HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٤١

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أخبرنا ابن وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص43
ج ٤ ص ١٧٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٣٦
[٦٧٨] و(النَّملة) إذا آذت فلا إثم في قتلها، وإذا لم تؤذ فلا يجوز القصد إلى قتلها، وفي الحديث بيان أن كل جيل أمة، وكل أمة من الأمم تُسَبح، وقَريَة النَّمل): مكانها وكل موضع يُجتمع فيه فهو قرية، يقال: قَرَيت الماء في الحوض: إذا جمعته. وقوله: (وَأَنَا أُطَارِدُهَا) ؛ أي: أقاتلها، و(الحَبَالَى): جمع الحُبْلى. ومن باب سقي البهائم [٦٧٩ - ٦٨٠] (قَد أَدلَعَ لِسَانَهُ مِنَ العَطَش) ؛ أي: أخرجه، و(الرَّكِيَّة): البئر، و(يُطِيفُ)؛ بمعنى: يطوف، و(يَلهَثُ) ؛ اللَّهث: أن يُدلع الكلب لسانه من العطش، و(المُوقُ)، الخف. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٥٢٧
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد أورده مسلم - ﵀ - للمتابعة، وإلا ففيه مبهمة، ثم إن قوله: «سبعين حسنة»، مخالف للرواية السابقة: «مائة حسنة»، فإن صحّ فقد تقدّم وَجْه الجمع بينهما، فلا تَنْس، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ) قال المجد - ﵀ -: النمل: معروفٌ، واحدته نَمْلةٌ، وقد تُضمّ الميم، جَمْعه نِمالٌ. انتهى . وقال في «الفتح»: النَّمْلةُ واحدة النمل، وجمْع الجمع: نِمَال، والنمل أعظم الحيوانات حِيلةً في طلب الرزق، ومن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئًا، ولو قلّ أنذر الباقين، ويَحتكر في زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف العَفَن على الْحَبّ أخرجه إلى ظاهر الأرض، وإذا حَفَر مكانه اتّخذها تعاريج؛ لئلا يجري إليها ماء المطر، وليس في الحيوان ما يَحمل أثقل منه غيره، والذّرّ في النمل كالزنبور في النحل. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٣٥] (٢٢٤١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، تُسَبِّحُ؟»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف المدنيّ الفقيه، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، كلاهما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ) القرص: الأخذ بأطراف الأصابع، والمراد به هنا العضّ. (نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قال في»الفتح«: قيل: هو العزير، ورَوَى الحكيم الترمذيّ في»النوادر«أنه موسى - ﵇ -، وبذلك جزم الكلاباذيّ في»معاني الأخبار«، والقرطبيّ في»التفسير«. (فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ)؛ أي: بإحراق مكانها، قال في»الفتح«: وقرية النمل موضع اجتماعهنّ، والعرب تُفرِّق في الأوطان، فيقولون لمسكن الإنسان: وَطَنٌ، ولمسكن الإبل: عَطَنٌ، وللأسد: عَرِين، وغابة، وللظبي: كِناس ، وللضبّ: وِجارٌ ، وللطائر: عُشّ، وللزنبور: كُورٌ ، ولليربوع: نافقٌ، وللنمل: قرية. انتهى. وقد نظمت ذلك بقوليّ: فَرَّقَتِ الْعَرَبُ لِلأَوْطَانِ … فَوَطَنٌ يَكُونُ لِلإِنْسَانِ وَعَطَنٌ لإِبِلٍ وَغَابَةُ … لأَسَدِ مَعَ الْعَرِينِ ثَابِةٌ وَبِالْوِجَارِ خُصَّ ضَبًّا وَاجْعَلَا … عُشًّا لِطَائِرٍ وَكُورٌ قَدْ جَلَا مَوْضِعَ زُنْبُورٍ وَللْيَرْبُوعِ قَدْ … جُعِلَ نَافِقٌ وَقَرْيَةٌ تُعَدّ لِلنَّمْلِ هَكَذَا أَتَى فِي «الْفَتْحِ» … قَرَّبْتُهُ نَظْمًا لأَجْلِ النُّصْحِ وسُمّيت قريةً؛ لاجتماع أهلها فيها. (فَأُحْرِقَتْ) بالبناء للمفعول، (فَأَوْحَى اللهُ) - ﷾ - (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ذلك النبيّ، (أَفِي أَنْ قرَصَتْكَ نَمْلَةٌ) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و«أن» مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مجرور بـ «في»؛ أي: أفي قرص نملة واحدة لك؟ وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «أن قرصتك. . . إلخ» الجملة هي الموحى بها؛ أي: أوحى الله تعالى بهذا الكلام؛ يعني: لِأَنْ قرصتك فملة أحرقت أُمةً مسبّحةً لله تعالى؟ وإنما وُضع المضارع موضع المسبّحة؛ ليدلّ على الاستمرار، ومزيد الإنكار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ [ص: ١٨]، قال في «الكشّاف»: فيه الدلالة على حدوث تسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء، وحالًا بعد حال، وكأن السامع يحاضر تلك الحال، ويسمعها. انتهى . (أَهْلَكْتَ أُمَّةً)؛ أي: جماعة (مِنَ الأُمَمِ)، وقوله: (تُسَبِّحُ؟) حال، أو صفة لـ «الأمم»، وفي الرواية التالية: «فأحى الله إليه، فهلّا نملة واحدة»؛ أي: فهلّا أحرقت نملةً واحدةً، وهي التي آذتك، بخلاف غيرها، فلم يصدُر منها جناية، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٨٣٥ و٥٨٣٦ و٥٨٣٧] (٢٢٤١)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٣٠١٩) و«بدء الخلق» (٣٣١٩)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٢٦٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٧/ ٢١٠) و«الكبرى» (٣/ ١٦٦ و٥/ ١٨٣)، و(ابن ماجه) في «الصيد» (٣٢٢٥)، و(همام بن منبّه) في «صحيفته» (١/ ٣٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٤٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٣ و٤٠٢ - ٤٠٣ و٤٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٦١٤)، و(الطبراني) في «مسند الشاميين» (٤/ ٢٧٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٢٣٣)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٣٧٣)، و(تمّام) في «فوائده» (٢/ ٥١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢١٣ - ٢١٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٢٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عن قتل النمل إذا لم تُؤذِ. ٢ - (ومنها): بيان أن الحيوانات كلّها تُسبّح الله - ﷾ - حقيقةً، لا مجازًا كما يزعمه بعضهم حيث يؤولون ذلك على لسان الحال، وهو قول باطلٌ، فالحقّ أنها تسبّح الله تعالى تسبيحًا حقيقيًّا، كما أوضح الله تعالى ذلك في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال الإمام ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾؛ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عامّ في الحيوانات، والجمادات، والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في «صحيح البخاريّ» عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل»، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - أخذ في يده حصيات، فسُمع لهنّ تسبيح، كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -»، وهو حديث مشهورد في «المسانيد». انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «أهلكتَ أمةً من الأمم تسبّح؟»: مقتضى هذا أنه تسبيحُ مقالٍ ونُطْق، كما قد أخبر الله تعالى عن النَّمل أنَّ لها منطقًا، وفَهْمُه سليمان - ﷺ - معجزة له. وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان - ﵇ - أنها قالت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٨، ١٩]، فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة: أن للنَّمل نُطقًا وقولًا، لكن لا يسمعه كل أحدٍ، بل من شاء الله تعالى مِمَّن خرق له العادة من نبي، أو وليّ، ولا يُنكَر هذا: من حيث إنَّا لا نسمع ذلك، فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرَك في نفسه. ثم: إن الإنسان يجدُ في نفسه قولًا وكلامًا، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نَطَق بلسانه. وقد خرق الله العادةَ لنَبيِّنا - ﷺ -، فأسمعه كلام النفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما في نفوسهم، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كُتُب معجزات النبيّ - ﷺ -، وكذلك: قد وقع لكثير مِمَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ، وإيَّاه عنى النبيُّ - ﷺ - بقوله: «إن في أمَّتي محدَّثين، وإنَّ عُمَرَ منهم». انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قيل: أنه استُدِلّ بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار، من جهة أن شَرْع من قبلنا شرع لنا، إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه، ولا سيما إن وَرَدَ على لسان الشارع ما يُشعر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار، قال النوويّ: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزًا في شرع ذلك النبيّ جواز قتل النمل، وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه الْعَتْب في أصل القتل، ولا في الإحراق، بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، إلا في القصاص بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل؛ لحديث ابن عباس - ﵄ - في «السنن»: أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن قتل النملة، والنحلة. انتهى. وقد قيَّد غيره كالخطابيّ النهي عن قتل النمل بالسليمانيّ، وقال البغويّ: النمل الصغير الذي يقال له الذرّ يجوز قتله، ونقله صاحب «الاستقصاء» عن الصيمريّ، وبه جزم الخطابيّ، وفي قوله: إن القتل، والإحراق كان جائزًا في شرع ذلك النبيّ نظرٌ؛ لأنه لو كان كذلك لم يعاتَب أصلًا، ورأسًا، إذا ثبت أن الأذى طَبْعه. وقال عياض: في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذٍ، ويقال: إن لهذه القصة سببًا، وهو أن هذا النبيّ مَرَّ على قرية، أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها، فوقف متعجبًا، فقال: يا رب قد كان فيهم صبيان، ودوابّ، ومن