسوسات؛ كتصوير الصورة على صورة المسحور، وتارة بجمع الأمرين الحسيّ والمعنويّ، وهو أبلغ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في السحر: (اعلم) أنه اختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الاسترباذيّ من الشافعية، وأبي بكر الرازيّ من الحنفية، وابن حزم الظاهريّ، وطائفة، قال النوويّ: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المشهورة. انتهى. لكن محل النزاع: هل يقع بالسحر انقلاب عين، أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط مَنَع ذلك، ومن قال: إن له حقيقةً، اختلفوا هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة، بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا، وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلَّم، وإن كان بالنظر إلى الواقع، فهو محل الخلاف، فإن كثيرًا ممن يَدَّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه. ونقل الخطابيّ أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عني القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة. وقال المازريّ: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقةً، ونَفَى بعضهم حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود؛ لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا يُنكر أن الله قد يخرق العادة عند نُطق الساحر بكلام ملفَّق، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قُوًى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حُذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض، حتى ينقلب الضارّ منها بمفرده بالتركيب نافعًا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لَذَكره. قال المازريّ : والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، ولو قلنا: إنها ظاهرة في ذلك. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في الفرق بين السحر، والمعجزة، والكرامة: (اعلم): أن السحر - كما قال المازريّ - يكون بمعاناة أقوال، وأفعال، حتى يتمّ للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبًا اتّفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدِّي، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أنَّ السحر لا يظهر إلَّا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، ونقل النوويّ في زيادات «الروضة» عن المتوليّ نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسِّكًا بالشريعة، متجنِّبًا للموبقات، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلَّا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أنواعه؛ كإعانة الشياطين، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب السحر»، وقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال في «الفتح» في شرح هذا الموضع: قوله: «وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية»: في هذه الآية بيان أصل السحر الذي يَعمل به اليهود، ثم هو مما وضعته الشياطين على سليمان بن داود - ﵇ - ومما أُنزل على هاروت وماروت بأرض بابل، والثاني متقدم العهد على الأول؛ لأنَّ قصة هاروت وماروت كانت من قبل زمن نوح - ﵇ - على ما ذكر ابن إسحاق وغيره، وكان السحر موجودًا في زمن نوح - ﵇ - إذ أخبر الله عن قوم نوح أنهم زعموا أنه ساحر، وكان السحر أيضًا فاشيًا في قوم فرعون، وكل ذلك قبل سليمان، واختُلِف في المراد بالآية: فقيل: إن سليمان كان جَمَعَ كُتُب السحر والكهانة، فدفنها تحت كرسيه، فلم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسيّ، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذين يعرفون الأمر جاءهم شيطان في صورة إنسان، فقال لليهود: هل أدلكم على كنز لا نظير له؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسيّ، فحفروا، وهو متنحٍّ عنهم، فوجدوا تلك الكتب، فقال لهم: إن سليمان كان يضبط الأنس والجن بهذا، ففشا فيهم أن سليمان كان ساحرًا، فلما نزل القرآن بذكر سليمان في الأنبياء أنكرت اليهود ذلك، وقالوا: إنما كان ساحرًا، فنزلت هذه الآية. أخرجه الطبريّ وغيره عن السديّ، ومن طريق سعيد بن جبير بسند صحيح نحوه، ومن طريق عمران بن الحارث عن ابن عباس موصولًا بمعناه. وأخرج من طريق الربيع بن أنس نحوه، ولكن قال: إن الشياطين هي التي كتبت كُتُب السحر، ودفنتها تحت كرسيه، ثم لما مات سليمان استخرجته، وقالوا: هذا العلم الذي كان سليمان يكتمه الناس. وأخرجه من طريق محمد بن إسحاق، وزاد: أنهم نقشوا خاتمًا على نقش خاتم سليمان، وختموا به الكتاب، وكتبوا عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخياء الصديق للملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه، فذكر نحو ما تقدم. وأخرج من طريق العَوْفيّ عن ابن عباس نحو ما تقدم عن السديّ، ولكن قال: إنهم لمّا وجدوا الكتب قالوا: هذا مما أنزل الله على سليمان، فأخفاه منا. وأخرج بسند صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتُلِيَ فيها سليمان، فكَتَبَتْ كتبًا فيها سحر، وكُفر، ثم دفنتها تحت كرسيه، ثم أخرجوها بعده، فقرؤوها على الناس. ومُلَخَّص ما ذُكر في تفسير هذه الآية أن المحكيّ عنهم أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين هم أهل الكتاب؛ إذ تقدم قبل ذلك في الآياتِ إيضاح ذلك، والجملة معطوفة على مجموع الجمل السابقة، من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر الآية، و﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ موصولة على الصواب، وغَلِطَ من قال: إنها نافية، لأنَّ نَظْم الكلام يأباه، و﴿نَتْلُوا﴾ لفظه مضارع، لكن هو واقع موقع الماضي، وهو استعمال شائع، ومعنى ﴿تَتْلُو﴾ تتقوّل، ولذلك عدَّاه بـ «على»، وقيل: معناه: تتّبع، أو تقرأ، ويحتاج إلى تقدير، قيل: هو تقرأ على زمان ملك سليمان. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾: ﴿مَا﴾ نافية جزمًا. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ هذه الواو عاطفة لجملة الاستدراك على ماقبلها. وقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: ﴿النَّاسَ﴾ مفعول أول، و﴿السِّحْرَ﴾ مفعول ثان، والجملة حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾؛ أي: كفروا معلِّمين، وقيل: هي بدل من ﴿كَفَرُوا﴾، وقيل: استئنافيّة، وهذا على إعادة ضمير ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ على الشياطين، ويَحْتَمِل عوده على ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فيكون حالًا من فاعل ﴿اتَّبَعُوا﴾، أو استئنافًا. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: ﴿مَا﴾ موصولة، ومحلها النصب عطفًا على ﴿السِّحْرَ﴾، والتقدير: يعلّمون الناس السحر، والْمُنْزَلَ على الملَكين، وقيل: الجرّ عطفًا على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: تقوّلًا على ملك سليمان، وعلى ما أُنزل، وقيل: بل هي نافية عطفًا على ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، والمعنى: ولم يَنزِل على الملكين إباحة السحر، وهذان الإعرابان ينبنيان على ما جاء في تفسير الآية عن البعض، والجمهور على خلافه، وأنها موصولة، ورَدّ الزجّاج على الأخفش دعواه أنَّها نافية، وقال: الذي جاء في الحديث، والتفسير أَولى. وقوله: ﴿بِبَابِلَ﴾ متعلق بـ ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾؛ أي: في بابل، والجمهور على فتح لام الملكين، وقُرئ بكسرها، وهاروت وماروت بدل من الملكين، وَجُرّا بالفتحة، أو عَطْف بيان، وقيل: بل هما بدل من الناس، وهو بعيد، وقيل: من الشياطين، على أنَّ هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجنّ، وهو ضعيف. وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ بالتشديد من التعليم، وقرئ في الشاذّ بسكون العين، من الإعلام، بناءً على أنَّ التضعيف يتعاقب مع الهمزة، وذلك أن الملكين لا يُعَلِّمان الناسَ السحرَ، بل يُعْلمانهم به، وينهيانهم عنه، والأول أشهر. وقد قال عليّ: الملكان يعلمان تعليم إنذار، لا تعليم طلب. وفي إيراد البخاريّ هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر؛ لقوله فيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلَّا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإن فيه إشارةً إلى أن تعلّم السحر كفر، فيكون العمل به كفرًا، قال الحافظ: وهذا كله واضح على ما قررته من العمل ببعض أنواعه، وقد زعم بعضهم أن السحر لا يصح إلَّا بذلك، وعلى هذا فتسمية ما عدا ذلك سحرًا مجاز، كإطلاق السحر على القول البليغ. وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر، في «مسند أحمد»، وأطنب الطبريّ في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلًا، خلافًا لمن زعم بطلانها؛ كعياض، ومن تبعه، ومُحَصّلها أن الله رَكَّب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارًا لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مدةً، ثم افتُتِنا بامرأة جميلة، فعوقبا بسبب ذلك، بأن حُبِسا في بئر ببابل منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد، حتى يُحَذِّراه، وينهياه، فإذا أصرَّ تكلما بذلك ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قصّ الله عنهما، والله أعلم. انتهى .
مصادر المؤلف (٢١)

