HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٩٠

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ. حدثنا خالد بن الحارث. حدثنا شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا. فَجِيءَ بِهَا إلى رسول الله ص. فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. قَالَ«مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ» قَالَ أَوَ قَالَ «عَلَيَّ» قَالَ قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ «لَا» قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ج ٤ ص ١٧٢١

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٣
[٦٥٤] وفي حديث الشاة المسمومة : ما يدل على ترك الانتقام، وفيه أن ما خلق ضارا؛ ضرَّ إلا من خصه الله بالسلامة منه. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٣٣
قلت: يا رسول الله فأخرجته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وشفاني، وخشيت أن أُثَوِّر على الناس منه شرًّا». انتهى ، والله تعالى أعلم. (٣) - (بَابُ السُّمِّ) «السمّ»: ما يَقْتُلُ بالفتح في الأكثر، وجمعه سُموم، مثلُ فلس وفُلُوس، وسِمامٌ، مثلُ سَهْم وسِهام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمْتُ الطعامَ سَمًّا، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، قاله الفيّوميّ ﵀ . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٣] (٢١٩٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَنسٍ، أَن امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأقتُلَكَ، قَالَ: «مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ»، قَالَ: أَو قَالَ: «عَلَيَّ»، قَالَ: قَالُوا: ألَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٢٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم قبل بابين. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زيدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. ٥ - (أنسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن فيه الراوي عن جدّه، فأنس - ﵁ - جدّ هشام الراوي عنه، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ) الأنصاريّ (عَنْ) جدّه (أنس) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ امْرَأة يَهُودِيةً) اسمها زينب بنت الحارث، أخت مِرْحب اليهوديّ، كذا جاءت مسمّاةً في «مغازي موسى بن عُقبة»، وفي «الدلائل» للبيهقيّ، قاله صاحب «التنبيه» ، واختُلف في إسلامها. (أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره: أنها أتته بها على وجه الهدية، فإنَّه كان يقبل الهديَّة، ويثيب عليها، ويحتمل أن تكون ضيافة، وأبعد ذلك أن تكون بيعًا، وفي غير كتاب مسلم: أنه - ﷺ - أخذ من الشاة الذراع، فاكل منها هو وبشر بن البراء، وأنه قال عند ذلك: «إن هذه الذراع تخبرني: أنها مسمومةٌ»، فأُحضرت اليهوديَّة، فسُئلت عن ذلك، فاعترفت، وقالت: إنما فعلت ذلك؟ لأنَّك إن كنت نبيًّا لم تضرك، وإن كنت كاذبًا أَرَحْتَ منك، وفي كتاب مسلم قالت: أردت لأقتلك، فأجابها النبيّ - ﷺ - بأن قال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك»، فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله - ﷺ - طول حياته، غير ما أثّر بلهواته، وغير ما كان يعاوده منه في أوقات، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك السُّم في النبيّ - ﷺ -، فتوفي بسببه، كما قال - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه: «لم تزل أكلة خيبر تعاودني، فالآن أوان قطعت أبهري»، فجمع الله لنبيِّه فيه بين النبوَّة والشهادة؛ مبالغةً في الترفيع والكرامة. وأمّا بشر بن البراء - ﵁ -: فروي: أنه مات من حينه، وقيل: بل لزمه وجعه ذلك، ثم توفي منه بعد سنة. انتهى . [تنبيه]: أخرج البخاريّ ﵀ هذه القصّة من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مطوّلًا، فقال: (٣١٦٩) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا الليث، قال: حدّثني سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لمّا فُتحت خيبر أُهديت للنبيّ - ﷺ - شاة فيها سمّ، فقال النبيّ - ﷺ -: «اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود»، فجُمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ عنه؟ فقالوا: نعم، قال لهم النبيّ - ﷺ -: «من أبوكم؟» قالوا: فلان، فقال: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، قالوا: صدقتَ، قال: «فهل أنتم صادقيّ عن شيء، إن سألت عنه؟» فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم: «مَن أهل النار؟»، قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلُفونا فيها، فقال النبيّ - ﷺ -: «اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟»، فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟» قالوا: نعم، قال: «ما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضرك. انتهى. قال ابن إسحاق ﵀: لما اطمأنّ النبيّ - ﷺ - بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مِشْكَم شاةً مشويةً، وكانت سألت: أيّ عضو من الشاة أحب إليه؟ قيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السمّ، فلما تناول الذراع لاك منها مُضْغة، ولم يسغها، وأكل معه بشر بن البراء، فأساغ لقمته، فذكر القصّة، وأنه صَفَح عنها، وأن بشر بن البراء مات منها. وروى البيهقيّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة: أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله - ﷺ - شاة مسمومةً، فأكل، فقال لأصحابه: «أمسكوا، فإنها مسمومة»، وقال لها: «ما حملك على ذلك؟» قالت: أردت إن كنت نبيّا، فيُطلعك الله، وإن كنت كاذبًا، فأريح الناس منك، قال: فما عرض لها. ومن طريق أبي نضرة، عن جابر نحوه، فقال: فلم يعاقبها. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن الزهري، عن أُبَيّ بن كعب مثله، وزاد: فاحتجم على الكاهل، قال: قال الزهريّ: فأسلمت، فتركها، قال معمر: والناس يقولون: قتلها. وأخرج ابن سعد عن شيخه الواقديّ بأسانيد متعددة له هذه القصة مطوّلة، وفي آخره: قال: فدفعها إلى وُلاة بشر بن البراء، فقتلوها، قال الواقديّ: وهو الثبْتُ. وأخرج أبو داود من طريق يونس، عن الزهريّ، عن جابر نحو رواية معمر عنه، وهذا منقطع؛ لأن الزهريّ لم يسمع من جابر، ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، نحوه مرسلًا، قال البيهقيّ: وصله حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون تركها أوّلًا، ثم لمّا مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها، وبذلك أجاب السهيليّ، وزاد: أنه كان تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصًا. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون تركها؛ لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه. ووافق موسى بن عقبة على تسميتها زبنب بنت الحارث، وأخرج الواقديّ بسند له عن الزهريّ: أن النبيّ - ﷺ - قال لها: «ما حملك على ما فعلتِ؟» قالت: قتلت أبي، وعمي، وزوجي، وأخي، قال: فسألت إبراهيم بن جعفر، فقال: عمها يسار، وكان من أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرَّفّ، وأخوها زبير، وزوجها سلّام بن مِشْكم. ووقع في «سنن أبي داود»: أخت مرحب، وبه جزم السهيليّ، وعند البيهقيّ في «الدلائل»: بنت أخي مرحب، ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت، فقد جزم بذلك سليمان التيميّ في «مغازيه»، ولفظه بعد قولها: وإن كنت كاذبًا أَرَحْتُ الناس منك، وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أُشهدك، ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت . (فَأَكَلَ) النبيّ - ﷺ - (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الشاة؛ أي: من لحمها، (فَجِيءَ بِهَا)؛ أي: بتلك المرأة (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلهَا عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن جَعْلها السمّ في تلك الشاة، وتقدّم في حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «ما حَمَلكِ على ذلك؟» (فَقَالَتْ) المرأة (أَرَدْتُ لأَقتُلَكَ) وتقدّم في مرسل الزهريّ: «قال لها: ما حملك على ما فعلتِ؟، قالت: قتلت أبي، وعمي، وزوجي، وأخي». (قَالَ) - ﷺ - («مَا) نافية، (كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ»)؛ أي: على قتلي؛ لأن الله تعالى يعصمني من ذلك، فقد قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]. (قَالَ) الراوي (أَو) للشكّ من الراوي، (قَالَ - ﷺ -: عَلَيَّ) بدل قوله: «على ذلك»، (قَالَ) أنس (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرين للقصّة، (ألَا نَفْتُلُهَا؟) قال النوويّ ﵀: وقولهم: «ألا نقتلها» هي بالنون في أكثر النسخ، وفي بعضها بتاء الخطاب. انتهى؛ أي: ألا تستحقّ قتلها؛ لأنها نقضت العهد، وسمّت النبيّ - ﷺ -؟ (قَالَ) - ﷺ - («لَا») تقتلوها؛ وذلك لأنه - ﷺ - لا ينتقم لنفسه، أو لأنها أسلمت، فعفا عنها تعظيمًا للإسلام، لكن لَمّا مات بعدُ، بشر بن البراء دفعها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ألا تقتلها؟ قال: لا» هذه رواية أنس أنَّه لم يقتلها، وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب، وقد رَوَى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن أنَّه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنَّه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، ويصح الجمع، بأن يقال: إنه لم يقتلها أوّلًا بما فعلت، من تقديم السُّم إليهم، بل حتى مات بشر، فدفعها إليهم فقتلوها. انتهى . وقال النوويّ ﵀: واختَلَف الآثار، والعلماء، هل قتلها النبيّ - ﷺ - أم لا؟ فوقع في «صحيح مسلم» أنهم: «قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا»، ومثله عن أبي هريرة، وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة، أنه - ﷺ - قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه - ﷺ - دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور - ﵁ -، وكان أكل منها، فمات بها، فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله - ﷺ - قتلها، قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات، والأقاويل، أنه - ﷺ - لم يقتلها أوّلًا حين اطَّلع على سمّها، وقيل له: ألا نقتلها؟ فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلّمها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا، فيصح قولهم: لم يقتلها؛ أي: في الحال، ويصح قولهم: قتلها؛ أي: بعد ذلك، والله أعلم. انتهى . (قَالَ) أنس (فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا)؛ أي: أعرف علامة ذلك السمّ، وأثره، كأنه بقي للسم علامة، وأثر من سواد أو غيره، (فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جمع لَهَات بفتح اللام، قال الجوهريّ: اللهاة: الْهَنَة المطَبَّقة في أقصى سقف الحلق، والجمع اللَّها، واللَّهَوات، واللَّهَيات، وقال عياض: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة، من أقصى الفم، وقال الداوديّ: لهواته ما يبدو مِنْ فيه عند التبسم، وفي «المُغرب»: اللهاة لحمة مُشْرفة على الحلق. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - ﷺ -»؟ أي: أعرف أثرها، فإِمَّا بتغيّر لون اللَّهوات، وإمَّا بنتوءٍ، أو تحفير فيها، واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، قاله الأصمعيّ، وقيل: هي ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٦٩٣ و٥٦٩٤] (٢١٩٠)، و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٦١٧) و«الجهاد» (٣١٧٥) و«بدء الخلق» (٣٢٦٨) و«الطبّ» (٥٧٦٣) و«الأدب» (٦٠٦٣) و«الدعوات» (٦٣٩١) وفي «الأدب المفرد» (١/ ١٢٢)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٥٠٨)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٥٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢١٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٤٦ و١٠/ ١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أظهر الله تعالى من معجزات النبيّ - ﷺ - حيث كلَّمه الجماد، ولم يؤثر فيه السُّم، وعلم ما غُيِّب عنه من السُّم. ٢ - (ومنها): بيان أن السُّموم لا تؤثر بذواتها، بل بإذن الله تعالى ومشيئته، ألا ترى أن السُّم أثّر في بِشْر - ﵁ -، ولم يؤثر في النبيّ - ﷺ -، فلو كان يؤثر بذاته لأثّر فيهما في الحال؟!. ٣ - (ومنها): أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص، وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه، فيُقتل بمثل ذلك، وقال الكوفيون: لا قصاص في ذلك، وفيه الدِّية على عاقلته، قالوا: ولو دسَّه له في طعام، أو شراب لم يكن عليه شيء، ولا عاقلته، وقال الشافعيّ: إذا فَعَل ذلك به وهو مكره، ففيه قولان: أحدهما: عليه القود، وهو أشبهها. والثاني: لا قود عليه، وإن وضعه له، فأخبره، فأخذه الرَّجل، فأكله، فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة، ذكره القرطبيّ ﵀ . ٤ - (ومنها): بيان جواز أكل طعام من يَحِلّ أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله، وفيه حَمْل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة حتى يتبيّن خلافها . ٥ - (ومنها): بيان عصمته - ﷺ - من الناس كلهم، كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وهي معجزة رسول الله - ﷺ - في سلامته من السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو من تلك الشاة له - ﷺ -، فقد جاء في غير «صحيح مسلم» أنه - ﷺ - قال: «إن الذراع تخبرني أنها مسمومة»، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٤] (…) - (وَحَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَعَلَتْ سَمًّا في لَحْمٍ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِ خَالِدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنَّ يَهُودِيَّةً) تقدّم أن اسمها زينب بنت الحارث، أخت مرحب اليهوديّ. وقوله: (جَعَلَتْ سَمًّا فِي لَحْمٍ) تقدّم أنه بفتح السين، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات، الفتح أفصح، وجمعه سِمَام، وسُمُوم. [تنبيه]: رواية شعبة عن هشام بن زيد هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٣٣٠٩) - حدثنا رَوْحُ، ثنا شعبة، قال: سمعت هشام بن زيد، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث، أن يهوديّة جَعَلت سمًا في لحم، ثم أتت به رسول الله - ﷺ -، فأكل منه رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنها جعلت فيه سُمًّا»، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتلها؟ قال: «لا»، قال: فجعلت أعرف ذلك في لهوات رسول الله - ﷺ -. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ) «الرُّقية» بضمّ الراء، وسكون القاف، جمعه رُقًى، بضم، ففتح، مقصورًا، يقال: رَقَى بالفتح في الماضي، يَرْقِي بالكسر في المستقبل، ورَقِيت فلانًا بكسر القاف، أَرْقِيه، واسترقى: طلب الرُّقية، والجمع بغير همز، وهو بمعنى التعويذ، بالذال المعجمة، قاله في «الفتح» . وقال ابن الأثير ﵀: قد تكرر ذكر الرُّقية، والرُّقى، والرَّقْي، والاسترقاء في الحديث، والرقيةُ: الْعَوْذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة، كالْحُمَّى، والصَّرْع، وغير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها، وفي بعضها النهي عنها، فمن الجواز قوله - ﷺ -: «استرقوا لها، فإن بها النظرة»، متّفقٌ عليه؛ أي: اطلبوا لها من يرقيها، ومن النهي قوله: «لا يسترقون، ولا يكتوون»، متّفقٌ عليه، والأحاديث في القسمين كثيرة. ووجه الجمع بينهما: أن الرُّقَى يُكره منها ما كان بغير اللسان العربيّ، وبغير أسماء الله تعالى، وصفاته، وكلامه، في كُتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة، فيتكل عليها، وإياها أراد - ﷺ - بقوله: «ما توكل من استرقى»، ولا يُكره منها ما كان في خلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن، وأسماء الله تعالى، والرُّقَى المروية، ولذلك قال - ﷺ - للذي رَقَى بالقرآن، وأخذ عليه أجرًا: «من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حقّ» . وكقوله في حديث جابر - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: «اعْرِضوها عليّ، فعرضناها، فقال: لا بأس بها، إنما هي مواثيق»، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به، ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية، وما كان بغير اللسان العربيّ، مما لا يُعرف له ترجمة، ولا يمكن الوقوف عليه، فلا يجوز استعماله. وأما قوله: «لا رُقية إلا من عين، أو حُمَة»: فمعناه: لا رقية أَولى وأنفع، وهذا كما قيل: لا فتى إلا عليّ، وقد أمر - ﷺ - غير واحد من أصحابه بالرقية، وسمع بجماعة يَرْقون فلم يُنكِر عليهم. وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواصّ لا يبلغها غيرهم، فأما العامّ فمرخص لهم في التداوي، والمعالجات، ومن صبر على البلاء، وانتظر الفرج من الله بالدعاء، كان من جملة الخواصّ والأولياء، ومن لم يصبر رُخّص له في الرقية، والعلاج،
مصادر المؤلف (١٤)

١. «مسند أبي يعلى» ٨/ ٢٩٠ - ٢٩١.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٩.

٣. «تنبيه المعلم» ص ٣٧٣.

٤. «المفهم» ٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦.

٥. «الفتح»٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨، كتاب«المغازي»رقم (٤٢٤٩).

٦. «المفهم» ٥/ ٥٨٦.

٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٩.

٨. «عمدة القاري» ١٣/ ١٧١.

٩. «المفهم» ٥/ ٥٧٦.

١٠. «المفهم» ٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧.

١١. «عمدة القاري» ١٣/ ١٧١.

١٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٢١٨.

١٣. «الفتح» ١٣/ ١٥٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٣٥).

١٤. صحيح، أخرجه أبو داود، وغيره.