لم يقترف ذنبًا، ثم نزل تحت شجرة، فَجَرَت له هذه القصة، فنبّهه الله جلّ وعَلا على أن الجنس المؤذي يُقْتَل، وإن لم يؤذِ، وتُقتل أولاده، وإن لم تبلغ الأذى. انتهى. قال الحافظ: وهذا هو الظاهر، وإن ثبتت هذه القصة تَعَيَّن المصير إليه، والحاصل أنه لم يعاتَبْ إنكارًا لِمَا فَعَل، بل جوابًا له، وإيضاحًا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضَرَب له المثل بذلك؛ أي: إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره، وتعيّن إهلاك الجميع طريقًا إلى إهلاك المستحقّ جاز إهلاك الجميع، ولهذا نظائر، كتترّس الكفار بالمسلمين، وغير ذلك، والله سبحانه أعلم. وقال الكرمانيّ: النملُ غير مكلَّف، فكيف أُشيرَ في الحديث إلى أنه لو أحرق نملة واحدةً جاز، مع أن القصاص إنما يكون بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ثم أجاب بتجويز أن التحريق كان جائزًا عنده. ثم قال: يَرِدُ على قولنا: كان جائزًا لو كان كذلك لَمَا ذُمّ عليه. وأجاب بأنه قد يُذَمّ الرفيع القدر على خلاف الأَولى. انتهى. قال الحافظ: والتعبير بالذمّ في هذا لا يليق بمقام النبيّ، فينبغي أن يُعَبّر بالعتاب. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا النبيّ - ﵇ - كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل، لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: «فهلّا نملة واحدة؟»: أي: هلّا حرّقت واحدةً! وهذا بخلاف شرعنا، فإنَّ النبيّ - ﷺ - قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: «لا يعذِّب بالنار إلا الله»، وكذلك أيضًا كان قَتْل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبيّ، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا: فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عباس - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - قد نهى عن قتل أربع من الدواب: النَّملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد. وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضرّ، ولا يقدر على دَفْعه إلا بالقتل. قال: وظاهر هذا الحديث: أن هذا النبيّ إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جَمْع آذاه واحد منه، وكان الأَولى به الصبر، والصفح، لكن وقع للنبيّ: أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التَّشفي الطبيعي لم يعاتَب، والله تعالى أعلم، لكن: لمّا انضاف إليه التَّشفي الذي دلَّ عليه سياق الحديث عُوتب عليه. والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله، وبأحكامه، وأشدُّهم له خشيةً. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. ٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله. وقوله: (فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ) بالدال المهملة، والغين المعجمة؛ أي: قرصته، وليس هو بالذال المعجمة، والعين المهملة، فإن ذاك معناه الإحراق. وقوله: (فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ) ببناء الفعل للفاعل، و«الجهاز» بفتح الجيم، ويجوز كسرها، بعدها زاي؛ أي: متاعه. وقوله: (فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا) بالبناء للمفعول؛ أي: أُخرج الجهاز من تحت تلك النملة. وقوله: (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَأُحْرِقَتْ) الأول بالبناء للفاعل، والثاني للمفعول؛ أي: أمر ذلك النبيّ بإحراقها، والمراد: إحراق بيتها، فأُحرقت. وقوله: (فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً؟) يجوز فيه النصب على تقدير عامل محذوف؛ أي: فهلّا أَحرَقتَ نملةً واحدةً، وهي التي آذتك، بخلاف غيرها، فلم يصدر منها جناية، ويجوز الرفع أيضًا على تقدير: فهلّا أُحرِقت، مبنيًّا للمفعول. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَمَرَ بِهَا، فَأُحْرِقَتْ فِي النَّارِ . قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «القاموس المحيط» ص ١٣١٧.

٢. «الْعَفَنُ» بفتحتين: الفساد.

٣. «الفتح» ٧/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٣١٩).

٤. «الفتح» ٧/ ٥٩٧، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٣١٩).

٥. «الكناس» بالكسر: مستتر الظبي. اهـ. «القاموس».

٦. «الوجار» بالكسر والفتح: جُحْر الضبع وغيرها. اهـ. «القاموس».

٧. «الكُور» بالضمّ: موضع الزنابير. اهـ. «القاموس».

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٨٢٥.

٩. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٤٣.

١٠. «المفهم» ٥/ ٥٤٣.

١١. «الفتح» ٧/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٣١٩).

١٢. «المفهم» ٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣.

١٣. وفي نسخة: «بالنار».