١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٣ - ١٧٤.

٢. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٣٩٧.

٣. راجع: «تحفة الأشراف» ٥/ ١٤.

٤. «الفتح» ١٠/ ٢٠٠.

٥. «المفهم» ٥/ ٥٦٦.

٦. «المفهم» ٥/ ٥٦٦.

٧. «سنن البيهقي الكبرى» ٩/ ٣٥٢.

٨. «الفتح» ١٠/ ٢٠١.

٩. «الاستذكار» ٨/ ٤٠٣.

١٠. «الاستذكار» ٨/ ٤٠٣.

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٤.

١٢. أي: لأنَّ سهل بن حُنيف اغتسل في الفضاء، فأصيب بالعين، وأقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك.

١٣. «الفتح» ١٠/ ٢١٤ - ٢١٦.

١٤. «الفتح» ١٠/ ٢٠٠.

١٥. «الفتح» ١٠/ ٢١٠ - ٢١٥.

١٦. وذلك مع الأذان لصلاة العشاء ١٢/ ٤/ ١٤٣٢ هـ.

١٧. «تاج العروس» ١/ ٢٩٢٨.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.

١٩. «المعلم» ٣/ ٩٤.

٢٠. «الفتح» ١٣/ ١٩٨ - ٢٠٠، كتاب «الطمث» رقم (٥٧٦٣).

٢١. «الفتح» ١٣/ ٢٠١ - ٢٠٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).