HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢١٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ. أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ. فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. قَالَ ابن عباس: فقال عمر: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَاخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الْأَنْصَارِ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ. فَاسْتَشَارَهُمْ. فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ. وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادع لي من كان ههنا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْح. فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ. فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة ابن الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! (وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ) نَعَمْ. نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ. أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ. إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ. فَقَال: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثم انصرف.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص29
ج ٤ ص ١٧٤٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٣١
[٦٦٧] الطاعون الموت الذريع، وفيه أنه عذاب لقوم؛ ورحمة لهذه الأمة، إذ جُعِل للمطعون شهادة، وفيه أن القدوم عليه لا يجوز، مخافة أن يحل به من قدر الله أمر؛ فيحسب أن ذلك لقدومه تلك البلدة، ولو لم يقدَمها لم يصبه، وكذلك إذا خرج فرارا من الطاعون؛ فسلم حسب أن ذلك بخروجه، فهو مثل الأول في الإثم. وفي قول عمر ﵁ إثبات للقدر؛ إذ رأى تصرف الأحوال كلها بقدر الله، و(سَرْغ)؛ بالسين المهملة والراء المهملة الساكنة والغين المعجمة موضع بالشام، و(عُدوَة الوَادِي): جانبه، وفيه تلقي السنن بالقبول؛ لأنه لما سمع عبد الرحمن بن عوف ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قبله وصار إليه، وقوله: (وَلَا تُقدِمَهُمْ)؛ يقال: قَدَم هو عليه، وأَقدَمْتُه أنا عليه، وقوله: (إِنِّي مُصبحٌ عَلَى ظَهرٍ)؛ أي: على ظهر الدابة، أي راكب ومرتحل صبيحة غد؛ فاركبوا عليها وارتحلوا، فقوله: (مُصْبِحٌ عَلَى ظهرٍ)؛ أي: على ظهر الظهر، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: لأبي عبيدة: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا): جواب لو محذوف، والتقدير: لأدبته، ويجوز أن يكون التقدير: لم أتعجب منه، ولكني تعجبت منك، وأنت أنت في الفضل تقول هذا، وقوله: (مُعَجَّزَهُ)؛ أي: تنسبه إلى العجز، و(الْجَدِبَةُ) و(الْخَصِبَةُ): بكسر الدال والصاد بمعنى: الجَدِيبَة والخَصِيبَة، ويجوز بسكون الدال، والصاد ويكون بمعنى: الجَدب والخصب، والتقدير مكان الجدب والخصب. ومن باب العدوى والطيرة
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٣١٢
الحافظ أحمد بن إبراهيم الدورقيّ -﵀- في «مسند سعد»، فقال: (٧٨) - حدّثنا أحمد، حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن الشيبانيّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن هذا الوجع -يعني: الطاعون- رجزٌ أُنزل على من كان قبلكم، فإذا أخذ بأرض، وكنتم بها ، فلا تطؤوها، حتى يُقْلِع عنها، وإذا أخذ بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٠] (٢٢١٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ، لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ، قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِىَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أبَا عُبَيْدَةَ -وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ- نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ، فَهَبَطْتَ وَادِيًا، لَهُ عِدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَليْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأنتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ انْصَرَفَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيدِ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدويّ، أبو عمر المدنيّ، أمه من بني البكاء بن عامر، واستعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقيل: عِداده في أهل الجزيرة، ثقةٌ [٤]. روى عن أبيه، وابن عباس، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسلم بن يسار الجهنيّ، ومقسم مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه أولاده: زيد، وعبد الكبير، وعمر، والزهريّ، وقتادة، وزيد بن أبي أنيسة، والحكم بن عتيبة، وجماعة. قال الزبير بن بكار: كان أبو زناد كاتبًا له، وقال العجليّ، والنسائيّ، وابن خِراش: ثقةٌ، وقال أبو بكر بن أبي داود: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، تُوُفّي بِحَرّان في خلافة هشام. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٢١٩)، وحديث (٢٣٩٧): «ما لقيك الشيطان قطّ سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجّك»، وله عند ابن ماجه حديث واحد في إتيان الحائض. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ) بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١ أو ١٥٩) (خ م د س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٤/ ١٦٦٨. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر -﵄-، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة القرشيّ الزهريّ، الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٣/ ٩٥٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ -﵄-، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية عبد الحميد عن عبد الله بن عبد الله من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الرابعة، وأن ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵄-. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ)؛ أي: ابن الحارث بن عبد المطلب لجد أبيه نوفل ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، له صحبة، وكذا لولده الحارث، ووُلد عبدُ الله بن الحارث في عهد النبيّ -ﷺ-، فعُدّ لذلك في الصحابة، فهم ثلاثة من الصحابة في نسق، وكان عبد الله بن الحارث يلقب بَبَّة -بموحدتين، مفتوحتين، الثانية مثقّلة- ومعناه: الممتلئ البدن من النعمة، ويكنى أبا محمد، ومات سنة أربع وثمانين، وأما ولده راوي هذا الحديث، فهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكان يُكنى أبا يحيى، ومات سنة تسع وتسعين، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وله في مسلم ثلاثة أحاديث، وقد تقدّمت في ترجمته. قال الحافظ: وقد وافق مالكًا على روايته عن ابن شهاب، هكذا معمر وغيره، وخالفهم يونس، فقال: عن ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث، أخرجه مسلم ، ولم يَسُق لفظه، وساقه ابن خزيمة، وقال: قول مالك ومن تابعه أصحّ. وقال الدارقطنيّ: تابع يونس صالح بن نصر، عن مالك، وقد رواه ابن وهب، عن مالك، ويونس جميعًا، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث، والصواب الأول، وأظنّ ابن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس، قال: وقد رواه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، عن مالك؛ كالجماعة، لكن قال: عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس، زاد في السند: «عن أبيه»، وهو خطأ. قال الحافظ: وقد خالف هشام بن سعد جميع أصحاب ابن شهاب، فقال: عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، وعمر، أخرجه ابن خزيمة، وهشام صدوقٌ سيّئ الحفظ، وقد اضطرب فيه، فرواه تارةً هكذا، ومرّةً أخرى عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، وعمر، أخرجه ابن خزيمة أيضًا. ولابن شهاب فيه شيخ آخر، قد ذكره البخاريّ إثر هذا السند، فقال بسنده: عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر، أن عمر خرج إلى الشام. انتهى . (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁- (خَرَجَ إِلَى الشَّامِ) البلد المعروف، وهو بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة شأميّ على الأصل، ويجوز شآمٍ بالمدّ من غير ياء، مثلُ يمنيّ، ويمانٍ، قاله الفيّوميّ . [تنبيه]: كان خروج عمر -﵁- إلى الشام -على ما ذكره سيف بن عمر في «الفتوح»- في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة، وأن الطاعون كان وقع أوّلًا في المحرّم، وفي صفر، ثم ارتفع، فكتبوا إلى عمر، فخرج، حتى إذا كان قريبًا من الشام بلغه أنه أشدّ ما كان، فذكر القصة، وذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر -﵁- إلى سَرْغَ كان في سنة سبع عشرة، فالله أعلم. وهذا الطاعون الذي وقع بالشام حينئذ هو الذي يُسَمَّى طاعون عَمَوَاس -بفتح العين المهملة، والميم، وحُكِي تسكينها، وآخره سين مهملة- قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه عَمَّ، وواسى . وقال القرطبيّ -﵀-: كان هذا الخروج من عمر -﵁- بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة، على ما ذكره خليفة بن خيَّاط، وكان يتفقد أحوال رعيته، وأحوال أمرائه، وقد كان خرج قبل ذلك إلى الشام لمّا حاصر أبو عبيدة إيلياء، وهي البيت المقدَّس، عندما سأل أهلها أن يكون صلحهم على يدي عمر، فقَدِمَ، وصالحهم، ثم رجع، وذلك سنة ست عشرة من الهجرة. انتهى . (حَتَّى إِذَا كَانَ) هنا تامّة؛ أي: وُجد (بِسَرْغَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الراء، بعدها غين معجمة- وحُكِيَ عن ابن وضاح تحريك الراء، وخطّأه بعضهم: مدينةٌ افتتحها أبو عبيدة، وهي، واليرموك، والجابية، متصلاتٌ، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلةً، وقال ابن عبد البرّ: قيل: إنه وادٍ بتبوك، وقيل: بقرب تبوك. وقال الحازميّ: هي أول الحجاز، وهي من منازل حاجّ الشام، وقيل: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلةّ، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ -﵀-: أما سَرْغ: فبسين مهملة، مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم غين معجمة، وحَكَى القاضي وغيره أيضًا فتح الراء، والمشهور إسكانها، ويجوز صرفه، وتركه، وهي قرية في طرف الشام، مما يلي الحجاز. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «سرغ»: رويناه بفتح الراء، وسكونها، وهي: قرية بتبوك، قاله ابن حبيب. وقال ابن وضاح: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقيل: هي آخر عَمَل الحجاز، ففيه بيانُ ما يجب على الإمام من تفقُّد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك، وإن طال. (لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ) ولفظ البخاريّ: «لقيه أمراء الأجناد»، قال النوويّ -﵀-: المراد بالأجناد هنا: مُدُن الشام الخمس، وهي فلسطين، والأردنّ، ودمشق، وحمص، وقِنِّسرين، هكذا فسروه، واتفقوا عليه، ومعلوم أن فلسطين اسم لناحية بيت المقدس، والأردن اسم لناحية سيان، وطبرية، وما يتعلق بهما، ولا يضرّ إطلاق اسم المدينة عليه. انتهى . وقال القرطبيّ: «الأمراء»: جمع أمير، وكان قد قسَّم الشام على أربعة أمراء؛ تحت كل واحدٍ منهم جند، وناحية: أبو عبيدة بن الجراح، وشُرَحبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل، ثم لم يمت عمر حتى جمع الشام لمعاوية. وفيه دليل على إباحة العمل، والولاية لمن كانت له أهلية ذلك من العلم، والصلاح؛ إذا اعتقدوا أنهم متمكِّنون من العمل بالحق، والقيام به، فإذا عملوا بذلك حصل لهم أجر أئمة العدل. انتهى . وقوله: (أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) بدل من «أهلُ»، هو عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر القرشيّ الفِهْريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا، ومات شهيدًا بطاعون عمَوَاس سنة (١٨)، تقدّمت ترجمته في «الصيد والذبائح» ٤/ ٤٩٩٠، له في مسلم ذكرٌ فقط، ولا رواية له. (وَأَصْحَابُهُ) هم: خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرَحبيل بن حَسَنة، وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم، وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم ردّه عمر إلى أبي عبيدة، وكان عمر -﵁- قسم الشام أجنادًا: الأردُنّ جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقِنِّسرين جند، وجَعَل على كل جند أميرًا، ومنهم من قال: إن قنسرين كانت مع حمص، فكانت أربعة، ثم أُفردت قِنِّسرين في أيام يزيد بن معاوية. (فَأَخْبَرُوهُ)؛ أي: أخبر أهل الأجناد عمر (أَنَّ الْوَبَاءَ) بالقصر أفصح من مدّه؛ أي: الطاعون ، وقال الفيّوميّ -﵀-: الوباء بالهمز: مرض عامّ، يُمَدّ، ويُقْصَر، ويُجمع الممدود على أَوْبِئَةٍ، مثلُ متاع وأمتعة، والمقصور على أَوْبَاءٍ، مثلُ سبب وأسباب، وقد وَبِئَتِ الَأرضُ تَوْبَأُ، من باب تَعِبَ وَبْئًا، مثل فَلْسٍ: كَثُرَ مرضها، فهي وَبِئَةٌ، ووَبِيئَةٌ، على فَعِلَةٍ، وفَعِيلةٍ، ووُبِئَتْ بالبناء للمفعول، فهي مَوْبُوءَةٌ؛ أي: ذات وباء. انتهى ، وقد تقدّم البحث مستوفًى في شرح حديث أسامة بن زيد -﵄- الماضي. (قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ) وعند سيف: أنه أشدّ ما كان، وفي رواية يونس: «الوجع» بدل «الوباء»، وفي رواية هشام بن سعد: «أن عمر لَمّا خرج إلى الشام، سَمِع بالطاعون»، ولا مخالفة بينها، فإن كل طاعون وباءٌ، ووَجَعٌ، من غير عكس . (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب) -﵁- (ادْعُ لِيَ)، وفي رواية يونس: «اجمع لي»، (الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) هم الذين صلّوا إلى القبلتين، وأما من لم يُسلم إلا بعد تحويل القبلتين فلا يُعدّ في الأولين، قاله القرطبيّ -﵀- . (فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ) في القدوم، والرجوع، وفيه دليلٌ على استشارة أولي العلم، والفضائل، وتقديم أهل السوابق، وهذا من عمر -﵁- عَمَلٌ بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] وقد استشار النبيّ -ﷺ- أصحابَه غير مرّة، وإن كان أكمل الناس عقلًا، وأغزرهم علمًا، ولكن كان ذلك لِيَسُنَّ، ويطيب قلوب أصحابه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «ادع لي المهاجرين الأولين، فدعا، ثم دعا الأنصار، ثم مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح» إنما رتّبهم هكذا على حَسَب فضائلهم، قال القاضي عياض: المراد بالمهاجرين الأولين: مَن صلى للقبلتين، فأما من أسلم بعد تحويل القبلة، فلا يُعَدّ فيهم، قال: وأما مهاجرة الفتح، فقيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح، فحصل لهم فضل بالهجرة قبل الفتح؛ إذ لا هجرة بعد الفتح، وقيل: هم مُسْلِمة الفتح الذين هاجروا بعده، فحصل لهم اسم دون الفضيلة، قال القاضي: هذا أظهر؛ لأنهم الذين ينطلق عليهم مشيخة قريش، وكان رجوع عمر -﵁- لرجحان طرف الرجوع؛ لكثرة القائلين، وأنه أحوط، ولم يكن مجرد تقليد لمسلمة الفتح؛ لأن بعض المهاجرين الأولين، وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع، وبعضهم بالقدوم عليه، وانضم إلى المشيرين بالرجوع رأي مشيخة قريش، فكَثُرَ القائلين به، مع ما لهم من السنّ، والخبرة، وكثرة التجارب، وسداد الرأي، وحجة الطائفتين واضحة مبيّنة في الحديث، وهما مستمدّان من أصلين في الشرع: أحدهما: التوكل، والتسليم للقضاء، والثاني: الاحتياط والحذر، ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة، قال القاضي: وقيل: إنما رجع عمر لحديث عبد الرحمن بن عوف -﵄-، كما قال مسلم هنا في روايته عن ابن شهاب: أن سالم بن عبد الله قال: إن عمر إنما انصرف بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف، قالوا: ولأنه لم يكن ليرجع لرأي دون رأي، حتى يجد علمًا، وتأول هؤلاء قوله: «إني مُصْبِحٌ على ظهر، فأصبحوا»، فقالوا: أي مسافر إلى الجهة التي قصدناها أوّلًا، لا للرجوع إلى المدينة، وهذا تأويل فاسد، ومذهب ضعيفٌ، بل الصحيح الذي عليه الجمهور، وهو ظاهر الحديث، أو صريحه أنه إنما قصد الرجوع أوّلًا بالاجتهاد حين رأى الأكثرين على ترك الرجوع ، مع فضيلة المشيرين به، وما فيه من الاحتياط، ثم بلغه حديث عبد الرحمن، فحمد الله تعالى، وشكره على موافقة اجتهاده، واجتهاد معظم أصحابه نصّ رسول الله -ﷺ-، وأما قول مسلم: إنه إنما رجع لحديث عبد الرحمن، فيَحْتَمِل أن سالِمًا لم يبلغه ما كان عمر عزم عليه من الرجوع قبل حديث عبد الرحمن له، ويَحْتَمِل أنه أراد: لم يرجع إلا بعد حديث عبد الرحمن، والله أعلم. انتهى . (وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ)، وهو تفقّد أحوال الرعيّة، (وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ) حتى تفعله. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قوله: «بقية الناس»؛ أي: الصحابة، أطلق عليهم ذلك تعظيمًا لهم؛ أي: ليس الناس إلا هم، ولهذا عَطَف الصحابة عليهم عطفَ تفسير، ويَحْتَمِل أن يكون المراد ببقية الناس؛ أي: الذين أدركوا النبيّ -ﷺ- عمومًا، والمراد بالصحابة: الذين لازموه، وقاتلوا معه. (وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي)، وفي رواية يونس: «فأمرهم، فخرجوا عنه»، (ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُو كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ) ضُبِطَ «مشيخة» بفتح الميم، والتحتانية، بينهما معجمة ساكنة، وبفتح الميم، وكسر المعجمة، وسكون التحتانية: جمع شيخ، ويجمع أيضًا على شُيوخ بالضم، وبالكسر، وأشياخ، وشِيَخَةٍ، بكسر، ثم فتح، وشِيخان، بكسر، ثم سكون، ومشايخ، ومشيخاء، بفتح، ثم سكون، ثم ضَمٍّ، ومَدّ، وقد تُشبع الضمة، حتى تصير واوًا، فتمّ عشرًا، قاله في «الفتح» . وقال في «تاج العروس»: الشَّيْخ، والشَّيْخُونُ، والثّاني غَريبٌ، غير مَعْروف في الأُمّهات المشهورة، وأَوردَه بعض شُرّاح «الفصيح»، وقالوا: هو مُبالغة في الشَّيْخ: مَنِ اسْتَبَانَتْ فيه السِّنُّ، وظَهَر عليه الشَّيبُ، أَو شَيْخٌ من خَمْسِينَ إِلى آخرِه، أَو هو من إِحْدَى وخَمسينَ إِلى آخرِ عُمرِه، وقد ذكرَهما شُرَّاح «الفصيح»، أَو هو من الخمسين إِلى الثّمانين، حكاه ابن سِيدَهْ في «المخصّص»، والقزّاز في «الجامع»، وكُراع، وغير واحد، جَمْعه: شُيُوخٌ بالضمّ، على القياس، وشِيُوخٌ بالكسر؛ لمناسَبَة التّحتيّة، كما في بيوتٍ، وبابه، وأَشْيَاخٌ مثلُ بَيْت وأَبيات، وشِيَخَةٌ، بكسْر ففتْح، وشِيخَةٌ؛ كصِبْيَة، ذكرَه ابن سيدَهْ، وكُراع، وشِيخانٌ بالكسر؛ كضِيفانٍ، ومشْيخَةٌ، بفتْح الميم، وكسْرها، وسكون الشين، وفتْح التحتيّة، وضمّها، وقد ذكرَ الرِّوَايتين اللِّحْيَانيّ في «النوادر»، ومَشِيخَةٌ، بفتح الميم، وكسر المعجمة، ومشْيُوخاءُ، ومَشْيخَاءُ بحذف الواو منها، ومَشايخُ، وأَنكره ابن دريد، وقال القزّاز في «الجامع»: لا أَصْل له في كلام العرب، وقال الزَّمخشريّ: المَشايخ ليست جمْعًا لشَيخ، وتَصلح أَن تكون جمْع الجمْع، ونَقَل الخفاجيّ: قيل: مَشَايخ جمع شَيْخ، لا على القياس، والتحقيق أَنَّه جمْعُ مَشْيَخة؛ كمَأْسَدة، وهي جمْع شَيخٍ، ومن جُموع الشَّيخ أيضًا الأَشاييخ، قال الزَّمَخْشَريّ: ويقولون: هؤلاءِ الأَشاييخ يُراد جمْع أَشياخٍ، مثل أَنايِيب وأَنيابٍ، نقله شُرّاح «الفصيح»، وتصغيره شُيَيْخ بالضّمّ على الأَصل، وشِيَيْخ بالكسر على ما جَوَّزوه في اليائيّ العين؛ كبِيَيْت، وشُوَيْخ بالواو قليلة، بل أَنكرَها جماعة، ولم يعرِفها الجوهريّ. انتهى. «تاج العروس» باختصار . وقد نظمت ما سبق بقولي: وَجَمَعُوا شَيْخًا عَلَى شُيُوخِ … وَضَمُّهُ وَالْكَسْرُ ذُو