HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢١٦

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زوج النبي ﷺ؛ أَنَّهَا كَانَتْ، إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا - أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ. ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ. فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المريض. تذهب بعض الحزن».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص26
ج ٤ ص ١٧٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٩
[٦٦٤] و(التَّلْبِينَة) : حَسَاء يُعمل من دقيق أو نُخالة، وربما جُعل فيها عسل، قال صاحب الغريبين : سميت تلبينة تشبيها باللبن لبياضها ورقتها، ويقال له بالفارسية: السَّبُوسَاب، وقوله: (مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ المَريض)؛ أي: يسْرُو عنه همّه. وفي حديث طلحة ﵁: رمى إلى رسول الله ﷺ وقال: (دُونَكَهَا فَإِنَّهُ تُجِمُّ الْفُؤَادَ) ؛ أي: تريحه وتقوي نشاطه، ودُونَكَهَا، أي: خذها، و(مَجَمَّةٌ): مَفْعَلة، ومعناه: سبب الجَمَام، قال صاحب المجمل : الجَمَام: الراحة. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٢٥٦
رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الحيض» ٢٦/ ٨٢٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، ثقةٌ ربما وهم [٥] مات سنة بضع و(٢٣٠) (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجهنيّ الْحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابٌ التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٥] (٢٢١٦) - (وَحَدَّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنى أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ، إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الْفَهمىّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٠. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. والباقون ذُكروا في الأبواب الأربعة الماضية. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عُقيل، وبعده بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وعروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-) -﵂- (أنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: أقاربها، (فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ)؛ أي: نساء الجيران لأجل التعزية، (ثُمَّ تَفَرَّقْنَ)؛ أي: النساء المجتمعات للتعزية، (إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا) هذا ظاهر في كون النساء المجتمعات لم يشاركن في الأكل، وأما ما قاله بعض الشرّاح من أنهنّ شاركن في الأكل، فمخالف لِمَا دلّ عليه سياق الحديث، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (أَمَرَتْ) عائشة -﵂- (بِبُرْمَةٍ) بضمّ الباء الموحّدة، وسكون الراء: القِدْر من الحَجَر، والجمع: بُرَمٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، قاله الفيّوميّ ، وقوله: (مِنْ تَلْبِينَةٍ) بيان لـ«بُرْمة»، وقال المجد -﵀-: والبُرْمَةُ بالضم: قِدْرٌ من حِجارَةٍ، جَمْعه: بُرْمٌ، بالضم، وكصُرَدٍ، وجِبالٍ، وكمُحْسِنٍ: صانِعُهَا، أو مَن يَقْتَلِعُ حِجارَتَها من الجِبالِ. انتهى . و«التلبينة»: -بفتح المثناة، وسكون اللام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانية، ثم نون، ثم هاء، وقد يقال: بلا هاء- قال الأصمعيّ: هي حِسَاءٌ يُعْمَل من دقيق، أو نُخالة، ويُجعل فيه عسل، وقال غيره: أو لبنٌ، سُمّيت تلبينةً؛ تشبيهًا لها باللبن في بياضها، ورِقّتها، وقال ابن قتيبة: وعلى قول من قال: يُخلط فيها لبنٌ سُمّيت بذلك؛ لمخالطة اللبن لها، وقال أبو نعيم في «الطب»: هي دقيق بَحْتٌ، وقال قوم: فيه شحمٌ، وقال الداوديّ: يؤخذ العجين، غير خمير، فيخرج ماؤه، فيجعل حَسْوًا، فيكون لا يخالطه شيء، فلذلك كثر نفعه، وقال الموفق