HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢١٨

حَدَّثَنَا يَحْيَي بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وأبي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْد: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رسول الله ﷺ في الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». وقَالَ أَبُو النَّضْرِ «لا يخرجكم إلا فرار منه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص26
ج ٤ ص ١٧٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٢٧٧
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ عَطَاء) الخفّاف، أبو نصر العجليّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العبّاس -﵁-، يقال: دلّسه عن ثور [٩] (ت ٤ أو ٢٠٦) (عخ م ٤) تقدم في «الجهاد والسِّيَر» ٢٧/ ٤٦٠١. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٣٦٠) - حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن رجلًا أتى النبىّ -ﷺ-، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسقه عسلًا»، ثم أتاه الثانية، فقال: «اسقه عسلًا»، ثم أتاه الثالثة، فقال: «اسقه عسلًا»، ثم أتاه، فقال: قد فعلت، فقال: «صدق اللهُ، وكَذَب بطن أخيك، اسقه عسلًا»، فسقاه، فَبَرَأَ. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٨] (٢٢١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَسْألُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ، أَوْ عَذَابٌ، أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ: «لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) هو: سالم بن أبي أميّة التيميّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٥ - (عَامِرُ بْن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٦ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀- ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وأن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وأن أسامة صحابيّ ابن صحابيّ -﵄-، حِبّ رسول الله -ﷺ-، وابن حبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِيِ وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات -﵀- بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، ومناقبه جمّة -﵁-، تقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٦/ ٧١. (أنَّهُ)؛ أي: أن عامرًا (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع أباه سعدًا -﵁- (يَسْألُ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ) -﵄- (مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الطَّاعُونِ؟)؛ أي: في شأنه، هل يجوز الدخول إلى موضع وقع فيه، أم لا؟، وهل الخروج من موضع وقع فيه جائز أم لا؟ (فَقَالَ أُسَامَةُ) -﵁- (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ) قال ابن عبد البرّ -﵀-: وأما الرجز، فالعذاب لا يختلف في ذلك أهل العلم باللسان، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٥]ـ وهو كثير، وقد يكون الرجس والرجز سواءً، والرجز النجاسة، والرجز أيضًا عبادة الأوثان، ودليل ذلك قوله ﷿: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]، ولا وجه لذكر الرجز في هذا الحديث إلا العذاب، وكلُّ ما ابتُلِي به الإنسان، من الأوجاع، والْمِحَن، والشيب، وغير ذلك فهو من العذاب، والله أعلم. انتهى . (أَوْ) للشك من الراوي، (عَذَابٌ، أُرْسِلَ) بالبناء للمفعول، (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا، (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال ابن عبد البرّ -﵀-: قوله: «أو على من كان قبلكم» الشك من المحدّث، هل قال رسول الله -ﷺ-: «على بني إسرائيل»، أو قال: «أرسل على من قبلكم»؟ والمعنى -والله أعلم- أن الطاعون أول ما نزل في الأرض، فعلى طائفة من بني إسرائيل قبلنا. انتهى . وقال في «الفتح»: كذا وقع بالشكّ، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة، من طريق عمرو بن دينار، عن عامر بن سعد، بلفظ: «فإنه رجزٌ سُلِّط على طائفة من بني إسرائيل»، وأصله عند مسلم، ووقع عند ابن خزيمة بالجزم أيضًا من رواية عكرمة بن خالد، عن ابن سعد، عن سعد، لكن قال: «رجزٌ أصيب به من كان قبلكم». [تنبيه]: وقع الرجس بالسين المهملة موضع الرجز بالزاي، والذي بالزاي هو المعروف، وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسين، أنه الخبيث، أو النجس، أو القذَر، وجزم الفارابيّ، والجوهريّ بأنه يُطلق على العذاب أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وحكاه الراغب أيضًا، والتخصيص على بني إسرائيل أخصّ، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبريّ من طريق سليمان التيميّ، أحد صغار التابعين، عن سيّار أن رجلًا كان يقال له: بلعام كان مجاب الدعوة، وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أؤامر ربي، فمُنع، فأتوه بهدية، فقبلها، وسألوه ثانيًا، فقال: حتى أؤامر ربي، فلم يُرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في عسكرهم، ومُرُوهنّ أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا، فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك، فأرادها رأس بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه، فمكّنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم، وجاء رجل من بني هارون، ومعه الرمح، فطعنهما، وأيده الله، فانتظمهما جميعًا. وهذا مرسل جيّد، وسيّار شاميّ موثَّقٌ، وقد ذكر الطبريّ هذه القصة من طريق محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النضر، فذكر نحوه، وسمّي المرأة كَشْتًا -بفتح الكاف، وسكون المعجمة، بعدها مثناة- والرجل زِمْرِي -بكسر الزي، وسكون الميم، وكسر الراء- رأس سبط شمعون، وسمّي الذي طعنهما فِنْحَاص -بكسر الفاء، وسكون النون، بعدها مهملة، ثم مهملة- ابن هارون، وقال في آخره: فحُسِب مَن هلك من الطاعون سبعون ألفًا، والمقلِّل يقول: عشرون ألفًا، وهذه الطريق تعضد الأُولى. وقد أشار إليها عياض، فقال: قوله: «أُرسل على بني إسرائيل» قيل: مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا. وذكر ابن إسحاق في «المبتدأ» أن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثُر عصيانهم، فخيّرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدوّ شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى الله تعالى، فرفعه. وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فَيَحْتَمِل أن يكون هو المراد بقوله: «من كان قبلكم»، فمن ذلك ما أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن جبير، قال: أَمَر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم ليخضب كفه في دمه، ثم ليضرب به على بابه، ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك، فقالوا: إن الله سيبعث عليكم عذابًا، وإنما ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤]، فدعا، فكشفه عنهم. وهذا مرسل جيّد الإسناد. وأخرج عبد الرزاق في «تفسيره»، والطبريّ من طريق الحسن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قال: فَرُّوا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا، ثم أحياهم؛ ليكملوا بقية آجالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق السديّ، عن أبي مالك قصتهم مطولةً، فأقدمُ من وقفنا عليه في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك لغيرهم، والله أعلم. انتهى ما في «الفتح» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم» قد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية الأخرى، حيث قال: «إن هذا الوجع، أو السُّقْمَ رجزٌ، عُذِّب به بعض الأمم قبلكم»، فقد فسَّر الطاعون بالمرض، والرجز بالعذاب. والطاعون: وزنه فاعول، من الطعن؛ غير أنه لمّا عُدِل به عن أصله وُضِع دالًّا على الموت العام بالوباء، على ما قاله الجوهريّ، وقال غيره: أصل الطَّاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء: عموم الأمراض، قال: وطاعون عَمْواس: إنما كان طاعونًا، وقروحًا. قال: ويشهد لصحَّة هذا قوله -ﷺوقد سُئل عن الطاعون- فقال: «غُدَّة كغدَّة البعير، تخرج في المراقّ، والآباط»، وقال غير واحد من العلماء: إنه يخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث شاء الله من البدن. قال: وحاصله: أن الطاعون مرضٌ عامٌّ، يكون عنه موت عام، وقد يسمَّى بالوباء، ويُرسله الله نقمةً، وعقوبةً لمن يشاء من عصاة عبيده، وكَفَرَتهم، وقد يرسله شهادة، ورحمةً للصالحين من عباده، كما قال معاذ في طاعون الشام: إنه شهادة ورحمة لكم، ودعوة نبيكم، قال أبو قلابة: يعني: بدعوة نبيكم: أنه -ﷺ- دعا أن يجعل فناء أمته بالطَّعن والطَّاعون، كذا جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو، قال بعض علمائنا: والصحيح بالطَّعن، أو الطاعون، بأو التي هي لأحد الشيئين؛ أي: لا يجتمع ذلك عليهم. قال القرطبيّ: ويظهر لي أن الروايتين صحيحتا المعنى، وبيانه: أن مراد النبيّ -ﷺ- بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنَّه -ﷺ- قد دعا لجميع أمته ألا يهلكهم بِسَنَةٍ عامة، ولا بتسليط أعدائهم عليهم، فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم، ولا معظمهم بموت عامّ، ولا بعدوٍّ على مقتضى هذا الدعاء، والدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت العام، فتعيَّن أن يُصْرَف الأول إلى أصحابه؛ لأنَّهم هم الذين اختار الله تعالى لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله، وبالطاعون الذي وقع في زمانهم، فهلك به بقيتهم، فعلى هذا: قد جمع الله تعالى لهم كلا الأمرين، فتبقى الواو على أصلها من الجمع، أو تُحمل «أو» على التنويعية، والتقسيمية، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ- في الطاعون: «رجز أُرسل على بني اسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه»، وفي رواية: «إن هذا الوجع، أو السقم رجز، عُذِّب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض، فيذهب المرّة، ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يَقْدَمَنّ عليه، ومن وقع بأرض، وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه»، وفي حديث عمر -﵁-: «أن الوباء وقع بالشام». أما الوباء فمهموزٌ مقصورٌ وممدودٌ لغتان: القصر أفصح، وأشهر، وأما الطاعون فهو قُروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق، أو الآباط، أو الأيدي، أو الأصابع، وسائر البدن، ويكون معه وَرَمٌ، وألم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويَسْوَدّ ما حواليه، أو يَخْضَرّ، أو يَحْمَرّ حمرة بَنفسجية؛ كَدِرةً، ويَحصل معه خَفَقان القلب، والقيء، وأما الوباء فقال الخليل وغيره: هو الطاعون، وقال: هو كل مرض عامّ، والصحيح الذي قاله المحققون: أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض، دون سائر الجهات، ويكون مخالفًا للمعتاد من أمراض في الكثرة، وغيرها، ويكون مرضهم نوعًا واحدًا، بخلاف سائر الأوقات، فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر -﵁- كان طاعونًا، وهو طاعون عَمَوَاس، وهي قرية معروفة بالشام، وقد سبق في شرح مقدمة الكتاب في ذكر الضعفاء من الرواة، عند ذكره طاعون الجارف، بيان الطواعين، وأزمانها، وعددها، وأماكنها، ونفائس مما يتعلق بها. انتهى . (فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ)؛ أي: بالطاعون، (بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا) بفتح الدال المهملة، من باب تعب، (عَلَيْهِ) ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوسواس الشيطان، ولأن الله تعالى أمر أن لا يُتَعَرَّض للْحَتْف والبلاء، وإن كان لا نجاة من قَدَر الله، إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله، ولئلا يقول القائل: لو لم أدخل لم أَمْرَض، ولو لم يدخل فلان لم يمت . (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا)؛ أي: بتلك الأرض، (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»)؛ أي: لأجل الفرار من الطاعون، وفيه أن الخروج لعارض لا بأس به، وقال ابن عبد البرّ -﵀-: وأما نهيه -ﷺ- عن القدوم عليه، وعن الفرار منه، فلئلا يلوم أحدهم بعد ذلك نفسه، إن مَرِضَ منه، فمات، أو يقول غيره: لو لم يَقْدَم عليه، أو فَرّ منه لنجا، ونحو هذا، فيلومون أنفسهم فيما لا لوم عليهم فيه؛ لأن الباقي، والناهض، لا يتجاوز أحد منهم أجله، ولا يستأخر عنه، وفيه جاء النهي عن اللوم مطلقًا؛ يعني: قولهم: لو كان كذا، لم يكن كذا، ويقال: إنه ما فَرّ أحد من الطاعون، فنجا. انتهى . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: الذي يترجح عندي في النهي عن الفرار، والنهي عن القدوم، أن الإقدام عليه تَعَرُّض للبلاء، ولعله لا يصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر، أو التوكل، فمُنِع ذلك لاغترار النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق، وأما الفرار فقد يكون داخلًا في باب التوغل في الأسباب، متصورًا بصورة من يحاول النجاة مما قُدّر عليه، فيقع التكلف في القدوم، كما يقع التكلف في الفرار، فأمر بترك التكلف فيهما، ونظير ذلك قوله -ﷺ-: «لا تتمنوا لقاء العدوّ، وإذا لقيتموهم فاصبروا»، متّفقٌ عليه، فأمرهم بترك التمني؛ لِمَا فيه من التعرض للبلاء، وخوف الاغترار بالنفس؛ إذ لا يؤمَن غدرها عند الوقوع، ثم أَمَرَ بالصبر عند الوقوع؛ تسليمًا لأمر الله تعالى. انتهى . (وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة في روايته بدل قول محمد بن المنكدر: «فلا تخرجوا فرارًا منه»: («لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ») برفع «فرارٌ»، قال النوويّ -﵀-: وقع في بعض النُّسخ: «فرارٌ» بالرفع، وفي بعضها: «فرارًا» بالنصب، وكلاهما مشكل من حيث العربيةُ، والمعنى، قال القاضي عياض: وهذه الرواية ضعيفة عند أهل العربية، مفسدة للمعنى؛ لأن ظاهرها المنع من الخروج لكل سبب، إلا للفرار، فلا منع منه، وهذا ضدّ المراد، وقال جماعة: إن لفظة إلّا هنا غلط من الراوي، والصواب حذفها، كما هو المعروف في سائر الروايات، قال القاضي: وخرّج بعض محققي العربية لرواية النصب وجهًا، فقال: هو منصوب على الحال، قال: ولفظة «إلّا» هنا للإيجاب، لا للاستثناء، وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه، والله أعلم. انتهى . وقال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: وأما رواية أبي النضر: «لا يخرجكم إلا فرارٌ منه»، فقد جعله جماعة من أهل العلم غلطًا، وإحالةً للمعنى، وقال جماعة من أهل العلم بالنحو، وتصاريفه: إن دخول «إلا» في هذا الموضع إنما هو لإيجاب بعض ما نُفِي بالجملة، فكأنه قال: تخرجوا منها؛ يعني: البلدة التي وقع الطاعون بها، إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا، والنصب ها هنا بمعنى الحال، لا بمعنى الاستثناء، والله -﷿- أعلم. أي: إذا كان خروجكم فرارًا من الطاعون، فلا تخرجوا منها، وفي ذلك إباحة الخروج من موضع الطاعون، إذا لم يكن الخروج قصدًا إلى الفرار من الطاعون. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا يخرجكم إلا فرارًا منه» رويناه بالنصب، والرفع، وعلى الروايتين فهو مُشْكِل؛ لأنَّه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محال، وهو نقيض مقصود الحديث من أوله إلى آخره قطعًا، ولمّا ظهر هذا الفساد قيَّده بعض رواة «الموطأ»: الإفرار بهمزة مكسورة، وسكون الفاء، توهَّم فيه أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يقال: أفرُّ -رباعيًّا-، وإنما يقال: فرَّ، ومصدره فرار، ومفرّ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦]، وقال: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠]. وقد أشكل هذا الكلام على كثير من العلماء الأعلام حتى قالت جماعة: إن إدخال «إلا» فيه غلط، وقال بعضهم: إنها زائدة، كما قد تزاد «لا» في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: ما منعك أن تسجد، وقال بعض النحويين: إن «إلا» هنا للإيجاب؛ لأنها توجب بعض ما نفاه من الجملة، ونهى عنه من الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا، وأباح الخروج لغرض آخر، والأقرب: أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها؛ كما قد صح في الروايات الأخر. انتهى كلام القرطبيّ: -﵀- . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٥٧٥٨ و٥٧٥٩ و٥٧٦٠ و٥٧٦١ و٥٧٦٢ و٥٧٦٣ و٥٧٦٤ و٥٧٦٥ و٥٧٦٦ و٥٧٦٧ و٥٧٦٨ و٥٧٦٩]، (٢٢١٨)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٧٣) و«الطبّ» (٥٧٢٨) و«الحيل» (٦٩٧٣ و٦٩٧٤)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٦٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٦٢)، و(مالك) في «الموطأ» (٢/ ٨٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٠٢ و٢٠٦ و٢٠٧ و٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٥٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١/ ١٦٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٨١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢١٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٤٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال النوويّ -﵀-: اعلم أن أحاديث الباب كلها من رواية أسامة بن زيد -﵄-، وذَكَر في الطرق الثلاث في آخر الباب ما يوهم، أو يقتضي أنه من رواية سعد بن أبي وقاص، عن النبيّ -ﷺ-. قال القاضي وغيره: هذا وَهَمٌ، إنما هو من رواية سعد، عن أسامة، عن النبيّ -ﷺ-، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تكلّم الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- في كتابه الممتع «التمهيد»، وبحث بحثًا مطوّلًا، ورجّح أنه ليس من مسند سعد بن أبي وقّاص -﵁-، وإنما هو من مسند أسامة بن زيد -﵄-، ودونك بحثه بطوله، قال -﵀بعد أن ساق حديث مالك هذا بسنده-: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عامر بن سعد، عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة، وتابعه على ذلك من رواة «الموطأ» جماعة، منهم مطرِّف، وأبو مصعب، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، ولا وجه لِذِكر أبيه في ذلك؛ لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، سمعه منه، وكذلك رواه مَعْن بن عيسى، وابن بكير، ومحمد بن الحسن، وجماعة سواهم، عن مالك، ولم يقولوا: عن أبيه، وقد جَوّده القعنبيّ، فروى عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن أخبره أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الطاعون رجزٌ …»، وذكر الحديث لعامر، عن أسامة، لم يقل فيه: عن أبيه، ولا ذكر أبا النضر مع محمد بن المنكدر، وسائر رواة «الموطأ» يجمعون فيه عن مالك أبا النضر، ومحمد بن المنكدر جميعًا، كما روى يحيى. قال: وقد روى قوم هذا الحديث عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ-، وهو عندي وَهَمٌ، لا يصحّ، والله أعلم. ثم ساق بسنده عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ- أنه ذكر الطاعون، فقال: «وَجَعٌ أُرسل على من كان قبلكم. . .» الحديث، وهي الرواية السابعة في هذا الباب عند مسلم. قال: وهذا مما حَدّث به معمر بالعراق، وأهل الحديث يقولون: إن ما حَدّث به معمر بالعراق من حفظه، لم يُقِمه، وأخطأ في كثير منه، والدليل على أن هذا مما أخطأ فيه -والله أعلم- ما حدثنا خلف بن قاسم، وساق بسنده إلى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: حدّثنا عامر بن سعد، أنه سمع أسامة بن زيد، وهو يحدّث سعد بن أبي وقّاص: أن النبيّ -ﷺ- ذكر هذا الوجع، وساق الحديث بمعناه. قال: وهذا هو الصحيح فيه لعامر عن أسامة، لا عن أبيه، والله أعلم. قال: وقد رواه يزيد بن الهادي، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن أسامة، لا عن سعد، ثم ساق بسنده إلى يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله -ﷺ- أنه ذُكِر الطاعون عنده، فقال: «إنه رجسٌ، أو رجزٌ، عُذِّبت به أمة من الأمم، وقد بقيت منه بقايا، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم فيه، فلا تفروا منه»، فقال محمد بن المنكدر: فحَدَّثت هذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هكذا حدثنيه عامر بن سعد. وقد رواه عبد الحميد بن جعفر، عن داود بن عامر بن سعد، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا وقع الطاعون بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها، وإذا كان بغيرها، ولستم بها، فلا تدخلوها»، وهذا الإسناد ليس بحجة؛ لمخالفة الحفاظ لداود بن عامر في ذلك، وممن خالفه فيه ابن شهاب، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار، وهؤلاء لا نظير لهم في الحفظ، والإتقان، وليس داود بن عامر ممن يَلْحَق بهم. ثم أخرج بسنده عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع عامر بن سعد، قال: جاء رجل إلى سعد، فسأله عن الطاعون، فقال أسامة: أنا أخبرك، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا هجم الطاعون، وأنتم بأرض، فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوها». [فإن قيل]: قد رواه أبو حذيفة، عن الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن سعد، عن النبيّ -ﷺ-. [قيل له]: نعم، وهو عندنا من حديث عليّ بن عبد العزيز، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، كذلك، ولكنه خطأ، وكان أبو حذيفة كثير الوهم، والخطأ في حديثه عن الثوريّ، وقد ذكره ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله: «إن هذا الطاعون رجزٌ، سُلِّط على من كان قبلكم …» الحديث، وهذا يشهد لِمَا قلناه من خطأ أبي حذيفة. [فإن قيل]: إن أسد بن موسى حَدَّث بهذا الحديث، عن ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أشعث بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، أن سعدًا كان إذا جاءه أسامة بن زيد، لم يقربهما أحدٌ، فجاء عامر بن سعد، فقعد إليهما، فقال أسامة: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا»، فقال سعد لأسامة: أنت سمعت هذا؟ قال: نعم مرتين، فقال سعد: وأنا قد سمعته. [قيل]: هذا حديث لا يَحتجّ به، مَن مَيَّزَ أقلَّ شيء من طرق الأحاديث؛ لأنه خبر منقطع، ضعيف، وابن لهيعة أكثر أهل العلم لا يقبلون شيئًا من حديثه، ومنهم من يَقبل منه ما حَدَّث به قبل احتراق كتبه، ولم يسمع منه فيما ذكروا قبل احتراق كتبه، إلا ابن المبارك، وابن وهب لبعض سماعه، وأما أسد، ومثله، فإنما سمعوا منه بعد احتراق كتبه، وكان يملي من حفظه، فيخطئ، ويخلط، وليس بحجة عند جميعهم، وحديثه هذا أيضًا مع ضَعفه منقطع، وأحاديث الحفاظ الثقات بخلافه. ثم أخرج بسنده عن أسد بن موسى، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عمرو بن سعد بن أبي وقاص، قال: جاء رجل إلى سعد، فسأله عن الطاعون، وعنده أسامة بن زيد، فقال أسامة: أنا أخبرك، سعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن هذا الطاعون رجزٌ، أو عذابٌ، أُرسل على من كان قبلكم، أو على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا». قال: ورواية أسد لهذا الحديث عن ابن عيينة، بخلاف روايته له عن ابن لهيعة دليلٌ على ضبط أسد. [فإن قيل]: إن أبا خالد الأحمر رَوَى عن عكرمة بن خالد المخزوميّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن سعد، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: «الطاعون رجزٌ، أُصيب به من كان قبلكم …» الحديث، وفيه سماع سعد له من النبيّ -ﷺ-. [قيل]: وهذا أيضًا حديث ضعيف الإسناد، تردّه أحاديث الحفاظ؛ لأن سعدًا لو كان عنده فيه سماع من النبيّ -ﷺ- ما احتاج أن يسأل أسامة بن زيد عن ذلك، في حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد: ما سمعت من رسول الله -ﷺ- في الطاعون؟ وفي حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عامر بن سعد، أنه سمع أسامة بن زيد يقول لأبيه سعد بن أبي وقاص، في حديث الطاعون: أنا أخبرك بذلك. [فإن قيل]: إن وكيع بن الجراح رَوَى عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وأسامة بن زيد، وحذيفة ، قالوا: قال رسول الله -ﷺ-: «إن هذا الطاعون رجزٌ. . .» الحديث. [قيل] لقائل ذلك: هذا إسناد آخر، غير إسناد عامر بن سعد، وهذا الإسناد أيضًا الصحيح فيه أن الحديث لإبراهيم بن سعد، عن أسامة بن زيد وحده، كذلك رَوَى شعبة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، في حبيب بن أبي ثابت. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال: وأبو إسحاق الشيبانيّ، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه سيأتي في هذا الباب عند مسلم أن الشيبانيّ رواه من رواية إبراهيم، عن أبيه، لا عن أسامة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وكذلك رواه جماعة عن الثوريّ، وقد اضطرب فيه وكيع، فمرةً رواه هكذا، ومرّة جعله عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، وأسامة، وحذيفة بن ثابت مكان حذيفة، وأصحاب الثوريّ يخالفونه في ذلك، فسقط الاحتجاج بروايته فيه. قال: وأما حديث شعبة، فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ، ثم ساق سنده إلى شعبة قال: حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت أسامة بن زيد يحدّث سعدًا، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها»، قال حبيب: قلت لإبراهيم بن سعد: أنت سمعت أسامة يحدّث سعدًا، وهو جالس، لا ينكره؟ قال: نعم. ثم ساق بسنده إلى عمرو بن عون قال: حدّثنا خالد بن عبد الله، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن هذا الوجع رجزٌ …»، وذكر الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: هذا مخالف لِمَا يأتي عند مسلم من أن الشيبانيّ إنما رواه عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، لا عن أسامة، فتنبّه. قال: هذا ما يجيء على مذهب أهل الحديث في تهذيب إسناد هذا الخبر، على أنه قد يمكن أن يكون سعد قد سمع ما سمع أسامة منه، ولكن الحكم ما ذكرنا، والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كون الحديث من مسند سعد بن أبي وقّاص -﵁- صحيح، كما صححه مسلم هنا؛ فقد أخرجه من رواية سفيان الثوريّ، عن حبيب، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد، وخزيمة، وأسامة، ورواه من رواية الأعمش، عن حبيب، عن إبراهيم، عن أسامة وسعد كلاهما قالا: قال رسول الله -ﷺ-، ورواه من رواية الشيبانيّ، عن حبيب، عن إبراهيم، عن أبيه، ولذا قال الحافظ في «الفتح»: يَحتمل أن يكون سعد تذكّر لَمّا حدّثه به أسامة، وهذا هو الذي أشار إليه ابن عبد البرّ في آخر كلامه، أو نُسبت الرواية إلى سعد؛ لتصديقه أسامة. انتهى. والحاصل أن الحديث صحيح من مسند أسامة -﵁-، كما هو رواية الأكثرين، ومن مسند سعد -﵁-، كما رواه المذكورون، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائد الحديث: ١ - (منها): بيان كون الطاعون عذابًا على الأمم السابقة، وجعله الله تعالى رحمة لهذه الأمة، فكان لها شهادةً، ففي «الصحيحين»: «المطعون شهيد»، وأخرج البخاريّ عن عائشة -﵄- قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن الطاعون، فقال: «كان عذابًا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد، فيكون فيه، فيمكث لا يخرج صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد»، وفي حديث آخر: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وإنما يكون شهادة لمن صبر، كما بيَّنه في الحديث المذكور . ٢ - (ومنها): بيان تحريم القدوم على البلدة التي وقع بها الطاعون، فلا يحل لمن كان خارجها أن يُقدم إليها، وتحريم الخروج من البلدة التي وقع فيها، فلا يحلّ لمن كان بها أن يَخرُج منها فرارًا منه؛ لأنه فرار من القدر، ولئلا تضيع المرضى بعدم من يتفقدهم، والموتى بعدم من يجهزهم، فالأول تأديب، وتعليم، والثاني تفويض، وتسليم، وقيل: هو تعبديّ؛ لأن الفرار من المهالك مأمور به، وقد نُهي عن هذا، فهو لسر فيه لا يُعْلَم معناه . ٣ - (ومنها): الاحتراز من المكاره، وأسبابها، والتسليم لقضاء الله تعالى عند حلول الآفات، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان جواز الخروج لغرض آخر غير الفرار، سواء كان تجارةً، أو طلب علم، أو حاجة أخرى، قال النوويّ -﵀-: واتفقوا على جواز الخروج بشغل، وغرض غير الفرار، ودليله صريح الأحاديث. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: في هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون، ومنع الخروج منه فرارًا من ذلك، أما الخروج لعارض فلا بأس به، وهذا الذي ذكرناه هو مذهبنا، ومذهب الجمهور، قال القاضي: هو قول الأكثرين، قال: حتى قالت عائشة: الفرار منه كالفرار من الزحف، قال: ومنهم من جَوَّز القدوم عليه، والخروج منه؛ فرارًا، قال: ورُوي هذا عن عمر بن الخطاب، وأنه نَدِم على رجوعه من سَرْغ، وعن أبي موسى الأشعريّ، ومسروق، والأسود بن هلال، أنهم فرُّوا من الطاعون، وقال عمرو بن العاص: فِرُّوا عن هذا الرجز في الشعاب، والأودية، ورؤوس الجبال، فقال معاذ: بل هو شهادة، ورحمة. ويتأول هؤلاء النهي على أنه لم ينه عن الدخول عليه، والخروج منه مخافة أن يصيبه غير المقدّر، لكن مخافة الفتنة على الناس؛ لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفارّ إنما كانت بفراره، قالوا: وهو من نحو النهي عن الطيرة، والقرب من المجذوم، وقد جاء عن ابن مسعود قال: الطاعون فتنة على المقيم، والفارّ، أما الفارّ فيقول: فررت، فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت، فمُتُّ، وإنما فَرّ مَن لم يأت أجله، وأقام من حضر أجله، والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه، والفرار منه؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة. قال العلماء: وهو قريب المعنى من قوله -ﷺ-: «لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا». انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: على ظاهر هذا الحديث عمل عمر، والصحابة معه -﵁- لمّا رجعوا من سَرْغ حين أخبرهم بهذا الحديث عبد الرحمن بن عوف، وإليه صاروا، وقالت عائشة -﵄-: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف، وإنما نهى عن القدوم عليه أخذًا بالحزم، والحذر، والتحرُّز من مواضع الضرر، ودفعًا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان، وإنما نُهي عن الفرار منه؛ لأنَّ الكائن بالموضع الذي الوباء فيه، لعلَّه قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادي الوباء مشقات السفر، فيتضاعف الألم، ويكثر الضرر، فيهلكون بكل طريق، ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال: قلَّما فرَّ أحد من الوباء وسَلِم، ويكفي من ذلك موعظةً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قال الحسن: خرجوا حذرًا من الطاعون، فأماتهم الله تعالى في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفًا، وقيل غير هذا. وقالت طائفة أخرى: إنه يجوز القدوم على الوباء، والفرار منه، وحُكي ذلك عن عمر -﵁-، وأنَّه نَدِم على رجوعه من سَرْغ، وقال: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ، وكتب إلى عامله بالشام، بأنه إذا قد وقع عندكم الوباء، فاكتب لي حتى أخرج إليه، وكتب إلى أبي عبيدة في الطاعون، فعزم عليه أن يَقدَم عليه مخافة أن يصيبه الطاعون، وروي عن مسروق، والأسود، وأبي موسى الأشعري -﵃- أنهم فرُّوا من الطاعون. وروي عن عمرو بن العاص -﵁- أنه قال: تفرَّقوا عن هذا الرجز في الشعاب، والأودية، ورؤوس الجبال، واعتمد أصحاب هذا القول على أن الآجال محدودة، والأرزاق مقدَّرة معدودة، فلا يتقدَّم شيء على وقته، ولا يتأخر شيء عن أجله، فالواجب صحة الاعتماد على الله، والتسليم لأمر الله تعالى، فإنَّ الله تعالى لا رادَّ لأمره، ولا معقِّب لحكمه، فالقدوم على الوباء، والفرار سيان بالنسبة إلى سابق الأقدار. وتأوَّل بعضهم الحديث بأن مقصوده التحذير من فتنة الحيِّ؛ فيعتقد أن هلاك من هلك من أجل قدومه على الوباء، ونجاة من نجا من أجل فراره. قالوا: وهذا نحو نهيه عن الطيرة، والقرب من المجذوم، مع قوله: «لا عدوى»، فمن خرج من بلاد الطاعون، أو قَدِم عليها جاز له ذلك؛ إذا أيقن أن قدومه لا يعجّل له أجلًا أخّره الله تعالى، وأن فراره لا يؤخّر عنه أجلًا عجَّله الله تعالى، ولذلك قال ابن مسعود -﵁-: الطاعون فتنة على المقيم والفارّ، أما الفارُّ فيقول: بفراري نجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمتّ، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سُئل عن كراهة النظر إلى المجذوم، فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه، أو خيفة شيء يقع في نفسه. قال النبيّ -ﷺ- في الوباء: «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه». وسُئل أيضًا مالك عن البلد يقع فيه الموت، وأمراض، فهل يُكره الخروج إليه؟ فقال: ما أرى باسًا، خرج أو أقام. قيل: فهذا يُشبه ما جاء في الحديث من الطاعون؟ قال: نعم. قال القرطبيّ: وهذا فيه نظر سيأتي -إن شاء الله تعالى- في حديث ابن عباس -﵄-. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز القدوم إلى بلد الطاعون، وكذا الخروج منه قول مخالف لصريح النهي، فلا يُلتفت إليه، والتأويل الذي ذكروه في الحديث غير مقبول، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): الاحتراز من المكاره، وأسبابها، وفيه التسليم لقضاء الله عند حلول الآفات. ٧ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀-: وفيه عندي -والله أعلم- النهي عن ركوب الغرر، والمخاطرة بالنفس، والْمُهْجة؛ لأن الأغلب في الظاهر أن الأرض الوبيئة لا يكاد يسلم صاحبها من الوباء فيها، إذا نزل بها، فنُهوا عن هذا الظاهر؛ إذ الآجال، والآلام مستورة عنهم، ومن هذا الباب أيضًا قوله: «لا يورد مُمْرِضٌ على مُصِحّ»، ثم قال عند حقيقة الأمر: «فمن أعدى الأول». انتهى . ٨ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀- أيضًا: وفي هذا الحديث إباحة الخبر عن الأمم الماضية، من بني إسرائيل، وغيرهم، ورُوي عن عبد الله بن مسعود -﵁- أنه قال: ما زال رسول الله -ﷺ- يحدثنا عمن خلا من الأمم، حتى لو مرت عُقاب، فقُلب جناحها، لأخبرناكم. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): في ذِكْر أقوال أهل العلم في الطاعون: قال في «الفتح»: الطاعون بوزن فاعول، من الطعن، عَدَلوا به عن أصله، ووضعوه دالًّا على الموت العامّ؛ كالوباء، ويقال: طُعِن، فهو مطعون، وطَعِين: إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، فهو مطعون، هذا كلام الجوهريّ. وقال الخليل: الطاعون: الوباء. وقال صاحب «النهاية»: الطاعون: المرض العامّ الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة، والأبدان. وقال أبو بكر ابن العربيّ: الطاعون: الوجع الغالب الذي يطفئ الروح؛ كالذّبْحَة، سُمّي بذلك؛ لعموم مُصابه، وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجيّ: هو مرض يعمّ الكثير من الناس، في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدًا، بخلاف بقية الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة. وقال الداوديّ: الطاعون: حبة تخرج من الأرقاع، وفي كل طيّ من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسمِّيت طاعونًا؛ لِشَبَهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، قال: ويدل على ذلك أن وباء الشام الذي وقع في عَمَواس إنما كان طاعونًا، وما ورد في الحديث أن الطاعون وَخْزُ الجنّ. وقال ابن عبد البرّ: الطاعون غُدّة تخرج في المراقّ، والآباط، وقد تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث شاء الله. وقال النوويّ في «الروضة»: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو. وقال آخرون: هو هَيَجان الدم، وانتفاخه. قال المتولي: وهو قريب من الجذام، من أصابه تَأَكَّلَت أعضاؤه، وتساقط لحمه. وقال الغزاليّ: هو انتفاخ جميع البدن من الدم، مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ، ويحمرّ، وقد يذهب ذلك العضو. وقال النوويّ أيضًا في «تهذيبه»: هو بَثْرٌ، ووَرَمٌ مؤلم جدًّا، يخرج مع لهب، ويسودّ ما حواليه، أو يخضرّ، أو يحمرّ حمرةً شديدةً بنفسجيةً كدرة، ويحصل معه خَفَقَان، وقيءٌ، ويخرج غالبًا في المراقّ، والآباط، وقد يخرج في الأيدي، والأصابع، وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو عليّ بن سينا: الطاعون مادّة سُمّيّة تُحدِث وَرَمًا قتّالًا، يَحْدُث في المواضع الرخوة، والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم رديء مائل إلى العُفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سُمّيّ، يُفسد العضوَ، ويغيّر ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء، والغثيان، والغشي، والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قَلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أُطلق على الطاعون وباء، وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادّة الروح، ومدده. قال الحافظ -﵀-: فهذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة، وأهل الفقه، والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته وَرَمٌ ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو، فيُفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونًا بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة الموت. قال: والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء حديث: «أن الطاعون لا يدخل المدينة»، وقد ثبت في حديث عائشة -﵄-: «قَدِمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله -وفيه قول بلال -﵁--: أخرجونا إلى أرض الوباء»، وفي «صحيح البخاريّ» من حديث أبي الأسود: «قَدِمت المدينة في خلافة عمر، وهم يموتون موتًا ذريعًا»، وفي حديث الْعُرنيين: «أنهم استوخموا المدينة»، وفي لفظ: «أنهم قالوا: إنها أرض وبئة»، فكل ذلك يدلّ على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وقد صرح الحديث الأول بأن الطاعون لا يدخلها، فدلّ على أن الوباء غير الطاعون، وأن من أطلق على كل وباء طاعونًا فبطريق المجاز. قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العامّ، يقال: أوبأت الأرض، فهي موبئة، ووَبَئِت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة، والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء، ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طعن الجنّ، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء، من كون الطاعون ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصبابه؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك يَحْدُث عن الطعنة الباطنة، فتَحْدُث منها المادة السُّمّيّة، ويهيج الدم بسببها، أو ينصبّ، وإنما لم يتعرض الأطباء؛ لكونه من طعن الجنّ؛ لأنه أمرٌ لا يُدرَك بالعقل، وإنما يُعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذيّ في «معاني الأخبار»: يَحْتَمِل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط، من دم، أو صفراء محترقة، أو غير ذلك، من غير سبب يكون من الجنّ، وقسم يكون من وَخْز الجنّ، كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن، من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضًا من طعن الإنس. انتهى. قال الحافظ: ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجنّ وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواءً، وأطيبها ماءً، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارةً، ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا، ويجيء أحيانًا على غير قياس، ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعمّ الناس، والحيوان، والموجودُ بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعمّ جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط، وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدلّ على أنه من طعن الجنّ، كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك: منها: حديث أبي موسى -﵁-، رفعه: «فناء أمتي بالطعن، والطاعون، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجنّ، وفي كلٍّ شهادة»، أخرجه أحمد، من رواية زياد بن عِلاقة، عن رجل، عن أبي موسى، وفي رواية له: عن زياد حدّثني رجل من قومي، قال: كنا على باب عثمان ننتظر الإذن، فسمعت أبا موسى، قال زياد: فلم أرْضَ بقوله، فسألت سيد الحيّ، فقال: «صدق»، وأخرجه البزار، والطبرانيّ من وجهين آخرين، عن زياد، فسمَّيا المبهَم يزيد بن الحارث، وسمّاه أحمد في رواية أخرى: أسامة بن شريك، فأخرجه من طريق أبي بكر النَّهْشليّ، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة نفسًا من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى. ولا معارضة بينه وبين من سمّاه يزيد بن الحارث؛ لأنه يُحْمَل على أن أسامة هو سيد الحيّ الذي أشار إليه في الرواية الأخرى، واستثبته فيما حدثه به الأول، وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال «الصحيحين»، إلا المبهم، وأسامة بن شريك صحابيّ مشهور، والذي سمّاه، وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة، والحاكم، وأخرجاه، وأحمد، والطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ: «قال: سألت عنه رسول الله -ﷺ-، فقال: هو وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة»، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا بَلْجٍ -بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها جيم- واسمه يحيى، وَثّقه ابن معين، والنسائيّ، وجماعة، وضعّفه جماعة، بسبب التشيع، وذلك لا يقدح في قبول روايته، عند الجمهور. وللحديث طريق ثالثة أخرجها الطبرانيّ من رواية عبد الله بن المختار، عن كريب بن الحارث بن أبي موسى، عن أبيه، عن جدّه، ورجاله رجال الصحيح، إلا كُريبًا وأباه، وكريب وثقّه ابن حبان. وله حديث آخر في الطاعون، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم، من رواية عاصم الأحول، عن كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس، أخي أبي موسى الأشعريّ، رفعه: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك، بالطعن، والطاعون». قال العلماء: أراد -ﷺ- أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة، وهو القتل في سبيل الله، بأيدي أعدائهم، إما من الإنس، وإما من الجنّ. ولحديث أبي موسى شاهد من حديث عائشة، أخرجه أبو يعلى، من رواية ليث بن أبي سُليم، عن رجل، عن عطاء، عنها، وهذا سند ضعيف. وآخر من حديث ابن عمر، سنده أضعف منه، والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى، فإنه يُحكَم له بالصحة؛ لتعدُّد طرقه إليه. وقوله: «وَخْز» -بفتح أوله، وسكون المعجمة، بعدها زاي- قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووَصَفَ طعن الجن بأنه وخزٌ؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثّر بالباطن أوّلًا، ثم يؤثّر في الظاهر، وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أوّلًا، ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ. [تنبيه]: يقع في الألسنة، وهو في «النهاية» لابن الأثير تبعًا لغريبي الهرويّ، بلفظ: «وخز إخوانكم»، قال الحافظ: ولم أره بلفظ: «إخوانكم» بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لـ«مسند أحمد»، أو الطبرانيّ، أو «كتاب الطواعين» لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ -وَنَسَبَهُ ابْنُ قَعْنَبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ- عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ، ابْتَلَى اللهُ -﷿- بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ، فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بأَرْضٍ، وَأنتُمْ بِهَا، فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ»، هَذَا حَدِيثُ الْقَعْنَبِيِّ، وَقُتَيْبَةَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وسكنها مدّة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠)، وهو ابن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ) الحِزاميّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي النضر هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ، سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا؛ فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ، فَلَا تَدْخُلُوهَا»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) «أو» فيه للشكّ من الراوي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦١] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ أخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «هُوَ عَذَابٌ، أَوْ رِجْزٌ أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَى طَائِفَةٍ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ نَاسٍ كَانُوا قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَهَا عَلَيْكُمْ، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ المكيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) لا يُعرف الرجل، قاله صاحب «التنبيه» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِإِسْنَادِ ابْنِ جُرَيْجٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذين الإسنادين: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) العتكيّ الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله ببابين. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) الضمير لحمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (٧٥٢٤) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا حماد، عن عمرو، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، أن النبيّ -ﷺ- ذكر الطاعون، فقال: «بقية رجز، وعذاب، أُرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض، ولستم بها، فلا تهبطوا عليها». انتهى . وأما رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، فساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٢١٧٩٩) - حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن عامر بن سعد، قال: جاء رجل يسأل سعدًا عن الطاعون، فقال أسامة بن زيد: أنا أُحدّثك عنه، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن هذا عذاب، أو كذا أرسله الله على ناس قبلكم، أو طائفة من بني إسرائيل، فهو يجيء أحيانًا، ويذهب أحيانًا، فإذا وقع بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه». انتهى . وساقها الحميديّ أيضًا في «مسنده»، فقال: (٥٤٤) - ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: جاء رجل إلى سعد، يسأله عن الطاعون، وعنده أسامة بن زيد، فقال أسامة: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «هو عذابٌ، أو رجزٌ، أُرسل على أناس ممن كان قبلكم، أو على طائفة من بني إسرائيل، فهو يجيء أحيانًا، ويذهب أحيانًا، فإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها»، فقال عمرو: فلعله لقوم عذابٌ، أو رجزٌ، ولقوم شهادة، قال سفيان: فأعجبني قول عمرو هذا. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيىَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أًخْبَرَني عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ، أَوِ السَّقَمَ رِجْزٌ، عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، ثُمُّ بَقِيَ بَعْدُ بِالأَرْضِ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ، وَيَأْتِي الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَهُوَ بِهَا، فَلَا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله ببابين. وقوله: (إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ) بفتحتين مصدر وَجِع، من باب تعب؛ أي: مرض، قال الفيّوميّ -﵀-: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بطنه، يُجعَل الإنسانُ مفعولًا، والعضوُ فاعلًا، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريض، متألِّمٌ، ويقع الوَجَعُ على كلّ مرض، وجمعه أَوْجَاعٌ، مثلُ سبب وأسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثلُ جَبَل وجِبَال، وقوم وَجِعُونَ، ووَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساءٌ وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى، وربما قيل: أَوْجَعَهُ رأسه بالألف، والأصل: وَجَعَهُ ألَمُ رأسه، وأَوْجَعَهُ ألم رأسه، لكنه حُذف للعلم به، وعلى هذا فيقال: فلان مَوْجُوعٌ، والأجود: مَوْجُوعُ الرأس، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رَأسَهُ، بحذف المفعول، انتَصَبَ الرأس، وفي نصبه قولان، قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أمرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفرَّاءِ: نصبُ البطن بنزع الخافض، والأصل: وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدت في أمرك؛ لأن المفسّرات عند البصريّين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول بجعل الشخص مفعولًا واضحٌ، أما إذا جُعل الشخص فاعلًا، والعضو مفعولًا فلا يحتاج إلى هذا التّأويل، وتَوَجَّعَ: تَشَكَّى، وتَوَجَّعْتُ له من كذا: رَثَيْتُ له. انتهى . وقوله: (أَوِ السَّقَمَ) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون، يقال: سَقِمَ سَقَمًا، من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا، من باب قَرُبَ، فهو سقيمٌ، وجَمْعه سِقَامٌ، مثلُ كريم وكِرام، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، والسَّقَام بالفتح اسم منه، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقوله: (رِجْزٌ) بكسر الراء، وسكون الجيم، آخره زاي؛ أي: عذاب. وقوله: (ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها، ويجوز قَطْعُه عنها لفظًا ومعنًى، فيُنصب على الظرفيّة، وإلى هذا أشار في «الخلاصة»، حيث قال: قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم نقل كلام الفيّوميّ هذا في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وإنما أعدته لأهمّيته، فتنبّه. وَاضْمُمْ بِنَاءً «غَيْرًا» انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا «قَبْلُ» كَـ«غَيْرُ» «بَعْدُ» «حَسْبُ» «أَوَّلُ» … و«دُونُ» والْجِهَاتُ أَيْضًا و«عَلُ» وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا … «قَبْلًا» ومَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ -يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧)، وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله ببابين. [تنبيه]: رواية معمر بن راشد عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزاق -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٢٠١٥٨) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن هذا الوباء رجزٌ، أهلك الله به بعض الأمم قبلكم، وقد بقي منه في الأرض شيءٌ، يجيء أحيانًا، ويذهب أحيانًا، فإذا وقع وأنتم بأرض، فلا تخرجوا منها، وإذا سمعتم به في أرض فلا تأتوها». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَغَنى أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا، وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ بِأَرْضٍ، فَلَا تَدْخُلْهَا»، قَالَ: قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالُوا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ بِهِ، قَالَ. فَأَتَيْتُهُ، فَقَالُوا: غَائِبٌ. قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: شَهِدْتُ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رِجْزٌ، أَوْ عَذَابٌ، أَوْ بَقِيَّةُ عَذَابٍ، عُذِّبَ بهِ أُنَاسٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ، وَأَنتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ بِأَرْضٍ، فَلَا تَدْخُلُوهَا»، قَالَ حَبِيبٌ: فَقُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ: آنْتَ سَمِعْتَ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا، وَهُوَ لَا يُنْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، وكان كثير الإرسال، والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ١/ ١. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت. ورَوى عنه ابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: معدود في الطبقة الثانية من فقهاء أهل المدينة، بعد الصحابة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال في «التقريب»: مات بعد المائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٢١٨)، وحديث (٢٤٠٤): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟». والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. شرح الحديث: (عَنْ حَبِيبِ) بن أبي ثابت، أنه (قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ) النبويّة (فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ)؛ أي: وهي بلدي، فأردت أن أسافر إليها، (فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم المدنيّ المتوفّى سنة (٩٤)، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. (وَغَيْرُهُ) لم أعرفه، ولكن لا تضرّ جهالته؛ لأنه ذُكر مقرونًا بعطاء، ولفظ أحمد في «مسنده»: «قال: كنت بالمدينة، فبلغني أن الطاعون بالكوفة، قال: فذكر لي عطاء بن يسار، وغير واحد من أهل المدينة، هذا الحديث . (إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) بكسر«إنّ»؛ لوقوعها مقول القول، (قَالَ:«إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ، فَوَقَعَ) الطاعون (بِهَا)؛ أي: بتلك الأرض، (فَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا) إلى غيرها فرارًا، (وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ)؛ أي: الطاعون وقع (بِأَرْضٍ) لست فيها (فَلَا تَدْخُلْهَا»، قَالَ) حبيب: (قُلْتُ) لعطاء بن يسار، وغيره: (عَمَّنْ؟)؛ أي: عن أيّ شخص رويتم هذا الحديث؟ (قَالُوا) رويناه (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص، تقدّم في الحديث الماضي، حال كونه (يُحَدِّثُ بهِ)؛ أي: بهذا الحديث. (قَالَ) حبيب (فَأَتَيْتُهُ)؛ أي: أتيت منزله (فَقَالُوا)؛ أَي: أهل بيته: هو (غائِبٌ) عن البيت (قَالَ) حبيب: (فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ) بن أبي وقّاص (فَسَأَلتُهُ) عن هذا الحديث، (فَقَالَ) إبراهيم: (شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من تَعِب؛ أي: حضرت (أُسَامَةَ) بن زيد -﵄-، حال كونه (يُحَدِّثُ سَعْدًا)؛ أي: ابن أبي وقّاص، والد إبراهيم، (قَالَ) أسامة -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ) بفتحتين؛ أي: المرض، (رِجْزٌ)؛ أي: عذاب، (أَوْ عَذَابٌ، أَوْ بَقِيةُ عَذَابٍ)»أو«في الموضعين للشكّ من الراوي، (عُذِّبَ) بالبناء للمفعول، (بِهِ أُنَاسٌ مِنْ قَبْلِكُمْ)؛ أي: من الأمم السابقة، وهم بنو إسرائيل، كما بُيّن في الرواية الأخرى، (فَإذَا كَانَ بِأَرْضٍ)»كان«تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ -﵀- في»مُلحته«: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ أي: وقع الطاعون في أرض (وَأَنْتُمْ بِهَا) جملة حاليّة من«أرض»، (فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا)؛ أي: فرارًا، وأما الخروج لغرض آخر، فجائز، كما تقدّم بيانه. (وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ)؛ أي: الطاعون (بِأَرْضٍ)؛ أي: فيها، (فَلَا تَدْخُلُوهَا»، قَالَ حَبِيبٌ)؛ أي: ابن ثابت: (فَقُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ) بن سعد: (آنْتَ) بمد الهمزة، أصله أأنت بهمزتين، الأولى للاستفهام، فقُلبت الثانية ألفًا، (سَمِعْتَ أُسَامَةَ) بن زيد (يُحَدِّثُ سَعْدًا)؛ أي: ابن أبي وقّاص بهذا الحديث (وَهُوَ لَا يُنْكِرُ؟) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن سعدًا لا يُنكر على أسامة حديثه هذا. (قَالَ) إبراهيم (نَعَمْ) سمعته يُحدّثه به، وهو غير منكر عليه، والله تعالى أعلم. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وإلا فأصله متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ في أَوَّلِ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، رجّح ابن معين أخاه المثنّى عليه [١٠]، (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٢ - (خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتِ) بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاريّ الخطميّ، أبو عُمارة المدنيّ، ذو الشهادتين، شَهِد بدرًا وما بعدها. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه ابنه عُمارة، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعُمارة بن عثمان بن حُنيف، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وأبو عبد الله الْجَدَليّ، وعبد الله بن يزيد الخطميّ على اختلاف فيه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن يسار، وغيرهم. قال ابن سعد: كان هو وعُمير بن عديّ بن خَرَشَة يكسران أصنام بني خَطْمة، وقال أبو معشر المدنيّ، عن محمد بن عُمارة بن خزيمة بن ثابت: ما زال جدّي كافًّا سلاحه يوم صِفِّين حتى قُتل عَمّار، فسَلَّ سيفه، وقاتل حتى قُتل، وذلك سنة سبع وثلاثين. وإنما قيل له: ذو الشهادتين؛ لأن النبيّ -ﷺ- جَعل شهادته بشهادة رجلين، أخرج ذلك أبو داود، وعند أحمد من مسند خزيمة أنه أخبر النبيّ -ﷺ- أنه رأى في المنام أنه يسجد على جبهته، فاضطجع حتى سجد خزيمة على جبهته، وذكر ابن عبد البرّ، والترمذيّ قبله، واللالكائيّ أنه شهد بدرًا، وأما أصحاب المغازي فلم يذكروه في البدريين، وعدّه ابن الْبَرْقي فيمن لم يشهد بدرًا، وقال العسكريّ: وأهل المغازي لا يُثبتون أنه شهد أُحُدًا، وشَهِد المشاهد بعدها. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، و«سفيان» هو: الثوريّ، و«حبيب» هو: ابن أبى ثابت. وقوله: (عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ … الخ) هذا صريح في كون سعد بن أبي وقّاص -﵁- ممن رواه عن النبيّ -ﷺ-، بخلاف الروايات السابقة، فإنها صريحة في كونه رواه عن أسامة بن زيد، عن النبيّ -ﷺ-، فبينهما معارضة، لكن قال الحافظ -﵁- في «الفتح»: وهذا الاختلاف لا يضرّ؛ لاحتمال أن يكون سعد تذكّر لَمَّا حدثه به أسامة، أو نُسِبت الرواية إلى سعد؛ لتصديقه أسامة، وأما خزيمة فيَحْتَمِل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد ذلك، فضمّه إليها تارةً، وسكت عنه أخرى. انتهى . [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (٧٥٢٣) - أخبرنا محمود بن غيلان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك، وخزيمة بن ثابت، وأسامة بن زيد، قالوا: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إن هذا الطاعون رِجْزٌ، وبقية عذاب، عُذِّب به قوم، فإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا وقع بأرض، ولستم بها، فلا تدخلوها». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعْدٌ جَالِسَيْنِ، يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، أخو أبي بكر، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: حديث الأعمش نحو حديث شعبة، وسفيان، وإنما جمع الضمير؛ على القول الراجح في أن أقلّ الجمع اثنان، وقد تقدّم غير مرّة، وهذا هو الواقع في النسخ التي بين أيدينا من «صحيح مسلم»، وهو صحيح على هذا الوجه، وأما دعوى الشيخ الهرريّ أن هذا غلط، والصواب: «بنحو حديثهما» فغير صحيحة، ومن أغرب ما كتبه أن قوله: «بنحو حديثهم» وقع في أغلب النُّسخ موهمًا إلى أن هناك نسخة، أو نُسخًا وقع فيها: «بنحو حديثهما»، على نحو ما أصلحه، وهذا غير صحيح، فلم أر في نُسخة من النُّسخ الموجودة عندنا إشارة إلى هذا، حتى في هوامشها، وقد وقع للشيخ مثل هذا الإصلاح في غير موضع من الكتاب، فيا ليته لم يفعل هذا، والله تعالى المستعان. والحاصل: أن ما وقع في الكتاب بلفظ: «بنحو حديثهم» صحيح روايةً، ودراية، فقد حققت ترجيح هذا القول في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَبِيِّ -ﷺ-، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ) بن عثمان، أبو محمد الواسطيّ، ويقال له: وهبان، ثقةٌ [١٠]، (ت ٢٣٩)، وله (٥ أو ٩٦) سنةً (م د س) تقدم في «الإمارة» ١٥/ ٤٧٩٠. ٢ - (خَالِدٌ الطَّحَّانُ) ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد، أبو الهيثم الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٩. والباقون ذكروا في الباب. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث أبي إسحاق الشيبانيّ عن حبيب بن أبي ثابت نحو حديث شعبة، والثوريّ، والأعمش عنه. [تنبيه]: رواية أبي إسحاق الشيبانيّ عن حبيب بن أبي ثابت هذه ساقها
مصادر المؤلف (٤٠)

١. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٥٢.

٢. وفي نسخة: «إلا فرارًا منه».

٣. وليس من سُداسيّاته؛ لأن عامر بن سعد سمعه من أسامة، فهو يرويه عنه، لا عن أبيه، وإنما أبوه هو السائل لأسامة، فتنبّه، فقول بعض الشرّاح: إنه من سُداسيّاته، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابي، غير صحيح، فتنبّه.

٤. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٢/ ٢٥٨.

٥. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٢/ ٢٥٨.

٦. «الفتح»١٣/ ١٣٤ - ١٣٦، كتاب«الطبّ»رقم (٥٧٢٨).

٧. «المفهم» ٥/ ٦١١ - ٦١٢.

٨. «شرح النوويّ»١٤/ ٢٠٤.

٩. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٢٩٧.

١٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٢/ ٢٥٩.

١١. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٢٩٧.

١٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٤.

١٣. «الاستذكار» ٨/ ٢٥٤.

١٤. «المفهم» ٥/ ٦١٤ - ٦١٥.

١٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٨.

١٦. هكذا النسخة، والصواب كما يأتي عند مسلم: «عن خزيمة بن ثابت»، لا عن حذيفة، فتنبّه.

١٧. هذا تصحيف، والصواب «عن خزينة»، فتنبّه.

١٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٢/ ٢٤٩ - ٢٥٦.

١٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٥.

٢٠. «شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٤/ ٢٩٩.

٢١. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٧.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.

٢٣. «المفهم» ٥/ ٦١٢ - ٦١٤.

٢٤. «التمهيد» لابن عبد البر ١٢/ ٢٦٠.

٢٥. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢١/ ١٨٥.

٢٦. من باب تعب.

٢٧. أي: بالبناء للمفعول.

٢٨. هكذا النسخة: «أصل الطاعون»، والعبارة فيها شيء من الركاكة، ولعل الصواب: «أن أصل الوباء لم يتكلم فيه الأطباء … إلخ»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٢٩. «الفتح» ١٣/ ١٣٠ - ١٣٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٨).

٣٠. وفي نسخة: «أو على ناس».

٣١. «تنبيه المعلم» ص ٣٧٨.

٣٢. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٣٦٢.

٣٣. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٢٠٠.

٣٤. «مسند الحميديّ» ١/ ٢٤٩.

٣٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨.

٣٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٠.

٣٧. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ١٤٦.

٣٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٥/ ٢٠٩.

٣٩. «الفتح» ١٣/ ١٣٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٨).

٤٠. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٣٦٢.