رُسُوخِ وَشِيخَةٍ بِالْكَسْرِ وَالشِّيَخَةُ … بِكَسْرَةٍ فَفَتْحَةٍ قُلْ مُثْبَتُ شِيخَانُ بِالْكَسْرِ مَشِيخَةً فُتِحْ … وَاكْسِرْ وَشِينُهَا سُكُونَهَا يَضِحْ وَضُمَّ وَافْتَحْ يَاءَهَا مَشِيخَةُ … بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ قَدْ أَثْبَتُوا كَذَاكَ مَشْيُوخَاءُ أَوْ وَاوٌ حُذِفْ … كَذَاكَ أَشْيَاخٌ مَشَايِخَ أَضِفْ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ ذَا وَجَعَلَهْ … جَمْعًا لِجَمْعٍ بَعْضُ مَنْ قَدْ نَقَلَهْ وَجَمَعُوا الأَشْيَاخَ بِالأَشَايِخِ … وَالشَّيْخَ قَدْ صَغَّرَ كُلُّ رَاسِخِ عَلَى شُيَيْخٍ ضَمًّا اوْ كَسْرًا وَقَلّ … شُوَيْخُهُمْ بِالْوَاوِ بَلْ بَعْضٌ حَظَلْ وَهَكَذَا حَقَّقَهُ في «التَّاجِ» … قَرَّبْتُهُ بِالنَّظْمِ لِلْمُحْتَاجِ (مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ)؛ أي: الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح، أو المراد: مسلمة الفتح، أو أَطلق على من تحوّل إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجرًا صورةً، وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكمًا قد ارتفعت، وأَطلق عليهم ذلك احترازًا عن غيرهم، من مشيخة قريش، ممن أقام بمكة، ولم يهاجر أصلًا، وهذا يُشعر بأن لمن هاجر فضلًا في الجملة على من لم يهاجر، وإن كانت الهجرة الفاضلة في الأصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح؛ لقوله -ﷺ-: «لا هجرة بعد الفتح»، وإنما كان كذلك؛ لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام، فالذي يهاجر منها للمدينة، إنما يهاجر لطلب العلم، أو الجهاد، لا للفرار بدينه، بخلاف ما قبل الفتح، وقد تقدم بيان ذلك . وقال القرطبيّ -﵀-: «مهاجرة الفتح»: هم الذين هاجروا قبل الفتح بيسير، وقيل: هم مسلمة الفتح، وفيه بُعد؛ لأنَّ الهجرة ارتفعت بعد الفتح، وإنما أخّرهم عمر -﵁- عن غيرهم؛ لتأخرهم في الإسلام والهجرة، ولكن استشارهم لِشِيَخهم، ولكمال خيرتهم للأمور، ولمّا استشارهم لم يختلف عليه منهم أحد، فترجَّح عنده رأيهم، ونادى في الناس: إنِّي مُصِبِحٌ على ظهر. انتهى . (فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمْهُمْ) بضمّ التاء، من الإقدام رباعيًّا، (عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ) -﵁- حين ظهر أن رأي المشيخة هو الصواب، (فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ) بضمّ الميم، وسكون الصاد المهملة، وكسر الموحّدة، (عَلَى ظَهْرٍ)؛ أي: على ظهر طريق، أو ظهر بعير مرتحلًا، وقال النوويّ؛ أي: مسافر، راكب على ظهر الراحلة، راجع إلى وطني. وقال الزرقانيّ -﵀-: «إني مصبح» بضم الميم، وسكون الصاد، وكسر الموحّدة الخفيفة، وبفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة الثقيلة؛ أي: مسافر في الصباح، راكبًا «على ظهر»؛ أي: على ظهر الراحلة، راجعًا إلى المدينة. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: «إني مصبح على ظهر»؛ أي: على سفر راكبًا الظهر، وهي دوابّ السفر، ومنه قوله: «كان يَجمع إذا كان على ظهر سير»؛ أي: في سفر، راكبًا ظهر دابته، ومنه: «يرعى الظهر»، و«يرعى ظهرنا»، و«ابتعتَ ظهرك»، و«إن في الظهر ناقةً عمياء»، و«من كان ظهره حاضرًا» كل هذا بالفتح، هي دوابّ السفر التي يُحْمَل عليها الأثقال، من الإبل، وغيرها. انتهى . (فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ) وتأهّبوا له، زاد يونس في روايته: «فإني ماضٍ لِمَا أرى، فانظروا ما آمركم به، فامضوا له، قال: فأصبح على ظهر». قال القرطبيّ -﵀-: وهذا يدلّ على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك المشيخة لَمّا ظهر له أنه أرجح من رأي غيرهم، ممن خالفهم، ووجه أرجحية هذا الرأي، أنه جمع فيه بين الحزم، والأخذ بالحذر، وبين التوكل، والإيمان بالقدر، وبيان ذلك بحجَّة عمر على أبي عبيدة -﵄- حين قال له: «أفرارًا من قدر الله؟»، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له أن لا يرجع، ويتوكل على الله، ويُسلم للقدر؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع، ولا فرار، فأجابه عمر -﵁- بأن قال: «لو غيرك قالها». انتهى . (فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)، وهو أمير الشام إذ ذاك: (أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟)؛ أي: أترجع فرارًا من قدر الله؟ فالهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و«فرارًا» مفعول من أجله، ويَحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا لمحذوف؛ أي: أتفرّ فرارًا؟ وفي رواية هشام بن سعد: «وقالت طائفة، منهم أبو عبيدة: أَمِنَ الموت نَفِرّ؟ إنما نحن بقَدَر، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا». [تنبيه]: أخرج الطحاويّ بسند صحيح، عن أنس -﵁-: «أن عمر أتى الشام، فاستقبله أبو طلحة، وأبو عبيدة، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة، وخيارهم، وإنا تركنا مَن بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام، فرجع». قال الحافظ -﵀-: هذا في الظاهر يعارض حديث الباب، فإن فيه الجزمَ بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع. ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أوّلًا بالرجوع، ثم غلب عليه مقام التوكل لَمّا رأى أكثر المهاجرين والأنصار جنحوا إليه، فرجع عن رأي الرجوع، وناظر عمر في ذلك، فاستظهر عليه عمر بالحجة، فتبعه، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنصّ، فارتفع الإشكال. انتهى . (فَقَالَ عُمَرُ) -﵁-: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ)؛ أي: لعاقبته، أو لكان أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه، ولكني أتعجب منك مع علمك، وفضلك، كيف تقول هذا؟ ويَحْتَمِل أن يكون المحذوف: لأدّبته، أو هي للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، والمعنى: أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر، وقد بَيَّن سبب ذلك بقوله: (وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ)؛ أي: مخالفة أبي عبيدة؛ لشدّة وثوقه بعلمه، وتقواه، وورعه. وقال النوويّ -﵀-: أما قوله: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة» فجواب «لو» محذوف، وفي تقديره وجهان، ذكرهما صاحب «التحرير» وغيره: أحدهما: لو قاله غيرك لأدبته؛ لاعتراضك عليّ في مسألة اجتهادية، وافقني عليها أكثر الناس، وأهل الحلّ والعقد فيها. والثاني: لو قالها غيرك لم أتعجب منه، وإنما أتعجب من قولك أنت ذلك، مع ما أنت عليه من العلم، والفضل، ثم ذكر له عمر -﵁- دليلًا واضحًا من القياس الجليّ الذي لا شك في صحته، وليس ذلك اعتقادًا منه أن الرجوع يرُدّ المقدور، وإنما معناه أن الله تعالى أمر بالاحتياط، والحزم، ومجانبة أسباب الهلاك، كما أمر سبحانه بالتحصّن من سلاح العدوّ، وتجنب المهالك، وإن كان كل واقع فبقضاء الله، وقَدَره السابق في علمه، وقاس عمر -﵁- على رعي العدوتين؛ لكونه واضحًا لا ينازع فيه أحد مع مساواته لمسألة النزاع. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لو غيرك قالها»؛ أي: ليت غيرك يقول ذلك القول، فكأنه قال: لا يليق هذا القول بك؛ لعلمك، وفهمك، وإنما يليق ذلك بغيرك، ممن قلّ علمه، وقصر فهمه. ثم احتَجّ عليه عمر -﵁- بأن قال: «نعم! نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله»؛ إذ لا محيص للإنسان عما قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرُّز من المخاوف، والهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات، والحذر، وجلب المنافع، ودفع الضرر، ثم المقصِّر في ذلك ملوم عادةً، وشرعًا، ومنسوبٌ إلى التفريط عقلًا، وسمعًا؛ وإن زعم أنه المتوكل على الله المسلِّم لأمر الله. ولمّا بيَّن عمر -﵁- ذلك المعنى بالمثال، لاح الحقّ، وارتفع الجدال، ثم لم يبرح عمر -﵁- من مكانه حتى جاءه الحقّ ببرهانه، فحدَّثهم عبد الرحمن بن عوف -﵁- بما قاله في ذلك النبيّ -ﷺ-، فسُرَّ بذلك عمر -﵁- سرورًا ظهر لديه، فحمد الله، وأثنى عليه، حيث توافق الرأي والسمع، وارتفع الخلاف، وحصل الجمع، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة، سالِمًا موفورًا، وكان في سعيه ذلك مُصيبًا مشكورًا. وعند هذا يَعْلَم الفطن العاقل أن تلك الأقوال التي حُكيت عنه -﵁- في ندمه على الرجوع من سَرْغ، ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء، والفرار منه، لم يصح عنه شيء من ذلك، وكيف يَنْدَم على هذا النظر القويم، ويرجع عن هذا المنهج المستقيم؛ الذي قد تطابق عليه العقل والسمع، واصطحب عليه الرأي والشرع؟! هذا ما لا يكون، فالحاكون عنه هم المتقوِّلون، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحثٌ مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ)، وفي رواية هشام بن سعد: «إن تَقَدّمنا فبقدر الله، وإن تأخرنا فبقدر الله»، وأطلق عليه فرارًا؛ لِشَبَهه به في الصورة، وإن كان ليس فرارًا شرعيًّا، والمراد أن هجوم المرء على ما يُهلكه منهيّ عنه، ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه مشروع، وقد يقدّر الله وقوعه فيما فَرّ منه، فلو فعله، أو تركه لكان من قدر الله، فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام التمسك بالأسباب. ومُحَصَّل قول عمر -﵁-: نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله: أنه أراد أنه لم يفرّ من قدر الله حقيقةً، وذلك أن الذي فرّ منه أمر خاف على نفسه منه، فلم يَهْجُم عليه، والذي فرّ إليه أمر لا يخاف على نفسه، إلا الأمر الذي لا بُدّ من وقوعه، سواء كان ظاعنًا، أو مقيمًا. (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ، فَهَبَطْتَ) بفتح الموحّدة، يقال: هبط الماء، وغيره هَبْطًا، من باب ضرب: نزل، وفي لغة قليلة يَهْبُطُ هُبُوطًا، من باب قَعَد، قاله الفيّوميّ -﵀- . (وَادِيًا) هو كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام يكون منفذًا للسيل، والجمع أوديةٌ، وهو مشتقّ من ودَى الشيءُ: إذا سال، أفاده الفيّوميّ . (لَهُ عِدْوَتَانِ) -بضم العين المهملة، وبكسرها أيضًا، وسكون الدال المهملة-: تثنية عُدْوة، وهو المكان المرتفع من الوادي، وهو شاطئه. وقال النوويّ -﵀-: أما العدوة، فبضم العين، وكسرها، وهي جانب الوادي، والجدبة، بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة، وهي ضدّ الخصيبة، وقال صاحب «التحرير»: الجدبة هنا بسكون الدال، وكسرها، قال: والخصبة كذلك. انتهى . (إِحْدَاهُمَا)، أي: إحدى العدوتين (خَصِيبَةٌ) بوزن عَظِيمة، كذا في النسخة الهنديّة، ووقع في بعض النسخ: «خَصِبَةٌ» بفتح الخاء، وكسر الصاد، وحُكي سكون الصاد، زاد في رواية معمر الآتية: «وقال له أيضًا: أرأيت لو أنه رَعَى الْجَدْبة، وترك الْخَصِبة أكنت مُعَجِّزه؟ -وهو بتشديد الجيم- قال: نعم، قال: فَسِرْ إذًا، فسار حتى أتى المدينة». (وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ) بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة: خلاف الخصيبة، قال الفيّويّ -﵀-: الجَدْبُ: هو الْمَحْلُ وزنًا ومَعْنًى، وهو انقطاع المطر، ويُبْسُ الأرضِ، يقال: جَدُبَ البلدُ بالضمّ جُدُوبَةً، فهو جَدْبٌ، وجَدِيبٌ، وأرض جَدْبَةٌ، وجَدُوبٌ، وأَجْدَبَتْ إِجْدَابًا، وجَدِبَتْ تَجْدَبُ، من باب تعب مثله، فهي مُجْدِبَةٌ، والجمع: مَجَادِيبٌ، وأَجْدَبَ القوم إِجْدَابًا: أصابهم الجدب، وجَدَبْتُهُ جَدْبًا، من باب ضرب: عِبْتُهُ. انتهى . (أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ) بفتح الراء، والعين المهملة، (الْخَصِبَةَ) بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون، (رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) -﵁-، وهو موصول عن ابن عبّاس -﵄- بالسند المذكور، (وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ)؛ أي: لم يحضر معهم المشاورة المذكورة؛ لِغَيْبته، (فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا)، وفي رواية: «لعِلْمًا»، بزيادة لام التأكيد. قال الجامع عفا الله عنه: عزا في «الفتح» هذه الرواية إلى «صحيح مسلم»، ولم أرها فيه، ولعله لاختلاف النُّسخ، والله تعالى أعلم. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوسواس الشيطان، قال في»الأحوذيّ«: ولأن الله أمر أن لا يُتَعَرَّض للحتف والبلاء، وإن كان لا نجاة من قدر الله، إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله، ولئلا يقول القائل: لو لم أدخل لم أمرض، ولو لم يدخل فلان لم يمت . وقال في«الفتح»: هذا موافق للمتن الذي قبله عن أسامة بن زيد، وسعد، وغيرهما، فلعلهم لم يكونوا مع عمر في تلك السفرة. (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ«) لئلا يكون معارضةً للقدر، فلو خرج لِقَصْد آخر غير الفرار جاز. وفي رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه، وفي حديث أسامة عند النسائيّ: «فلا تَفِرّوا منه»، وفي رواية لأحمد من طريق ابن سعد، عن أبيه مثله، ووقع عند البخاريّ في «ذكر بني إسرائيل»: «إلا فرارًا منه»، وتقدم الكلام على إعرابه هناك، قاله في «الفتح» . وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -﵀-: في قوله:«فلا تَقْدَموا عليه»فيه منع معارضة مُتَضَمّن الحكمة بالقدر، وهو من مادة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي قوله:«فلا تخرجوا فرارًا منه»إشارة إلى الوقوف مع المقدور، والرضا به، قال: وأيضًا فالبلاء إذا نزل إنما يُقْصَد به أهلُ البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به، فهو واقع به، ولا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشده الشارع إلى عدم النصب، من غير أن يدفع ذلك المحذور. = إذا لم يكن خروجكم إلا للفرار، قال عياض: ووقع لبعض رواة«الموطأ»:«لا يخرجكم الإفرار»، بأداة التعريف، وبعدها إفرار، بكسر الهمزة، وهو وَهَمٌ، ولحنٌ. وقال في«المشارق»ما حاصله: يجوز أن تكون الهمزة للتعدية، يقال: أفره كذا من كذا، ومنه قوله -ﷺ- لعدي بن حاتم:«إن كان لا يُفِرّك من هذا إلا ما ترى»، فيكون المعنى: لا يخرجكم إفراره إياكم. وقال القرطبي في«المفهم»: هذه الرواية غَلَطٌ؛ لأنه لا يقال: أَفَرّ، وإنما يقال: فَرّ، قال: وقال جماعة من العلماء: إدخال«إلّا»فيه غلطٌ، وقال بعضهم: هي زائدة، وتجوز زيادته، كما تزاد«لا»، وخرَّجه بعضهم بأنها للإيجاب، فذكر نحو ما مضى، قال: والأقرب أن تكون زائدة. وقال الكرمانيّ: الجمع بين قول ابن المنكدر:«لا تخرجوا فرارًا منه»، وبين قول أبي النضر:«لا يخرجكم إلا فرارًا منه»مشكلٌ، فإن ظاهره التناقض، ثم أجاب بأجوبة؛ أحدها: أن غرض الراوي، أن أبا النضر فَسَّر:«لا تخرجوا»بأن المراد منه الحصر، يعني الخروج المنهيّ هو الذي يكون لمجرد الفرار، لا لغرض آخر، فهو تفسير للمعلل المنهيّ عنه، لا للنهي. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو بعيد؛ لأنه يقتضي أن هذا اللفظ من كلام أبي النضر، زاده بعد الخبر، وأنه موافق لابن المنكدر على اللفظ الأول رواية، والمتبادر خلاف ذلك، والجواب الثاني كالأول، والزيادة مرفوعة أيضًا، فيكون روى اللفظين، ويكون التفسير مرفوعًا أيضًا. الثالث:«إلا»زائدة بشرط أن تثبت زيادتها في كلام العرب. انتهى ما في«الفتح»٨/ ١٣٣ - ١٣٤، كتاب«الأنبياء» رقم (٣٤٧٣). وقال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد -﵀-: الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الإقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر، أو التوكل، فمُنع ذلك حذرًا من اغترار النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار، وأما الفرار فقد يكون داخلًا في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة ممّا قُدِّر عليه، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين، ومن هذه المادة قوله -ﷺ-: «لا تتمنوا لقاء العدوّ، وإذا لقيتموهم فاصبروا»، فأمر بترك التمني؛ لِمَا فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس؛ إذ لا يؤمَن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع؛ تسليمًا لأمر الله تعالى، ذكره في «الفتح» . (قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- على موافقة اجتهاده بعد المشاورة ما صحّ عن النبيّ -ﷺ-، من النهي عن الدخول في البلد الذي وقع فيه الوباء، (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع إلى المدينة، وفي رواية معمر التالية: «فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحلُّ، أو قال: هذا المنزل، إن شاء الله»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٥٧٧٠ و٥٧٧١ و٥٧٧٢ و٥٧٧٣] (٢٢١٩)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧٢٩ و٥٧٣٠) و«الحيل» (٦٩٧٣)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣١٠٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٧٥٢٢)، و(مالك) في «الموطأ» (٢/ ٨٩٤ - ٨٩٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ١٤٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٩٢ و١٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٥٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠٣)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (١/ ٢٦٨ و٢٧٠)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (ص ٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢١٧ - ٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): خروج الخليفة إلى أعماله يطالعها، وينظر إليها، ويعرف أحوال أهلها، وكان عمر -﵁- قد خرج إلى الشام مرتين في قول بعضهم، ومنهم من يقول: لم يخرج إلا مرّةً واحدةً، وهي هذه، والمعروف عند أهل السِّيَر أنه خرج إليها مرتين، ذكر خليفة عن ابن الكلبيّ، قال: لما صالح أبو عبيدة أهل حلب شَخَص، وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصرا أهل إيليا، فسألوه الصلح، على أن يكون عمر هو يعطيهم ذلك، ويكتب لهم أمانًا، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم عمر، فصالحهم، فأقام أيامًا، ثم شخص إلى المدينة، وذلك في سنة ست عشرة، قال أبو عمر: وكان خروجه المذكور في هذا الحديث سنة سبع عشرة، قال خليفة بن خياط: فيها خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، وانصرف من سرغ، وبها الطاعون . ٢ - (ومنها): استعمال الخليفة أمراء عددًا في موضع واحد؛ لوجوه يصرفهم فيها، وكان عمر -﵁- قد قسم الشام على أربعة أمراء، تحت يد كل واحد منهم جند وناحية من الشام، منهم أبو عبيدة بن الجراح، وشُرَحبيل ابن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل كل واحد منهم على ناحية من الشام، ثم لم يمت عمر -﵁- حتى جمع الشام لمعاوية -﵁-. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على إباحة العمل، والولاية، وأن لا بأس للصالحين، والعلماء إذا كان الخليفة فاضلًا عالِمًا يأمر بالحقّ ويعدل. ٤ - (ومنها): استعمال مشورة من يوثق بفهمه، وعقله، عند نزول الأمر المعضل. ٥ - (ومنها): أن المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد، ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيها عيب مخالفه، ولا الطعن عليه؛ لأنهم اختلفوا، وهم القدوة، فلم يَعِبْ أحد منهم على صاحبه اجتهاده، ولا وجد عليه في نفسه، قال ابن عبد البرّ -﵀-: إلى الله الشكوي، وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها، تستحل الأعراض، والدماء، إذا خولفت فيما تجيء به من الخطأ. انتهى . ٦ - (ومنها): أن المجتهد إذا قاده اجتهاده إلى شيء، خالفه فيه صاحبه، لم يجز له الميل إلى قول صاحبه، إذا لم يَبِنْ موقع الصواب فيه، ولا قام له الدليل عليه. ٧ - (ومنها): أن الإمام، والحاكم إذا نزلت به نازلة، لا أصل لها في الكتاب، ولا في السُّنَّة، كان عليه أن يجمع العلماء، وذوي الرأي، ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل كتاب، ولا سُنَّة، غير اجتهاده، كان عليه الميل إلى الأصلح، والأخذ بما يراه. ٨ - (ومنها): أن الاختلاف لا يوجب حُكْمًا، وإنما يوجبه النظر، وأن الإجماع يوجب الحكم والعمل، قاله ابن عبد البرّ -﵀-. ٩ - (ومنها): إثبات المناظرة، والمجادلة عند الخلاف في النوازل، والأحكام، ألا ترى إلى قول أبي عبيدة لعمر -﵄-: تفر من قدر الله؟ فقال: نعم، أفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم قال له: أرأيت … فقايسه، وناظره بما يشبه في مسألته. ١٠ - (ومنها): أن الاختلاف إذا نزل، وقام الْحِجَاج، فالحجة، والْفَلَج بيد من أدلى بالسُّنَّة، إذا لم يكن من الكتاب نصّ لا يُخْتَلَف في تأويله، وبهذا أمر الله تعالى عباده عند التنازع أن يردّوا ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله، وسُنَّة نبيّه -ﷺ-، فمن كان عنده من ذلك علم وجب الانقياد إليه. ١١ - (ومنها): أن الحديث يُسَمّى علمًا، ويُطلق ذلك عليه، ألا ترى إلى قول عبد الرَّحمن بن عوف -﵁-: عندي من هذا علم. ١٢ - (ومنها): أن الخلق يَجْرُون في قَدَر الله تعالي، وعلمه، وأن أحدًا منهم لا يخرج عن حكمه، وإرادته، ومشيئته، لا شريك له. ١٣ - (ومنها): أن العالم قد يوجد عند من هو في العلم دونه ما لا يوجد منه عنده؛ لأنه معلوم أن موضع عمر -﵁- من العلم، ومكانه من الفهم، ودُنُوّه من رسول الله -ﷺ- في المدخل والمخرج فوق عبد الرحمن بن عوف -﵁-، وقد كان في هذا الباب عند عبد الرحمن عنه -ﷺ- ما جهله عمر -﵁-. ١٤ - (ومنها): أن القاضي، والإمام، والحاكم، لا ينفذون قضاءهم، ولا يفصلونه إلا عن مشورة من بحضرتهم، ويصل إليهم، ويقدرون عليه، من علماء موضعهم، وهذا مشهور من مذهب عمر -﵁-، كما في هذه القصّة. ١٥ - (ومنها): أنه دليلٌ على عظيم ما كان عليه القوم من الإنصاف للعلم، والانقياد إليه، وكيف لا يكون كذلك، وهم خير الأمم -﵃-؟. ١٦ - (ومنها): استعمال خبر الواحد، وقبوله، وإيجاب العمل به، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وهذا هو أوضح، وأقوى ما نرى من جهة الآثار في قبول خبر الواحد؛ لأن ذلك كان في جماعة الصحابة، وبمحضرهم، في أمر قد أشكل عليهم، فلم يقل عمر لعبد الرحمن بن عوف: أنت واحد، والواحد لا يجب قبول خبره، إنما يجب قبول خبر الكافّة، ما أعظم ضلال من قال بهذا والله -﷿- يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقرئ: «فتثبتوا»، فلو كان العدل إذا جاء بنبأ يُتثبت في خبره، ولم يُنَفّذ لاستوى الفاسق والعدل، وهذا خلاف القرآن، قال الله -﷿-: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. انتهى . ١٧ - (ومنها): ما قاله في «الفتح» -وإن كان تقدّم معناه، إلا أنه مجموع ملخّص، أحببت إيراده تثبيتًا لِمَا مضى- قال: وفي قصّة عمر -﵁- من الفوائد: مشروعية المناظرة، والاستشارة في النوازل، وفي الإحكام، وأن الاختلاف لا يوجب حُكْمًا، وأن الاتفاق هو الذي يوجبه، وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النصّ، وأن النصّ يسمى علمًا، وأن الأمور كلها تجري بقدر الله، وعلمه، وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره، ممن هو أعلم منه، وفيه وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى الأدلة على ذلك؛ لأن ذلك كان باتفاق أهل الحلّ والعقد، من الصحابة -﵃-، فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف، ولم يطلبوا معه مقويًا، وفيه الترجيح بالأكثر عددًا، والأكثر تجربةً؛ لرجوع عمر -﵁- لقول مشيخة قريش، مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه، من كلٍّ من المهاجرين، والأنصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم، والدين ما عند المشيخة من السنّ والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية، رَجّح بالكثرة، ووافق اجتهاده النصّ، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك، وفيه تفقد الإمام أحوال رعيته، لِمَا فيه من إزالة ظلم المظلوم، وكشف كربة المكروب، ورح أهل الفساد، وإظهار الشرائع، والشعائر، وتنزيل الناس منازلهم . واستَدَلَّ ابن الباقلانيّ بقصة عمر -﵁- على أن الصحابة -﵃- كانوا يقدِّمون خبر الواحد على القياس؛ لأنهم اتفقوا على الرجوع اعتمادًا على خبر عبد الرحمن بن عوف وحده، بعد أن ركبوا المشقة في المسير من المدينة إلى الشام، ثم رجعوا، ولم يدخلوا الشام. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: (واعلم): أن في حديث عمر -﵁- هذا فوائدَ كثيرةً، منها: خروج الإمام بنفسه في ولايته، في بعض الأوقات؛ ليشاهد أحوال رعيته، ويزيل ظلم المظلوم، ويكشف كرب المكروب، ويَسُدّ خلة المحتاج، ويقمع أهل الفساد، ويخافه أهلُ البطالة، والأذي، والولاةُ، ويحذروا تجسسه عليهم، ووصول قبائحهم إليه، فينكفوا، ويقيم في رعيته شعائر الإسلام، ويؤدب من رآهم مخلين بذلك، ولغير ذلك من المصالح، ومنها تلقي الأمراء، ووجوه الناس الإمامَ عند قدومه، وإعلامهم إياه بما حدث في بلادهم من خير وشرّ، ووباء، ورخص وغلاء، وشدة ورخاء، وغير ذلك، ومنها: استحباب مشاورة أهل العلم والرأي في الأمور الحادثة، وتقديم أهل السابقة في ذلك، ومنها: تنزيل الناس منازلهم، وتقديم أهل الفضل على غيرهم، والابتداء بهم في المكارم، ومنها: جواز الاجتهاد في الحروب ونحوها، كما يجوز في الإحكام، ومنها: قبول خبر الواحد، فإنهم قبلوا خبر عبد الرحمن -﵁-، ومنها: صحة القياس، وجواز العمل به، ومنها: ابتداء العالم بما عنده من العلم قبل أن يُسأله، كما فعل عبد الرحمن -﵁-، ومنها: اجتناب أسباب الهلاك، ومنها: منع القدوم على الطاعون، ومنع الفرار منه. انتهى ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀- : [تكميل]: قال أبو عمر -﵀-: لم يبلغني أن أحدًا من حملة العلم فرَّ من الطاعون، إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جُدْعان هرب من الطاعون إلى السَّيالة، فكان يُجَمِّع كل جمعة، ويرجع، فكان إذا جَمَّع صاحوا به: فرَّ من الطَّاعون، فطُعِن، فمات بالسَّيالة ، وذكر أبو حاتم عن الأصمعيّ: هرب بعض البصريين من الطاعون، فركب حمارًا له، ومضى بأهله نحو سَفَوان ، فسمع حاديًا يحدو خلفه: لن يُسْبَقَ اللهُ عَلَى حمارٍ … وَلَا عَلَى ذِي مَنْعَةٍ طيَّارِ أَوْ يَأتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ … قَدْ يُصْبِحُ اللهُ أَمَامَ السَّارِي وذكر المدائنيّ قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، فخرج هاربًا منه، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها: سُكَر، فَقَدِم عليه رسول لعبد الملك، فقال له: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مُدرك، فقال: أوَّه! ما أُراني راجعًا إلى الفسطاط، فمات في تلك القرية. وروى أبو عمر عن الأصمعيّ قال: لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فني أهلها، وامتنع الناس من دفن موتاهم، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتي، وخلت سكَّة بني جرير فلم يُبقِ الله فيها سوى جارية، فسمعت صوت الذئب في سِكَّتهم ليلًا، فأنشأت تقول [من الطويل]: أَلَا أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسَحْرَةٍ … إِلَيَّ أُنَبِّئْكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لِيَا بَدَا لِيَ أَنِّي قَدْ نُعِيتُ وَإِنَّنِي … بَقيَّةُ قَوْمٍ وَرَّثُونِي الْبَوَاكِيَا وَإنِّي بلَا شَكٍّ سَأَتبَعُ مَنْ مَضَى … وَيَتْبَعُنِي مِنْ بَعْدُ مَنْ كَانَ تَالِيَا (المسألة الرابعة): في هذا الحديث جوازُ رجوع من أراد دخول بلدة، فعَلِم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطِّيَرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة، أو سدّ الذريعة؛ لئلا يعتقد من يدخل إلى الأرض التي وقع بها أن لو دخلها، وطُعِن العدوى المنهيّ عنها. وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك إنما هو للتنزيه، وأنه يجوز الإقدام عليه لمن قَوِي توكله، وصح يقينه، وتمسكوا بما جاء عن عمر -﵁- أنه نَدِم على رجوعه من سَرْغ، كما أخرجه ابن أبي شيبة بسند جَيِّد، من رواية عروة بن رُويم، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر -﵄- قال: «جئت عمر حين قَدِم، فوجدته قائلًا في خبائه، فانتظرته في ظل الخباء، فسمعته يقول حين تضَوَّر: اللهم اغفر لي رجوعي من سَرْغ»، وأخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» أيضًا. وأجاب القرطبيّ في «المفهم» بأنه لا يصحّ عن عمر -﵁-، قال: وكيف يندم على فعل ما أمر به النبيّ -ﷺ-، ويرجع عنه، ويستغفر منه؟ قال الحافظ: وأجيب بأن سنده قويّ، والأخبار القوية لا تُرَدّ بمثل هذا، مع إمكان الجمع، فَيَحْتَمِل أن يكون كما حكاه البغويّ في «شرح السُّنَّة» عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصةٌ، ويَحْتَمِل -وهو أقوى- أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهمّ من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون، فيدخل إليها، ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قُرْب، فلعله كان بلغه ذلك، فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، فرأى أنه لو انتظر لكان أَولى؛ لِمَا في رجوعه على العسكر الذي كان صُحْبته من المشقة، والخبر لم يَرِد بالأَمر بالرجوع، وإنما ورد بالنهي عن القدوم، والله أعلم. وأخرج الطحاويّ بسند صحيح: «عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر -﵁-: اللهم إن الناس قد نحلوني ثلاثًا، أنا أبرأ إليك منهنّ، زعموا أني فررت من الطاعون، وأنا أبرأ إليك من ذلك»، وذكر الطلاء، والمكس، وقد ورد عن غير عمر التصريح بالعمل في ذلك بمحض التوكل، فأخرج ابن خزيمة بسند صحيح: «عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوّام خرج غازيًا نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع، فقال: إنما خرجنا للطعن والطاعون، فدخلها فلقي طعنًا في جبهته، ثم سَلِم». انتهي، والله تعالى أعلم . (المسألة الخامسة): في الحديث أيضًا منع من وقع الطاعون ببلد هو فيها من الخروج منها، وقد اختَلَف الصحابة في ذلك، كما تقدم، وكذا أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي مُنِيب، «أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجزٌ مثل السيل، من تنكّبه أخطأه، ومثلُ النار، من أقام أحرقته، فقال شرحبيل ابن حسنة: إن هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقَبْض الصالحين قبلكم». قال الحافظ: وأبو منيب -بضم الميم، وكسر النون، بعدها تحتانية ساكنة، ثم موحدة- وهو دمشقيّ، نزل البصرة، يُعرف بالأحدب، وثّقه العجليّ، وابن حبان، وهو غير أبي منيب الْجُرَشيّ فيما ترجح عندي؛ لأن الأحدب أقدم من الجرشيّ، وقد أثبت البخاريّ سماع الأحدب من معاذ بن جبل، والجرشيّ يروي عن سعيد بن المسيب، ونحوه. وللحديث طريق أخري، أخرجها أحمد أيضًا من رواية شُرحبيل بن شُفْعة -بضم المعجمة، وسكون الفاء- عن عمرو بن العاص، وشُرحبيل ابن حسنة بمعناه. وأخرجه ابن خزيمة، والطحاويّ، وسنده صحيح، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة أيضًا، من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عمرو بن شُرحبيل بمعناه. وأخرج أحمد، من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضًا وقعت من عمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وفي طريق أخرى بينه وبين واثلة الهذلي، وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صَدَّق شُرحبيل، وغيره على ذلك. ونقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعريّ، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين، منهم الأسود بن هلال، ومسروق، ومنهم من قال: النهي فيه للتنزيه، فيُكره، ولا يَحْرُم، وخالفهم جماعة، فقالوا: يحرم الخروج منها؛ لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية، وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك، فأخرج أحمد، وابن خزيمة، من حديث عائشة -﵂- مرفوعًا في أثناء حديث بسند حسن: «قلت: يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: غُدّة كغُدّة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفارّ منها كالفارّ من الزحف»، وله شاهد من حديث جابر -﵁- رفعه: «الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف»، أخرجه أحمد أيضًا، وابن خزيمة، وسنده صالح للمتابعات. وقال الطحاوي: استَدَلّ من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما نهى عن ذلك خشية أن يُعدي من دخل عليه، قال: وهو مردود؛ لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضًا عن ذلك، فعُرف أن المعنى الذي لأجله مُنعوا من القدوم عليه غير معنى العدوي، والذي يظهر -والله أعلم- أن حكمة النهي عن القدوم عليه؛ لئلا يصيب مَن قَدِم عليه بتقدير الله، فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لَمَا أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه، فأُمِر أن لا يَقْدَم عليه حَسْمًا للمادة، ونُهي من وقع وهو بها أن يخرج من الأرض التي نزل بها؛ لئلا يَسْلَم، فيقول مثلًا: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء. انتهى. ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب، والطحاويّ، والبيهقيّ بسند حسن، عن أبي موسى أنه قال: «إن هذا الطاعون قد وقع، فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل خرج خارج فَسَلِم، وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لَسَلِمت، كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أُصبت، كما أصيب فلان»، لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضًا، ولا شك أن الصور ثلاث: من خرج لقصد الفرار محضًا، فهذا يتناوله النهي، لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلًا، ويُتصوَّر ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلًا، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلًا، فلا يدخل في النهي، والثالث من عرضت له حاجة، فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع. ومن جملة هذه الصورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها وَخْمَةً، والأرض التي يريد التوجه إليها صحيحة، فيتوجه بهذا القصد، فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفًا، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارًا؛ لأنه لم يتمحض للفرار، وإنما هو لقصد التداوي، وعلى ذلك يُحْمَل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور: «أن عمر كتب إلى أبي عبيدة: إن لي إليك حاجة، فلا تضع كتابي من يدك حتى تُقبل إليّ، فكتب إليه أني قد عرفت حاجتك، وإني في جند من المسلمين، لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فكتب إليه: أما بعد؛ فإنك نزلت بالمسلمين أرضًا غميقة، فارفعهم إلى أرض نزهة، فدعا أبو عبيدة أبا موسي، فقال: اخرُجْ، فارْتَدْ للمسلمين منزلًا، حتى أنتقل بهم …»، فذكر القصة في اشتغال أبي موسى بأهله، ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لَمّا وضع رجله في الركاب متوجهًا، وأنه نزل بالناس في مكان آخر، فارتفع الطاعون. وقوله: «غَمِيقة» -بغين معجمة، وقاف، بوزن عَظيمة؛ أي: قريبة من المياه، والنُّزُوز، وذلك مما يفسد غالبًا به الهواء؛ لفساد المياه، والنزهة: الفسيحة البعيدة عن الوخم، فهذا يدلّ على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضًا، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الأمر، فلذلك استدعاه، وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه لِيَسْلَم من وقوع الطاعون به، فاعتذر عن إجابته لذلك، وقد كان أَمْر عمر لأبي عبيدة بذلك بعد سماعهما للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف، فتأول عمر فيه ما تأول، واستمر أبو عبيدة على الأخذ بظاهره، وأيّد الطحاويّ صنيع عمر بقصة الْعُرنيين، فإن خروجهم من المدينة كان للعلاج، لا للفرار، وهو واضح من قصتهم؛ لأنهم شَكَوْا وخم المدينة، وأنها لم توافق أجسامهم، وكان خروجهم من ضرورة الواقع؛ لأنَّ الإبل التي أُمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها، واستنشاق روائحها ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد، وإنما كانت في مراعيها، فلذلك خرجوا، وقد لَحَظ البخاريّ ذلك، فترجم قبل ترجمة الطاعون: «من خرج من الأرض التي لا تلائمه»، وساق قصة العرنيين، ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود، من حديث فروة بن مُسيك -بمهملة، وكاف، مصغرًا- قال: «قلت: يا رسول الله، إن عندنا أرضًا يقال لها: أبين، هي أرض ريفنا، وميرتنا، وهي وبئة، فقال: دعها عنك، فإن من القَرَف التَّلَف»، قال ابن قتيبة: القرف: القرب من الوباء، وقال الخطابيّ: ليس في هذا إثبات العدوي، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن، وبالعكس. واحتجوا أيضًا بالقياس على الفرار من المجذوم، وقد ورد الأمر به. والجواب أن الخروج من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم قد ورد الأمر بالفرار منه، فكيف يصح القياس؟ انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطال البحث في «الفتح»، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وقد تبيّن من خلال البحث، حيث ذَكَر الأقوال، وأدلّتها أن الأرجح قول من قال بتحريم الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون، وتحريم الدخول إليه أيضًا؛ لوضوح حجته، واستنارة محجّته، وأما القائلون بالجواز، وكذا القائلون بالكراهة دون التحريم فلم يأتوا بأدلَّة مقنعة تقاوم أدلة الأولين، فلا ينبغي الالتفات إليها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة السادسة): قد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حِكَمًا: ١ - [منها]: أن الطاعون في الغالب يكون عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعيّنت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل. ٢ - [ومنها]: أن الناس لو تواردوا على الخروج، لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره ضائع المصلحة؛ لِفَقْد من يتعهده حيًّا وميتًا، وأيضًا فلو شُرع الخروج، فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كَسْر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف؛ لِمَا فيه من كَسْر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه، وقد جمع الغزالي بين الأمرين، فقال: الهواء لا يضرّ من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب، والرئة، فيؤثّر في الباطن، ولا يظهر على الظاهر، إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالبًا مما استَحْكَم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رُخِّص للأصحاء في الخروج، لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم، فتضيع مصالحهم. ٣ - [ومنها]: ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة، وتأْلَفها، وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيّف بدنه بها، فأفسدته، فمُنع من الخروج لهذه النكتة. ٤ - [ومنها]: ما تقدم أن الخارج يقول: لو أقمت لأُصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لَسَلِمت، فيقع في اللَّوّ المنهيّ عنه، ذكر ذلك كله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوّل الكتاب قال: [٥٧٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: قَالَ: وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ، وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ: أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ إِذًا، قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَحِلُّ، أَوْ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ، إِنْ شَاءَ اللهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله ببابين، وإسحاق هو: ابن راهويه. وقوله: (أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟) -بفتح العين، وتشديد الجيم-؛ أي: تَنْسُبه إلى العجز، قال النوويّ -﵀-: مقصود عمر -﵁- أن الناس رَعِيّةٌ لي، استرعانيها الله تعالي، فيجب عليّ الاحتياط لها، فإن تركته نُسبت إلى العجز، واستوجبت العقوبة، والله أعلم . وقوله: (هَذَا الْمَحِلُّ) قال النوويّ -﵀-: هو بفتح الحاء، وكسرها، والفتح أقيس، فإن ما كان على وزن فَعَلَ، ومضارعه يَفْعُلُ، بضم ثالثه، كان مصدره، واسم الزمان والمكان منه مَفْعَلًا، بالفتح؛ كقَعَد يَقْعُد مَقْعَدًا، ونظائرِهِ، إلا أحرفًا شَذَّت، جاءت بالوجهين، منها الْمَحِلّ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀- قوله: «هذا المحلّ»؛ أي: المدينة؛ يعني: أنها المحل الذي لا يُرْغَب عنه، ولا يُفَضَّل غيره عليه، وإن كثُر خِصب البلاد، واتسع حال أهلها، ويقال: «المحلّ» بكسر الحاء، وفتحها، والفتح هو الأصل المطَّرد؛ لأنَّ ما كان على فَعَل يَفْعُل، الأصل فيه أن يأتي المكان منه بالفتح، إلا أحرفًا، سُمع فيها الكسر، والفتح. انتهى . وقوله: (أَوْ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ) «أو» فيه للشكّ من الراوي. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٢٠١٥٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن العباس، قال: خرج عمر بن الخطاب يريد الشام، حتى إذا كان في بعض الطريق لقيه أبو عبيدة بن الجراح، وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال: فاستشار الناس، فأشار عليه المهاجرون والأنصار، أن يمضي، وقالوا: قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن نرجع عنه، وقال الذين أسلموا يوم الفتح: معاذ الله أن نرى هذا الرأي، أن نختار دار البلاء على دار العافية، وكان عبد الرحمن بن عوف غائبًا، فجاء فقال: إن عندي من هذا علمًا سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا سمعتم به في أرض، فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه»، قال: فنادى عمر في الناس، فقال: إني مُصْبِحٌ على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديًا له عْدوتان: إحداهما خَصِبةٌ، والأخرى جَدْبةٌ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: نعم، قال: وقال له: أرأيت لو رَعَى الجدبة، وترك الخصبة، أكانت مَعْجَزةً ؟، قال: نعم، قال: فَسِرْ إذًا، قال: فسار، حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحلّ، وهذا المنزل، إن شاء الله، قال الزهريّ: فأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب، رجع بالناس يومئذ من سَرْغ. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: كما قال مالك، ومن تابعه، فخالفهم يونس، وقال ابن خزيمة: وقال: قول مالك، ومن تابعه أصحّ، وقال الدارقطنيّ: تابع يونس صالح بن نصر، عن مالك، وقد رواه ابن وهب، عن مالك، ويونس جميعًا، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث، والصواب الأول، وأظنّ ابن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس. انتهى. وقال النوويّ: قال الدارقطنيّ: كذا قال مالك -يعني: عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث- وقال معمر، ويونس: عن عبد الله بن الحارث، قال: والحديث صحيح على اختلافهم، قال: وقد أخرجه مسلم من طريق يونس، عن عبد الله بن الحارث، وأما البخاريّ فلم يخرجه إلا من طريق مالك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الدارقطنيّ: وقال معمر ويونس … إلخ فيه نظر لا يخفي، فإن رواية معمر عند مسلم كرواية مالك عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، وليست كرواية يونس عن عبد الله بن الحارث. وخلاصة القول أنه قد تبيّن بما ذُكر أن الأصحّ عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، كما اتّفق عليه مالك، ومعمر، لا عن عبد الله بن الحارث، فالحديث للولد، لا للوالد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (١٤٠٢٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن الحارث حدّثه، أن عبد الله بن عباس -﵄- حدثه، أنه كان مع عمر بن الخطاب حين خرج إلى الشام، فرجع بالناس من سَرْغَ، فلقيه أمراؤه على الأجناد، فلقيه أبو عبيدة بن الجراح، وأصحابه -﵃-، وقد وقع الوجع بالشام، فقال عمر: اجمع لي المهاجرين الأولين، فجمعتهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: ارجع بالناس، ولا تُقْدِمهم على هذا الوباء، وقال بعضهم: إنما هو قَدَر الله، وقد خرجتَ لأمر، فلا ترجع عنه، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، فاختلفوا كاختلافهم، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مَشْيَخة مهاجرة، فاختلفوا كاختلافهم، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فاستشارهم، فاجتمع رأيهم على أن يرجع بالناس، فأَذَّنَ عمر -﵁- في الناس، إني مُصْبِح على ظهر، فأَصْبِحوا عليه، فإني ماض لِمَا أري، فانظروا ما آمركم به، فامضوا له، فأصبح، قال: فركب عمر -﵁-، ثم قال للناس: إني أرجع، فقال أبو عبيدة بن الجراح -﵁وكان يكره أن يخالفه-: أفرارًا من قدر الله؟ فغضب عمر -﵁-، وقال: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة، نعم، أَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو أن رجلًا هبط واديًا له عْدوتان، واحدة جدبة، والأخرى خَصْبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله؟ وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله؟ قال: ثم خلا بأبي عبيدة، فتراجعا ساعة، فجاء عبد الرحمن بن عوف -﵁-، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فجاء، والقوم يختلفون، فقال: إن عندي في هذا علمًا، فقال عمر: ما هو؟ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا سمعتم به في أرض، فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا يخرجنكم الفرار منه»، فحَمِد الله عمر -﵁-، فرجع، وأمر الناس أن يرجعوا، قال ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، قالا: إن عمر -﵁- إنما رجع من سَرْغ عن حديث عبد الرحمن بن عوف. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوّل الكتاب قال: [٥٧٧٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، حليف بني عديّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، ولأبيه صحبة مشهورة، وثّقه العجليّ، مات سنة بضع وثمانين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥/ ١٦١٩. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) قال في «الفتح»: وعبد الله بن عامر هذا معدود في الصحابة؛ لأنه وُلِد في عهد النبيّ -ﷺ-، وسَمِع منه ابن شهاب هذا الحديث عاليًا عن عبد الرحمن بن عوف، وعمر، لكنه اختصر القصّة، واقتصر على حديث عبد الرحمن بن عوف. انتهى . وقوله: (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ … إلخ) معطوف على «عن ابن شهاب» الأول، فهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا. قال في «الفتح»: رواية سالم هذه منقطعة؛ لأنه لم يدرك القصّة، ولا جدّه عمر، ولا عبد الرحمن بن عوف، وقد رواه ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، فقال: عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: «أن عبد الرحمن أخبر عمر، وهو في طريق الشام لَمّا بلغه أن بها الطاعون …» فذكر الحديث، أخرجه الطبرانيّ، فإن كان محفوظًا، فيكون ابن شهاب سمع أصل الحديث من عبد الله بن عامر، وبعضه من سالم عنه، واختصر مالك الواسطة بين سالم، وعبد الرحمن، والله أعلم. انتهى . وقوله: (أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) المذكور؛ تقديمًا لخبر الواحد على القياس؛ لأنهم أجمعوا على الرجوع اعتمادًا على خبره وحده، بعد أن رَكِبوا مشقة السفر من المدينة إلى سَرْغ، فرجعوا، ولم يدخلوا الشام، وقيل: رجع قبل إخبار عبد الرحمن؛ لأنه قال: إنه مصبح على ظَهْر، قبل أن يخبروه بالحديث، فلما أخبروه قَوِي عزمه على ذلك، وتأول من قال بهذا بأن سالمًا لعله لم يبلغه قول عمر قبل إخبار ابن عوف. قال القرطبيّ: ورجح بعضهم الأول بأن وَلَده؛ أي: حفيده ما عرف بحاله من غيره، وبأن عمر لم يكن ليرجع إلى رأي دون رأي لغير حجة حتى وجد علمًا، وتأول قوله: «إني مصبح على ظهر» الذي قاله قبل تحديث عبد الرحمن له بالحديث، بأن معناه: إني على سفر لوجهه الذي كان توجّه له، لا أنه رجع عن رأيه، وهذا بعيد. انتهى. قال الزرقانيّ: ولا حاجة إلى هذا كله؛ لأن عمر -﵁- رجع عن رأيه إلى رأي من أشار بالرجوع؛ لكثرتهم، ثم قَوَّى ذلك له حديث عبد الرحمن، فرجع بهم من سَرْغ، وعلى هذا يُحْمَل قول سالم، فلا داعية لدعوى أنه لم يبلغه قول عمر قبل إخبار ابن عوف. انتهى . وقال في «الفتح» -بعد رواية عبد الله بن عامر هذه- ما نصّه: وفي رواية القعنبيّ عقب هذه الطريق: وعن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: «أن عمر إنما انصرف من حديث عبد الرحمن»، وهو لمسلم عن يحيى بن يحيي، عن مالك، وقال: «إنما رجع بالناس من سَرْغَ عن حديث عبد الرحمن بن عوف»، وكذا هو في «الموطأ»، وقد رواه جويرية بن أسماء، عن مالك خارج «الموطأ» مطوّلًا، أخرجه الدارقطنيّ في «الغرائب»، فزاد بعد قوله: «عن حديث عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله -ﷺ- أنه نهى أن يَقْدَم عليه، إذا سمع به، وأن يخرج عنه، إذا وقع بأرض هو بها»، وأخرجه أيضًا من رواية بشر بن عمر، عن مالك بمعناه. قال: وليس مراد سالم بهذا الحصر نفي سبب رجوع عمر -﵁- أنه كان
مصادر المؤلف (٥٨)

١. هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من: «ولستم بها»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٢. «مسند سعد» للحافظ أحمد بن إبراهيم الدورقيّ ١/ ١٣٨.

٣. وفي نسخة: «خَصْبةٌ».

٤. هي الرواية الآتية لمسلم بعد حديث.

٥. «الفتح» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٦. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٧. «الفتح» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٨. «المفهم» ٥/ ٦١٥.

٩. «الفتح» ١٣/ ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٨.

١٢. «المفهم» ٥/ ٦١٦.

١٣. «شرح الزرقاني على الموطّأ» ٤/ ٢٩٥.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٦.

١٥. «الفتح» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

١٦. «المفهم» ٥/ ٦١٦ - ٦١٧.

١٧. «المفهم» ٥/ ٦١٦ - ٦١٧.

١٨. هكذا النسخة، والظاهر أن لفظ «ترك» غلط، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

١٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٠٩ - ٢١٠.

٢٠. «الفتح» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٢١. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ١٨٢٢.

٢٢. «الفتح» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٢٣. «المفهم» ٥/ ٦١٧.

٢٤. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٢٩٦.

٢٥. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٣٠.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٦١٧.

٢٧. «الفتح» ١٣/ ١٤٠ - ١٤١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٢٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٠ - ٢١١.

٢٩. «المفهم» ٥/ ٦١٧ - ٦١٨.

٣٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٣.

٣١. «المصباح المنير»٢/ ٦٥٤.

٣٢. «شرح النوويّ»١٤/ ٢١٠.

٣٣. «المصباح المنير»١/ ٩٢.

٣٤. «شرح الزرقانيّ ٤/ ٢٩٧.

٣٥. الذي ذكره هناك نصّه: قوله في آخر الحديث:«فلا تخرجوا فرارًا منه»، قال أبو النضر:«لا يخرجكم إلا فرارًا منه»، يريد أن الأُولى رواية محمد بن المنكدر، والثانية رواية أبي النضر، فأما رواية ابن المنكدر فلا إشكال فيها، وأما رواية أبي النضر، فروايتها بالنصب كالذي هنا مشكلة، ورواها جماعة بالرفع، ولا إشكال فيها، قال عياض في«شرح مسلم»: وقع لأكثر رواة«الموطأ»بالرفع، وهو بَيَّنَ أن السبب الذي يُخرجكم الفرار، ومجرد قَصْده، لا غير ذلك؛ لأن الخروج إلى الأسفار، والحوائج مباح، ويطابق الرواية الأخرى:«فلا تخرجوا فرارًا منه»، قال: ورواه بعضهم:«إلا فرارًا منه»، قال: وقال ابن عبد البر: جاء بالوجهين، ولعل ذلك كان من مالك، وأهلُ العربية يقولون: دخول«إلّا»هنا بعد النفي لإيجاب بعض ما نَفَى قبلُ من الخروج، فكأنه نَهَى عن الخروج إلا للفرار خاصّةً، وهو ضدّ المقصود، فإن المنهيّ عنه إنما هو الخروج للفرار خاصّةً، لا لغيره، قال: وجوّز ذلك بعضهم، وجعل قوله:«إلّا»حالًا من الاستثناء؛ أي: لا تخرجوا=

٣٦. «الفتح» ١٣/ ١٤٥ - ١٤٦.

٣٧. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٨/ ٣٦٥.

٣٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٨/ ٣٦٧.

٣٩. راجع لهذه الفوائد «التمهيد» لابن عبد البرّ ٨/ ٣٦٥ - ٣٦٦.

٤٠. «الفتح» ١٣/ ١٤٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٤١. «الفتح» ١٦/ ٢٦٦، كتاب «الحيل» رقم (٦٩٧٣).

٤٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٢.

٤٣. «المفهم» ٥/ ٦١٩ - ٦٢٠.

٤٤. «السَّيَالة»: هي أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة.

٤٥. سَفَوَان: ماء على مرحلة من باب المِرْبد بالبصرة.

٤٦. «الفتح» ١٣/ ١٤١ - ١٤٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٤٧. «الفتح» ١٣/ ١٤٣ - ١٤٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٤٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١١.

٤٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١١.

٥٠. «المفهم» ٥/ ٦١٩.

٥١. هكذا نصّ «المصنّف»، ولفظ مسلم: «أكنت مُعُجِّزه؟».

٥٢. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ١٤٧.

٥٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١١ - ٢١٢.

٥٤. «سنن البيهقيّ الكبرى»٧/ ٢١٧.

٥٥. في نسخة: «عن حديث».

٥٦. «الفتح» ١٣/ ١٤٠، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٥٧. «الفتح» ١٣/ ١٤٠، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٥٨. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٣٠٢.