البغداديّ: التلبينة: الْحِساء، ويكون في قوام اللبن، وهو الدقيق النضيج، لا الغليظ النيء. انتهى . (فَطُبِخَتْ) بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده، (ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ) بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الراء: فَعِلٌ بمعنى مفعولٍ، ويقال أيضًا: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الخبزَ ثَرْدًا، من باب قَتَل، وهو أن تَفُتّه، ثمّ تَبُلّه بمرق، والاسم: الثُّرْدةُ، قاله الفيّوميّ . وقال في «التاج»: ثرَدَ الخُبْزَ: فَتَّه، ثم بَلَّه بمَرَقٍ، ثمّ شَرَّفَه وَسْطَ القَصعةِ، وهو الثَّريدُ، والثَّريدةُ، والثُّرْدَةُ، كما في «الأَساس»؛ كاتَّرَدَه، واثَّردَه، بالتاءِ المثنّاة الفوقيّة، والثاءِ المثلّثَة، على افْتَعَله؛ أي: بتشديد التاءِ، والثَّاءِ؛ أي: اتّخذَه، كان في أَصْله اثْتَرده، على افتَعَل، فلما اجتمَعَ حَرفانِ مَخْرجاهما مُتقارِبانِ، في كلمةٍ واحدةٍ، وَجَبَ الإِدغام، إِلّا أَن الثّاءَ لمّا كانت مهموسةً، والتاء مجهورة، لم يَصِحَّ ذلك، فأَبدَلُوا من الأَول تاءً، فأَدغموه في مثله، وناسٌ من العرب يُبدِلُون من التاءِ ثاءً، فيُدغمون، فيقولون: اثَّرَدتُّ، فيكون الحرف الأَصليّ هو الظاهر، كما في «الصّحاح». انتهى . (فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الثريد، ووقع في بعض النسخ بلفظ: «عليها»، والظاهر أنه غلطٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَتْ) عائشة -﵂- لأهلها المصابين بالحزن (كُلْنَ مِنْهَا)؛ أي: من التلبينة المصبوبة على الثريد، (فَإنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ) -بفتح التاء- هي: حِسَاء من دقيق، أو نُخالة، قالوا: وربما جُعل فيها عسل، قال الهرويّ وغيره: سُمِّيت تلبينة تشبيهًا باللبن؛ لبياضها، ورِقّتها، وفيه استحباب التلبينة للمحزون، قاله النوويّ . وقال ابن الأثير: التلبينة، والتلبين: حِساء يُعمَل من دقيق، أو نُخالة، وربما جُعل فيها عسل، سُمِّيت به؛ تشبيهًا باللبن؛ لبياضها، ورقّتها، وهي تسمية بالمرة من التلبين، مصدر لَبَّن القومَ إذا سقاهم اللبن. انتهى . (مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) -بفتح الميم، والجيم- ويقال: بضم الميم، وكسر الجيم؛ أي: تُريح فؤاده، وتزيل عنه الهمّ، وتُنَشِّطه، قاله النوويّ ، وقال القاضي عياض: معناه: تُريحه، وقيل: تفتحه، وقيل: تجمعه. انتهى . وقال في «العمدة»: «مجمّة»: -بفتح الميم، والجيم، وفتح الميم الأخرى المشدّدة- أي: مكان الاستراحة؛ أي: استراحة قلب المريض، ويُرْوَى: مُجِمّة -بضم الميم، وكسر الجيم- أي: مريحة، يقال: جَمّ الفرسُ: إذا ذهب إعياؤه، والجمام الراحة، وقال ابن فارس: الجمام: الراحة، وضَبَطه بضم الميم، على أنه اسم فاعل من أجَمّ، وقال الشيخ أبو الحسن: الذي أعرف بفتح الميم، فهي على هذا مَفْعَلة، من جَمّ يَجُمّ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: التلبينة: حَسَاء من دقيق، و«مُجمَّةٌ»: يروى بفتح الميم، والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، فعلى الأول: هو مصدر؛ أي: جَمَامٌ، وعلى الثاني: يكون اسم فاعل من أجمَّ، ومعناه: أنَّها تقوِّيه، وتُنشطه، وذلك أنها غِذاء فيه لطافةٌ، سَهْل التناول على المريض؛ فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعيَّة، وحصلت له القوّة الغذائية، من غير مشقَّة تَلْحقه، فيُسَرَّى عنه بعض ما كان فيه، ونَشِط، وذهب عنه الضيق، والحزن الذي كان يجده بسبب المرض، وإنما كانت عائشة -﵂- تصنعها لأهل الميت، وتُثَرِّد فيها؛ لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء، فاشتدَّت حرارة أحشائهم من الجوع، والحزن، فلمّا أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع، فخفّ عنهم بعض ما كانوا فيه، ولا يلزم من فِعلها ذلك لهؤلاء أن يفعل بالمريض كذلك، فيثرد له فيها، وإنَّما ذلك بحسب الحال، فإن احتاج المريض إلى تقوية غذاء التلبينة بلُبَابٍ يضاف إليها فَحَسن. وعلى الجملة: فالتلبينة غذاء لطيفٌ، لا ضرر فيه غالبًا، فلذلك نبَّه عليه النبيّ -ﷺ-. انتهى . وقال في «الفتح» عند قوله: «إن التلبينة تُجمّ فؤاد المريض»: قوله: «فإنها تجم» بفتح المثناة، وضم الجيم، وبضم أوله، وكسر ثانيه، وهما بمعنى، ووقع في رواية الليث: «فإنها مجمة» بفتح الميم، والجيم، وتشديد الميم الثانية، هذا هو المشهور، ورُوي بضم أوله، وكسر ثانيه، وهما بمعنى، يقال: جَمّ، وأَجَمّ، والمعنى: أنها تُرِيح فؤاده، وتزيل عنه الهمّ، وتُنَشّطه، والجامّ بالتشديد: المستريح، والمصدر: الْجَمَام ، والإجمام، ويقال: جَمّ الفرسُ، وأجَمّ: إذا أريح، فلم يُركب، فيكون أدعى لنشاطه، وحكى ابن بطال أنه رُوي تَخُمّ بخاء معجمة، قال: والْمَخَمّة: الْمِكنسة. انتهى . وقوله: (لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) قال في «العمدة»: الفؤاد هنا رأس المعدة، وفؤاد الحزين يَضْعُف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصّةً لتقليل الغذاء، وهذا الغذاء يرطبها، ويقوّيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض. انتهى . (تُذْهِبُ) بضمّ أوله من الإهاب رباعيًّا؛ أي: تُزيل (بَعْضَ الْحُزْنِ«) بضمّ، فسكون، أو بفتحتين: الهمّ، وجمعه أحزان. وقال ابن القيّم -﵀-: قوله:»تذهب ببعض الحزن» هذا -والله أعلم- لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويُضْعفان الحرارة الغريزية؛ لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الْحَساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغمّ والحزن. قال: وقد يقال -وهو أقرب-: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها، من جنس خواص الأغذية المفرِّحة، فإن من الأغذية ما يفرِّح بالخاصية، والله أعلم. وقد يقال: إن قُوَى الحزين تَضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصّة؛ لتقليل الغذاء، وهذا الْحَساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلط مراريّ، أو بلغميّ، أو صديديّ، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة، ويَسْرُوه، ويَحْدُره، ويُميعه، ويُعَدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرته، فيريحها، ولا سيما لمن عادَتُه الاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة؛ إذ ذاك، وكان هو غالب قُوْتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم، والله أعلم. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقُ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٥٧٥٥] (٢٢١٦)، و(البخاريّ) في «الأطعمة» (٤٥١٧) و«الطبّ» (٥٦٨٩)، و(الترمذيّ) في «الطبّ» (٢٠٤٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٦١ و٣٧٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٨٠ و١٥٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦١) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز اجتماع الجيران عند أهل الميت؛ ليخفّفوا عنهم ألم الحزن، ويسلّوهم، ويحثّوهم على الصبر. [فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١/ ٥١٤) عن جرير بن عبد الله البجليّ -﵁- قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصَنْعة الطعام من النياحة»، وهو حديث صحيح. [قلت]: يجاب عن ذلك بأن ما في حديث جرير -﵁- محمول على اجتماع غير الجيران، فلا ينبغي لغيرهم أن يجتمعوا عند أهل الميت، وأما هذا الحديث، فهو خاصّ بالجيران، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان استحباب صنع التلبينة للمريض، والمحزون. ٣ - (ومنها): بيان فائدة التلبينة، وهي أنها مَجَمّةٌ للفؤاد، وتُذهب بعض الحزن، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: حدّثنا فَرْوة بن أبي الْمَغْراء، حدّثنا عليّ بن مُسهر، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة: «أنها كانت تأمر بالتلبينة، وتقول: هو الْبَغيض النافع». قال في «الفتح»: كذا فيه موقوفًا، وقد حذف الإسماعيليّ، هذه الطريق، وضاقت على أبي نعيم، فأخرجها من طريق البخاريّ هذه، عن فَرْوة، ووقع عند أحمد، وابن ماجه، من طريق كُلْثم، عن عائشة، مرفوعًا: «عليكم بالبغيض النافع: التلبينة»؛ يعني: الْحَساء ، وأخرجه النسائيّ من وجه آخر، عن عائشة، وزاد: «والذي نفس محمد بيده، إنها لتغسل بطن أحدكم، كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء»، وله، وهو عند أحمد، والترمذيّ من طريق محمد بن السائب بن بركة، عن أمه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله -ﷺ-: «إذا أخذ أهله الْوَعْك أمر بالْحَساء، فصُنِع، ثم أمرهم، فحَسَوا منه، ثم قال: إنه يَرْتُو فؤاد الحزين، ويَسْرُو عن فؤاد السقيم، كما تَسْرو إحداكنّ الوسخَ عن وجهها بالماء». و«يَرْتُو» بفتح أوله، وسكون الراء، وضم المثناة، و«يَسْرُو» وزْنَهُ بسين مهملة، ثم راء، ومعنى «يرتو»: يُقَوِّي، ومعنى «يسرو»: يكشف. و«البغيض» بوزن عظيم، من البغض؛ أي: يبغضه المريضُ مع كونه ينفعه؛ كسائر الأدوية. وحَكَى عياض أنه وقع في رواية أبي زيد المروزيّ بالنون بدل الموحّدة، قال: ولا معنى له هنا. قال الموفق البغداديّ: إذا شئت معرفة منافع التلبينة، فاعرف منافع ماء الشعير، ولا سيما إذا كان نُخالة، فإنه يجلو، وينفذ بسرعة، ويُغَذِّي غذاءً لطيفًا، وإذا شُرِب حارًّا كان أجلى، وأقوى نُفُوذًا، وأنمى للحرارة الغريزية. قال: والمراد بالفؤاد في الحديث: رأس المعدة، فإن فؤاد الحزين يَضْعُف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصّة؛ لتقليل الغذاء، والْحَساء يرطبها، ويغذيها، ويقوّيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلطٌ مراريّ، أو بلغميّ، أو صديديّ، وهذا الْحَساء يجلو ذلك عن المعدة، قال: وسمّاه البغيض النافع؛ لأن المريض يَعافه، وهو نافع له، قال: ولا شيء أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير، وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالأَولى به في مرضه حَسَاء الشعير، والله أعلم . وقال الإمام ابن القيّم -﵀-: التلبين: هو الْحَساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتُقّ اسمه، قال الهرويّ: سُمّيت تلبينةً؛ لِشَبَهها باللبن، لبياضها، ورقّتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج، لا الغليظ النيء، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حَساءٌ متخذٌ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صِحاحًا، والتلبينة تطبخ منه مطحونًا، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيرًا في الانتفاع بالأدوية، والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونًا لا
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة: «عليه».

٢. هو الشيخ الهرري، راجع: «شرحه» ٢٢/ ٢٦٦.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٤٥.

٤. «القاموس المحيط» ١/ ١٣٩٤.

٥. «الفتح» ١٣/ ٧٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٩).

٦. «المصباح المنير» ١/ ٨١.

٧. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ١٩٠٩.

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٢.

٩. «النهاية في غريب الأثر» ٤/ ٢٢٩.

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٢.

١١. «مشارق الأنوار» ١/ ١٥٣.

١٢. «عمدة القاري» ٢١/ ٥٤.

١٣. «اللباب»: طحين مُرقَّقٌ، واللباب أيضًا: الخالص من كلّ شيء.

١٤. «المفهم» ٥/ ٦٠٧.

١٥. «الجَمام» بالفتح: الراحة. اهـ. «لسان العرب» ١٢/ ١٠٥.

١٦. «الفتح» ١٣/ ٧٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٩).

١٧. «عمدة القاري» ٢١/ ٥٤.

١٨. «زاد المعاد» ٤/ ١٢٠ - ١٢١.

١٩. «الحَسَاءُ كسلام: الطبيخ الرقيق يُحسَى»، قاله في «المصباح».

٢٠. «الفتح» ١٣/ ٧٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٩).